مقدمة

ارتبط اسم طارق بن زياد بالأندلس لأنه القائد الذي باشر حركة الفتح (92هـ / 711م)، في شبه الجزيرة الأيبيرية Iberian Peninsula، فدخل أهلها الإسلام، وتحول اسمها إلى الأندلس. وهناك رأي يرجح أن اسم الأندلس، مأخوذ من اسم قبائل الوندالVandals، التي تعود إلى أصل جرماني، احتلت شبه الجزيرة الأيبيرية، حوالي القرن الثالث، والرابع، وحتى الخامس الميلادي، وسميت شبه الجزيرة، باسمها: فاندلسيا Vandalusia أي بلاد الوندال. ثم تحورت الكلمة في العربية، إلى الأندلس.

وكان هذا الاسم، يطلق على شبه الجزيرة الأيبيريَّة كلها (أسبانيا والبرتغال). ثم قُصِر بعد ذلك للدلالة على المناطق، التي سكنها المسلمون وحكموها، من شبه الجزيرة الأيبيرية.

أما اليوم فإن كلمة (Andalucia :أنْدَلُسيَا)  بالأسبانية، فُتطلق على المنطقة الجنوبية من أسبانيا، وهو تقسيم إداري، لا يمثل المعنى التاريخي لمصطلح الأندلس.

وطارق هو قائد حملة موسى بن نصير[1]، لفتح بلاد الأندلس. وهو مسلم من بربر شمال أفريقيا. وكان مولى لموسى بن نصير. اعتنق الإسلام على يديه، وتفتقت مواهبه العسكرية، وظهرت شجاعته وإقدامه صغيراً، فنال ثقة قائده، وحسن ظنه، وقد كان مثالاً للمسلم، الذي يُبْلي بلاء حسنا في سبيل دينه، مهما كان أصله الذي ينتمي إليه.

اسمه طارق بن زياد، بن عبدالله، بن ولغو بن ورفجوم، بن بتر غاسق بن ولهاص بن بطوفت. من قبيلة “نعزاوة” البربرية[2]، ومن أسرة اشتهرت بسبقها إلى الإسلام، وكان طارق من سبي البربر.

وكانت قبائل البربر، تحرص ـ أشد الحرص ـ على تسجيل أنسابها، وذكر سلالتها وحفظها، مثلما كان العرب يصنعون.

وذكر بعض المؤرخين، أن نسب طارق بن زياد، يرجع إلى أصول فارسية، وهو قول مردود لسببين:

الأول: حرص البربر على تسجيل أنسابهم، وكذلك فعلت أسرة طارق.

الثاني: ملامحه الشخصية الجسمية، التي سجلتها المصادر، وفيها دليل قوي على أصوله البربرية، التي لا تخطئها عين، ويقرها العقل والمنطق.

فالبناء الجسدي لطارق بن زياد، كما وُصفَ في المراجع التاريخية، أنه فتى طويل القامة، ضخم أشقر، ذو مهابة، توقره عيون الناظرين إليه. كما أن له عينين تقدحان نجابة وجرأة وإصرارا .

أولاً: فكرة الفتح وبداياته

أ. فكرة الفتح

يَرْجُح من الأخبار التي وردت عن فتح الأندلس، أن فكرة فتح شبه جزيرة أيبيريا، فكرة إسلامية، بل يروى أنها فكرة قديمة، تمتد إلى عهد الخليفة الراشد، عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث كان القائد عقبة بن نافع الفهري ( توفي عام 63هـ)، عقب فتحه لشمال أفريقيا، يفكر في اجتياز المضيق إلى شبه جزيرة أيبيريا، لو استطاع.

ويروى أن أساطيل المسلمين عرفت نشاطاً على شواطئ أسبانيا الشرقية، وبعض جُزر (الجزائر الشرقية)Islas Baleares, Balearic Islands، القريبة منها وهي مَيُورْقَة  Mallorca ـ كبراها ـ ومنورقة  Menorca واليابسة Ibeza. ويذكر الذهبي في كتابه “العبر في خبر من غبر” (748هـ) أنه في سنة 89 هـ  جهز موسى بن نصير ولده عبدالله، فافتتح جزيرتي ميورقة ومنورقة.

ب. بدايات الفتح

ما كان للمسلمين أن يتجهوا إلى أرض القوط[1] Goths، قبل أن يذعن المغرب لسلطانهم. وقد أمضى المسلمون في فتحه، أكثر من سبعين عاماً، بسبب شدة مراس البربر، وقوة شكيمتهم في المقاومة والحروب (انظر خريطة فتح الأندلس، وخريطة فتح العرب للمغرب “أ”، وخريطة فتح العرب للمغرب “ب”).

قاد حملات المسلمين، على قبائل البربر في المغرب، قادة عظام، مثل: عبدالله بن الزبير[2]، وعقبة بن نافع[3] الذي استشهد على أرض المغرب وقد أسس مدينة القيروان، التي اتخذها المسلمون، قاعدة للجهاد ـ فيما بعد ـ وكانت منطلق جنود المسلمين إلى أسبانيا.

بعد استقرار الأمر في بلاد المغرب، استشار موسى بن نصير، الخليفة في دمشق (الوليد بن عبدالملك 86 ـ 96هـ)[4] في فتح شبه الجزيرة الأيبيرية. وقد تردد الوليد بادئ الأمر في القيام بهذا العمل الكبير، خوفا على المسلمين من المخاطرة في مفاوز، أو إيقاعهم في مهالك. لكن موسى بن نصير، أقنع الخليفة بالأمر، ثم اتفقا على أن يسبق الفتح اختبار المكان بالسرايا أو الحملات الاستطلاعية .

وتنفيذاً للاتفاق، أرسل موسى بن نصير، في رمضان (91 هـ /710م) سرية استكشافية، إلى جنوب شبة الجزيرة، عددها خمسمائة جندي، منهم مائة فارس على رأسهم طريف بن مالك الملقب بأبي زرعة، وهو مسلم من البربر. وقد اجتازت هذه السرية المضيق من سبتة Ceuta، ونزلت قرب جزيرة بالوما أو فيها، في الجانب الأسباني. وقد عرفت هذه الجزيرة بعد ذلك باسم هذا القائد جزيرة طريف Tarifa.

عادت حملة طريف، بالأخبار المطمئنة والمشجعة على الاستمرار في عملية الفتح. فبعد أن درس القائد طريف أحوال المنطقة، وتعرف على مواقعها، أرسل رجاله إلى عدة أماكن، منها جبل طارق، وجاءت العيون بمعلومات كانت عوناً في وضع خطة الفتح، ونزول طارق بن زياد  ـ فيما بعد ـ بجيشه على الجبل.

ويذكر المقري التلمساني حملة طريف في قوله: “فكتب موسى بن نصير إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبدالملك يخبره بالذي دعاه إليه الكونت جوليان[5]  Count Julian   من أمر الأندلس، ويستأذنه في اقتحامها، فكتب إليه الوليد، أن خضها بالسرايا، حتى ترى وتختبر شأنها، ولا تغرر بالمسلمين في بحر شديد الأهوال. فراجعه أنه ليس بحراً زَخَّاراً، إنما هو خليج منه يبين للناظر ما خلفه، فكتب إليه: وإن كان، فلا بد من اختباره بالسرايا قبل اقتحامه، فبعث موسى عند ذلك رجلاً من مواليه من البرابرة اسمه طريف، يُكنى بأبي زرعة، في أربعمائة رجل، معه مائة فرس سار بهم في أربعة مراكب، فنزل بجزيرة تقابل جزيرة الأندلس المعروفة بالخضراء، التي هي اليوم معبر سفائنهم ودار صناعتهم، ويقال لها اليوم جزيرة طريف لنزوله بها”.

ج. حملة طارق بن زياد

بعد رسم خطة البدء بعمليات الفتح، جهز موسى بن نصير، جيشاً من سبعة آلاف جندي من المسلمين البربر، ليس فيهم من المسلمين العرب إلا العدد القليل، واختار طارق بن زياد ـ والي طنجة ـ قائداً لهذه الحملة.

وفي العام التالي لحملة طريف، عبر طارق بجيشه، من سبتة إلى الطرف الأسباني، في الخامس من شهر رجب 92 هـ (أبريل 711م) .  

وقد رَدَّدَ بعض المؤرخين، أن السفن التي عبر عليها طارق بن زياد، كانت سفن جوليان، حاكم سبتة.

لكن الباحث المحقق، يُرجّح أن المسلمين كانت لهم سفنهم، التي عبروا عليها لفتح الأندلس، منذ حملة طريف الاستطلاعية (91هـ / 710م). ويستند هذا الترجيح على الأدلة الآتية:

أ.  كان المسلمون مهتمين بصناعة السفن مبكراً، لإدراكهم شدة حاجتهم إليها، حيث أقاموا عدة دور لصناعة السفن، مثل دار الصناعة في تونس، التي أقامها الحسان بن النعمان الغساني والي الشمال الأفريقي (76 ـ 86هـ).

ب.  استخدم المسلمون السفن في الحروب التي خاضوها قبل ذلك، مثل تلك التي على شواطئ تونس عام 34هـ، وهي المعركة التي تسمى “ذات الصواري”، وكان عدد سفن المسلمين فيها يبلغ مائتي سفينة.

ج.  سبق للمسلمين نشاط حربي في الشمال الأفريقي، ففي سنة 46 هـ، وجه معاوية بن حُدَيْج[6] ـ والي شمال أفريقيا ـ أسطولاً إسلامياً، عدته مائتا سفينة، لفتح صقلية . وفي سنة 86 هـ، ولى موسى بن نصير، عياتس بن أخيل، قيادة مراكب صنعت في تونس إلى صقلية.

د.  عبر طريف بن مالك المضيق بأربع سفن مع سريته إلى الأندلس. وكانت هذه السفن الأربع، هي التي عبر عليها طارق بن زياد وجنوده المضيق أيضاً .

كل ذلك، يؤكد أن المسلمين كانت لهم دُورهم التي أقاموها لصناعة السفن، وينفي مقولة أن السفن كانت لجوليان، حاكم سبتة.

وكانت نقطة تجمع الجيش الإسلامي في الطرف الأسباني، بعد أن عبر طارق بجنوده على جبل صخري، عرف فيما بعد بجبل طارق Gibraltar، كما عُرف به المضيق. وقد سُمِّي هذا الجبل ـ بعد الفتح الإسلامي ـ أسماء أخرى، مثل: الصخرة، وجبل الفتح، لكن الشائع: جبل طارق.

ونزلت الحملة على الساحل الأسباني عام 92 للهجرة / 711م، وظلّت السفن توالي نقل الجند والعتاد، من الشاطئ المغربي، إلى الشاطئ الأسباني. على أن نزول طارق وجنوده عند سفح الجبل، لم يكن نزهة بحرية، فقد لقي مقاومة عنيفة، من جند القوط، الذين كانوا يحصنون السواحل الجنوبية، بحاميات عسكرية، تحسباً لأي هجوم متوقع. وهذا أمر طبيعي، خاصة بعد ما شقَّ جوليان، الطريق بحملته، ثم أتبعه طريف بن مالك، بسريّته الاستطلاعية.

يقول ابن الكرْدبوس التوّزي، وهو من مؤرخي القرن السادس الهجري، واصفاً عمليات إنزال جيش طارق:

“فمضى طارق لسبتة وجاز في مراكبه إلى جبل طارق، الذي سُمي باسمه إلى الآن، وذلك سنة 92 للهجرة. ووجد بعض الروم وقوفاً في موضع وطئ كان عزم على النزول فيه إلى البر فمنعوه منه، فعدل عنه ليلاً إلى موضع وعرٍ، فوطّأه بالمجاذف وبراذع الدواب، ونزل منه في البرّ وهم لا يعلمون، فشنَّ غارةَ عليهم وأوقع بهم وغنمهم”.

ثانياً: حقيقة خطبة طارق بن زياد وإحراق السفن

أ. إحراق السفن

ذكر بعض المؤرخين أن طارق بن زياد، أحرق السفن التي عبر بها المضيق، كي يقطع على الجيش الإسلامي كل أمل في العودة أو النجاة، فيستميت في القتال .

ولكن السؤال هل أحرق طارق السفن حقيقة؟

إن العقل والمنطق السليمين، يستبعدان هذا التصرف من طارق بن زياد وأمثاله من القادة، الذين عرفهم التاريخ. كما تستبعدها طبيعة القيادة العسكرية الرشيدة، وتقاليدها في التاريخ الإسلامي قاطبة، وفي تاريخ فتح المسلمين للأندلس، على وجه الخصوص.

وكل القرائن تميل إلى نفيها، فمن ذلك:

1. المصادر التاريخية الباكرة، لم تشر ـ قط ـ إلى حادثة الإحراق، ونقصد بذلك المصادر الأصلية مثل:

· فتوح مصر والمغرب والأندلس، لابن عبدالحكم المصري.

· مبتدأ خلق الدنيا، والمعروف اختصارا بتاريخ عبدالملك بن حبيب، ومؤلفه عبدالملك بن حبيب المتوفى عام 238هـ.

· تاريخ فتح الأندلس لابن القوطية.

· أخبار مجموعة في فتح الأندلس وذكر أمرائها، لمؤلف مجهول.

· تاريخ علماء الأندلس، لابن الفرضي.

· قضاة قرطبة، للخشني.

· المقتبس لابن حيان، للقرطبي.

· المتين، للقرطبي أيضاً.

· نقط العروس، لابن حزم الأندلسي.

· سراج الملوك، للطرطوشي.

هذه المصادر هي الأقدم، ويتراوح تأليفها ما بين القرنين الثالث والخامس الهجريين، ولو أن حادثة الإحراق كانت واقعة صحيحة، لأثبتتها تلك المصادر، ولنقلت عنها ذلك، المصادر التاريخية المتأخرة.

2. أما المصادر التاريخية التي أوردت حادثة إحراق السفن، فهي:

· تاريخ الأندلس، لابن الكردبوس، وهو أول المصادر إثباتا لتلك الواقعة.

· نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، للإدريسي.

· الروض المعطار، للحميري.

وهؤلاء المؤلفون الثلاثة هم أول من تحدث عن واقعة إحراق السفن، (وعنهم نقلت المصادر المتأخرة)، وقد عاش ثلاثتهم في القرن السادس، أي في حقبة متأخرة عن حقبة المؤرخين السابقين. واللافت للنظر أن الإدريسي ـ وهو على ما يبدو أول من أثبت تلك الحادثة ـ لم يذكر لنا المصدر الذي نقل عنه.

وعن الإدريسي نقل كل من الحميري وابن الكردبوس .

3. أما المؤرخون المحدثون، وهم كثر، فيرفضون هذه الواقعة.

وقد علل رفضها كل من الدكتور محمود على مكي، والأستاذ محمد عبدالله عنان وكلاهما عالم واسع الباع، ومحقق في الدراسات الأندلسية.

ولو تجاوزنا آراء المؤرخين ـ قدماء ومحدثين ـ واعتمدنا على قرائن أخرى تدل على الرفض، لكان في مقدمة تلك القرائن، أن جند طارق لم يكونوا يفتقرون إلى الحماسة، وصدق الرغبة في القتال، حتى يضطرهم طارق بحرق السفن إلى تغيير مواقفهم.

كما أنه من غير المقبول عسكرياً أن يرتكب قائد، مثل طارق بن زياد، عملاً يضعف قوة جيشه، ويحرمه من المدد الذي يوافيه من القيادة، أو على الأقل يبطئ به.

ويبقى السؤال قائماً:

ما الذي جعل بعض المؤرخين يشيعون حادثة إحراق السفن؟!

والجواب أن ثمة سببين:

الأول: عبارة وردت في الخطبة المنسوبة إلى طارق، تقول: “البحر من ورائكم، والعدو أمامكم … “. ففُهم منها أن لا سبيل للعودة إذ أُقفل بابها، ويبقى الخيار الآخر، قتال العدو، هو الخيار الوحيد أمام الجُند.

وعلى افتراض صحة هذه العبارة، وصدق النص الذي وردت في تضاعيفه، فإنها لا تستلزم قط اقترانها بحرق السفن، فالعبارة ـ على كل حال ـ تصور الواقع والموقع. فقد كان موقف المهاجمين المسلمين حرجاً للغاية، إذ كان البحر ـ بالفعل ـ وراءهم، والعدو أمامهم. والمقصود ـ غالباً ـ هو إشعار الجند بحرج الموقف حتى يستبسلوا في القتال.

والسبب الثاني الذي يكمن وراء هذه الشائعة التاريخية، شخصية طارق بن زياد الفذة، وهي شخصية بحكم بسالتها وعبقريتها القتالية، وبحكم الإنجاز العسكري الكبير الذي حققته أغرت المؤرخين بأن ينسجوا حولها ما نسجوا من أحداث، على نحو أسطوري .

ب. خطبة طارق

لما بلغ طارقاً نبأ اقتراب لذريق Rodrigo، بجيشه القوطي الكثير العدد، قام في أصحابه فحمد الله سبحانه وتعالى، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم حث المسلمين على الجهاد، ورغّبهم في الشهادة، قائلاً: “أيها الناس: أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة، أضيع من الأيتام، على مأدبة اللئام وقد استقبلكم عدوكم بجيشه، وأسلحته وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات لكم، إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام، على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمراً، ذهبت ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم، الجراءة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم، خذلان هذه العاقبة من أمركم، بمناجزة هذا الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة. وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن، إن سمحتم لأنفسكم بالموت. وإني لم أحَذِّركم أمراً، أنا عنكم فيه بنجوة، ولا حملتكم على خطة، أرخص متاع فيها النفوس، إلا وأنا أبدأ بنفسي.

واعلموا أنكم إن صبرتم، على الأشق قليلاً، استمتعتم بالأرفه والأَلَذِّ طويلاً. فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفى من حظي، وقد بلغكم ما أَنْشَأَتْ هذه الجزيرة من الحور الحسان، من بنات اليونان، الرافلات في الدر والمرجان، والحلل المنسوجة بالعِقْيَان، المقصورات في قصور الملوك ذوي التيجان.

وقد انتخبكم الوليد بن عبدالملك، أمير المؤمنين من الأبطال عربانا، ورضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهاراً وأختاناً، ثقة منه بارتياحكم للطِّعَان، واستماحكم بِمُجَالَدَةِ الأبطال الفُرْسَان، ليكون حظه منكم ثواب الله، على إعلاء حكمته، وإظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مَغْنَمُها خالصا لكم من دونه، ومن دون المؤمنين سواكم. والله ـ تعالى ـ وليُّ إنجادكم على ما يكون لكم ذكراً في الدارين. واعلموا أني أول مجيب لما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين، حامل بنفسي على طاغية القوم: لذريق، فقاتله إن شاء الله تعالى. فاحملوا معي، فإن هلكت بعده، فقد كفيتكم أمره، ولم يُعْوِزْكُم بطل عاقل تسندون إليه أموركم. وإن هلكت قبل وصولي إليه، فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا إليهم من فتح هذه الجزيرة بقتله، فإنهم ـ بعده ـ يخذلون”.

والباحثون مختلفون حول نسبة هذا النص الأدبي البليغ إلى طارق بن زياد. فهناك من يستبعد نسبته إليه، ولهم في ذلك جملة من القرائن، نوجزها فيما يلي:

1. أن طارق بن زياد ـ على ما قدمناه ـ كان فتى بربرياً، حديث العهد باللغة العربية، كما أن مجتمعه البربري ـ أيضاً ـ كان كذلك. فلم تكن العربية قد تغلغلت إلى ألسنة القوم بعد. ولم يكن مجتمع البربر، قد تعرب في تلك الفترة الوجيزة، فضلاً عن هذه الصياغة البيانية الرفيعة، التي عليها تلك الخطبة، وذلك ما يؤكد استبعاد نسبتها إلى طارق.

2. بعض الإشارات الواردة في ثنايا الخطبة توحي بأنها منحولة، ولم يقلها طارق، مثل:

أ. “وقد انتخبكم الوليد.. من الأبطال عرباناً” فالجنود المخاطبون في جيش طارق من العرب، قلة قليلة، فأكثرهم ـ كما قدمنا ـ من البربر.

ب. “وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة.. من بنات اليونان” وكان معروفاً، أن بنات أسبانيا لم يكن يونانيات. وهو أمر لا يجهله طارق ولا جنوده.

3. لو صح أن طارقاً صاحب هذه الخطبة البليغة، لما كان من المعقول، أن يلقيها إلى جند هم من البربر، في الأعم الأغلب، وليس بوسعهم، أن يفهموا هذا الكلام العربي البليغ.

4. المصادر العربية الأولى ـ مغربية وشرقية ـ لم تورد هذه الخطبة، مع أن تلك المصادر، حفلت بالكثير من أخبار فتح الأندلس. ومن هذه المصادر، على سبيل المثال: تاريخ افتتاح الأندلس لابن القوطية ، وأخبار مجموعة لمؤلف مجهول .

5. لم يرد نص هذه الخطبة المنسوب إلى طارق، إلا في بعض المصادر الأندلسية المتأخرة، مثل كتابي: المُسْهب، والمُغرب في حُلي المغرب.

وقد لا يستبعد، أن يكون طارق قد خطب في جنوده بلغته الأصلية، ثم ترجمت إلى العربية بهذا الأسلوب البليغ.

ثالثاً: فتح الأندلس (انظر خريطة فتح لأندلس)

أ. خط سير الحملة

لجأ طارق إلى وسائل التمويه والحذر، لإخفاء أنباء جيشه، وهجومه، لكن ذلك لم يلبث أن تَكَشَّف لجيش لذريق، ولكن بعد فوات الأوان.

كان لذريق مشغولاً، في أقصى الشمال، بإخضاع بعض قبائل البشكنس الثائرة، في جبال البرانس Pyrenees. وكان ذلك يعني، أن حملة طارق اختارت الوقت المناسب، وأن الأخبار التي توافرت لديها عن تحركات لذريق، مكنتها من الوثوب، في اللحظة المناسبة.

وترامت أنباء الفتح الإسلامي إلى لذريق، فأصدر أوامره بالتصدي للمسلمين الفاتحين، وإيقاف زحفهم. فتحرك جيش قوطي بقيادة (بنج) المعروف باسم (بنشو)، في المراجع الأسبانية. ولكن (بنج) ما لبث ـ لأول لقاء ـ أن هزمه المسلمون هزيمة نكراء.

وهنا اضطر لذريق، أن يتحرك بنفسه، على رأس جيش كثيف العدد، بعد ما أيقن أن المسلمين قادمون للفتح، لا لمجرد الإغارة، والسلب، والنهب، والغنيمة، كما روج عنهم خصومهم المُسْتَخِفون بشأنهم.

وضماناً لتوحيد الصفوف، وتشكيل جبهة عسكرية قوية، فقد كان على لذريق ـ وهو رجل لا يُستهان به ـ أن يصالح أبناء غيطشة Witiza، الملك المخلوع، ثم ما لبث لذريق أن استولى على (قرطبةCordoba)[1]، ليقطع الطريق على المسلمين، ويتحرك صوبهم.

أما طارق بن زياد، فكان في موقف عسكري قوي، بعد أن قام بحركة التفاف، حول الحامية الأسبانية، المرابطة في أقصى الجنوب، ونزلت قواته العسكرية، في مكامن حصينة، أتاحت لها مواقع إستراتيجية قوية.

وعمد طارق، إلى تحصين أول قاعدة، تسنى له الاستيلاء عليها، قبل أن يتوغل إلى الداخل، ثم استولى على بلدة ( الجزيرة الخضراء)[2]، قبالة الجبل الذي حل بسفحه، ليحمل فيما بعد اسمه، وتسمى (جبل طارق).

وفي الوقت نفسه، ظل طارق على اتصال وثيق، بقاعدة سبتة الحصينة، في العدوة المغربية.

ب. المعركة الفاصلة: (معركة البرباط)

في عام 92 هـ (711م) التقى الجيشان، جيش طارق بن زياد، وجيش القوط، في كورة شذوُنَه Sidonia جنوب غرب أسبانيا، في سهل الفرنتيرة Frontera جنوب بحيرة الخندق Janda ونهر برباطBarbate  المتصل بها. وقد تُعْرَفُ معركة نهر برباط في الرواية الإسلامية بمعركة “وادي بكَّة” أو “لَكَّةْ” Guadalete، لعله مأخوذ من Lago وهو البحيرة، أي بحيرة الخندق، حيث صارت البحيرة علماً على المكان، أما وادي لَكُهْ، المعروف في الجغرافيا الأسبانية الحديثة، فيقع إلى الشمال منه، ويصب في خليج مدينة قادس Cadiz  ويصب نهر برباط في المحيط الأطلسي (الأطلنطي) عند الطرف الأغر Trafalgar.

كان اللقاء بين المسلمين والقوط حاسماً، ومنّ الله على المسلمين بالنصر الكبير، فشُتِّتَ الجيش القوطي، وقُتِل “لذريق”، وفي رواية أنه غرق. وَصدَقَ المسلمون القتال، وحملوا حملة رجل واحد على أعدائهم، فخذلهم الله وزلزل أقدامهم وتبعهم المسلمون بالقتل والأسر، “ولم يعرف لملكهم “لذريق” خبر، ولا بان له أثر، فقيل إنه تَرَجَّلَ، وأراد أن يستتر في شاطئ الوادي، فصادف غديراً فغرق فمات” . في حين تذكر بعض الروايات أن “لذريق” فَرَّ من الميدان والتقى بالمسلمين في معركة أخرى، شمالي أسبانيا، قُتِلَ فيها (انظر خريطة فتح المسلمين للأندلس). لكن هذا الرأي ضعيف لا تَدْعَمُهُ الأدلة .

وبدأ طارق يتعقب فلول الجيش القوطي، التي لاذت بالفرار. وسار الجيش الإسلامي فاتحاً بقية شبه الجزيرة الأيبيرية. وكانت معركة وادي برْبَاط فاصلة، غنّم فيها المسلمون غنائم كثيرة، ولم يلاق المسلمون بعد هذه المعركة مثل هذا التجمع الكثيف، وإن مرت بهم معارك حاسمة وقوية.

فَرَّق طارق بعض جنده في بعوث جانبية، وتوجه هو إلى طليطلة Toledo، عاصمة مملكة القوط. لكن الجيش القوطي تجمع عند مدينة “اسْتجَّةَ  Ecija”، فزحف طارق إليه، فاتحا في طريقه بعض المدن .

مَرَّ طارق أولاً بمدينة شَذْونه وفتحها بعد حصار، ومضى إلى “مَوْرُور  Moron” وفتحها، ثم عطف على مدينة “قَرْمُونَة  Carmona” ثم تقدم إلى أشبيلية  Sevilla، فتم له فتحها صلحاً، واتجه بعدها إلى مدينة اسْتِجَّة.

ودارت معارك حامية، هزم فيها الجيش القوطي، وفتحت المدينة .

وجه طارق من “اسْتِجة” سرايا من جنده إلى عدة جهات

*  فبعث جيشاً بقيادة مغيث الرومي لفتح مدينة قرطبة في سبعمائة فارس ، واستطاع مغيث فتح المدينة دون مشقة كبيرة.

*  وأرسل جيشاً آخر إلى مدينة مالقة Malaga .

*  وأرسل جيشاً آخر إلى كُورة إلْبيرة. حيث فتح مدينة غرناطة Granada، وكذلك إلى كورة تُدْمير. وكانت قاعدتها أُورْيَولة، التي حلت مدينة مُرْسِية Murcia محلها، قاعدة لكورة مُرْسية بدلاً من تُدمير.

*  سار طارق شمالاً إلى منطقة وادي الحجارة Guadalajara، حتى وصل إلى مدينة المائدة والتي تعرف اليوم باسم قلعة هنارس Alcala de Henares، أو بعدها.

وعلى هذا يكون خط سير حملة طارق بن زياد كالآتي:

*  سبتة، جبل طارق، الجزيرة الخضراء.

*  وادي نهر برباط (المعركة الفاصلة، 92هـ).

*  مدينة شذونه، ثم مورور، فقرمونه، فأشبيلية.

*  اسْتجَّة منها سارت السرايا إلى:

*  قرطبة، ومالقة وغرناطة، ثم مدينة كورة إِلْبِيرَة وكورة تدمير وقاعدتها أُوريولة، ثم منطقة وادي الحجارة، فمدينة المائدة .

رابعاً: لقاء طارق وقائده موسى بن نصير

كان طارق بن زياد على اتصال ـ خلال تحرك الحملة ـ بقائده موسى بن نصير. يفتح الفتوحات باسمه وبناء على تعليماته، ويطلعه على سير المعارك أولاً بأول.

وقد طلب طارق بعض الإمدادات قبل معركة وادي لَكُهْ، وكتب إلى قائده موسى بن نصير.

فجهز موسى، جيشاً قوامه ثمانية عشر ألفاً وعبر المضيق إلى أسبانيا سنة 93هـ / يونيه 712م، فاجتاز المضيق إلى أسبانيا، حيث جبل طارق إلى الجزيرة الخضراء. ويقال عبر الأندلس من ناحية الجبل المنسوب إليه المعروف اليوم بجبل موسى، بعد أن استخلف ابنه عبدالله على أفريقيا، وصحب معه ابنيه عبدالعزيز وعبدالأعلى.

انتظر موسى في الجزيرة الخضراء، يستكمل ترتيبات الجيش، وللتشاور في خطة الفتح، وأقام في هذا الموضع مسجداً عرف بمسجد الرايات، لتجمع الرايات في هذا المكان، وقيل إن موسى بن نصير، لم يبرح موضعه، ولا فارق مشهده حتى أمر بتخطيط الموضع واتخاذه مَسْجِداً.

فتح شذونة وأشبيلية

تحرك موسى بجيشه نحو شذونة، فكانت أول فتوحاته، ثم توجه إلى مدينة قرمونة، وليس بالأندلس أحصن منها. وقد فتحها بحيلة انطلت على حراسها. وتوجه بعد ذلك إلى أشبيلية جارتها فحاصرها، وهي عاصمة المملكة قبل طليطلة، فامتنعت أشهراً على موسى، ثم فتحها الله عليه.

فتح ماردة ولبلة وباجة

وسار موسى نحو مدينة ماردة Merida وفتح في طريقه إليها مدينة لفنت، وهناك بعض المصادر التي تذكر أن موسى فتح ولبلة Niebla وباجة Beja، قبل ماردة.

وكان خط سير حملة موسى بن نصير، منذ عبوره المضيق عام 93هـ، كالآتي:

  • سبتة، الجزيرة الخضراء.
  • مدينة شذونة، ثم قرمونة، ثم أشبيلية.
  • لفنت ثم ماردة.
  • ولبلة وباجة.

وفي بداية ذي القعدة سنة 94هـ، زحف موسى صوب طليلة، وكتب إلى طارق بالتوجه إليه، في كوكبة من جيشه.

عسكر موسى بن نصير في مكان يستعرض فيه الجيش، عرف بوادي المعرض Almaraz، حتى لحق طارق به.

وقد ذكرت بعض المصادر أن لقاءهما كان عند طليطلة أو قرطبة، والراجح أنه كان خارج مدينة طلبيرة Talavera de la Reina، التي تبعد 150 كيلومتراً غرب طليطلة.

وأورد المقري أن موسى بن نصير توجه من ماردة بعد شهر شوال 94هـ يريد طليلة، وبلغ طارقاً خبره، فاستقبله في وجوه الناس، فلقيه في موضع من كورة طلبيرة. وقد يكون موسى فتح طلبيرة أو أن طارقاً سبقه إلى ذلك!

وعلى كل التقى موسى وطارق في ذلك العام، وسارا معاً نحو طليطلة.

وتذكر روايات ـ أكثرها أسبانية ـ أن لذريق، آخر ملوك القوط، كان يتحين الفرص للإيقاع بالمسلمين. فوجد فرصته في مهاجمة الجيش الإسلامي في ذي القعدة 94هـ، سبتمبر 713م، ودارت معركة قوية عند السواقي، انقض فيها الجيش الإسلامي على لذريق وجيشه، وقُتل لذريق بيد مروان بن موسى بن نصير.

وصل موسى وطارق بجنودهما إلى طليطلة ( ذو القعدة ـ ذو الحجة 94هـ / خريف 713م)، وقضيا فصل الشتاء ـ أو جله ـ بها، يرتبون أحوالها، وينظمون شؤونها، ويستريحون، ويتهيئون ويخططون لفتح شمال شبه الجزيرة الأيبيرية. وضُربت العملة الإسلامية لأول مرة بالأندلس.

خامساً: فتح شمال شبه الجزيرة الأيبيرية (انظر خريطة الفتوحات في أيبيريا)

عند انتهاء الشتاء، وحلول فصل الربيع، تهيأ الجيش الإسلامي لترك طليطلة متجها إلى الشمال، تحت قيادة طارق بن زياد إلى المنطقة، التي عُرفت بالثغر الأعلى. ففتح مدينة سرقسطة Zaragoza أو المدينة البيضاء، دون قتال شديد، ولبثوا فيها مدة ينظمون أحوالها، وأقاموا بها مسجدا، خططه، وحدد قبلته، مهندس المساجد في الغرب الإسلامي أثناء الفتح، التابعي الجليل “حنش بن عبدالله الصنعاني”[1]. وكان قد أشرف على بناء عدد من المساجد، في أفريقيا.

كما فُتحت مناطق حول سرقسطة، أو تابعة لها، ومدن أخرى في تلك الناحية مثل: وشقة Huesca، ولارِدة Lerida، وطركونة Tarragona. وتعد مدينة برشلونة Barcelona أهم المدن التي فُتحت في هذه المرحلة.

ولم توفر المصادر الأولى معلومات واضحة، عن فتح كل هذه المدن. ويذكر ابن خلدون، أن موسى “توغل في الأندلس إلى برشلونة في جهة الشرق” لكن المقري ـ نقلا عن ابن حيان ـ يذكر أن بعوث طارق هي التي فتحت برشلونة.

وتذكر بعض المصادر أن موسى افتتح مناطق عبر جبال البرت، في الأرض الكبيرة، وأنه قاد هذا الجهاد بنفسه، أو بالسرايا التي أرسلها، حيث فتح أماكن في جنوب فرنسا من بلاد الفرنجة مثل: فرقشونة Carcassonne وأربونة Narbonne، وأبنيون Avignon وليون Lyon على وادي رودنة، وهو نهر الرون Rhone.

سلك طارق طريقه من سرقسطة نحو الغرب، والشمال الغربي، محاذياً الضفة الجنوبية لنهر إبرة، فسار بجيشه بإتجاه بلاد البشكنس (نبارة، نافار Navarra).

في حين سلك موسى يميناً منحدراً مع نهر إبره Ebro، نحو الشرق، والشمال الشرقي محاذيا يسار النهر (ضفته اليسرى)، أو الشمالية، نحو الشمال والغرب، في خط يكاد يكون موازيا لسير طارق، مطهراً المنطقة من الجنوب، وفاتحاً مدنها في مناطق عرفت عند الكتاب الأندلسيين باسم ألبة Alava والقلاع Castella، (القلاع هي قشتالة القديمة، مقابل قشتالة الجديدة، فيما بعد، التي اشتملت طليطلة وما حولها).

سادساً: نهاية موسى وطارق

أحس الخليفة الوليد بن عبدالملك، خطراً على المسلمين، من اندفاع جيوش طارق وموسى في أرض بعيدة منقطعة، ومحاطة بمناطق غير إسلامية. وقد سبق أن عارض الوليد فكرة الفتح قبل ذلك لهذا السبب، ولخوفه على المسلمين، أن يخوضوا المخاطر، ويركبوا المهالك . لذلك أرسل يستدعي طارقاً وموسى إلى دمشق.

وقد ذكر بعض المؤرخين، أن موسى كان يفكر، في فتح ما وراء جبال البرت، ولعل هذا ما دفعه إلى مواصلة الجهاد، حتى وصل إلى أربونة جنوب فرنسا، بل قيل إنه كان ينوي فتح القسطنطينية، والوصول إلى دمشق من هذا الطريق. فيفتح دولة الفرنجة (فرنسا) وشمال إيطاليا، حتى بلاد اللمبابرد، وبقية إيطاليا (وروما) ثم جنوب بلاد السلاف، وسهول الدانوب (يوغسلافيا وبلغاريا)، فالدولة البيزنطية حيث يفتح القسطنطينية، ثم آسيا الصغرى (تركيا) حتى يصل إلى دمشق .

استغرق جهاد طارق وموسى لفتح الأندلس أكثر من ثلاث سنوات. وبينما هما في شدة الظهور وقوة الأمل، قدم عليهما رسول الخليفة يستدعيهما للعودة إلى دمشق.

خرج موسى من مدينة لك بجليقية، ووافاه طارق في الطريق، ومضيا معاً، ومعهما جمع من الناس ممن اختار الرجوع إلى الشام. وولىّ موسى ابنه عبدالعزيز على إمارة الأندلس .

عاد موسى إلى دمشق، ومعه طارق بن زياد، عبر الشمال الأفريقي ومصر، وولى ابنه عبدالملك على المغرب الأقصى، وابنه عبدالله على أفريقيا في القيروان، وقد وصلها في أوائل جمادى الأول سنة 96هـ (يناير 715م) والخليفة الوليد على فراش المرض. وتوفي الوليد بن عبدالملك بعد وصول موسى بأربعين يوما في أواسط جمادى الآخر سنة 96هـ .

تولى الخلافة بعد الوليد، أخوه سليمان بن عبدالملك (96 ـ 99هـ)، وتقول بعض الروايات أن سليمان لم يحسن معاملة القائد الفاتح موسى بن نصير ، ومع ذلك، تذكر الروايات أن الخليفة سليمان، حين حج بالناس، دعا موسى للحج معه عام 97هـ .

توفى موسى بن نصير، وهو في طريقه للحج، برفقة الخليفة، في المدينة المنورة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، أو في وادي القرى (العلا حاليا) أواخر سنة 97هـ وعمره ثمان وسبعون سنة أو يزيد ، وكان ـ فيما يروى عنه ـ قد سأل الله عز وجل، أن يرزقه الشهادة في الجهاد أو الموت في المدينة .

أما طارق بن زياد، فلا نكاد نعرف شيئاً عما حدث له بعد وصوله إلى دمشق، غير أن هناك روايات تذكر أن سليمان رغب في تولي طارق حكم الأندلس، وبعد ذلك لا نعرف شيئا، هل بقى طارقّ في دمشق، أم عاد إلى المغرب والأندلس . لا أحد يعرف.

المصادر والمراجع

  1. أحمد بن محمد المقريّ، “نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب”، وذكر وزيرها لسان الدين الخطيب”، تحقيق إحسان عباس، بيروت، 1388هـ / 1968م.
  2. حسين مؤنس، “فجر الأندلس”، القاهرة، 1959.
  3. عبدالرحمن على الحجي، “التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة”، دار القلم، بيروت، ط (3)، 1407هـ / 1987م.
  4. عبدالملك بن الكردبوس التوزي، “الاكتفاء في أخبار الخلفاء”، حقيق أحمد مختار العبادي، مدريد، 1971.
  5. على بن موسى بن سعيد المغربي الأندلسي، “المغرب في حلي المغرب”، تحقيق د. شوقي ضيف، القاهرة، 1964.
  6. محمد بن أبار أبوعبدالله، “الحلة السيراء”، تحقيق حسين مؤنس، القاهرة، 1963.
  7. محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي شمس الدين، “العبر في أخبار من غبر”، تحقيق صلاح الدين المنجد وآخرون، الكويت، 1963.
  8. محمد بن أيوب بن غالب الغرناطي، “فرحة الأنفس في أخبار الأندلس”، تحقيق لطفي عبدالبديع، مجلة معهد المخطوطات العربية، القاهرة، 1955.
  9. محمد بن عبدالمنعم الصنهاجي الحميري، “الروض المعطار في جني الأقطار، منتخب في صفة جزيرة الأندلس”، تحقيق ليفي بروفنسال، القاهرة، 1937.
  10. محمد المراكشي أبو عبدالله ، “البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب”، تحقيق لوران وليفي بروفنسال، باريس، 1948.
  11. محمد عبدالله عنان، “دولة الإسلام”، القاهرة، 1389هـ / 1969م. “الآثار الباقية في أسبانيا والبرتغال”، القاهرة، 1381هـ / 1961م.
  12. محمد عبدالوهاب الغساني، “رحلة الوزير في افتكاك الأسير”، المغرب، 1941.
  13. محمد بن محمد بن عبدالله الإدريسي، “صفة الأندلس من نزهة المشتاق”، أمستردام  ، 1969.
  14. “الموسوعة العربية العالمية”، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع، الرياض، ط (1)، 1416هـ/ 1996.