الكاتب : محمد مجدان – كلية العلوم السياسية و العلاقات الدولية – جامعة الجزائر 3

الملخص: إن هذه الدراسة تتناول بالتحليل التهديدات الأمنية الجديدة غير العسكرية، أو ما يسمى بالجريمة المنظمة، التي تهدد منطقة أصبحت ذات أهمية قصوى على الساحة العالمية، وهي منطقة ا لساحل الأفريقي، بتبيان طبيعة هذه التهديدات وخلفياتها. بالإضافة إلى الآثار الخطيرة التي تتركها على الأمن والإستقرار هناك. أما أهمية هذه الدراسة فنابعة من أن هذه التهديدات الأمنية غير العسكرية، تعتبر خطيرة جدا، ليس على أمن المنطقة واستقرارها فقط، بل وعلى الأمن الإقليمي والعالمي كذلك. وتنتهي هذه الدراسة إلى أن التهديدات الأمنية غير العسكرية، في منطقة الساحل الأفريقي، والدول المجاورة لها، نتيجة لاعتبارات كثيرة، أصبحت ذات علاقات متشابكة ومتكاملة فيما بينها.

مقدمة: إن منطقة الساحل الإفريقي هي ذلك الخط الفاصل بين إفريقيا الشمالية، وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وهي تضم الدول التالية : السنغال، غامبيا، موريتانيا، مالي، النيجر، تشاد، نيجيريا، بوركينافاسو، غينيا بيساو، الرأس الأخضر، السودان، إثيوبيا، الصومال وكينيا” ولقد بقيت هذه المنطقة لمدة طويلة معزولة ومهمشة بعيدة عن العالم، غير أنها بدأت تكتسب أهمية عظمى، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة. وزاد هذا الاهتمام أكثر في الآونة الأخيرة، إذ أخذت تستقطب اهتمام ونفوذ القوى الدولية الكبرى، مما أخرجها من إطار النسيان والتهميش، لتحظى باهتمام بالغ. ويعود هذا إلى عدة أسباب واعتبارات لعل أهمها:

الإرهاب الذي استقر في المنطقة، وأزمة الطوارق ويضاف إلى هذا اكتشاف البترول في هذه المنطقة والذي صادف زيادة الاحتياج العالمي الكبير إليه، مع بروز مؤشرات تدل على تراجع نسبة الإنتاج والاحتياطي العالمي منه في مناطق أخرى، بالإضافة إلى غنى المنطقة بثروات طبيعية ومعدنية أخرى، ذات أهمية قصوى، مثل اليورانيوم والذهب والفوسفات والألماس والحديد. .، وغيرها، كل هذا جعل منطقة الساحل محلا للاستقطاب ولأطماع القوى الدولية، وخاصة الكبرى منها، كأمريكا وفرنسا والصين… وغيرها

وبالتوازي مع هذا، عرفت ذات المنطقة تزايدا واسعا وخطيرا لتهديدات أمنية غير عسكرية، نتيجة شساعتها، ولأسباب أخرى، سوف نتناولها لاحقا وتتمثل هذه التهديدات في الإرهاب، تجارة المخدرات وتهريبها، تجارة السلاح وتجارة البشر، بالإضافة إلى خطف الرعایا، والهجرة غير الشرعية، وتبييض الأموال، والتي يمكن إدراجها كلها فيما يسمى بالجريمة المنظمة، وكذلك انتشار الفقر والأمراض والتلوث البيئي، وغيرها من التهديدات الخطيرة، كلها أصبحت تشكل هاجسا خطيرا يهدد أمن وسلامة الفرد ، واستقرار المجتمع والدول، وخاصة القريبة من المنطقة والمجاورة لها، إذ تعتبر هذه الأعمال هجوما مباشرا على السلطات السياسية المحلية وأركانها، وتحديا لها ، تساهم في المساس بالمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية، والإخلال بالتنمية، بالإضافة إلى أضرار وتهديدات أمنية مختلفة ومتعددة، بل أصبحت هذه الأعمال الإجرامية تشكل تهديدا مباشرا للأمن والإستقرار على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

فما هي مظاهر التهديدات الأمنية؟ وما هي أسبابها وانعكاساتها المختلفة على المنطقة؟

مظاهر التهديدات الأمنية في منطقة الساحل:

من خلال ما أشير قبل قليل، نجد أن هذه التهديدات الأمنية غير العسكرية، تتمثل خاصة في الأمور التالية: تهريب وتجارة المخدرات، تهريب وتجارة البشر، تهريب وتجارة السلاح، والظاهرة الإرهابية.

1-تهريب وتجارة المخدرات:

تشير الإحصائيات إلى أن حوالي 240 طن من الكوكايين و 820 طن من الهيروين، يتم ترويجها في العالم مرورا بالقارة الإفريقية، عبر دول الساحل والصحراء، وكأمثلة على ذلك، ففي الفترة بين 2005 و 2008 استقبلت المنطقة عشرات الأطنان من الكوكايين، بلغ 46 طن كما أنه في الفترة بين 2005 و 2007، فقد تم القبض على أكثر من 4870 شخصا من المهاجرين غير الشرعيين، متورطين في المتاجرة بالمخدرات في الجزائر، معظمهم أفارقة”.

كما أنه حسب إحصائيات قدمها مكتب الأمم المتحدة لسنة 2008، فقد تم حجز 75 كلغ من الكوكايين على الحدود الجزائرية المالية، قيمتها حوالي 45 مليون دولار، وهذا الكم الهائل الذي يدخل الجزائر وغيرها من الدول المجاورة للساحل، يتم المتاجرة به وترويجه لا هذه الدول نفسها، والبعض يتم إيصاله إلى أوروبا أو جهات أخرى من العالم، كل هذه الإحصائيات وغيرها من الأرقام، تدل على دور منطقة الساحل في عملية تهريب المخدرات والمتاجرة بها وترويجها.

ولا يخفى أن جريمة الاتجار وتهريب المخدرات تعد تهديدا خطيرا لأمن الدول، إذ يمس بتأثيراته السلبية الخطيرة ، جميع مكونات الأمن الوطني : الفرد ، المجتمع والدولة…وغير ذلك.

ومما ساعد عصابات المخدرات على توسيع نفوذها وبسط سيطرتها في منطقة الساحل، هوشساعة المنطقة، بالإضافة إلى وجود تلك العلاقة القوية التي تربط هذه العصابات بمختلف المنظمات الإجرامية الناشطة على المستوى العالمي، مثل منظمات تبييض الأموال تجار البشر، تجارالأسلحة، والجماعات الإرهابية مما أكسبها إمكانيات مادية ولوجيستيكية كبيرة جدا ، وزاد من صعوبة مراقبتها أو إيقافها في هذه المنطقة.

2-تجارة و تهريب البشر

أصبحت هذه التجارة تمثل إحدى التحديات الخطيرة التي تهدد أمن وكيان الدول والمجتمعات واستقرارها ويقصد بتهريب البشر، تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيوائهم عن طريق التهديد بالقوة، أو باستعمالها الفعلي، أو غير ذلك من الأشكال كالاختطاف، أو عن طريق الحصول على مبالغ مالية من هؤلاء الأشخاص، مقابل نقلهم إلى الأماكن التي يرغبون الذهاب إليها عبر حدود الدول، أو ما عرف بظاهرة الحرقة، والهجرة غير الشرعية. وغالبا ما تكون عملية التهريب هذه غير مؤمنة، وتعتبر خرقا لقوانين الهجرة الكل من البلد المهاجر منه والبلد المهاجر إليه، من قبل المتورطين في هذه العملية، حيث يتعرض الكثير من الأشخاص المهربين أثناء عملية التهريب إلى مخاطر كثيرة، أو الموت.

وتعتبر منطقة الساحل، طريق عبور دولية، هامة للمهاجرين غير الشرعيين انطلاقا من البلدان الإفريقية جنوب الصحراء، مرورا إلى أوروبا عبر شمال إفريقيا من خلال البحر المتوسط. كما أصبحت هذه المنطقة ملجأ ومكانا آمنا لتجميع المهاجرين غير الشرعيين ، ونقلهم عبر الطرق والممرات المبرمجة من قبل عصابات متخصصة في ذلك. ولقد عرفت ظاهرة الهجرة غير الشرعية في العقدين الأخيرين، تطورا سريعا وخطيرا في منطقة الساحل، التي أصبحت وسيلة للوصول إلى الضفة الأخرى من أوروبا وقد قدر عدد المهاجرين من إفريقيا إلى أوروبا، عبر طريق الساحل ب 55 ألف مهاجر سنة 2007 يجني منهم المهربون 150 مليون دولار.

كما يستغل الأشخاص المهربون والمتاجر بهم في أعمال غير مشروعة كالاستغلال الجنسي، وخاصة دعارة الأطفال والنساء خاصة في أوروبا، وكذلك تسخيرهم في العمل، أو تجنيدهم في الحروب والنزاعات الداخلية، وفي بعض الأحيان، يتم الاتجار بالأعضاء البشرية للحصول على الأموال الطائلة. وتعد القارة الإفريقية، من بين القارات التي عرفت انتشارا واسعا للاتجار بالبشر. وتعتبر دولة نيجيريا مصدرا وسوقا واسعا لذلك، حيث يتم جلب وتهريب الأشخاص من الأدغال الإفريقية، ومن الصحراء، ليتم بيعهم، سواء للجهات المحلية في مالي والنيجر وموريتانيا، أو الجهات دولية تستغلهم في أوروبا”. كما أن مالي، تعتبر هي الأخرى، من الدول التي تعرف ظاهرة الاتجار بالبشر، فقد أشارت التقديرات لسنة 1998، أن هناك من 10 إلى 20 ألف طفل مالي، تمت المتاجرة بهم، وإخضاعهم للسخرة، كما أن ليبيا تعتبر من بين الدول التي أصبحت مكانا للمتاجرة بالبشر واستغلالهم جنسيا، أو إخضاعهم للعمل القسري ، حيث تشير الإحصائيات إلى ما يقارب  2 مليون ضحية هذه المتاجرة”. كذلك نجد السودان، التي تعتبر معبرا هاما للاتجار بالنساء الأثيوبيات والفلبينيات، وتحويلهم إلى أوروبا، وكذلك الاتجار بالأطفال، خاصة في ظل الحرب الأهلية هناك، حيث تم تجنيد هؤلاء الأطفال الاستخدامهم في هذه الحرب.

تجارة وتهريب السلاح إن هذه التجارة منتشرة بشكل كبير جدا في القارة الإفريقية، حيث أصبحت المغذي الرئيسي للنزاعات المسلحة والصراعات الداخلية، كما أن هذه النزاعات والصراعات الداخلية من جهتها، ساعدت على انتشار تهريب السلاح والمتاجرة بها. ولهذا نجد أن من بين أهم مصادر الأسلحة وتهريبها في دول الساحل، هي الدول التي شهدت حروبا أهلية ونزاعات داخلية، ولازالت تشهدها، فهي تعتبر جسور لتهريب الأسلحة إليها وإلى غيرها من دول المنطقة. ولقد تزايدت ظاهرة تهريب الأسلحة في السنوات الأخيرة، وخاصة السلاح الفردي، والذخيرة الخفيفة. وتشير تقديرات الأسلحة الخفيفة التابع لبرنامج المعهد الأعلى للدراسات الدولية بجنيف في تقرير له، إلى أن هناك حوالي 100 مليون سلاح خفيف في القارة الإفريقية. كما أن 80% من الأسلحة الموجودة، مصدرها بؤر الصراعات السائدة في إفريقيا. وكان للأزمة الليبية، دور كبير في انتشار الأسلحة في منطقة الساحل بشكل مهول فعلا، لقد بدأت تجارة السلاح هذه في التزايد التصاعدي الخطير، حيث عرفت نشاطا غير مسبوق في السنوات الأخيرة، ومما ساعد في انتعاشها، هوسهولة ترويجها في منطقة الساحل. ومع تأزم الوضع في المنطقة، وخاصة في ليبيا ومالي، استفحلت ظاهرة التهريب هذه إلى درجة تكتسي خطورة كبيرة، وذلك بسبب أن مراقبة الحدود، تواجهها مشاكل وصعوبات كثيرة جدا ، نظرا لشساعة المنطقة، ولعدم توفر الإمكانيات اللازمة لذلك ومما يدعو للقلق، أن نشاط تهريب السلاح، وكل أنواع التهريب الأخرى، تطور بشكل لم يسبق من قبل. فمهربي السلاح بجنوب الصحراء، أصبحوا الأن منظمين أكثر، ويتوفرون على موارد مالية ضخمة جدا، وعلى وسائل تقنية جد متطورة، كلها تساعدهم في أداء مهمتهم القذرة .

4/ الظاهرة الإرهابية

استقاد الإرهاب في منطقة الساحل من الوضع الهش هناك، حيث النزاعات المسلحة والحروب والهجرة غير الشرعية، وتجارة المخدرات، وعدم الاستقرار السياسي والمؤسساتي إلى جانب العجز والتخلف الاقتصادي والفقر، فتمركز هناك من خلال ما سمي بالقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي. ولقد تصاعدت العمليات الإرهابية في منطقة الساحل والصحراء والتي ترتكبها هذه المنظمة الإرهابية، وتستهدف هذه العمليات بلدان المنطقة، سواء من اعتداءات ضد قوات الأمن، كما حدث في موريتانيا، أو ضد أماكن مقصودة كان آخرها الهجوم على القاعدة البترولية تيقنتورين بعين أمناس جنوب الجزائر، أو عمليات الاختطاف التي تستهدف الرعايا الغربيين مقابل المطالبة بالفدية، والتي أصبحت تجارة رائجة، كما يقوم الإرهابيون بتهريب المخدرات والمتاجرة بها وبالأسلحة، أو التعامل مع المنظمات الإجرامية الأخرى التي تقوم بهذه الأعمال.

لقد توسع النشاط الإرهابي في منطقة الساحل بشكل كبير، وهذا بدوره شجع ظاهرة الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها، وكان للأزمة الليبية تأثير كبير على نمو واشتداد القوة الإرهابية في منطقة الساحل نظرا لقرب ليبيا منها، وكذلك لضعف إدارتها الأمنية الحالية، بالإضافة إلى إنتشار الأسلحة بشكل كبير أصبح عناصر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، يتحالفون مع تجار المخدرات، ومع غيرهم من التجار غير الشرعيين في الأمور الأخرى، يضمنون تأمين الطريق لهم بمنطقة الساحل، ونقل المخدرات والأشياء الأخرى ، إلى غابات وجهات يتفقون عليها معهم، مقابل حصولهم على أموال طائلة، ووسائل تكنولوجية متطورة من هؤلاء التجار، وأصبح هناك ارتباط وثيق وتكاملي بين الإرهاب والأعمال الإجرامية الأخرى، فهو (الإرهاب) يتفاعل ويتعاون مع الجريمة المنظمة وتجارة المخدرات وتجارة الأسلحة، والهجرة غير الشرعية، والاتجار بالبشر، حيث تظهر هذه العلاقة التكاملية بين الجماعة الإرهابية، وعصابات الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها، بقيام هذه الأخيرة بتمويل الشبكات الإرهابية بالأموال والسلاح والمعدات التكنولوجية، مقابل توفير الحماية لعملياتها غير المشروعة، وتأمين الطريق لها))

أسباب التهديدات الأمنية في منطقة الساحل | التحليل أسباب التهديدات الأمنية في منطقة الساحل وما جاورها، يمكن تناولها من خلال ثلاث مقاربات هامة، وهي: مقارية الدول الفاشلة، مقاربة الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية، ثم مقاربة العولمة.

مقاربة الدول الفاشلة: إن الدول الفاشلة هي في حقيقة الأمر، دولة مستقلة وذات سيادة ولكنها ضعيفة، وليست قادرة على حماية نفسها كوحدة سياسية واقتصادية واجتماعية. غير أنه الفهم أكثر لمعنى الدولة الفاشلة، يمكن مقارنتها بعكسها، الدولة غير الفاشلة، أي القابلة للحياة، وهي تلك الدولة التي تستطيع تأمين مستوى لائق من المعيشة والخدمات لسكانها، فهي تملك قاعدة تحتية اقتصادية جيدة ونشطة، كما أنها تستطيع الحفاظ على القانون والنظام العام الداخلي، هي دولة متماسكة اجتماعيا وذات نظام سياسي مستقرة وتستطيع المحافظة على سيطرتها على حدودها.

أما الدولة الفاشلة، فلا نجد فيها أيا من هذه الأمور، فهي تعاني غياب كبير للمؤسسات، وهي غير قادرة على تأمين وتلبية حتى المطالب والحاجيات الضرورية المعيشية والخدماتية لسكانها، كما أنها غير قادرة على تحقيق الاندماج السياسي والاجتماعي الداخلي وحكومتها پن غالب الأحيان غير شرعية، فهي مفروضة بالقوة، ولهذا تستعمل وسائل القهرضد مواطنيها، لتغطية عدم شرعيتها، وفرض نفسها ، فسلطتها لا تلقى القبول والتأييد من قبل غالبية السكان. أما أجهزتها الرئيسية مثل القضاء والشرطة والجيش… وغيرها، فهي غالبا ما تكون في يد حزب واحد، تهيمن عليه مجموعات سياسية ذات تركيب عرقي. هي دولة ليست لها قاعدة شعبية حقيقية، بل تعتمد على القوى الخارجية لحماية نفوذها وبقائها، وغالبا ما يكون المستعمر القديم، كما

حالة مالي والتشاد… وغيرها، ودور فرنسا المستعمر القديم في ذلك وأكثر من هذا، فهذه الدولة الفاشلة، لا تملك أي قاعدة تحتية اقتصادية نشيطة، ولا حتى نظاما اقتصاديا فعالا، ولا أنظمة قانونية ذات مصداقية، وفي بعض الأحيان، تقع السلطة بين أيدي عصابات مجرمين، وأمراء الحرب، وعصابات مسلحة ، أو متطرفين دئيين كما في الصومال، كما أن الدولة الفاشلة لا تستطيع تأمين حدودها ومراقبتها.

3 – طبيعة الهياكل المؤسساتية، وعدم قدرتها على ضمان أداء جيد للوظائف لكل فئات المجتمع

هذا فيما يخص الدولة الفاشلة وخصائصها. أما إذا عدنا إلى العلاقة بينها، وبين التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، فإننا نجد أن أعمال المنظمات الإجرامية، قد استفادت كثيرا من عجز دول منطقة الساحل وفشلها في تأدية وظائفها الأساسية، من أجل تحقيق الأمن والاستقرار السياسي والاجتماعي، | وعجزها كذلك على تحقيق التنمية الاقتصادية، | وعدم قدرتها على توزيع الثروة على مواطنيها ، مما أدى ويؤدي إلى ارتفاع نسبة العمل الإجرامي، وتعدد أنماطه، من تجارة المخدرات وتهريب الأسلحة وتهريب البشر والهجرة غير الشرعية والإرهاب، وكل هذا بسبب فشل سياسة الدولة في جميع المجالات الحياتية.

وتعتبر منطقة الساحل الإفريقي، المنطقة التي تحتوي على أكثر الدول فشلا، والمصنفة على أنها الأقل نموا في العالم. يضاف إلى معاناتها من الفقر والبطالة والأمراض والحروب والأزمات الداخلية، وعدم قدرتها على التحكم في حدودها الجغرافية، لافتقارها للامكانيات اللازمة لذلك. ويعد الفقر والبطالة والجوع أكبر المشاكل التي تعاني منها الشعوب في هذه الدول الفاشلة. فاقتصادياتها منهارة تماما، وعلى الرغم من امتلاكها لثروات طبيعية هائلة، إلا أن عدم قدرتها وعدم معرفتها على استغلالها، أدى إلى الركود الاقتصادي، والصناعي خاصة وكذلك فشل الدولة في إدارة وتسيير عجلة الاقتصاد. كل هذا جعل من أفرادها يلتجئون ويعتمدون على الفلاحة،  كمورد أساسي، ولكن هذا المورد عجز بدوره عن سد حاجيات الأفراد، وامتصاص البطالة والقضاء على الفقر، نظرا لنفس الأسباب السابقة، بالإضافة إلى الظروف الطبيعية والمناخية القاسية، كالتصحر والجفاف، مما زاد من انتشار الفقر والبطالة، يضاف إليهما عدم الاستقرار، تعتبر إذن أحد أهم الأسباب الرئيسية الدافعة للقيام بهذه الأعمال الإجرامية. إذن أن الأفراد من هذه الدول الفاشلة يتطلعون على الهجرة والقيام بأعمال أخرى بدافع النجاح أو بحثا عن الرفاه المفقود في بلدانه، بفعل الفقر والبطالة وعدم الاستقرار، أو الربح السريع، أو البحث عن الأمان، فيقبلون أي عمل من أجل تحقيق طموحاتهم ويقومون بأي سلوك يؤدي إلى ذلك، إن معظم دول الساحل فشلت منذ الاستقلال في بناء كيانات حديثة، تضمن الحياة المستقرة لمواطنيها نتيجة تراكم مجموعة من العوامل من أهمها: النظام القبلي والعشائري الذي لا يزال يهيمن على السياسة المحلية ، وكذلك التقسيم الاستعماري للحدود العشوائي الذي لم يراع التوزيع الديموغرافي الأنتروبولوجي للمجتمعات المحلية، مما خلف توترا دائما، أضعف من سيادة الدولة هناك، كما أدى إلى ضعف فكرة المواطنة فيها، مع انتشار الفساد السياسي والاقتصادي ، وكذلك فقدان الميكانزمات لحل النزاعات الداخلية، بالاعتماد على الجهات الخارجية لتوفير مثل هذه الحلول ( المستعمر القديم ). ونتيجة لذلك لم تستطع مثل هذه الدول المحافظة على الانسجام الاجتماعي، ولا عن الأمن والاستقرار لمواطنيها.

الكل هذه الأسباب، كان من الطبيعي والمنطقي أن تجد بعض الجماعات والأفراد بالتحالف مع الجماعات الإرهابية من منطقة الساحل المكان المناسب لممارسة نشاطاتها غير المشروعة والمذكورة آنفا، والتي تهدد أمن واستقرار دول المنطقة وما جاورها، وبالتالي فهذا الفشل لدول المنطقة قد سمح بانتشار الطرق غير المشروعة للكسب من طرف رعاياها وغيرهم. كما استغلت مختلف هذه الجماعات الإجرامية الظروف المتمثلة في ضعف سيادة الدول في المنطقة وعجزها التحرك وتنشط بحرية تامة.

2-مقاربة الحروب الأهلية والنزاعات الداخلية:

تعرف منطقة الساحل كثيرا من النزاعات الداخلية والحروب الأهلية، بالإضافة إلى وجود الأنظمة الجائرة الفاسدة، واختراق حقوق الإنسان فيها. وهذه بدورها تعلب دورا هاما في ارتفاع الأعمال المهددة للأمن والاستقرار وخاصة تجارة الأسلحة وتهريبها. حيث أن هذه التجارة ترتبط دائما بمناطق النزاعات والحروب والصراعات، والتي تجد فيها سوق رائجة التصريف تلك الأسلحة، من أجل تحقيق أرباح خيالية من ورائها، وكذلك استخدام واستغلال النزاعات الداخلية للأطفال مما يؤدي إلى انتشار ظاهرة تجارة البشر في هذه الحروب. كما أن نزوح المهاجرين من دول الساحل كان بسبب الظروف المعيشية الصعبة التي عرفتها هذه الدول بسبب الحروب الأهلية أين توجد شبكات كبيرة تمارس مختلف أنواع التزوير والتهريب والتجارة غير المشروعة.

ومعروف أن انتشار الحروب والصراعات في منطقة الساحل، تعود إلى أزمة الهوية وضعف الاندماج الوطني، الناتج عن تخطيط عشوائي للحدود أثناء العهد الاستعماري، حيث أسس الاستعمار دول الساحل ضمن حدود سياسية وإدارية مصطنعة، قطعت أوصال المجتمعات والثقافات واللغات في إطار إستراتيجية واحدة في كل الشريط الساحلي، من موريتانيا إلى السودان، تاركا في كل بلد من بلدان المنطقة أزمات بناء دولة متماسكة الأطراف ومنسجمة، حيث أصبحت مسألة الهوية من أكبر المعضلات التي تواجه المشروع الوطني في منطقة الساحل، إذ لا تزال كل دولة فيه تعاني أزمة تكامل، وعجز عن التعامل العرقي، والتعدد الثقافي وأمام فشل الأنظمة عن التعامل بحكمة وفاعلية مع مخلفات الاستعمار التي مست الهوية واللغة والثقافة والتنمية والبناء… الخ، اضطرت الجماعات التي شعرت بالغبن والطرد والحرمان، أو تعرضت له بالفعل، للجوء إلى العنف المسلح أكثر من مرة، وعلى طول عقود من الزمن،لتحسين وضعها في عملية توزيع الثروة، والمشاركة السياسية والمدنية خاصة وإذا ما أشرنا على سبيل المثال لا الحصر إلى بعض هذه النزاعات والحروب في منطقة الساحل، فإننا نجد هناك النزاع المسلح في الصومال الذي أنهك هذا البلد منذ 1991 وما زال. وهناك الجماعات المتمردة في السودان، والتي ظلت تهدد أمن واستقرار هذا البلد ومازالت، كالحرب الأهلية بين الشمال والجنوب الأكثر من عقدين، والتي أدت في النهاية إلى تقطيع أوصال هذا البلد بانفصال الجنوب على دولة الأم (2011)، وكذلك أزمة دارفور المعقدة التي مازالت تنهك وتهدد هذا البلد. كما شهدت التشاد ولعدة سنوات نفس الظروف المأساوية من العنف والاقتتال الداخلي بين عدة مجموعات مسلحة، بالإضافة إلى النزاع والحرب شمال مالي.

كما يمكن الإشارة إلى الإبادة الجماعية التي حدثت في رواندا، والتي أدت إلى إبادة ما يقارب المليون شخص، وكذلك الحرب الأهلية في الكونفو الديمقراطية، والتي قتلت نحو 7% من س كان هذا البلد.. ، وغيرها من النزاعات والحروب الأهلية ، والاضطرابات السياسية.

وعامة فإن القارة الإفريقية من أهم الأماكن التي تعرف نزاعات وحروب داخلية، معظمها عرقية أو قبلية أو اشية، وفي هذا الإطار يرى ( . Buzan)B  أن إنهيار الدولة يؤدي إلى ظهور كل مجموعة تعتمد على نفسها من أجل البقاء والدفاع عن كيانها ووجودها. وهناك علاقة بين الدولة الفاشلة والحروب والنزاعات الداخلية، فمعظم الحروب الداخلية تقع في الدولة الفاشلة والضعيفة التي تفتقر للكفاءة، وتنتشر فيها أنواع الأعمال الإجرامية التي تتضرر من آثارها السلبية الدول المجاورة، وخاصة بسبب نزوح اللاجئين إلى هذه الدول بأعداد كبيرة هربا من الأوضاع الداخلية المزرية الغير مستقرة، وقيامهم بأعمال غير شرعية تهدد الأمن والاستقرار.

ولقد تميزت السنوات الأخيرة بحركات هائلة اللاجئين بصفة فردية أو جماعية، نتيجة الحروب والنزاعات الداخلية وانتهاكات حقوق الإنسان، بسبب الانتماءات العرقية والدينية والسياسية التي تضطر الأفراد إلى النزوح من المناطق الغير آمنة إلى دول أخرى أكثر أمنا واستقرارا.

إنه بسبب الأنظمة المبنية على الانتماء العرقي أو القبلي في البلدان الإفريقية، مثل مالي والنيجر وكوت ديفوار ورواندا… وغيرها، أدى ذلك إلى بروز صراعات سياسية ودينية وعرقية خلقت نزاعات وحروبا متواصلة، كانت لها انعكاسات خطيرة جدا على هذه الدول نفسها، وعلى الدول المجاورة كذلك. و السنوات القليلة الماضية تزايد عدد الحروب الأهلية في هذه الدول الساحلية ، فأصبحت من أهم المصدرين اللاجئين بسبب هذه الحروب وعدم الاستقرار الداخلي والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان فيها. نعم إن ما تعيشه هذه الدول من انقلابات سياسية وحروب أهلية ونزاعات داخلية وفقر وبطالة، كلها شكلت سببا التدفق هجرات معتبرة من السكان واللاجئين . ومما يدل على دور النزاعات الداخلية في منطقة الساحل هو نسبة اللاجئين والمشردين فيها بسبب الحركات الانفصالية والحروب والصراعات الداخلية والأهلية، حيث كانت إفريقيا ثاني أكبر مصدر للاجئين في العالم بنسبة 26%، وبلغ عددهم 6، 5 مليون، وكان السودان أكبر مصدر، بسبب الحرب الأهلية بسين الشمال والجنوب وأزمة دارفور

مقاربة العولمة: بالإضافة إلى الأسباب التي ذكرت أنفا، هناك تأثير العولمة على تطور الأعمال الإجرامية المهددة للأمن والاستقرار في منطقة الساحل وما جاورها، حيث أن نمو شبكة الاتصالات والمعلومات على المستوى الدولي، واستخدام نظام مالي عالمي، مكن ويمكن من تحريك الأموال بسرعة وبسهولة كبيرتين، وكثيرا ما يكون بطرق سرية. كما أن الزيادة السريعة في التجارة العالمية، قد أتاحت فرصا جديدة، استطاعت الجماعات الإجرامية استغلالها كما تريد. كما أن ثورة المواصلات والنقل والاتصالات سهلت هي الأخرى تنقلات سكانية هامة، وأدت إلى نزوح أعداد كبيرة من المهاجرين واللاجئين إلى المجتمعات الأخرى. كما أنها سهلت للمنظمات والعصابات الإجرامية القيام بأعمالها بسهولة وبسرعة بعيدا عن الملاحقة والإيقاف. ففي تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية لعام 1999 بعنوان: (globalisation with a huurman face)، أكد على أنه بالرغم مما تقدمه العولمة من فرص هائلة للتقدم البشري في جميع المجالات الحياتية، نظرا السرعة انتقال المعرفة والتكنولوجية الحديثة وحرية الانتقال للسلع والخدمات والأفراد، فإنها بالمقابل تفرض مخاطر هائلة على الأمن الإنساني في القرن الواحد والعشرين، وهذه المخاطر ستصيب الأفراد و كل من الدول الغنية والفقيرة، وهناك عدة تحديات أساسية تأتي بها العولمة منها:

ا – غياب الأمن الشخصي، الذي يتجسد في الجريمة المنظمة، وكذلك الاتجار بالبشر، اللذان يتصلان بالهجرة غير الشرعية

2 – غياب الأمن السياسي، والذي يتجسد في نوع جديد من النزاعات والنشاطات غير المشروعة، التي تحدث في الحدود كسرعة انتقال الأسلحة في الحدود ، المخدرات، وكذلك الهجرة الغير الشرعية

فعلا لقد سهلت تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي أتاحتها العولمة، عمل الجماعات الإرهابية والجماعات الإجرامية الأخرى. فالجريمة كما قال البعض أصبحت تنفذ في دولة ما، بواسطة أشخاص من دولة ثانية، وأسلحة من دولة ثالثة، وتمويل من دولة رابعة، والضحايا قد يكونون من دولة خامسة… وهكذا، كما ساعدت شبكة الانترنت والمحطات الفضائية وتقنية الهواتف المحمولة، على تسهيل الجهود الدعائية للحركات الإرهابية وغيرها من الاتصال بالعناصر المسلحة وعناصر طامعة للانضمام إليها. نعم إن زيادة وتيرة انتشار التهديدات الأمنية الجديدة، حدث بسبب تطور شبكة الاتصالات العالمية التي أفرزتها | العولمة في أغلب المجالات الاقتصادية والمالية والاجتماعية والثقافية تزيد من ضعف الدولة أمام التهديدات التي تواجهها.

لقد استغلت الجماعات الإجرامية المناخ الدولي المتسم بالمرونة نتيجة لظاهرة العولمة هذه، التي ساهمت في الانفتاح العالمي، فيفضل شبكة الاتصال وسعت دائرة أعمالها وأنشطتها الإجرامية التي أصبحت تتسم بالسرعة والسهولة متعدية حدود الدول انعكاسات التهديدات الأمنية في منطقة الساحل

إن للأعمال الإجرامية التي ذكرت انعكاسات ومخاطر متعددة ومختلفة على دول منطقة الساحل وما جاورها وخاصة دول الشمال مثل الجزائر، تمس مختلف الجوانب الحياتية فيها، وتؤثر على اتجاه | المجتمع وديناميكيته، بالإضافة إلى الجرائم التي تسببها مختلف العصابات والمنظمات الإجرامية كالمتاجرة بالمخدرات، والجريمة المنظمة، عصابات التهريب عبر الحدود (تهريب البشر، تهريب السلاح، تهريب الأموال… الخ). علاوة على الممارسات اللاأخلاقية التي تقوم بها هذه العصابات، كالدعارة التي تؤثر على الجانب الاجتماعي والتربوي وعلى الجانب الصحي وتؤدي إلى انتقال الأمراض والأوبئة وانتشارها مثل مرض السيدا والأيبولا وغيرهما.

كل هذا يؤثر على الأمن والاستقرار في هذه الدول، نظرا لقدرة هذه المنظمات على تخطي الحدود الوطنية وتجاوزها وخاصة من خلال استغلالها للتكنولوجية المتطورة والسهولة التي أتاحتها ظاهرة العولمة. وتتعدد هذه الانعكاسات الأمنية لتشمل جوانب اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية.

-الانعكاسات الاقتصادية

إن هذه الأعمال والنشاطات الغير مشروعة التي تقوم بها مختلف المنظمات الإجرامية، لها انعكاسات وتأثيرات كبيرة وكثيرة على الجانب الاقتصادي وعلى التنمية المحلية في الدول المجاورة المنطقة الساحل، من خلال أنشطتها الإجرامية المتنوعة التي تستهدف جني الأرباح المالية الطائلة، أو المحافظة عليها مثل الاتجار بالمخدرات والأسلحة وغيرها من الاتجارات التي تعود بملايين الدولارات على هذه العصابات المتورطة فيها. وهذا ترك ويترك تأثيرات اقتصادية خطيرة على الفرد وعلى المجتمع بالنظر إلى آثار الإتجارات غير المشروعة هذه، التي تؤدي إلى تعطيل في الانتاج الأقتصادي، وإلى إهدار للأموال، وتفشي الجريمة المرتبطة بالحصول على الأموال غير المشروعة، مثل السرقة والفساد الرشوة) والتهريب وتزوير العملة… الخ. كما أن المهاجرين غير الشرعيين أصبحوا يشكلون يدا عاملة رخيصة تساهم في تطوير ونمو سوق العمل غير الشرعي، ما يخلق وضعية اقتصادية صعبة لليد العاملة المحلية، مما يؤدي إلى انتشار البطالة بالنسبة للسكان المحليين. كما قام ويقوم هؤلاء المهاجرون غير الشرعيين بتطوير طرق الاحتيال والتزوير للوثائق والأوراق المالية وتوزيعها في الأسواق، وانتشار السوق السوداء (الموازية)، مما أثر على الاقتصاد المحلي يشكل رهيب باختصار، أعمال المهاجرين غير الشرعيين هي أعمال غير قانونية وغير شرعية، نظرا لأن إقامتهم ووجودهم غير مشروع، المهم الحصول على الأموال بأي طريقة كانت. وفيما يخص انتشار السوق السوداء (الموازية)، فهي خفية تتم دون علم السلطات المحلية بها، وهذا يؤثر سلبا على الاقتصاديات الوطنية، لأن الأموال الناتجة عن هذه السوق، تتداول بعيدا عن إمكانيات الضبط والمصادرة، وتقوم هذه العصابات بتبييض (غسل) تلك الأموال، التي تحصل عليها من السوق الموازية. وجريمة تبييض الأموال هذه، لها هي الأخرى أكبر الأثار السلبية على الاقتصاديات المحلية، حيث تعتبر المنفذ الذي تصب فيه عائدات الأعمال غير المشروعة، فتتمكن من تحويل تلك الأموال إلى مصدر أو نشاط مشروع، تستخدمها لمواصلة أنشطتها الإجرامية دون تعرضها للمصادرة، ومن الآثار السلبية لجريمة تبييض الأموال على الجانب الاقتصادي، أن الدولة المحولة منها | الأموال الناتجة عن تلك الأعمال غير المشروعة تحرم من استغلالها في التنمية المحلية ، كما أن استغلال تلك الأموال لإكمال تبييضها أو دمجها مع أموال أخرى ذات مصدر مشروع، يضعف ثقة المتعاملين مع هذه المشاريع، مما يؤثر على اقتصاد الدولة. يضاف إلى هذا، أن استبدال العملة الوطنية الناتجة من النشاطات غير الشرعية بأخرى أجنبية من أجل تبييضها عن طريق تحويلها، يؤدي إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية. كما أن هروب تلك الأموال من الضرائب نتيجة الاقتصاد الخفي، يؤدي إلى نقص موارد الدولة ومداخيلها. إذن يلاحظ أن مختلف هذه الأعمال غير المشروعة، تترك آثارا ضارة على اقتصاديات الدول، مما يضعف جهود التنمية فيها ، كما يصعب عملية التسيير الاقتصادي، | وكذلك فساد النظام المالي والمصري، مما يؤدي إلى فساد المؤسسات المالية والتجارية و غيرها

2-الإنعكاسات الاجتماعية

هناك انعكاسات اجتماعية خطيرة لهذه الأعمال غير المشروعة على الدول المجاورة، من ضمنها التأثير على القيم الأخلاقية للمجتمع، بسبب أن المهاجرين غير الشرعيين مثلا يقومون بنشر بعض الممارسات اللاأخلاقية بشكل واسع. فظاهرة المتاجرة بالمخدرات وتهريبها مثلا تؤدي إلى ترويجها في المجتمع المحلي، أي يصبح يتعاطاها بعض السكان المحليين، فتقسدهم وتفسد أخلاقهم وسلوكاتهم. ومضار انتشار تعاطي المخدرات وتفشيها ن المجتمع كبيرة جدا، لا أحد ينكرها. كذلك هناك ممارسة الدعارة، التي لها انعكاسات اجتماعية وتربوية كما أن مضارها الصحية خطيرة جدا، حيث تؤدي إلى انتشار الأوبئة والأمراض الخطيرة كنقل مرض السيدا وغيرها من الأمراض.

ومن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الأعمال الغير مشروعة كذلك، نجد أن العصابات والمنظمات الإجرامية تحاول منع اكتشاف أنشطتها وتجاوزاتها، وذلك بالتهرب من المراقبة والعقاب، لذلك تسعى إلى شراء الذمم، بدفع الرشاوى للمسؤولين والإداريين ، وتعمل على إفسادهم بكل الطرق والوسائل الممكنة والمتاحة، وإذا فشلت في ذلك، تلجأ إلى وسيلة التهديد والعنف، بارتكاب جرائم مثل الخطف وحتى القتل، فتخلف بذلك حالة من اللاأمن واللااستقرار في البلد.

3-الانعكاسات السياسية والأمنية

وهذه الانعكاسات خطيرة جدا، فبالإضافة إلى ما أشير إليه قبل قليل، نجد أن التوافد المستمر للمهاجرين غير الشرعيين إلى دول ما يحدث اضطرابات عديدة سياسية وأمنية فيها، فالحضور المستمر لهؤلاء المهاجرين، يعتبر مصدر تهديد خطير، فهو دائما مرتبط بعصابات متخصصة في الإجرام بشتى أنواعه تجارة المخدرات، تجارة السلاح، تجارة البشر، تبييض الأموال، جرائم الخطف والاعتداء والسرقة… وغيرها من الجرائم، مما يخلق حالة من الهلع والخوف في المجتمع، وهذا ما يشكل إحساسا عاما بعدم الأمن، كما يسهل للمنظمات الإجرامية بمختلف أشكالها بالتوغل داخل البلد، وما يحدث ذلك من اضطرابات وقلاقل خطيرة جدا، مثل تفشي الصراعات القبلية والدينية وغيرها بين المهاجرين غير الشرعيين أنفسهم، ومع السكان المحليين كذلك. إن الجريمة المنظمة بمختلف أنواعها وأشكالها ، تعتبر من أكثر المشاكل الأمنية خطورة، حيث تهدد الاستقرار والأمن الداخلي للدول، من خلال التأثير الذي تمارسه المنظمات الإجرامية على الحياة السياسية والإدارة الحكومية والسلطات القضائية ووسائل الإعلام.. الخ. كما أن هذه الظاهرة تمثل مصدر خطر على حياة الناس، وتهدد الأمن الشامل للدول. وباعتبار أن الساحل الإفريقي هو فضاء صحراوي واسع يصعب التحكم في حدوده، لهذا فإن مخاطر الجماعات المسلحة تتضاعف، إذ يمثل هذا الفضاء ملجا آمنا لهذه الجماعات: (مراكز تدريب عسكري ، جلب عناصر مقاتلة، الاختطاف والقرصنة…). كما يمثل هذا | الفضاء منطقة تسهل فيها المعاملات غير المشروعة التي ذكرناها سابقا.

كما أن الجريمة المنظمة بمختلف أشكالها وأنواعها، ثفذي استمرار الاضطرابات والصراعات المسلحة داخل بعض البلدان، من خلال ممارساتها الأنشطتها الإجرامية، وهذا ما يجعل السلطة السياسية في الدولة تعاني من صعوية ضبط النظام العام والتحكم في أوضاعها الداخلية.

إن الأزمات الداخلية التي تعرفها دول منطقة الساحل، وعلى رأسها الأزمة الليبية، والترقية بمالي، تشكلان خطرا أمنيا يهدد كل المنطقة، مثلا انتشار الأسلحة وتهديد وقوعها بين جماعات إرهابية خطيرة ، وبالتالي تفشي الجريمة الإرهابية والإجرامية بالمنطقة.

كما أن تنظيم القاعدة يسعى إلى إفشاء الصراعات القيلية في المنطقة، وإيقاظ العداءات القائمة بين قبائل الصحراء، لكي تضل الحامية والحاضنة لها، وتقوم بتأليبها على الحكومات المحلية، وقد تجعد ذلك نظرا للعوامل الاجتماعية أهمها العصبية التي هي أقوى بكثير من الانتماء للدولة عند قبائل الصحراء، بالإضافة إلى العلاقات العائلية وكذلك بعض القناعات الدينية.

كما أن اتساع رقعة منطقة الساحل غير الخاضعة السلطة فعلية لدول المنطقة، قد يهدد بتحقيق مسعى القاعدة و خلق إمارة إسلامية لها بالمنطقة، قد يكون عنوانها كما سماها البعض ساحلستان”. وهذا الأمر إذا | حدث فإنه عواقية الأمنية تكون خطيرة على كل المنطقة.

الخاتمة:

فعلا لقد أصبح الوضع في منطقة الساحل متأزما للغاية بسبب انتشار هذه الظواهر المهددة والمتعددة الأبعاد والآثار، فالجريمة المنظمة أخذت منحنی تصاعدي خطير في السنوات الأخيرة، فقد انتعشت تجارة وتهريب المخدرات بشكل كبير، مما سمح بانتشار ظاهرة الإرهاب، الذي هو الآخر يعمل على توسيع تجارة السلاح، كما أن نشاط تهريب البشر سمح بانتشار ظاهرة الهجرة غير الشرعية… الخ

وهكذا أصبحت منطقة الساحل منطقة عبور ومقر للعديد من النشاطات غير الشرعية المهددة لأمن واستقرار المنطقة وما جاورها، فهي منطقة عبور للمخدرات القادمة من قارة آسيا إلى قارة أمريكا أو العكس، وإلى قارة أوروبا، وكذلك الأمر بالنسبة للهجرة غير الشرعية، فهذه المنطقة أصبحت نقطة عبور للمهاجرين غير الشرعيين الشمال إفريقيا للتوجه إلى أوروبا. وكذلك نشاط تجارة السلاح المنتشر على نطاق واسع في المنطقة، بسبب الحروب الأهلية والأزمات الداخلية، كان آخرها الأزمة الليبية، وأزمة الطوارق والأزواد في شمال مالي، التي ساهمت كلها في انتشار الأسلحة في المنطقة بشكل واسع وخطير، والذي أدى بدوره إلى انتعاش نشاط الحركات الإرهابية، اعتمادا على الأسلحة. يضاف إلى هذا تدخل القوى الكبرى عسكريا وخاصة فرنسا، وما لمثل هذه التدخلات من أخطار على دول المنطقة. كل هذه الأعمال وتداخلها، لها انعكاسات خطيرة على أمن الدول المجاورة للمنطقة بصفة خاصة وعلى استقرارها في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والسياسية والأمنية وغيرها

الهوامش

Mahdi Taje. Sécurité et Stabilité dans le Sahel « Africain, Collège de Defence de l’OTAN, NDC Occasional Paper 19, Dec 2003, p.

و بوژید عمار، الساحل الإفريقي في عين الإعصار، محلة30 .الجيش الجزائرية)، عدد 561 ، أفريل 2006، ص

Gail Wannemburg, Organized Crime in West Africa, African Security Review 14 (4) 2005, p5.

Ali Fares. Criminalité, Crime Organisé et l’Immigration les Chiffres de la Gendarmerie, Liberté, Juin 2007.

و محمد بن مسفر وعبد الخالق الشمراني، الجريمة المنظمة، سياسة المكافئ في التشريع الإسلامي والقانون الجنائي، رسالة ماجستير، أكاديمية نايف للعلوم الأمنية سنة 2005 ص 5.

سمير بودينار، تأثير الهجرة غير القانونية من إفريقيا على دول العبور، ورقة قدمت لندوة الهجرة العربية الإفريقية إلى الخارج، جامعة الدول العربية 17، 18 نوفمبر 2008

و المكتب الأممي لمكافحة الجريمة المنظمة، خلاصة وافية، نيويورك، الأمم المتحدة 2007 أحمد لطفي مرغني، استراتيجية مكافحة جرائم

  1. الاتجار بالبشر، القاهرة دار النهضة العربية، 2005 ص

Amado Philipe de Andrés, West Africa under Attack, Drugs, Organized Crime & Terrorisme as a new Threats to Global Security, UN Office on Drugs a crimes, UNISCI, Discussion Papers, Nol6. Jan 2008, pp203, 227.

قرير المتاجرة بالبشر لعام 2007 بليبيا، ليبيا تحتل المرتبة

us embassy.gov/2007. hml. www. arabica Libya

Francis Langumba Keili, Small Arms a Light Weapons Transfer in West Africa, a Stock Taking, www. unidir ch, pdf; articles/pdf/art 2840, pdf.

  1. Goui, la Lutte contre le Terrorisme et la Criminalité au Sahel, El Djeiche 570, Janvier 2001, p38.

Malika Ait Amirat, Stratégie Mondiale contre le Terrorisme, El Djeich 567, Octobre 2010, p51.

(14) انتشار الأسلحة بليبيا سيضاعف امتداد العنف

http //www. sawtaher. net/online/modules. php/nane news et file article et sid-24557.

محمد شريف البسيوني، الجريمة المنظمة عبر الوطنية، و دار الشروق، القاهرة، 2004، ص، ص 40، 41.

(10) مارتن غريفيتش، وتيري أوكلاهان، المفاهيم الأساسية في العلاقات الدولية، ترجمة مركز الخليج للأبحاث 2008، ص 222

في الدولة الفاشلة :

php ، ( rg / index ، http » : www . tulareli

18 Luk Van Lange Howe, Regronalizing Human Security in Africa, UNU-Crise Occasional Papers, 2004, P7.

(1) Rachida Chaabita, Migration Clandistine Africaine vers l’Europe, l’Armature, Mars 2010, p19

محمد سمير مصطفى، الهجرة غير الشرعية، الموت من أجل الحياة، مجلة بحث اقتصادية غربية، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد 48، 4، خريف 2005 ، شتاء 2016، ص 8.

مساعيد، ض إفريقيا، عندما يعيق اللاأمن مسار التنمية مجلة الجيش الجزائرية)، العدد 561، أفريل 2010، ص 38.

(22) مرابط رابح، أثر المجموعة العرقية على استقرار الدولة ، دراسة حالة كوسوفو، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة باتنة 2003، ص 33.

وان المرجع نفسه، ص، ص 37، 39 |

” أحمد إبراهيم محمود، الحروب الأهلية في إفريقيا، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة 2001، ص31

ناتي (جوزيف)، ودوناهو (جون)، الحكم في عالم يتجه نحو العولمة، ترجمة محمد شريف الطرح، الحبيكان، القاهرة ، 2002 ص 126.

Expérience Réseaux: Politique

Bigo Didier Européenne, Presse de la Fondation Nationale des Sciences Politicules 1996, pp 254, 259 .

“Lila Said, L’impact de l’Immigration Clandestine, en Afrique, Juiller 2007 , hTTP: // www. ff, all africa. com/stories/pdf

” هدى ماجد قشقوش، جريمة غسل الأموال في نطاق التعاون الدولي، دار النهضة، القاهرة 1998 ط1، ص 20

” محمد سامي، (الشوا)، السياسة الجبائية في مواجهة غسيل الأموال، دار النهضة العربية ، القاهرة 2001، ص 13.

اذ أحمد رشاد سلام، الأخطار الظاهرة والكامنة للهجرة غير الشرعية على الأمن الوطني، مقال من كتاب: مكافحة الهجرة غير المشروعة، جامعة نايف للعلوم الأمنية، الرياض 2010 ، ص210