قضايا أمنية

داعش بين الكيانية السياسية والفكر السياسي

وليد عبد الحي

عندما يتجسد الفكر السياسي في مؤسسات ميدانية متعددة المهام نكون حينها إزاء كيانية سياسية ، أي وجود عضوي يقوم على فكر سياسي يتمحور حول تنظيم العلاقة بين المجتمع والسلطة السياسية، أما الفكر السياسي فهو جهد نظري يقوم على تصور عقلي لما يجب ان يقوم على اساسه الكيان السياسي.
وانهيار الكيانية السياسية لا يعني ” غياب الفكر الذي أسس لهذه الكيانية” ، وليس هناك فكر انساني تلاشى بالكامل سواء تجسد او لم يتجسد في كيانية سياسية، فبعد موت ارسطو وافلاطون وسقراط بأكثر من 24 قرنا، ما تزال كل جامعات العالم تدرس فكرهم السياسي، ولم تغب الكنفوشية عن الأدبيات السياسية الصينية رغم الجبروت الماوي، وها هو يعود بشكل أكثر مهابة في الثقافة الصينية، وهاهو الحزب الديني الهندوسي- جاناتا- بعد أكثر من عشرين قرنا ايضا يحكم في الهند ويجسد فكرا هو الاكثر كراهية للاسلام في العالم ، وما زال الفكر السياسي الاسلامي بأطيافه المختلفة باق هنا وهناك، ورغم انهيار الاتحاد السوفييتي فإن الفكر الشيوعي ما زال مجسدا في أحزاب ومفكرين في كل دول العالم، بل إن النازية التي تم سحق كيانها السياسي بشكل تام لا تزال قادرة على الاطلال بين الحين والآخر في الشارع وعلى صفحات الكتب والصحف…
انهيار الكيان السياسي هو تعبير عن عجز الفكر السياسي في التناغم مع معطيات البيئة التي يسعى لتجسيد ذاته فيها بكيانية سياسية ، فالفكر الديني في إيران انجز كيانية سياسية، وفي تركيا تمكن فكر ديني من التجسد في كيانية سياسية ، والفرق بين النموذجين وبين داعش أن النموذجين سعيا لسكب التاريخ في دورق الحاضر، بينما داعش حاولت سكب الحاضر في دورق التاريخ .
عندما قيم الشيوعيون السوفييت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي سبب الانهيار ، وصلوا لنتيجة محددة هي أن ايقاع التغير في البيئة الدولية كان يسير بوتيرة أسرع كثيرا من ايقاع التكيف السوفييتي معه، واتسعت الفجوة بين الايقاعين فكان لا بد من الانهيار…وفي فرنسا يمثل ماكرون مراجعة للفكر الاشتراكي الفرنسي، وقد ينجح او يفشل ، لكن الفكر الاشتراكي سيطل علينا من حين لآخر..والصهيونية فكر سياسي ينتمي في منهجيته الفكرية لأكثر من قرنين، ويتكئ على ذاكرة تاريخية تعود لآلاف السنين… بل إن الاساطير لا تزال تطوف في عقول الملايين من البشر..
هل ستعود داعش بنسخة منقحة؟ ربما، لكن هل ستنجح في ارساء دعائم كيانية سياسية قادرة على البقاء ؟ هذا ما اشك فيه وسيجعلني أكرر ما قلته في بداية ظهورها بانها ستكون ظاهرة كيانية عابرة..والكيانية السياسية لا تقاس اعمارها بالسنين بل بالعقود والقرون..فأنا أقرب للاعتقاد مثلا ان التجربتين الايرانية والتركية سيعتريهما تغير جذري ولكن بسيناريو اكثر عقلانية من ظاهرة داعش وبمدى زمني يتجاوز المدى العابر…

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock