• ضمن مستوى التحليل ( المجتمعي – مستوى المستوى الداخلي أو الوطني):
  • النظرية الديمغرافية:

انطلاقا من مسلمة “مالتوس”، حول عدم التناسق بين الإمكانيات الطبيعية و الزيادات السكانية الهائلة، هذا ما يدفع بالدول لغزو دول أخرى مجاورة نزاع.

الدول قليلة السكان عبر التاريخ تكون مهددة من طرف دول أخرى ذات الكثافة السكانية الكبيرة.

كما يشكل العامل الديمغرافي مصدر استقرار أو تهديد أمن دولة معينة، مثل حالة النزاع الإيراني الإماراتي.

أعاد طرح فكرة مالتوس “بول كينيدي” في كتابه ( الاستعداد للقرن الـ20) قال بأن الهجرة تكون من الدول المتخلفة إلى الدول المتقدمة فيؤدي ذلك إلى خلق حالة النزاع.

نظرية الاحتياجات الإنسانية: من أهم الباحثين في هذه النظرية (John Burton) و (Johan Galtung).

هذه النظرية تقوم على إفتراض أن جميع البشر لديهم إحتياجات أساسية يسعون لإشباعها وأن النزاعات تحدث وتتفاقم عندما يجد الإنسان أن احتياجاته الأساسية لا يمكن إشباعها أو أن هناك آخرين يعوقون إشباعها.

ويفرق مؤيدو هذه النظرية بين

الاحتياجات والمتطلبات ويورون أن عدم إشباع الأولى هو مصدر النزاعات وليس الثانية. على سبيل المثال، إن الحاجة للطعام هي احتياج أساسي ولكن تفضيل نوع معين من الطعام هو متطلب وليس احتياجاً. فالحاجات الأساسية لا بديل لها بينما المتطلبات يمكن أن نجد لها بديلاً.

و تشمل الاحتياجات الأساسية ما هو مادي وما هو معنوي، فالحاجة الى الطعام والمسكن والصحة كلها حاجات مادية بالإضافة إلى ذلك فإن هناك حاجات غير مادية مثل الحاجة للحرية والحاجة للانتماء والهوية والحاجة للعدالة.

وفقاً لهذه النظرية فإن النزاعات تحدث عندما يشعر الفرد أو الجماعة بأن أحد هذه الاحتياجات غير مشبعة، وعليه فإن حل المنازعات هو أسلوب يسعى إلى إيجاد مُشبعات لهذه الاحتياجات وطبعاً فد تكون هذه المسألة في غاية الصعوبة عندما يتنازع الأفراد على نفس المصدر لإشباع احتياجاتهم.

  • التفسير الواقعي للنزاعات الدولية (مستوى الدولة كوحدة تحليل النزاع):

إن الحديث عن الدولة كوحدة تحليل لظواهر العلاقات الدولية، يدفع بالكثيرين إلى التوجه نحو طروحات المدرسة الواقعية باعتبارها أهم اتجاه نظري أسس طروحاته على الدولة كوحدة تحليل أساسية لفهم مختلف الظواهر الدولية.

الواقعية الكلاسيكية

رغم ثراء ميدان العلاقات الدولية بالعديد من النظريات والمقاربات، إلا أن الواقعية حازت على النصيب الأوفر من اهتمام الباحثين والدارسين في حقل العلاقات الدولية، وهو ما جعلها تهيمن على الدراسات النظرية لهذا الحقل لفترات طويلة، كونها قدمت المستويات التفسيرية الأمثل لمسائل الصراعات والحروب. و ربما كان التعاطي الدائم للواقعيين مع حالة الحرب، هو المسلمة المركزية التي تأسس عليها البناء الواقعي من جهة، وعنصر إضفاء الموضوعية والعقلانية عليها، من جهة أخرى.

ويستوحي الواقعيون تحليلاتهم من فلسفة مكيافيللي، وخصوصاً من هوبز (Hobbes) في كتابه (Leviathan)- الدولة ذات النظام الدكتاتوري- الصادر بالانكليزية عام (1651)- حيث وصف العالم في الوضع الطبيعي، أنه خلعة للغرائز النرجسية- المغرورة- للإنسان، وهنا “حيث لا توجد قوة مشتركة، فلا وجود لقانون، وحيث لا وجود لقانون، فليس هنالك من ظلم”. وبالنسبة للواقعيين، فإن المجتمع الدولي مشكّل من دول دون “قوة مشتركة”، فهو فوضوي من الطبيعة. ولقد وصف توسيد يد (Thucidyde)، من قبل، عملية التطور في العالم اليوناني: تبدأ المدينة بتسليح نفسها من أجل أن لا تقع تحت طغيان مدينة أخرى. وما أن تصبح مجهزة بمعدات عسكرية قوية، فإنها تصل إلى الاستدلال بأن الهدف أن تكون محمية أكثر، وما أن تقوم بذلك، حتى تنتقل لوضع الدول المجاورة لها تحت وصايتها، وتصبح بالتالي امبريالية، لأنها لم تبحث إلا عن الدفاع عن مصالحها. وإن الموازنة الوحيدة لوقف هيمنة قوة كبرى تكمن في نتيجة تحالف الآخرين، ومن هنا البحث الدائم عن توازن القوى.

وتتحدد الافتراضات الأساسية للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية فيما يلي:

  • الدول هي الفاعل الأساسي أو الأهم في العلاقات الدولية؛
  • الدولة كفاعل دولي وحدة واحدة لا تتجزأ؛
  • الدولة فاعل عقلاني بالأساس؛
  • الأمن القومي يحتل قمة أولويات القضايا الدولية.

وينظر أنصار الواقعية عادة إلى القضايا العسكرية والأمنية والإستراتيجية، باعتبارها قضايا السياسة العليا، بينما يرون القضايا الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها قضايا السياسة الدنيا الروتينية والأقل أهمية .

وتعتمد الواقعية في تحليلها للعلاقات الدولية على مقولة أساسية، وهي ”أن هذا العالم هو عالم الصراع والحرب، والصراع و الحرب هما أساس العلاقات الدولية” وأن لكل دولة من دول العالم مجموعة من المصالح القومية، يمكن إجمالها في ثلاث مصالح رئيسية:

– مصلحة البقاء: وهي المصلحة الأساسية الدولية، وتعني أن تظل موجودة ماديا ولا يتم إلغاؤها

– مصلحة تعظيم القوة العسكرية: حيث أن الأداة العسكرية هي أداة الدولة الأساسية للدفاع عن نفسها ضد الطامعين.

– مصلحة تعظيم القوة السياسية: يتم الاهتمام بالبعد الاقتصادي و التجاري في العلاقات الدولية، لأن ذلك هو الأساس المادي الذي تقوم عليه مصلحة تعظيم القوة العسكرية.

وتعتبر هذه المدرسة بأن توزيع القوة من أهم عوامل الصراع الدولي، والقوة عندها موزعة بين ثلاث أشكال هي: القوة العسكرية و القوة الاقتصادية و القوة التجارية و القوة السياسية التي تعد محصلة القوتين الاقتصادية والعسكرية. و تجد هذه الأفكار دعامتها لدى أبرز رواد الواقعية وهو هانس مورغانثو H.Morgenthau بقوله :” إن المرجع الرئيسي للواقعية في السياسة الدولية هو المصلحة المحددة بناءا على القوة”.

كما يرى الواقعيون بأن الدول في الغالب تتضارب في مصالحها إلى درجة يقود بعضها للحرب، كما تلعب الإمكانيات المتوفرة للدولة، دورا هاما في تحديد نتيجة الصراع الدولي وقدرة الدولة على التأثير في سلوك الآخرين، شريطة إدراك أن قدرات الدولة لا تقتصر على الإطلاق على الجانب العسكري إذ أن القوة هي مركب من أجزاء عسكرية وغير عسكرية كالتطور التقني أو السكان أو المصادر الطبيعية والعوامل الجغرافية وشكل الحكومة والقيادة السياسية و الإيديولوجية.

وتسعى الدول من خلال سلوكها الخارجي إلى تحقيق عدة أهداف، قسمها مورغانثو إلى ثلاثة أهداف أساسية:

– زيادة القوة: بإتباع سياسة توسعية.

– الحفاظ على القوة: من خلال انتهاج سياسة الحفاظ على الوضع الراهن.

– إظهار القوة: بإتباع سياسة عرض القوة.

ونظرا لتركيزها الأساسي على قضايا الحرب والأمن الوطني اعتبر مفهوم المصلحة Interest بمثابة أداة تحليل أساسية في الواقعية الكلاسيكية لبناء تفسير أو تنبؤ في السياسة الدولية. إلى جانب مفهوم توازن القوى الذي يعتبر أحد أهم إسهامات هانس مورغانثو في نظرية Balance of power ،حيث يعتبره على أنه الوسيلة الناجعة لضمان السلام. كما ينصح الدول المتنافسة أن تلزم نفسها بقبول نظام توازن القوى كإطار مشترك لمساعيها، لأن هذا الاتفاق يضبط الرغبة غير المحدودة للحصول على القوة ويحول دون تحقيق رغبة السيطرة.

كما يرى الواقعيون أن التسليم بمفهوم”المصلحة هي القوة” يمكن من تقييم أعمال القادة السياسيين في مراحل مختلفة من التاريخ. ويضيف أيضا بأن السياسات الدولية هي عملية يتم فيها تسوية المصالح القومية المختلفة، ويوضح فكرته بالقول ”إن مفهوم المصلحة القومية لا يفترض التناسق الطبيعي أو السلام العالمي ولا حتمية الحرب كنتيجة لسعي كل الدول لتحقيق مصالحها، بل العكس إنها تفترض صراعا وتهديدا مستمرا بالحرب يساهم العمل الدبلوماسي في تقليل احتمالاته من خلال التسوية المستمرة للمصالح المتعارضة.”

وتعتبر هذه المدرسة إلى جانب ذلك، أن الفوضى والصراع شئ ضروري أي أنه دائما سوف يكون هناك صراع ولا يكون هناك تعاون وأن مسائل الحرب والصراع تأتي في المرتبة الأولى في العلاقات الدولية، فعندما يكسب طرف شيئا فان ذلك دائما ما يمثل خسارة الطرف الأخر لهذا الشئ. وهذا ما أكده نيكولاس سبيكمان Nicholas Spykman بدوره باستناده إلى عبارة شارلزتيلي Charles Tilly الشهيرة ”الحرب صنعت الدولة والدولة صنعت الحرب” ليؤكد أن ميزة العلاقات الدولية هو النزاع وليس التعاون، ويضيف بأنه كما هو الحال في العلاقات القائمة بين الجماعات في دولة معينة خلال الأزمات، أو عند انهيار السلطة المركزية فإنها تمثل حالة طبيعية للعلاقات بين الدول في النظام الدولي، وأن الدول في ظل هذا النظام تبقى إما لأنها قوية، أو لأن دولا أخرى تتولى حمايتها.

فالصراع إذا حسب الواقعيين يعتبر حالة طبيعية ناتجة عن التضارب في المصالح بين الدول، ويجسد مفهوم القوة المتغير الأساسي في تفسير سلوكيات الدول، وأن المصطلحات و التعابير القانونية ليست سوى ستارا يختفي وراءه محرك العلاقات الدولية ألا وهو القوة. أما في تحليلهم لمصادر الصراعات الدولية فان الواقعيين يهملون المصادر الاقتصادية والاجتماعية والنفسية للنزاعات ،فالنزاع حسب رأيهم ظاهرة طبيعية تنتج عن تنافس الدول في سعيها لاكتساب القوة وتحقيق مصالحها الوطنية التي تكون عادة متناقضة مع الأطراف الأخرى، ويعتقد ريمون أرونRaymond Aron ” أن السياسة الدولية تتضمن صداما ثابتا لإرادات الدول، بما أن النظام الدولي يتكون من دول ذات سيادة وغياب قوانين تنظم العلاقة بينها، فهذه الدول تتنافس فيما بينها لأن كل دولة تتأثر بأفعال دول أخرى وتشك في نواياها، وهذا ما يجعل الدول تسعى للحصول على أكبر قدر من القوة.”

كما يرتكز مفكرو الواقعية السياسية في تفسير السلوكيات النزاعية على مفاهيم استراتيجيه كالاختلال في ميزان القوى أو وجود ”فراغ قوة” والذي يحدث نتيجة انسحاب قوة كبرى من القيام بدور أساسي سياسي وأمني كانت تقوم به في منطقة معينة أو دولة معينة، أو وجود موقع جيوستراتيجي هام (دولة، مضيق، بحر) يشكل نقطة جذب وتنافس عند القوى الدولية والإقليمية مثلا. ورغم تركيز الواقعيين الكلاسيكيين على تفسير الحروب والنزاعات إلا أنهم اهتموا أيضا بشروط تحقيق السلام، حيث اعتقد مورغنثو أن هناك ثلاثة أشكال لتحقيق السلام على الصعيد العالمي: أولا إذا تم فرضه من قبل الرأي العام الدولي أو نوع من الأخلاق، ثانيا يمكن تحقيق السلام من خلال القانون الدولي، ثالثا هذا السلام يمكن أن يكون حقيقة إذا أقمنا حكومة عالمية، أي قوة مهيمنة شبه مطلقة يمكنها فرض آرائها على الجميع، أخيرا يمكن تحقيق السلام أو تحديد الحرب من خلال توازن القوة وحسب مورغنثو الحل الأخير هو الممكن، لأن الحلول الأخرى تبدو له غير قابلة للتحقيق من الناحية العملية، عكس مفهوم توازن القوة.

إلا أن طروحات الواقعية التقليدية، انتقدت بشكل لاذع بسبب منهجيتها السلوكية، التي تمحورت حول سلوك الدولة –العنصر الأساسي في تقديرها- في السياسة الدولية، و أخفقت في استيعاب الواقع الحقيقي على أنه “نظام” له بنيته أو كيانه المميز، و بالغت في تفسيرها للمصلحة، و مفـــهوم القوة، و أغفلت سلوك المؤسسات الدولية، و أطر علاقاتها الاعتمادية في جوانبها الاقتصادية.

  • التفسير الجيوبولتيكي:

عرفت الدراسات الجيوبوليتكية تطورا كبيرا في فترة ما بين الحربين العالميتين وبشكل أخص في ألمانيا على يد فريدريك راتزل Friedrich Ratzel وكارل هوشهوفرKarl Haushofer ، وفي الدول الانجلوساكسونية (هالفورد ماكيندرH. Mackinder، وألفريد ماهان Alfred T.Mahan ونيكولاس سبيكمان Nicolas Spykman). وانصبت تحليلاتهم على علاقة قوة الدولة بالجغرافيا، أي حدود الدولة بوضعها أو ما ستكون عليه الدولة من خلال تفاعلها في إطار الجغرافيا مع الدول الأخرى.

كما يعتبر هذا الاتجاه أن الحدود مناطق مائعة لا ثبات فيها، وأنها قابلة للزحزحة في صالح الدول الأكثر قوة، وأن الحدود كثيرا ما تؤدي إلى قيام الحروب الدولية، لأن المساحة البرية لدولة معينة تحدد قوتها ولذا تسعى الدول وبشكل دائم لتوسيع حدود إقليمها، وأن الرغبة في التوسع تبدو بشكل أوضح لدى الدول القومية أين تخضع الحدود للتغيير بشكل دائم حيث تصبح بذلك مناطق للصراع بين الدول. ويعتبر راتزل، وكذلك هوشوفر أن الدول كمنظمات أو هيئات جغرافية، حيث الحدود مدعوة لأن تتغير، ويجردانها من مفهوم “المجال الحيوي” . حيث شبه راتزل في هذا الإطار الدول بالكائنات الحية التي ترتهن مقدرتها على النمو بمدى الحيز المكاني الذي تتحرك وتتفاعل فيه، لذلك استندت نظريته على فكرة الحدود المائعة التي لا ثبات فيها وأنها قابلة للزحزحة في مصلحة الدولة الأكثر قوة .

إن المصدر الجغرافي للصراعات الدولية وإن كان تدهور من حيث أهميته النسبية نتيجة تدهور المتغير الجغرافي في السياسة الدولية واستقرار الحدود السياسية الدولية لحد كبير، إلا أنه لا يزال يتسبب في العديد من الصراعات المعاصرة سواء كمصدر للصراع أو كحجة تساق لتبرير السلوك الصراعي. حيث يمكن للجغرافيا أن تعمل كوسيط للنزاع بين دولتين متلاصقتين جغرافيا، كما يمكن أن يرتبط المتغير الجغرافي بعامل السكان في تفسير مصادر بعض الصراعات. فضغط السكان على مساحة الدولة وامتدادات الأمة التي توجد خارج الحدود السياسية للدولة المعبرة عن هذه الأزمة، والتي تعيش تحت سيطرة دولة أخرى أو على جزء من إقليمها متاخم لإقليم الدولة الأم، يمكن أن تكون نقطة بداية لمواقف تعارض بين دولتين تسعى فيه الأولى لضم إقليم الدولة الملاصقة لها، أو جزء منه أو لضم الإقليم الذي تعيش عليه الامتدادات القومية لشعبها.

كما يرى البعض أن أهمية بعض المناطق الجغرافية تزيد من احتمالات دخول الدول في نزاعات من أجل السيطرة عليها وذلك للأسباب التالية:

– أن أهمية هذه الأقاليم قد تكون ذات أهمية إستراتيجية لطرف واحد أو أكثر، حيث أن الذي يسيطر على المنطقة موضوع النزاع تكون له مزية عسكرية واضحة على الدولة غير المسيطرة.

– قد تكون الأراضي ذات قيمة اقتصادية لوحدات أو أكثر من الأطراف لاحتوائها على ثروات طبيعية ومعدنية.

– تكون ذات أهمية لدولة معينة أو مجموعة من الدول لأسباب عقائدية أو دينية.

– قد تدخل الدول في نزاعات إقليمية لأسباب قانونية أو تاريخية.

كما توصلت عدة دراسات تطبيقية إلى وجود علاقة قوية بين الصراعات الدولية وعوامل الجغرافيا. خاصة التجاور والتقارب والتنازع على أقاليم أرضية ومائية، وبالمقارنة بين هذه العوامل، يرى فاسكيز J.Vasques ”أن عامل التنازع على الأقاليم أقدر على تفسير الصراعات الدولية من التقارب الجغرافي (وكذلك مستوى التفاعل بين الدول المتصارعة)، وبمقارنة عامل التنازع على الأقاليم مع عامل اختلاف الدولتين في شكل نــــظام الحكم أو سياسته وجد أن عامل التنازع على الأقاليم يزيد احتمال وقوع حرب بين الدولتين بشكل وبدرجة أكبر.”

إن أهمية هذا المدخل في دراسة النزاع الدولي تكمن في إبراز دور العامل الجغرافي وتأثيره على سلوكات الدول وبالأخص في إثارة الصراعات الدولية، خاصة إذا ارتبط الأمر بأهمية منطقة جغرافية لطرفين أو أكثر، أو إذا كانت هذه المنطقة تحظى بأهمية اقتصادية أو إستراتيجية. بالإضافة إلى دور العامل الاثني الذي يبرز كذريعة لتدخل القوى الدولية في المناطق التي تراها ذات أهمية جيوستراتيجية. ولهذا فإن المصدر الجغرافي يبرز كعامل مساعد في زيادة احتمالات الدخول في صراعات بين دول تنطوي على مصادر صراعية أخرى مثل الاختلافات الإيديولوجية واختلاف طبيعة الأنظمة.

التفسير البنائي للنزاعات الدولية:

ساهمت النهاية السلمية للحرب الباردة في إضفاء الشرعية على النظرية البنائية لأن الواقعية والليبرالية أخفقتا في استباق هذا الحدث كما أنهما وجدتا صعوبة كبيرة في تفسيره، بينما استطاعت البنائية تفسيره من خلال اعتمادها على متغيري الهوية والمصلحة، خصوصا ما يتعلق بالثورة التي أحدثها ميخائيل غورباتشيف في السياسة الخارجية السوفيتية باعتناقه أفكارا جديدة “كالأمن المشترك”. زيادة على ذلك، وبالنظر إلى التحدي الذي تتعرض له الضوابط التقليدية بمجرد تحلل الحدود، وبروز القضايا المرتبطة بالهوية، فإنه ليس من المفاجئ أن نجد الباحثين قد التجئوا إلى مقاربات تدفع بمثل هذه القضايا إلى الواجهة وتجعل منها محور الاهتمام.

ومن وجهة نظر بنائية، فإن القضية المحورية في عـالم ما بعد الحرب البــاردة هي” كيفية إدراك المجموعات المختلفة لهوياتها ومصالحها.” ورغم أن التحليل البنائي لا يستبعد متغير القوة، إلا أن البنائية ترتكز بالأساس على كيفية نشوء الأفكار والهويات، والكيفية التي تتفاعل بها مع بعضها البعض، لتشكل الطريقة التي تنظر بها الدول لمختلف المواقف، وتستجيب لها تبعا لذلك.

وتنطلق البنائية من تصورات تنتقد الاتجاهات النظرية العقلانية التي ثبت فشلها قي أعقاب نهاية الحرب الباردة من خلال عدم قدرتها على تفسير نهاية هذه الحرب وبشكل سلمي ويتضح ذلك في العناصر التالية:

  • تستند الاتجاهات النظرية العقلانية الواقية و الليبرالية في تحديدها للواقع حسب توزيع القوى المادية، وعلى خلاف ذلك تنطلق البنائية من عناصر غير مادية وبالتحديد على عنصر الهويةIdentity التي تعتبرها مسألة جوهرية في عالم ما بعد الحرب الباردة، وتؤكد على كيفية تعامل الهويات مع الطريقة التي تستوعبها الوحدات السياسية (الدول) وتستجيب لمتطلباتها ومؤسساتها، ومع ذلك فالبنائية لا تنفي دور العوامل المادية، بل هي تحاول أن تربط بين الأبعاد المادية، الذاتية والتذاتانية في العلاقات الدولية. وقد أوضح وندت ”أن المصادر المادية تكتسب فقط معنى بالنسبة لأفعال البشر من خلال بنية المعرفة المشتركة المرسخة في أذهانهم.”
  • أن الاتجاهات العقلانية تعتبر أن الواقع الاجتماعي شئ معطى وبالتالي فان مصالح الدول شئ معطى كذلك، في حين أن البنائيين يعتبرون أن النظام الدولي هو من اختراع الإنسان، فهو نتاج للفكر الإنساني الصرف، مجموعة من الأفكار، بناء فكري، نظام للقيم والمعايير التي نظمت من طرف بني البشر في سياق زماني متصل وإذا تغيرت الأفكار التي تسود العلاقات الدولية القائمة، فان النظام نفسه سيتغير معها كذلك لأن النظام يتضمن تلك الأفكار.
  • تركز البنائية كإطار مفهوماتي على مفاهيم البنية، الفاعل، الهوية، المصالح والمعايير، وهو إطار مفهوماتي اجتماعي قائم على الأفكار. وفي رأي وندت أن المفهوم الواقعي للفوضى لا يفسر لنا كيف تحدث الصراعات بين الدول تفسيرا كافيا، وفي اعتقاده أن المسألة الحقيقية تكمن في كيفية استيعاب الفوضى وفهمها. وهي بذلك تتخلى عن المفردات والتعابير مثل: الدولة، توازن القوى، الفوضى وغيرها. كما تتولى تحليل تأثير تلك الكلمات، وتحليل المبادئ والقواعد، والتطبيقات العملية لها، والدور الإنساني في صنع التركيبات الاجتماعية.
  • يرى البنائيون أن فشل النظريات التقليدية يرجع في جزءه الكبير إلى إهمالها لمتغير الهوية Identity وترى أن هذا الإهمال انعكس على عدم قدرة الواقعيين في فهم الأشكال الجديدة من النزاعات، خاصة الداخلية منها باعتبار أن أغلبها نزاعات يضبطها ويغذيها عنصر الهوية، وهذا الأخير إلى جانب الأفكار والإدراك والمعايير يحدد طريقة تشكل مصالح الفواعل من جهة، والاتجاه الذي يتخذون ضمنه سلوكياتهم الدولية إما تنافسا أو تعاونا من جهة أخرى، ويقول وندت بهذا الخصوص:

”إن الهويات والمصالح التي يعتبرها العقلانيون من المعطيات القائمة التي يرون أنها تنتج في السياسة الدولية التي نشاهدها، ليست من المعطيات في الواقع، لكنها أشياء قمنا نحن بإيجادها، وبعد أن نكون قد أوجدناها فإن باستطاعتنا إيجادها بشكل مختلف، وسيكون ذلك من الصعب لأننا عملنا جميعا على إضفاء صفة ذاتية على الطريقة التي يوجد بها العالم، ولكن يمكننا أن نجعله غير ذلك.”

ويركز وندت على عملية التفاعل التي تشكل بنية النظام، فهو يقول:”إننا نبالغ في الافتراض إذا كنا نفكر بأن الدول لديها هويات ومصالح قائمة قبل التفاعل، فلا يوجد ما يسمى بمعضلة أمنية تلقائية للدول، إن مثل هذا الإدعاء أو ذلك الذي يقول ”إن الدول مثل الأفراد في وضع يفترض مسبقا أنها قد حصلت على مصالح أنانية وهويات قبل عملية تفاعلها…وبدلا من ذلك فإن المساعدة الذاتية لا تظهر إلا من جراء التفاعل بين الدول.”

– دور متغير الهوية في تفسير السلوكيات النزاعية للفواعل:

رغم أن البنائية تتقاسم بعض الافتراضات مع الواقعية لاسيما فيما يتعلق بفوضوية النظام الدولي والإقرار بالإمكانيات والقدرات الإستراتيجية العسكرية للدول وانعدام الثقة في نوايا الوحدات السياسية الأخرى وعقلانية الفاعلين، إلا أنها ترفض ما يسميه الواقعيون بتصور كرة البيليارد Billiard Ball image، كون هذا التصور فشل في إبراز أفكار ومعتقدات الفاعلين الذين أقحموا أنفسهم في النزاعات والصراعات الدولية. وفي المقابل يرغب البنائيون في اختبار ما يوجد بداخل كريات البيليارد للوصول إلى إدراك تصور معمق بشأن تلك الصراعات.

ولأنه من المهم فهم التفاعلات الاجتماعية الداخلية للدول لاستيعاب المخرجات السياسية لها، وحتى لا يتم حصرها في مخرجات البنية الفوضوية للنظام الدولي. وبالتالي بدل الاعتماد على حتمية البنية المادية الجامدة ومدى تأثيرها على السلوك النزاعي للفواعل، نجد البنائيين يدخلون متغيرات البنية القيمية ودورها في تشكيل هوية الفواعل. وتعتقد البنائية في هذا الإطار أن الهويات والمصالح والسلوك لأي دولة تبنى اجتماعيا وذلك من خلال التأويلات والإدراكات المشتركة للعالم. وذلك نتيجة الاتصال الاجتماعي الذي يمسح بتقاسم بعض المعتقدات والقيم، والذي يبلوره الواقع ذو الطبيعة التذاتانية، حيث لا وجود لشئ معطى أو حتمي، بل الإدراك أو الفهم الجماعي والمعايير تمنح الأشياء المادية معنى يساعد على تكوين الواقع. وفي هذا الإطار يسوق لنا Wendt مثالا حول المسدس قائلا: ”المسدس بين أيدي صديق ليس له نفس المدلول مقارنة بتواجده بين أيدي عدو، لأن العداء علاقة اجتماعية وليس مادية.”ونفس الشئ بالنسبة للأسلحة النووية.

وهذا يؤكد بدوره أن الصراعات الدولية-حسب البنائيين- لا يغذيها السعي لاكتساب القوة من أجل المصلحة(كما يعتقد الواقعيون التقليديون) ولا الطبيعة الفوضوية المطلقة للنظام الدولي ( على غرار الواقعيين الجدد)، بل يستندون في تفسير أشكال النزاعات المختلفة بالتركيز على تفاعلات الوحدات الأساسية، من خلال إرجاع أسباب النزاع إلى التوجه التنازعي للهوية الاجتماعية للأفراد أو القادة وهي العوامل التي ترى البنائية أنها ليست معطى مسبق بل تحكمية يديرها القادة والأنظمة أو الظروف الاجتماعية.

وقد شكلت النزاعات ذات الطابع الاثني ذريعة للتدخل الخارجي بدافع القرابة والانتماء الاثني الواسع حيث يصبح البديل الأقل تكلفة والأكثر فعالية من حيث التنسيق الداخلي، هذا إذا أضفنا مدى إسهامها في توسيع دائرة الأطراف المتصارعة، وبالتالي فإن ما يبدو للوهلة الأولى بأنه صراع داخلي قد يتحول إلى صراع دولي علني أو خفي وبالتالي لا يعود صراعا داخليا .

وربما يتفق التحليل البنائي للنزاعات (المرتكزة على الهوية) مع فكرة هنتنغتون، إذ يقول: ”يكشف الناس هويات جديدة عادة ما تكون قديمة، هم يسيرون تحت أعلام جديدة، عادة ما تكون قديمة، لتؤدي بدورها إلى حروب مع أعداء جدد، هم في حقيقة الأمر أعداء قدامى.” وهذا يعني أن النزاعات بين الدول تغذيها التراكمات الحضارية الثقافية. فالهوية التي تعتبر بناء اجتماعيا يتشكل باستمرار عبر الخطابات الاجتماعية النافذة، يقوم المنظمون بالتحكم بها باستدعاء الأساطير وإعادة صياغة المفاهيم، وإعادة تفسير حقائق سابقة، بل وحتى تلفيق قصص خيالية يدعمون بها وجهات نظرهم. ويستعمل المتطرفون هذه العملية لتصعيد الصراع بحيث يمكن تبرير نفوذهم وسلطتهم المطلقة، وعندما تصبح سياسة المجموعة مجرد تنافس بين المتشددين، فإن العلاقات مع المجموعات الأخرى تدخل حلقة العنف

وعموما نستخلص أن الصراع وفق التحليل البنائي ليس معطى مسبق أو نتيجة لفوضى النظام الدولي، وإنما هو نتاج للتوجه التنازعي للهوية الاجتماعية للأفراد أو القادة (أي نتاج لعوامل غير مادية) وهي العوامل التي ترى البنائية بأنها ليست معطى مسبق بل تحكمية يديرها القادة والأنظمة بالإضافة إلى طبيعة التنشئة الاجتماعية، والتي تنعكس في الخطابات السائدة في المجتمع والميول النخبوية التي بإمكانها تشكيل الهويات على أسس تنازعيه من خلال تعبئة الجماهير وإحياء الضغائن التاريخية من أجل تمرير أهدافها المصلحية.

3- التفسير النظمي للنزاعات الدولية Systemic level

ينطلق أصحاب الطروحات التي ترتكز على مستوى النظام الدولي في التحليل من حالة الفوضى كمعطى مسبق في النظام الدولي، ويترتب عن ذلك إغفال الاختلافات على مستوى الوحدات وغض النظر عن خصائصها الداخلية ويتبنى هذا الطرح بشكل خاص أنصار الاتجاهات: الواقعية الجديدة، ونظرية النظم.

الواقعية الجديدة : Neo-realism

وتعرف أيضا بالواقعية البنيوية أو الواقعية العصرية، وتعتبر ذاتها امتدادا للواقعية التقليدية، ومن أهم كتابها كينيث والتز وستيفن كريزنر وروبرت جيليبين وروبرت تاكر وجورج مودلسكي. والواقعية الجديدة هي رؤية نسقيه Systemic للسياسات الدولية، وهي عكس الواقعية التقليدية فإنها تربط حالة الصراع بالطبيعة الفوضوية للنظام الدولي الذي يعيق تشكل علاقات تعاونية. ويعتبر كينيث والتز Kenneth N.Waltz أهم مفكري هذا الاتجاه، الذي حاول من خلال عمله الشهير ”نظرية السياسات الدولية” Theory of international politics (1979) تجاوز النقد الذي وجه إلى مورغنثو، مقترحا نظرية ”المنظومة الدولية”والإبقاء على هذا المستوى من التحليل باعتباره الوسيلة الوحيدة لفهم سلوكيات الفاعلين الذين يشكلون عناصر هذه المنظومة التي تفرض قيودا محددة على السلوك، أما العوامل الأخرى كالدين والسياسة الداخلية والاقتصاد إلى حد ما تعتبر ثانوية.

وقد برز اعتماد الواقعية الجديدة على المنظومة الدولية في التحليل من خلال عمل والتز الكلاسيكي: Man,State and War) )، الذي قسم من خلاله مختلف السياسات الدولية وبشكل خاص تحديد أسباب الحرب وشروط السلام، انطلاقا من المستوى الذي تكمن ضمنه الأسباب: الفرد، الدولة والنظام الدولي. ثم وضع تصنيفا آخر (1979) وضع بمقتضاه نظريات السياسة الدولية التي تحصر الأسباب في المستويين الفردي والوطني ضمن ما يسميه بالنظريات التقليصية أو الاختزالية Reductionist في مقابل النسقية Systemic التي تستند إلى المستوى الدولي. ورغم أن والتز يقر بأن الواقعية الجديدة هي امتداد للواقعية الكلاسيكية ، إلا أن ذلك لا ينفي وجود اختلاف بينهما من حيث منطق تفسير بعض السلوكيات الدولية.

وينطلق والتز في بناء نظريته من افتراض أن الواقعيين التقليديين حددوا موطن الحرب في مستوى واحد من اثنين، أو كلاهما وهما الفرد، والمجتمع أو الدولة، ويرى أن الصواب هو وجوب الفصل بين مستوى النظام ووحداته.

ورغم انطلاق الواقعية الجديدة من المسلمات والمفاهيم الأساسية ذاتها في الواقعية الكلاسيكية، خاصة من حيث اعتبارها أن الدولة هي الوحدة الأساسية للتحليل وأن دراسة العلاقات الدولية هي دراسة العلاقات بين هذه الوحدات، إلا أن الواقعيين الجدد لا ينكرون وجود فواعل أخرى غير الدولة كالمنظمات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات والجماعات الإرهابية والمنظمات العبر وطنية، إلا أن هذه الفواعل تبقى في تصورهم ذات أهمية قليلة مادامت الدول هي الفواعل المهمة.

وفي تحليلها لظاهرة النزاع الدولي، تركز الواقعية الجديدة على أثر بنية النظام الدولي وطبيعته على العلاقات بين الدول، وهم يرون أيضا أن الدول تتفاعل في ظل نظام دولي يتسم بالفوضى يلزم كل منها بالاعتماد على ذاتها في تحقيق أهدافها، إذ لا توجد سلطة عليا في النظام الدولي يمكنها مساعدة الدول عند الحاجة، لذلك تسعى الدول لتتوازن قواها فتحقق حالة التعادل أو التساوي بينها، مما يقلل من خطر اندلاع الحرب. فالدولة إذا هي الفاعل الفردي العقلاني التي تحدد بمصالحها وأنشطتها شكل وسمات النظام الدولي. لذلك يركز الواقعيون الجدد على النتائج والآثار التي تحدثها بنية الأنساق الدولية على الدول (الفاعلين) المشكلين لها. فالتنافس في تلك الأنساق ينتهي بإزالة الدول التي تفتقر للجدية، بالإضافة إلى ذلك فان الأنساق تؤهل الدول اجتماعيا بإجبارها على أن تتصرف بطرق معينة. ويبدو من وجهة النظر هذه أن والتز يتبنى وجهة نظر المنظرين البنيويين القائلين بتأثير”البنية” Structure على سلوك ”الفاعلين” Actors المكونين لها، بنفس القدر الذي يتبنى فيه أيضا وجهة نظر المنظرين الفرديين القائلين بتأثير ”الفاعلين”على ”البنية” التي تحويهم.

وسعيا منه لتجاوز اللبس من حيث اعتبار الدولة الفاعل الأساسي من جانب، والارتكاز على بنية النظام الدولي لتفسير سلوكيات الدول من جانب آخر، نجد أن والتز حريص على التمييز الدقيق بين التنظير المنظومي (الذي ينطلق من مستوى النظام)، والتنظير الذي ينطلق من مستوى الوحدة، أي التمييز بين مستويين مختلفين من التحليل: مستوى النسق ومستوى الوحدة. ففي حين يرتكز مستوى الوحدة على دراسة عملية التفاعل بين الدول (من خلال تفسير أفعال أو سياسات دول –وحدات-بعينها)، تهتم الدراسة على مستوى النسق بتفسير القيود والميول الكلية التي تحدث على مستوى النسق. وهذا ما يبرز اهتمام والتز بدراسة السياسة الدولية، وليس السياسة الخارجية.

كما يعتقد والتز أن النظام الدولي يخضع لقوانين خاصة به تختلف نوعيا عن تلك التي تتحكم بالمجتمعات القومية، لذلك فهو ينتقد الاتجاهات الاختزالية التي يرى أنها تستنتج قوانين النظام الدولي من التناقضات الداخلية للمجتمع الدولي وحده. وعلى خلاف الاتجاهات التي تربط بين طبيعة النظام السياسي الداخلي والسلوكيات الخارجية نجد أن والتز ينطلق من فرضية ”أن الدول هي في النظام الدولي وحدات متماثلة لا تختلف باختلاف أنظمتها (داخليا) بل باختلاف مواقعها في هذا النظام (الدولي).

ومن وجهة نظر والتز فإن ما عجزت النظريات الاختزالية عن تفسيره هو لماذا تتصرف الدول بطريقة مماثلة رغم اختلاف أنظمتها السياسية وتناقض إيديولوجياتها ؟ لقد حلت هذه المشكلة مع الواقعية الجديدة التي تفترض أن العوائق النسقية Systemic Constraints تحتل موقعا وسطا بين الدول وسلوكيات سياستها الخارجية، و تهدف الواقعية الجديدة لتوضيح كيف أن هذه القوى النسقية مسئولة عن التشابه الملاحظ في سلوك السياسة الخارجية. ويعطي والتز مثالا واضحا على ذلك من خلال ظاهرة علاقات الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في ظل نظام توازن القوى أثناء الحرب الباردة، فعلى الرغم من اختلاف البنية السياسية للدولتين وعدم تطابق الأيديولوجيتين، فقد سلكت القوتان وفقا لأنماط متشابهة في البحث عن نفوذ و تأثير وبسط هيمنة وتحقيق مكاسب، فما هو السر في ذلك؟ يجد والتز الإجابة من خلال دراسته للبنية النظامية على المستوى الدولي، حيث يرى وجود تغيرات على أفعال القوى أشد تأثيرا من تلك النابعة من السياسة الداخلية. إذا فعلى عكس ما تبناه مورتن كابلن M.Kaplan وريتشارد روزكرانز وماكليلاند باعتمادهم على النسقية، فان الواقعية الجديدة تعتبر أن النظام يتكون من بنية تسمح بالنظر إلى الوحدات كأنها مكونة بشكل مختلف عن وحدة واحدة.

وفي تفسيره لسلوكيات الدول في ظل المنظومة الدولية يقدم والتز مسلمتين في هذا الخصوص: تتمثل الأولى في القول أن الدولة مهتمة بالدرجة الأولى بتحقيق الأمن، ما دام تحقيق الأهداف الأخرى يعتمد على تأمين بقاء الدولة فقط. وتناقض هذه المسلمة وجهة نظر العديد من الواقعيين الكلاسيكيين القائلين ”أن الدول تسعى لزيادة قوتها كغاية في حد ذاتها،” وهذا ما ينطبق مع منطق الفوضى السائدة في النظام الدولي ”حيث من الصعب على الدول أن تستمتع بأية ضمانة لأمنها إلا إذا قامت هي بتوفيره لنفسها،”الأمر الذي يجعل من المنظومة الدولية نوعا من نسق الاعتماد على الذات.

أما فيما يخص علاقة شكل النظام بظاهرة الصراع، فإن والتز يبني تصوره بهذا الخصوص على فرضية تعتبر ”أن الاستقرار يقوم في النظام ثنائي القطبين أكثر مما يقوم في نظام متعدد الأقطاب.” وبالتالي حسب والتز فان نظام الثنائية القطبية هو الأكثر تحقيقا للاستقرار والأقل ميلا للصراعات ويدعم حجته هذه من خلال اعتبار:

– قدرة الدولتين المهيمنتين على استخدام العنف أو السيطرة عليه تمكنها من تخفيف آثار استخدام الآخرين للعنف.

– قوى القطبية الثنائية تسعى من خلال هدف الحفاظ على وجودها إلى الحفاظ على توازن القوى الموجود اعتمادا على مدى واسع من القدرات العسكرية والتكنولوجية.

– إن زيادة القوتين العظميين لقوتهما يقلل من احتمالات استخدامها، حيث تصبح الأسلحة –في النظام ثنائي القطب- مهمة إذا كان الغرض منها لدافع ردعي وليس لاستعمالها مما يعني أن فكرة التوازن تحقق الاستقرار.

عموما يبقى متغير الفوضى حسب الواقعية الجديدة بمثابة المرتكز الأساسي في تفسير السلوك النزاعي الفواعل، حيث تعني الفوضى حسبهم”غياب سلطة مشتركة لتعزيز أية قوانين أو قواعد لتقييد سلوك الدول أو أية فواعل أخرى، الشئ الذي يجعل من الفوضى تشجع سلوك الدول على التصرف المنفرد والترويج لسلوك المساعدة الذاتية self help، وفي ظل هذه الفوضى يعد التعاون مسألة صعبة التحقيق، إضافة إلى ذلك ينزع الواقعيون الجدد نحو تبني نظرة أكثر تشاؤمية ورؤية لعالم تسوده.

نظرية النظم:

تعتبر نظرية النظم من أهم التطورات التي نشأت في إطار المدرسة السلوكية في منتصف الخمسينيات ، فنظرية النظم تسمح بتخطي الفاصل بين الشؤون الداخلية للدولة و السياسة الدولية. و يعمل منهج تحليل النظم على كافة المستويات الدولية والإقليمية و الوطنية، ويربط بين المستويات أيضا. ومن أهم رواد هذه النظرية نجد مورتن كابلان M.Kaplan و ديفد سنغر D.singer و جورج مودلسكي G.modelski و تشارلز ماكليلاند Charles Makliland.

ينطلق ديفيد سنغر من اعتبار أن النظام الدولي هو الذي يشكل مفتاح تفسير لماذا وكيف تحاول الأمم التأثير على سلوكات بعضها البعض. في حين أعطى مورتن كابلان النظام معنى يتمثل في مجموعة من المتغيرات المترابطة فيما بينها إلى درجة كبيرة و متغايرة في نفس الوقت مع بيئاتها كما أن بينها علاقات داخلية تميزها عن مجموع المتغيرات الخارجية.

أما تشارلز ماكليلاند فقد اعتبر نظرية النظم كوسيلة لتطوير و فهم العلاقات بين الدول القومية فيقول” إن الخطوة الأولى أو مفتاح هذا المنهج هي إستراتيجية إدراك ومعرفة ظواهر مختلفة من خلال العلاقات القائمة بين عناصر الظاهرة ثم إطلاق صفة النظام عليها انطلاقا من تحديد أي عنصر من المشكلة هو الأكثر صلة بها، ثم بعد ذلك معرفة الإجراءات الواجب استخدامها لتجنب الكثير من التعقيدات بهدف التعرف على العلاقات بين المدخلات والمخرجات وللتحرك المنظم بين مستويات التحليل المختلفة بالتعرف على الصلة بين النظم الرئيسية والنظم الفرعية وللتنبه لحدود الظاهرة ومدى العمل لكل من النظم الفرعية والرئيسية وللأخذ في الحسبان دور المتغير الثابت-المقياس للدراسة وحدوث اضطرابات في بيئة النظم…كل هذه العناصر رئيسية أخرى لنظرية النظم العامة.

ويعتبر كابلن ”أن سلوكيات الدول تجاه بعضها البعض تحددها بشكل أساسي طبيعة النظام الدولي القائم وسماته الأساسية ،من عدد الوحدات الرئيسية إلى توزيع القوة بينها. فبنية النظام حسب كابلن تحدد بشكل كبير سلوكية أطرافه.” كما يرى ماكليلاند أن السلوك الدولي للدولة الواحدة هو عبارة عن أخذ وعطاء بين هذه الدولة وبيئتها الدولية، وكل هذا الأخذ و العطاء مجتمعا وبمشاركة كل الأطراف داخل الوحدة الواحدة هو ما نطلق عليه النظام الدولي .
إذا حسب منهج التحليل النظمي فإن بنية النظام الدولي هي التي تحدد سلوك الدول الأطراف وذلك عكس الاتجاه الواقعي(التقليدي) الذي يجعل من مفاهيم القوة و المصلحة التي تحرك سلوك الدول هي التي تحدد بنية وطبيعة النظام الدولي.

ولكن رغم اتفاق معظم أنصار هذا الاتجاه على تأثير بنية النظام الدولي على سلوكيات الدول، أي على العلاقة بين توزيع القوة ووقوع الحروب والصراعات في النظام الدولي، إلا أنهم لم يتفقوا حول بنية النظام الدولي التي تشكل مصدرا للصراع أكثر من غيرها، فظهرت بذلك ثلاثة اتجاهات أساسية تسعى إلى تفسير العلاقة بين النظام الدولي ووقوع الصراعات:

الاتجاه الأول: علاقة نظام تعدد الأقطاب بالصراع

يستند هذا الاتجاه على الفرضية القائلة أن” تواتر Frequency الحروب يخف عندما يتحول النظام من الثنائية القطبية إلى تعدد الأقطاب، أي أن زيادة عدد الأطراف الرئيسية يساهم في استقرار النظام.” ويدعم هذا الاتجاه كل من ديفيد سنغر و كارل دويتش. حيث يعتبر نظام القطبية التعددية أنه ميزة للنظام المستقر الذي هو نظام يركز فيه على الدبلوماسية والوسائل التقليدية للتفاوض، وتكون أهداف الوحدات فيه أهدافا محدودة.

و يضيف كل من دويتش وسنغر أنه كلما ابتعد النظام عن الثنائية القطبية في اتجاه التعددية فان من المتوقع أن يتلاشى تكرار اللجوء إلى الحرب، ويرى كلاهما أن التحالفات تقلل من حرية أطرافها في التفاعل مع الدول غير الأعضاء في التحالف، ومع أن التحالف يقلل من حدة ومدى الصراع بين أطرافه، إلا أنه يزيد ذلك مع الدول خارج الحلف.

كما يؤكدان على أن بنيان القطبية المتعددة يتسم بدرجة من المرونة تتيح درجة أكبر من هذا التفاعل بين الدول، مما يمنح لها آليات لتمرير طموحاتها والتعبير عن أهدافها ومصالحها بالطرق السلمية ودون اللجوء إلى الحرب، كما أنه نظام لا يتميز بخاصية السباق نحو التسلح، لأن أي زيادة في الإنفاق العسكري أو إتباع سياسات دفاعية معينة لن تفهم من طرف الدول الأخرى أنها تشكل تهديدا لها.

الاتجاه الثاني: علاقة نظام الثنائية القطبية بالصراع

يرى دعاة هذا الاتجاه أن الثنائية القطبية هي أكثر مدعاة للاستقرار، والأقل من حيث الحروب، ويمثل هذا الاتجاه كينيث والتز، الذي يعتقد أن النسق ثنائي القطبية يسوده الحذر المتبادل بين القطبين، كما أن التقارب في مستويات القوة بين القطبين يحول دون سعي أي منهما في محاولة فرض هيمنته على القطب الآخر.

كما يرى مايكل هاس M.Haas بدوره أن نشوب الصراعات و الحروب يكون أقل احتمالا في ظل ثنائية الأقطاب، وذلك رغم ميلها إلى أن تكون أطول نسبيا من حيث المدى الزمني الذي تستغرقه. كذلك يرى روزكرينسR.Rosecrance أن احتمالات الحروب و الصراع تكون أكبر في ظل النسق متعدد الأقطاب عنها في ظل النسق ثنائي القطبية. حيث أن تعدد الأقطاب يعني وجود بدائل كثيرة أو صور عديدة لأوضاع الاتزان مما قد يفسح المجال أمام تزايد احتمالات نشوب الحروب للتحول من وضع اتزان معين إلى آخر أما في ظل ثنائية الأقطاب فليس ثمة أوضاع بديلة قد تدفع بأي من القطبين إلى التعديل في الوضع الراهن.

ويرى والتز أن هناك علاقة طردية بين زيادة القوى الكبرى لقوتها وبين تحقيق الاستقرار وذلك أن زيادة القوى العظمى لقوتها في القطبين يقلل من احتمالات استخدامها، حيث يصبح امتلاك الأسلحة مهم بتوفرها كدافع ردعي وليس باستعمالها، مما يعني أن فكرة التوازن تحقق الاستقرار. وعلى هذا الأساس يرى والتز ضرورة زيادة الدول العظمى في القطبين لقوتها لأن ذلك يقلل من احتمالات استخدامها.

إلا أن كلا من الاتجاهين الأول و الثاني قد لاقا انتقادات من طرف بعض الباحثين الذين أدركوا قصور كل اتجاه في تقديم تبريراته، ومن بين هؤلاء المعارضين نجد ريتشارد روزكرانسR.Roscrans الذي يقترح نموذجا آخر-كبديل للنموذجين السابقين- يجمع بينهما وأطلق عليه ”القطبية الثنائية التعددية Bi-multipolarity.

القطبية الثنائية التعدديةBi.Multipolarityكاتجاه وسط

ويعتبر هذا الاتجاه كمحاولة للجمع بين ايجابيات الاتجاهين السابقين (القطبية الثنائية و التعددية) من جهة و التخلص من نقاط ضعفهما من جهة ثانية. حيث ينتقد روزكرينس R.Rosecrance النموذج الثنائي ويقول” إنه في هذا النظام الذي تكون القوتان العظميان معنيتين تماما بنتائج أية مسألة دولية كبرى يمكن القول أننا أمام صراع صفري Zero Sum games. ويرى أن دوافع التوسع واحتمالات الصراع بين قادة الكتلة أو التحالف هي أكبر في القطبية الثنائية أكثر منها في التعددية.

كما يرى في نظام تعدد الأقطاب أنه بالرغم من أن حدة الصراع قد تكون أقل في هذا النظام إلا أن تكرار حالات الصراع قد تكون أكثر نتيجة الاختلاف الكبير في المصالح، و يضيف” إذا كانت القطبية تحد من آثار ونتائج الصراع، إلا أنها لا تؤثر إلا بنسبة بسيطة على عدد حالات الصراع، وإذا كانت القطبية الثنائية تتضمن صراعا خطيرا بين القطبين فإنها تقتضي أو تخفف الصراعات الأخرى في أي مكان من العالم” أما النموذج الذي يقترحه روزكرينس- القطبية الثنائية التعددية-”فتعمل فيه الدولتان العظميان-القطبان-كمنظمين ضابطين للصراع في المناطق الخارجة عن حدود كل قطب منهما في حين كان الصراع لا ينتهي في أية حالة من الحالتين إلا أنه لا يمكن ضبطه في هذا النموذج”. وهذا يعني أن الحرب في القطبية الثنائية التعددية أقل احتمالا مما هي في القطبية الثنائية أو التعددية. إذن حسب روزكرينس فإن زيادة القطبية التعددية ستدعم الوفاق بين القوى العظمى و بالتالي زيادة التعاون في حل المشكلات التي تقع في نطاق القطبية التعددية.

الاتجاه الثالث:علاقة نظام القطب الواحد بالصراع

تعرف القطبية الأحادية بأنها بنيان دولي يتميز بوجود قوة أو مجموعة من القوى المؤتلفة سياسيا تمتلك نسبة مؤثرة من الموارد العالمية، تمكنها من فرض إرادتها السياسية على القوى الأخرى، دون تحد رئيسي من تلك القوى.

وفي علاقة شكل هذا النظام بالصراعات الدولية، يعبر عنه مايكل هاس M.Haas الذي يرى أن نظام القطب الواحد أكثر ميلا إلى تحقيق الاستقرار الدولي، فوجود قطب واحد-حسبه-يضمن استقرار النظام بحكم القوة المهيمنة لهذا القطب، وقد وجد Haas في تحليله لواحد وعشرين نظاما دوليا فرعيا بدأ من عام 1649 أن نظام القطبية الواحدة كحالة الإمبراطوريات هو أكثر أشكال الأنظمة الدولية استقرارا.

كما دعا كل من روسو و دونتي من قبل إلى التخلص من الحروب عبر إقامة حكومة دولية فدرالية تكون فوق الجميع وتربط الدول بعضها ببعض كما يرتبط الأفراد في دولة واحدة. وحسب هذا الاتجاه فإن الصراعات والحروب لا تنتهي طالما بقي النظام الدولي قائما على تعدد الدول، والسلام لن يتحقق إلا بإلغاء هذا التعدد واعتناق قومية عالمية جديدة تكون أرقى وأحسن من القوميات الضيقة الراهنة، كما يرى هذا الاتجاه أنه لا يمكن تحقيق المصالح المشروعة لكافة الشعوب إلا في ظل حكومة عالمية.

إذا وعلى اختلاف الباحثين حول بنية النظام الدولي التي تشكل مصدرا للصراع أكثر من غيرها، إلا أنهم يتفقون حول مدى تأثير بنية هذا النظام وكذا القوى داخله وأنماط التفاعل بين أطرافه على تحقيق الاستقرار أو الجنوح إلى الصراعات و الحروب. وتفاديا لذلك الخلاف لخص جون فاسكيز JohnVasquez خصائص النظام الدولي المساعدة على انتشار الصراعات الدولية في:

– الدول الأقوى في النظام الدولي هي الأميل لخوض الحروب، وحين يتغير ميزان القدرات العسكرية سريعا بين الدول الكبرى المتعادية، حتى تقترب من درجة التعادل يزداد احتمال انجرارها إلى الحرب.

– حين تتفق الدول الكبرى على قواعد اللعبة السياسية و الأعراف الدولية بما يحد من قدراتها على التصرف منفردة، يقل بشدة نزوعها لخوض حروب ضد بعضها بعضا.

و الواقع أن أسباب الصراعات الدولية المتعلقة بالنظام الدولي التي اتفق عليها علماء العلاقات الدولية قليلة نسبيا، لأن كثيرا منهم تحول من دراسة أسباب الصراع الدولي على مستوى النظام الدولي إلى دراسته على المستويين الفردي و الوطني، وحتى على مستوى موضوعات الصراع بين الدول، وقد برز هذا التحول بشكل واضح بعد نهاية الحرب الباردة التي أفرزت أنواعا جديدة من الصراعات، أصبح للعامل الثقافي والديني دورا كبيرا في تشكلها، الأمر الذي زاد من صعوبة تبني مستوى تحليلي دون آخر في تفسيرها، وفسح بالتالي المجال لنظريات أخرى تقوم على تفسيرات تأملية تعطي الأهمية للعوامل غير المادية (الهويات والأفكار) في تشكيل السلوكيات النزاعية على اعتبار أنها لا تنبع من الطبيعة الفوضوية للنظام، بقدر ما هي انعكاس للتركيبة الاجتماعية والخطابات والأفكار السائدة في المجتمع.