توطئــــة:

     تعتبر الهجرة وسيلة النجاة أو الأمل في الحصول على حياة أفضل لمن يختارون الهجرة طريقاً لتغيير أسلوب حياتهم ، وتغيير مقر معيشتهم من بلدانهم الأصلية إلى بلدان أخرى ، لتكون بالتالي موطناً بديلاً دائماً أو مؤقتاً عن موطنهم الأصلي ، ويشير مصطلح الهجرة غير الشرعية إلى ذلك التدفق غير القانوني عبر الحدود ، ومحاولة الإقامة بدون إذن سلطات الدولة المهاجر إليها ، وتتم الهجرة غير الشرعية بالتسلل عبر الحدود البرية ، والحدود البحرية لبعض الدول عبر شبكة منظمة من المهربين المتمرسين في مجال تهريب البشر ، وتعتبر منطقة شمال أفريقيا من أكثر المناطق تأثراً بموجات المهاجرين غير الشرعيين لأنها تستخدم في الغالب كمكان هجرة مؤقت ، بالإضافة إلى كونها بلدان عبور إلى الضفة الأخرى من المتوسط  وهو ما يشكل عبئاً مزدوجاً ، والأمر الأكثر تعقيداً هو متاخمتها لحدود دول تعبر من أفقر دول العالم .

أسباب الهجرة الغير شرعية:

   تتعدد أسباب الهجرة غير الشرعية لكنها في نهاية المطاف لا تقابلها حماية قانونية إلا في حالات الهجرة لأسباب الحروب والنزاعات والكوارث (اللاجئين)، فإذا نظرنا إلى بلدان المصدر لوجدناها دولاً فقيرة ولا تحظى حتى باهتمام الدول التي تسعى للحد من هذه الظاهرة، ويمكن عموماً حصر أهم الأسباب في الآتي:

  • انفتاح الدول الأفريقية بشكل عام على وسائل الإعلام والتقنية الحديثة، مما ساهم في إبهار الأفارقة عن الحياة في العالم الآخر، واتصالهم بأقرانهم ممن نجحوا في العبور إلى الضفة الأخرى.
  • نجاح بعض المهاجرين غير الشرعيين في حصولهم على وظائف، وتحقيقهم لمكاسب مادية كبيرة، مما شكل حافزاً كبيراً لأقرانهم، خصوصاً عند عودتهم إلى قراهم الفقيرة وهم محملين بالهدايا والأموال.
  • الكوارث الطبيعية والنزاعات المسلحة التي تحدث في بعض الدول الفقيرة أصلاً وتتسبب في هجرة الكثيرين من بلدانهم.
  • تدني كبير في مستوى المعيشة وانخفاض دخل الفرد، بل وحتى انعدام الدخل للكثيرين.
  • الفساد المالي والسياسي، وانتهاج سياسات غير رشيدة.
  • ضعف التنمية الاقتصادية في بلدان المصدر.
  • ارتفاع كبير في نسب البطالة مما سبب إحباطاً عاماً وخطيراً لدى شريحة واسعة من مواطني تلك الدول.
  • تردي مستوى الخدمات العامة في بلدان المصدر.

  ولعل البعض قد اختار الهجرة خوفاً من الاضطهاد السياسي، أو لأسباب نفسية معينة، لكن تعدد أسباب الهجرة لم يقابله أي معالجات حقيقية للتقليل من هذه الأسباب أو حتى للحد من آثارها على دول العبور، وتتأثر الهجرة عموماً بعدد من العوامل أهمها:

  • العامل الأمني : لازال العامل الأمني هو الهاجس الأكبر في عمليات إدارة الهجرة الغير شرعية ، حيث تخشى الدول الأوروبية من تدهور أوضاع بلدانها الأمنية إذا لم تقف في وجه المهاجرين المتدفقين عليها من دول الجنوب ، خصوصاً أنها تعتقد بل وتكاد تجزم بأن العديد من أولئك المهاجرين يحملون خلفيات إجرامية ، أو يعملون في أعمال غير قانونية بغية الكسب السريع ، علاوةً على أن الدول الأوروبية تعتبر أن بعض المهاجرين خصوصاً منهم غير الشرعيين هم السبب الرئيسي في تأسيس أو الانخراط في أنشطة تصفها بالإرهابية ، ولكن الأمر لا يخلو من التناقض ، ففي حين أن الدول الغربية تستقطب العديد من الكفاءات وذوي الخبرات من الدول النامية ، فإنها تغض الطرف عن أصحاب تلك الكفاءات إن دخلوا إليها ولو بطرق غير شرعية ، ومن ناحيةٍ أخرى فإن دول العبور تواجه تحدياً امنياً مزدوجاً ، فمن جهة تسبب تدفق المهاجرين غير الشرعيين أو ما تطلق عليهم الجهات الأمنية اصطلاحا بالمتسللين إلى أراضيها بفوضى أمنية وصحية وحتى إنسانية ، ومن جهةٍ ثانية تواجه دول العبور إشكالية كبرى في ضبط حدودها المترامية الأطراف وتتعرض لضغوط في هذا الشأن من دول الاتحاد الأوروبي ، وتواجه السلطات الأوروبية مشاكل جمة نتيجة نجاح عدد من المهاجرين في الوصول إلى الداخل والتي منها استغلال بعض أولئك المهاجرين من قِبل عصابات المافيا وغيرها من التنظيمات الإجرامية في أعمال التسول والدعارة وتجارة المخدرات، علاوةً على الإتجار بالأعضاء البشرية لأولئك المهاجرين .

وبالرغم من الصعوبات الأمنية التي تواجهها السلطات سواءً في بلدان العبور أو الدول المستقبِلة يبقى التعامل مع هذه المسألة بغاية الحساسية نظراً لعدم نجاح العمليات الأمنية في احتواء المشاكل الإنسانية المرتبطة بهذه الظاهرة، بل وتفاقمها لتصل إلى حد المأساة.

  • العامل الديمغرافي : تكاد لا تخفى تلك المعاناة التي تمر بها العديد من دول العالم الثالث ، وتحديداً الدول الأشد فقراً في العالم والتي لا يتعدى مستوى دخل الفرد فيها عن دولار أو أقل في اليوم إن لم يكن منعدماً في بعضها ، والتي علاوةً على زيادة فقرها تعاني من زيادة مضطردة في عدد سكانها الأمر الذي فاقم من حجم المعاناة الإنسانية ، وحمل العديد من أبنائها على البحث عن لقمة العيش في بقاع أخرى من العالم ، فدول شمال أفريقيا بدأ عدد السكان فيها يتجاوز 170 مليون نسمة ، وأخذت فيها مشاكل الفقر والبطالة طاغية ، وأصبحت حكومات تلك الدول تتحدث عن تزايد الأعباء الاقتصادية بسبب الزيادة المضطردة لعدد السكان ، أما دول جنوب الصحراء وهي من الدول الأشد فقراً في العالم فيقترب عدد سكانها من 100 مليون نسمة مما يؤشر عل حجم المعاناة الإنسانية التي تتعرض لها تلك الدول بسبب هذا العدد من السكان الذين يعيشون في بقعة تنتشر فيها الأمراض وتزداد فيها معدلات الفقراء ، ناهيك عن البيئة القاسية وندرة فرص العمل وتدني مستوى الخدمات، مما جعل الكثير من أبناء تلك الدول يُقدمون على الاتجاه شمالاً، أقدامهم في دول العبور وأعينهم باتجاه أوروبا.

    وفي الإطار الدولي نجد أن جميع الجهود المبذولة لتحسين تلك الأوضاع لم تُجدي نفعاً سواءً في أفريقيا جنوب الصحراء أو في بقاع العالم الأخرى ، فسكان العالم البالغ عددهم أكثر من 6.5 مليار نسمة يقطن أغلبهم في الدول المصنفة بالنامية ، وقد ذكر برنامج الإنماء التابع للأمم المتحدة في هذا السياق بأن عدد الدول الفقيرة يتجاوز السبعين دولة في العالم ، وأن حوالي 45% من الفقراء في العالم يعيشون في مجتمعات غير منخفضة الدخل و وفقاً لمعايير التنمية البشرية فإن أكثر من ملياري نسمة في العالم يقعون تحت طائلة الفقر، ومليار غير قادرين على القراءة والكتابة ، ومليار ونصف المليار نسمة لا يحصلون على مياه شرب نقية ، وهناك طفل من كل ثلاثة يعاني من سوء التغذية ، بالإضافة فإن المحصلة تكمن في وجود مليار فرد في العالم يعانون من الجوع ، وقد يكون الواقع أكثر إيلاماً من الأرقام ، وهذا الواقع المؤلم جعل العامل الديمغرافي محدداً مهماً ومؤثراً بارزاً في معطيات الهجرة .

  • العامل السياسي : تُرجع الدول الفقيرة أسباب فقرها وتخلفها وضعف مشاريع التنمية فيها وتراكم ديونها إلى السياسات الغربية المتبعة ضدها والتي ساهمت إلى حدٍ كبير في إبقاء الفجوة على حالها بين الشمال والجنوب ، فأغلب السياسات الأوروبية والغربية عموماً تكاد تنحصر في تقديم إعانات قليلة وباشتراطات سياسية معينة ، ولا تكاد تركز على برامج التنمية إلا في المجالات التي تعود عليها بمنافع كبيرة ، وتقول الدول الأوروبية في هذا الإطار أن اقتصاديات الجنوب غير مؤهلة بعد للدخول في شراكة كاملة مع دول الاتحاد ، بالإضافة إلى أسبابٍ سياسية .

 

    وعليه فإن ضغط المهاجرين سيزداد باتجاه أوروبا مادامت الأخيرة تتبع سياسات أقل ما توصف به بأنها سياسات انتقائية  ونفعية في تعاملها مع دول الجنوب، فالبرغم من أن الدول الأوروبية تحاول أن تُطمئن دول الجنوب بأنها تحاول مساعدتها في النهوض من تخلفها ، إلا أن دول شمال أفريقيا ودول جنوب الصحراء لازالت على منوال فقرها وتخلفها بالرغم من امتلاك بعضها لثرواتٍ ضخمة ، وليس كل اللوم يقع على الدول الأوروبية ، فعدم إتباع دول الجنوب لسياسة توطين التكنولوجيا والتركيز على مشاريع التنمية المستدامة وإغفال تحسين مستوى الخدمات العامة ، وأيضاً ترك الفقراء لسنوات طويلة على حال فقرهم دون اكتراث.. كل ذلك أدى إلى توليد المشاعر المحبطة وساهم كثيراً في تشجيع الكثيرين على الهجرة للشمال بأي طريقةٍ كانت، ومن ناحية أخرى نجد أن الاضطهاد السياسي كان له دور في عملية الهجرة، بما يتضمنه من تقييد لحريات الرأي والتعبير، والحرمان من الحقوق السياسية والمدنية، والسجن لأسباب سياسية.

  ويبقى العامل السياسي مؤثراً مهماً على عمليات الهجرة لما له من تداعيات تتصل بكيفية التعامل السياسي بين دول الشمال والجنوب، وواقع تلك السياسات المرير والتي تلقي بظلالها على فقراء الجنوب بالدرجة الأولى.

آثار الهجرة الغير شرعية على دول شمال أفريقيا:

     تعتبر دول شمال أفريقيا من الدول التي تعاني من تدفق المهاجرين السريين أو الغير قانونيين بحكم موقعها كدول متاخمة بحدود شاسعة لدول هي الأفقر على مستوى العالم ، حيث تحتل تشاد ومالي والنيجر تحديداً التراتيب 151 ، 163 ، 177 على التوالي بحسب تصنيف مجلة “جلوبال فاينانس” الأمريكية  لعام 2010 ، وهذا ما يجعل العديد من سكانها لاهثين وراء أضواء ما بعد المتوسط رغم كافة المخاطر والصعاب  وبأعداد كبيرة ، حيث تقدر أعداد المهاجرين الغير شرعيين من الدول سالفة الذكر بعشرات الآلاف من جنسيات مختلفة تشمل حتى الصومال وأريتريا والسودان وغانا والسنغال وغيرها يتوزعون بشكلٍ أكبر على ليبيا والجزائر والمغرب ، وبشكل أقل من تونس ومصر ،  بالرغم من تزايد أعداد المهاجرين  المصريين والتونسيين  أثناء وبعد ثورات الربيع العربي نحو أوروبا ، وقد كلفت موجات الهجرة دول الشمال الكثير من الموارد المادية ، وخلفت الكثير من الآثار الصحية والاجتماعية ، مما أجبر دول شمال أفريقيا على وضع إجراءات محددة للتكيف مع موجات المهاجرين السريين ، خصوصاً وأن العديد منهم يفضلون الاستقرار في بلد العبور لفترة من الزمن ربما لتحين الفرصة لركوب أمواج المتوسط نحو مصير مجهول .

    وفي فترة الاستقرار هذه تعاني دول العبور من توافد ثقافات غريبة ، واستشراء للجرائم والأمراض ، وربما تغيير ولو طفيف للتركيبة الديموغرافية للبلد ، حيث لوحظ ارتفاع نسبة الجرائم في كلٍ من المغرب ب 12% في عام 2012 حسب إحصائيات حكومية رسمية مقارنة بنفس الفترة من عام 2011   ، وكذلك ارتفاعها بنسب أكبر في تونس والجزائر وليبيا ، بالإضافة إلى ظهور أمراض لا توجد بالأساس في هذه الدول ،علاوةً على ذلك تتحمل دول العبور تكاليف كبيرة لإيواء المهاجرين السريين عند القبض عليهم ، وإعادة ترحيلهم على نفقتها ، بالرغم من أن بعض التقارير الدولية تشير إلى تدهور حالة معسكرات الإيواء بدرجة كبيرة في بعض الدول ، وضعف الرقابة الصحية ، وتدني مستوى الخدمات المقدمة لهم .

حالة ليبيا:

  تُعاني ليبيا منذ عهد النظام السابق من تدفق المهاجرين الغير شرعيين ، وكان النظام السابق يستغل موجات الهجرة هذه للتأثير على سياسة بعض الدول الأوروبية ، فيعمل على ضبط الحدود تارةً ، وتارةً أخرى يطلق العنان أمام المهاجرين للعبور نحو أوروبا، وأصبحت تركة ثقيلة لازالت آثارها متنامية إلى اليوم ، وتعتبر الحدود الليبية نقطة ضعف كبيرة في مواجهة أمواج المهاجرين ، فهي مترامية الأطراف وتبلغ قرابة 6000 كم على طول خط الحدود مع 6 دول ، وطول هذه الحدود يجعل  مراقبتها صعبة باستمرار وتحتاج إلى إمكانيات بشرية وإلى معدات تقنية متطورة ، الأمر الذي منح المهاجرين السريين فرصاً أفضل في التسلل عبر الحدود وتجنب الضبط الأمني لهم ، وينشط في هذا المجال العديد من المهربين الليبيين والمتربحين من هذا العمل يرافقهم بعض أصحاب الخبرة في معرفة مسالك الصحراء .

  وتتم عملية التهريب عبر مرحلتين، الأولى عن طريق مهربين عبر الحدود إلى المناطق الأقرب، حيث تكتظ مناطق في الجنوب مثل غات وأوباري وسبها وغيرها بأعداد كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين وبشكل ملحوظ رغم كل الجهود المبذولة للحد من هذا التدفق، والمرحلة الثانية تشمل التهريب إلى مناطق الساحل تمهيداً للعبور نحو الشواطئ الإيطالية أو المالطية، وهنا تقوم مجموعة أخرى من المهربين باستلامهم حسب طلب المهاجر أحياناً، وأحياناً لا يتسنى لهم الاختيار مقابل مبالغ مالية مرتفعة نسبياً مقارنة مع حالة هؤلاء المهاجرين، حيث تصل إلى ألف دولار أو أكثر للشخص الواحد بحسب مقابلات شخصية مع بعض الذين فشلوا في الهجرة.

   وقد أشارت الإحصائيات (التقديرية دائماً)، إلى بلوغ عدد المهاجرين السريين المنطلقين من مختلف المناطق الساحلية إلى أكثر من 2000 شخص في أسبوع واحد في بعض الفترات، ووصلت نسب الموت بينها إلى 30 في المائة، ويبنى على ذلك بأن ليبيا تعاني من تدفق كبير فعلاوةً على كونها بلد عبور فإن بعض المهاجرين الأفارقة يفضلون المكوث في ليبيا لفترة من الزمن من أجل التزود بالمال اللازم للعبور نحو الضفة الأخرى للمتوسط.

   ويصاحب هذا المكوث تكدسهم بأعداد كبيرة مصحوبين بالعديد من الأمراض ، وثقافات غريبة على المجتمع الليبي، ناهيك عن الجريمة وتجارة المخدرات والشعوذة وغيرها ، و قد سبب تواجدهم إشكاليات لا حصر لها للسلطات الليبية والتي أنهكها ملاحقتهم واحتجازهم وتكاليف علاجهم وترحيلهم ، ناهيك عن مراكز الاحتجاز المؤقتة والتي تعج بمئات المهاجرين غير الشرعيين ، والذين يعانون بحسب منظمات حقوقية من ظروف احتجاز سيئة ، وأشهر مراكز الاحتجاز في ليبيا هي مخيم الطويشة في طرابلس، ومخيم برشادة في غريان ، ومخيم قنفودة في بنغازي ، وغيرها من مراكز الاحتجاز في الجنوب الليبي ومناطق أخرى ، وتشكو العديد من هذه المراكز من الاكتظاظ وسوء المعاملة ، بل وحتى الاستغلال البدني في بعض الحالات، فمخيم بورشادة مثلاً يتكون من أربعين سقيفة بأسقف معدنية كلها مكشوفة على الشمس فيما يشبه الأقفاص ، وتحرسه إحدى كتائب الثوار ، ويتواجد من بين المهاجرين العديد من النساء الحوامل والمصحوبات مع أطفالهن ، وكذا الأطفال الغير مصحوبين بأحد ، وكذلك بعض  أصحاب الأمراض الخطيرة .

   وبحسب الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان فإن المخيم قادر على استيعاب 2200 شخص، ويعاني العديد من المهاجرين عموماً بحسب الفيدرالية لمعاملة سيئة ومهينة وإلى ممارسات عنصرية ، ويحصلون على طعام غير كافٍ ، وإلى ضعف الرعاية الصحية ، بالإضافة إلى تشغيل بعض المهاجرين  بالاتفاق بين أصحاب الأعمال وبين القائمين على هذه  المخيمات ، ولا يوجد تأكيدات على أن المهاجرين يحصلون على أجورهم كاملةً أم لا ، ويمكن اعتبار أن هذا التشغيل قسري لأن المهاجرين نادراً ما يرفضون الأعمال التي يطلب منهم القيام بها خارج المخيمات ، ويعتبر أغلب المهاجرون ليبيا محطة عابرة لذا يتحملون المخاطر والمعاناة وشظف العيش وحتى الإهانة من أجل تحقيق هدفهم لبلوغ أوروبا ،وذلك لاقتناعهم يقيناً بأن معاناتهم في ليبيا أهون بكثير من جحيم بلدانهم .

  وكانت أحداث حرب التحرير قد أثرت كثيراً على أعداد المهاجرين ، فرغم نجاح بعضهم في الوصول إلى جزيرة لامبيدوزا بتواطؤ كبير من النظام السابق ، إلا أن أعداداً كبيرة منهم خرجت عبر الحدود خوفاً من تداعيات الحرب ، ففي نهاية يونيو عام 2011كان هناك أكثر من 600.000 ألف مهاجر قد غادر ليبيا، وقد سجلت حركة العبور على الحدود مع تونس 256.000 وافد ، وعلى الحدود مع مصر 184.000 وافد على التوالي ، ناهيك عن الأعداد التي لم يتم حصرها ، ولكن ما حصل بعد حرب التحرير وتعرض البلاد لانفلات حدودي كبير نجحت أعداد كبيرة من المهاجرين السريين من دخول البلاد ، وأصبح وجودهم لافتاً للنظر ، لدرجة أن في بعض المناطق ارتفع صيتهم (المناطق الجنوبية مثلاً ) ، وأصبحوا يلاحظون في أماكن عديدة وجد خطيرة ومرتبطة بالصحة المباشرة للمواطن في مدن وقرى ليبية عديدة ، كالمخابز ، ومحلات بيع المواد الغذائية ، والخضراوات ومحلات بيع اللحوم وفي المنازل وغيرها ، ولا تزال معايير اختيارهم لأداء هذه الوظائف غير دقيقة وغير منضبطة إلى حدٍ كبير ، مما يضع صحة المواطن على المحك في ظل ضعف الأجهزة الرقابية والضبطية .

   وفي خضم تداعيات الهجرة الغير شرعية على ليبيا تحديداً وعلى دول المنطقة بصفة عامة ، سارعت بعض الدول الأوروبية كإيطاليا والتي تعتبر نفسها المتضرر الأكبر إلى عقد العديد من الاتفاقيات للحد من موجات المهاجرين السريين ، وطالبت إيطاليا كثيراً بعض دول شمال أفريقيا وخصوصاً ليبيا بان تتخذ خطوات أكثر فاعلية للحد من هذه الظاهرة ، حيث حثت الجانب الليبي على ضبط الحدود ومنع المتسللين من الإبحار نحوها، وفي المقابل طالبت ليبيا إيطاليا المساعدة في توفير الإمكانيات اللازمة للتصدي لهذه الظاهرة، وتم عقد العديد من الاتفاقيات للتعاون في هذا المجال ، ففي 21يناير 2012 وقع رئيس الوزراء الإيطالي ماريو مونتي في طرابلس على “إعلان طرابلس ” ، و في 3أبريل 2012  تم توقيع اتفاق تفصيلي بشأن السيطرة على المهاجرين بين البلدين، وكان نصه سرياً إلى أن نشرته صحيفة «لا ستامبا » الإيطالية  في يونيو 2012 ، ومن بين الأحكام الرئيسية للاتفاق :

  • برامج تدريبية للشرطة الليبية، وإنشاء مركز للكشف عن الوثائق المزورة ومركز للتدريب البحري.
  • إنشاء وتطوير مخيمات احتجاز المهاجرين من قبل الحكومتين.
  • دعم سبل السيطرة على الحدود البحرية والبرية لمكافحة الهجرة “غير الشرعية “.
  • تنفيذ إجراءات الطرد والتعاون في عمليات الإعادة الطوعية مع منظمة الدولية للهجرة.

   وتعتبر هذه الإجراءات في حال تطبيقها غير كافية عملياً للحد من هذه الظاهرة، لأن مكافحة الهجرة السرية تحتاج إلى إمكانيات كبيرة ووسائل تقنية متطورة، والأهم من ذلك تحتاج إلى سياسات رشيدة موجهة لبلدان المصدر تهتم بالتنمية المستدامة في بلدان قد تكون الأفقر في العالم، وتعاني من تخبط سياسي وعدم استقرار، ناهيك عن الفساد السياسي، وامتصاص الثروات من قبل الطغم الحاكمة وترك شعوبهم تنام جائعة وعارية في الصحاري القاحلة.

إجراءات المكافحة:

   بالرغم من اتخاذ دول العبور ودول الاستقبال للعديد من الإجراءات من اجل مواجهة أمواج المهاجرين السريين ، إلا أن تلك الإجراءات لم تفلح إلى حد الآن في ثني السائرين عبر الصحراء خلسة من استمرار تدفقهم ، وركوبهم للأمواج نحو الضفة الأخرى للمتوسط ، وهذا يرجع إلى أن اغلب المعالجات والإجراءات كانت تركز على الجانب الأمني ، وتهمل الجوانب الاقتصادية في بلدان المصدر ، ذلك أن دول الشمال تحديداً لم تضع سياسات واضحة لتوطين تنمية حقيقية في تلك البلدان ، بل أنها أسهمت في جعل تلك البلدان أكثر فقراً من خلال إغراقها بالديون ، وتهجير العقول والمماطلة في تنفيذ مشارع التنمية ، وكذلك دعمها لأنظمة استبدادية همها الوحيد هو الاستحواذ على ثروات شعوبها، وتمثلت أهم إجراءات المكافحة المتخذة في الآتي :

أولاً: دول العبور:

  • مراقبة الحدود البرية والبحرية حتى لو كانت بإمكانيات محدودة كما في ليبيا.
  • إنشاء مراكز للاحتجاز المؤقت بغية إعادتهم إلى بلدانهم.
  • التفتيش الدوري عن الوافدين والتحقق من أوراقهم الثبوتية، ووضعهم الصحي.
  • عقد اتفاقيات التعاون مع دول الطوق حول ضبط الحدود ومكافحة التسلل.
  • عقد اتفاقيات أيضاً مع دول الاستقبال بخصوص التعامل مع المهاجرين السريين.
  • وضع ضوابط لتشغيل العمالة تعتمد على سلامة دخولهم للبلاد بطريقة شرعية، وإجبار أصحاب الأعمال على عدم قبول أي شخص لا يحمل أوراقاً سليمة، ولم يجري فحوصاً طبية.

     ورغم ذلك تبقى هذه الإجراءات غير فاعلة، نظراً لأن التعامل مع هذه الظاهرة يتطلب إجراءات شاملة تنطلق من استراتيجيات محددة ودقيقة باتجاه وضع معالجات جذرية للمشاكل التنموية في بلدان المصدر، لأن ذلك يشكل الأساس الذي يجب أن تنطلق منه إجراءات المكافحة رغم أنه يحتاج لوقتٍ أطول، وهذا ناجم على أن الإجابة عن سؤال: لماذا يهاجرون من بلدانهم؟ لم تكن دقيقة أو يتم التهرب من الإجابة عن هذا السؤال لأن الإجابة الدقيقة والواضحة والصريحة عن هذا السؤال تعني فتح باب المعاناة والآلام الكبيرة للدول المعنية وهذا ما تحاول العديد من الدول تجاهله بغية اعتباره شأناً لا يعنيها، ومن هنا يبدأ ارتكاب الخطأ الفادح والذي تكلفته هو زيادة أعداد المهاجرين باستمرار.

ثانياً: دول الاستقبال:

  • وضع الاتحاد الأوروبي خطّـة لمعالجة ظاهرة الهجرة خلال الفترة ما بين 2008 و2011، رصد بموجبها 5 ملايين يورو يُفترض أن تستفيد منها بلدان الضفَّـتين، الجنوبية والشرقية للمتوسط.
  • إتباع سياسات أمنية مشددة في المنافذ البرية والبحرية وإجراءات منح التأشيرات.
  • عقد الاتفاقيات مع دول الجنوب بهذا الخصوص، “وحث دول الجنوب دوماً على القيام بالمزيد”.
  • محاولة دعم دول العبور ببعض الإمكانيات من أجل المساعدة في مواجهة المهاجرين.
  • إنشاء مراكز اعتقال خاصة بالمهاجرين غير الشرعيين، الذين يتم إلقاء القبض عليهم على السواحل الأوروبية، حيث يحتجزون بها حتى يتم ترحيلهم إلى بلدانهم.
  • محاولات خجولة لعمل أنشطة اقتصادية في بعض بلدان الجنوب بُغية إنعاش اقتصاداتها، وإتاحة فرص العمل لمواطنيها.

رؤيــة استشرافية:

     إن التكهن بمستقبل هذه الظاهرة ينطلق من عدة منطلقات تتعلق بأوضاع المهاجرين ، وطريقة تعاطي دول العبور تحديداً مع هذه الظاهرة ، فالمنظور المتاح هو هشاشة المعالجات والتي إذا استمرت بهذه الوتيرة فإنها سوف تدفع وتشجع المزيد من الأفارقة والعرب على ضفة المتوسط للتوجه شمالاً ، فواقع الهجرة اليوم  ينبئ بمستقبل غامض إذا أخذنا في عين الاعتبار العدد الكبير للمهاجرين السريين المصرين رغم المخاطر على تخطي الحدود الشاسعة للدول المتاخمة ، ومصارعة الأمواج طمعاً في الوصول إلى نهاية سعيدة في بلدان الشمال ، بالإضافة إلى عدم استقرار الأوضاع الأمنية في بلدان شهدت ثورات عارمة نتج عنه فلتان أمني غير مسبوق ، الأمر الذي سهّل من تدفق أولئك المهاجرين.

   ومن المتوقع أن تتضاعف أعداد المهاجرين و أن يُحدِث ذلك ارتباكا أمنياً كبيراً في بلدان العبور ناهيك عن المشكلات الصحية والاجتماعية ، وحتى تداخل الثقافات، و لن يتمكن الاتحاد الأوروبي في الحد من موجات المهاجرين السريين إلا بالقدر القليل ، وذلك يرجع إلى تركيز الاتحاد على الجوانب الأمنية فقط ، بالإضافة إلى أن المهربين سيكيفون أنفسهم مع أي إجراءات أمنية جديدة ، وسيضطر الاتحاد الأوروبي في نهاية المطاف إلى الإذعان إلى مطالب توطين التنمية في بلدان الجنوب ، وأي تلكأ في هذا الأمر فإن هذه الظاهرة ستستمر في النمو أكثر مما هي عليه ، ففي دول المصدر سنجد من يقول بأن “لنا الحق في الهجرة إلى الشمال لأننا لا نجد أعمالاً و لا نجد طعاماً يسد الرمق ، والدول الأوروبية لا تساعدنا بل تأتي إلى بلداننا لتأخذ ما يوجد فيها من خامات دون الالتفات لأي نشاطات تنموية أو حتى محاولات للنهوض بهذه البلدان “.

النتــــــائج:

من خلال ما تمخض سابقاً يمكن سوق النتائج الآتية:

  1. التغاضي عن أوضاع المهاجرين في بلدانهم والتركيز فقط على الجانب الأمني يُفاقم من تزايد أعداد المهاجرين غير الشرعيين.
  2. المهاجرين غير الشرعيين ملتصقون بحياتنا اليومية بشكلٍ كبير، الأمر الذي يشكل خطورة على صحتنا، مما يتوجب تضافر جميع الجهود من الجهات الرسمية والأهلية في الدولة.
  3. انخفاض برامج التوعية للمواطنين بخطورة الاحتكاك وتشغيل المهاجرين الغير شرعيين بدون إجراء الكشف الطبي لهم.
  4. الدول الأوروبية لا تلتفت لمعاناة دول العبور في تعاملها مع المهاجرين غير الشرعيين إلا قليلاً، وتحاول دائماً إبقاء المهاجرين في بلدان العبور عبر كافة الطرق الأمنية من دون وضع حلول أكثر فاعلية.
  5. ضعف التنسيق والتعاون بين دول العبور ساهم في فتح ثغرات أكبر لمهربي البشر عبر الحدود.
  6. ظروف الاحتجاز للمهاجرين الغير شرعيين تولد قهراً إضافياً لهم، وتجعلهم يُصرون على المضي قدماً نحو هدفهم رغم كافة المخاطر والمعاناة.
  7. عدم وجود خطة واضحة المعالم في ليبيا للحد من تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وما يلاحظ الآن مجرد محاولات متواضعة وبأقل الإمكانيات.

التوصيات:

  1. العمل على إنشاء استثمارات مدروسة في دول الطوق وما جاورها بغية إنعاش اقتصاديات تلك البلدان، الأمر الذي سينتج عنه فرص عمل جديدة ومحفزات اقتصادية في بلدان المصدر تحد من هجرة مواطنيهم عبر الحدود.
  2. الإسراع في استخدام الوسائل الإلكترونية في مراقبة وضبط الحدود، مع عدم إهمال الوسائل التقليدية.
  3. مراجعة ظروف وأماكن الاحتجاز المؤقت بغية مراقبة أوضاع المحتجزين الإنسانية، وتقديم برامج توعوية لهم تحذرهم من خطورة أو معاودة ما أقدموا عليه.
  4. أن تقوم الحكومة الليبية بالضغط على دول الاتحاد الأوروبي خصوصاً المطلة على البحر المتوسط بتقديم المزيد من الدعم وتوفير الإمكانيات التقنية المساعدة على المراقبة المستمرة للحدود، وكذلك باتخاذ المزيد من الإجراءات الاقتصادية المحفزة للمهاجرين في بلدانهم.
  5. تعزيز التعاون والتنسيق الأمني مع دول الجوار لأجل وضع استراتيجية مشتركة ومقيدة باتفاقيات لأجل مكافحة التسلل عبر الحدود.
  6. التكثيف من البرامج التوعوية في جميع وسائل الإعلام والمنابر الدينية للتحذير من الاحتكاك المباشر مع المتسللين أو تشغيلهم بدون التأكد من سلامة إجراءاتهم الصحية.
  7. المتابعة الدورية والضبط الأمني لشبكات تهريب البشر ومن يقف وراءها باعتبارها من العوامل المساعدة عن استمرار تدفق المتسللين عبر الحدود.
  8. وضع ضوابط أكثر صرامة على إجراءات الدخول والخروج من الدولة، وعلى إجراءات التشغيل، وضبط العمالة غير المسجلة.

بعض المراجع:

  • تقرير الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان 2012.