وليد عبد الحي

بعد أن تولى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب وتحديدا في مايو 2017 السلطة الرئاسية للولايات المتحدة، بدأ الترويج لانشاء ما اصطلح على تسميته ” الناتو العربي”، وهي فكرة تعود جذورها الى عام 2003 عندما دعا المندوب الامريكي نيكولاس بيرنز في مؤتمر الناتو في براغ الى ” ان على الناتو ان يوسع دائرة نشاطه جنوبا وشرقا ليشمل الشرق الاوسط الكبير”، كما ان الفكرة ليست منبتة الصلة بمشاريع الرئيس الامريكي جيمي كارتر عام 1980 في اعقاب الثورة الايرانية والتي تجسدت عام 1983 بتحويل قوة المهام المشتركة الامريكية الى قوات الانتشا ر السريع بخاصة مع استمرارا لمواجهة لتداعيات الثورة الايرانية والتدخل السوفييتي في افغانستان .
ثمة 11 قيادة عسكرية امريكية اقليمية، احدها هي القيادة المركزية التي مقر قيادتها الرئيسي في فلوريدا، وهي الموكل لها العمل في ثلاث مناطق هي الشرق الاوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا (القارة الهندية واطرافها) ومقر قيادتها الاقليمية هي قاعدة العديد في قطر(الى جانب القيادة الوسطى البحرية الامريكية التي مركزها في البحرين) . وأهمية هذه القيادات هي في التحكم بالتطورات الناتجة عن الثورة الايرانية والتمدد السوفييتي الى افغانستان منذ البداية، ثم الحرب العراقية الايرانية والهجوم العراقي على الكويت وما تلاه مضافا لذلك كله تمدد التنظيمات الاسلامية المسلحة الى القرن الافريقي .
وفي عام 2013 تم انشاء قواعد مؤقتة تابعة للقيادة المركزية ( منها واحدة في الاردن) يعتقد ان سببها هو تطورات الوضع في سوريا، وشملت هذه القواعد الكويت والبحرين وقطر والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان وباكستان وآسيا الوسطى والمملكة العربية السعودية ، وكان وزير الدفاع الامريكي الجديد لويد أوستن هو الذي تولى هذه القيادة من 2013 الى 2020. أما الدولة الوحيدة حتى عام 2020 التي كانت خارج نطاق القيادة المركزية هي اسرائيل، بينما عدد الدول التي تشملها عمليات هذه القيادة هي عشرين دولة. وقد اعتبرت ايران القيادة المركزية تنظيما ارهابيا ردا على اعتبار الحرس الثوري الايراني منظمة ارهابية.
ونظرا لصعوبة تحقيق القيادة المركزية دمج اسرائيل في منظومتها الدفاعية في ظل عدم وجود علاقات عربية اسرائيلية مع اغلب الدول العربية،فان التنسيق كان متعذرا نظرا لرفض الدول العربية كما يقول تشوارتزكوف في كتابه اقامة هذا التنسيق.
أما اسرائيل فقد كانت تابعة للقيادة الاوروبية والتي تعد ذراعا للناتو، ولكن تركيز هذه القيادة كان منصبا على ضبط النشاط الروسي في اوروبا، وفي عام 2018 و2019 قام بعض قادة القوة المركزية بزيارة اسرائيل للمرة الاولى( مثل جوزيف فوتيل وغيره) ثم جاء التطبيع العربي من الخليج والسودان والمغرب اضافة للتطبيع السابق مع مصر والاردن والسلطة الفلسطينية( مع ملاحظة ان السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت ملحقة بإسرائيل في التبعية للقيادة الاوروبية) وهو ما جعل الاسرائيليين يفكرون في ان المجال اصبح مفتوحا للاندماج في القيادة المركزية الخاصة بالشرق الاوسط .
ويعتقد الخبراء الاسرائيليون ان الحاق اسرائيل بالقيادة المركزية يحقق لاسرائيل مكاسب استراتيجية تتمثل في الجوانب التالية:
1- تحرير اسرائيل من قيود الحركة والمناورة العسكرية باتجاه المنطقة الاكثر اهمية لاسرائيل من الناحية الامنية والاستراتيجية.
2- جعل التنسيق الامريكي الاسرائيلي اكثر يسرا من حيث لجم التهديدات وادماج القوات الاسرائيلية مع العربية والامريكية بخاصة كمخزون استراتيجي ولوجستي وكمنطقة عمليات.
3- ان دمج اسرائيل في القيادة المركزية وإبعادها عن القيادة الاوروبية يخفف الاعباء عن الفرع الاوروبي للقيادة كما حدث عام 2007 عند انشاء القيادة الافريقية التي كانت تابعة للقيادة الاوروبية.
4- يرى رئيس المعهد اليهودي للامن القومي )Michael Makovskyوهو الاكثر قربا من نيتنياهو ) ان انتقال اسرائيل للقيادة المركزية يمثل تطورا طالما طالب به ويراه تحولا استراتيجيا لمواجهة ايران بالتعاون مع دول الجوار الايراني من العرب الذي طبعوا مع اسرائيل، علما ان امر نقل اسرائيل الى القيادة المركزية هو امر سابق في طرحه على موضوع التطبيع، ويتعزز هذا الدور للجم ايران من خلال تطور العلاقة الاسرائيلية مع اغلب الجمهوريات السوفييتية السابقة في اسيا الوسطى والقوقاز بخاصة أذربيجان التي كان اخر تعاون لها مع الناتو عام 2017 من خلال مكتب التعاون العسكرى الدولى الناتو حول تنفيذ وثائق “عملية التخطيط والتحليل” و “خطة عمل الشراكة الفردية” المتعلقة بوزارة الدفاع بجمهورية أذربيجان.
5- سيجعل الانتقال الاسرائيلي من مهمة التعاون العراقي الايراني اكثر تعقيدا لاسيما مع وجود حوالي 2500 جندي امريكي في العراق يتبعون هذه القيادة التي اصبحت اسرائيل من ضمنها.
6- وصول المعلومات الى اسرائيل عن طريق المؤسسات العسكرية الخليجية بشكل أوثق وادق وأوسع نطاقا، الى جانب نقل ما يعرفه الخليجيون عن الدول العربية الاخرى. إن نقل إسرائيل إلى منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكية من شأنه أن يعزز التنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل والعرب في مجالات العمليات العسكرية والتخطيط الاستراتيجي والإنذار المبكر وحماية البنية التحتية الحيوية ، بما في ذلك ضد التهديدات النووية والتقليدية وكل ما يعتبرونه ” ارهابا” . كما أنه سيمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من توسيع إنجازاتهما التشغيلية والتقنية في مجال الدفاع الصاروخي لتشمل بقية الشرق الأوسط – وهو اعتبار أساسي وسط انتشار الصواريخ على مستوى المنطقة من قبل إيران وسوريا وحزب الله والمقاومة الفلسطينية في غزة ولدى انصار الله في اليمن ولدى الحشد الشعبي في العراق.
7- لما كانت القيادة المركزية تعمل مع القيادات الاقليمية للجيش الامريكي ، فان ذلك سيمكن البنتاغون من التعاون والتنسيق مع الشركاء الإقليميين بشأن الإستراتيجية والتدريب والعقيدة واللوجستيات والاستخبارات والتكنولوجيا والمشتريات والعمليات، وهي امور تعزز المكاسب الاسرائيلية.
8- معلوم أن القيادة الاوروبية تعمل تحت مظلة الناتو وهو ما يجعل القرار الامريكي موازيا للقرار الأوروبي ، وهو امر ترى اسرائيل ان مكاسبه متواضعة لها، لكن الانتقال للقيادة المركزية يجعل القرار الامريكي هو الاعلى، ومعلوم ان المواقف الاوروبية من السياسات الاسرائيلية اقل تناغما مع هذه السياسات من التناغم الامريكي مع اسرائيل، وهو ما يعني التحرر الاسرائيلي من الاشتراطات الاوروبية بين الحين والآخر، لاسيما أن الرأي العام الاوروبي يصنف اسرائيل في المرتبة الرابعة بين اسوأ 17 دولة في العالم( وهو ما نشرته مجلة الإكونوميست وغيرها منذ عام 2014 وحتى الآن).
9- تحرير اسرائيل من الضوابط الاوروبية مستقبلا خلال الهجمات على لبنان وغزة، وهو ما ظهر في عام 2012 و 2014 و 2018 عندما كانت مرتبطة بالقيادة الاوروبية.
10- إن الهجمات المحتملة من اسرائيل على غزة (الهجمات الواسعة) قد تضع بقية دول القيادة المركزية العربية في دائرة الاتهام من قبل الفلسطينيين وبقية الدول العربية غير المطبعة وهو ما يزيد التشقق في الجدران العربية بقدر يسمح لاسرائيل بالتسلل من هذه الشقوق في الجسد السياسي العربي والعمل على توسيعها.
11- من المؤكد ان انخراط اسرائيل في القيادة المركزية مع الدول العربية سيجعل نفقات المواجهة مع الخصوم من الزاوية الاقتصادية والخسارة البشرية اقل كثيرا نظرا لتوزيع الأعباء على العرب والامريكيين والاسرائيليين بدلا من ان يلقى العبء على الكتف الاسرائيلي فقط.
اخيرا:ان التطور في هذا الموضوع بدءا من مشروع كارتر عام 1980 الى الآن يكشف عن الطرف غير العربي يبني سياساته على اسس المدى الزمني البعيد وعلى عدم التخلي عن المشروعات الكبرى ببساطة، بينما الطرف العربي ينتهج سياسة قائمة على مبدا لحركة الهيبز في ستينات وسبعينات القرن الماضي يقول: ” عش ليومك ودع الغد للقدر”.