د.كرار حيدر الموسوي

تحولات السياسة الأمريكية وأحداثها في منطقة الشرق الأوسط خلال العقد الماضي، بدءًا من قصف ليبيا ومقتل أسامة بن لادن، مرورًا بدعم الحرب السعودية في اليمن، وحتى التخلي عن الاتفاق النووي مع إيران.

غير أن أسوأ هذه الأحداث وقعًا على أبناء المنطقة العربية كان هو الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو «الجرح الذي لا يندمل» أبدًا.

وبالامكان اعادة النظر في الأحداث التي شكلت سياسة واشنطن الخارجية في العقد الثاني من القرن العشرين، الذي تميز بعقد الصفقات إلى جانب شن الهجمات، والنهج الدبلوماسي المصحوب بالتغريدات الغاضبة، والعدوان الذي لم ينفصل عن الانسحاب. كان هذا العقد رحلة جامحة للسياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط.

كانت هناك بعض الحركات المفاجئة والانعطافات بين رئاسة باراك، أوباما، ودونالد ترامب. تحولت المواقف العالمية، وبعض الأشياء ظلت كما كانت عليه. غير أن الشيء المؤكد هو أنه بعد انتخاب ترامب في عام 2016، تسربت السياسة الحزبية الأمريكية إلى سياسة واشنطن الخارجية على نحوٍ لم يحدث من قبل.

لتسليط الضوء على هذه التغييرات، قام موقع «ميدل إيست آي» بإعادة النظر في 10 لحظات حددت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط على مدار السنوات العشر الماضية:

1. قصف ليبيا.. وسياسة «القيادة من الخلف»

عندما كان مرشحًا، جعل أوباما معارضته لحرب العراق نقطة محورية في حملته الرئاسية الناجحة لعام 2008. ومع ذلك أظهر العقد الجديد أنه لم يكن معارضًا لاستخدام القوة.

في 19 مارس (آذار) 2011 سمح أوباما للقوات الأمريكية بالمشاركة في تحالف عالمي بقيادة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ضد الزعيم الليبي في ذلك الوقت معمر القذافي، مستمرًا في توجه يعرف بالتدخلات العسكرية الإنسانية   ولكن التدخل في ليبيا كان مختلفًا تمامًا عن حرب جورج دبليو بوش في العراق وأفغانستان. فمع عدم وجود جنود على الأرض، شددت إدارة أوباما على التعاون مع الدول المتحالفة معها وفق نهج «القيادة من الخلف» الذي حدد سياسة البيت الأبيض الخارجية على مدار السنوات الخمسة

التالية وقال أوباما في خطاب ألقاه يوم 28 مارس: «على مدى أجيال، اضطلعت الولايات المتحدة الأمريكية بدور فريد بكونها مرتكزًا للأمن العالمي ومدافعةً عن حرية الإنسان». وأضاف أنه كان مترددًا في «استخدام القوة لحل تحديات العالم العديدة». وتابع: «ولكن عندما تكون مصالحنا وقيمنا معرضة للخطر، تقع على عاتقنا مسؤولية التصرف. وهذا هو ما حدث في ليبيا على مدار الأسابيع الستة الماضية وبحلول نهاية شهر أغسطس (آب) من ذلك العام، سيطر المتمردون المدعومون من الناتو على العاصمة طرابلس، وفي أكتوبر (تشرين الأول) اعتقلوا الزعيم الليبي وأعدموه دون محاكمة. لكن بعد أكثر من ثماني سنوات ما زالت ليبيا تكافح من أجل الاستقرار، في ظل حكومتين وجماعات مسلحة متعددة تتنافس على السلطة

2. مقتل أسامة بن لادن

إذا كانت السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قد حددتها هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، فإن مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن يمثل بداية عقد جديد، عسكريًّا.

في 2 مايو (آيار) 2011، قتلت القوات الخاصة الأمريكية المتشدد السعودي رميًا بالرصاص في عملية خاصة في أبوت آباد في باكستان.

على عكس صدام حسين، الذي أسر بعد غزو مكلف، استُهدف ابن لادن في عملية محدودة في بلد لم يكن منطقة حرب نشطة بالنسبة للولايات المتحدة.

من نواح كثيرة، كان الحادث يرمز إلى كيفية متابعة الولايات المتحدة «الحرب على الإرهاب» بقيادة أوباما. على عكس صدام حسين، الذي أسر بعد غزو مكلف، استُهدف ابن لادن بعملية محدودة في بلد لم يكن منطقة حرب نشطة بالنسبة للولايات المتحدة.

وقال أوباما في وقت متأخر من ذلك المساء: «نفذ فريق صغير من الأمريكيين العملية بشجاعة وقدرة غير عادية. لم يتعرض أي أمريكي للأذى».

وأضاف: «أنهم حرصوا على تجنب وقوع إصابات في صفوف المدنيين. وبعد معركة بالأسلحة النارية، قتلوا أسامة بن لادن، وجثته موجودة في حوزتهم».

لاحقًا أصبحت الخسائر المدنية من جراء عمليات القتل المستهدفة وغارات الطائرات بدون طيار في حرب أوباما السرية ضد المتشددين في جميع أنحاء الشرق الأوسط مصدر قلق كبير للجماعات الحقوقية في جميع أنحاء العالم.

خلال السنوات الثماني التي قضاها في منصبه أذن أوباما بشن 540 غارة بطائرات بدون طيار – خاصة في اليمن والصومال وباكستان – أسفرت عن مقتل مئات المدنيين.

3. عدم تطبيق «الخط الأحمر» لأوباما في سوريا

مع بداية الصراع في سوريا دعت العديد من الأصوات المتشددة في واشنطن إدارة أوباما إلى التدخل عسكريًّا ضد حكومة بشار الأسد.

تحولت الانتفاضة السورية عام 2011 من احتجاجات سلمية إلى تمرد مسلح شامل، بعد أن قُتل مئات المتظاهرين بالرصاص في جميع أنحاء البلاد.

ولأنه كان متخوفًا من الحروب المستمرة في العراق وأفغانستان، وكذلك عدم الاستقرار في ليبيا، أوضح أوباما أن واشنطن ليس لديها خطط للتدخل العسكري في سوريا، إلا في حالة واحدة.

وقال أوباما في مؤتمر صحافي عقد في نيويورك في أغسطس 2012: «كنا واضحين للغاية لنظام الأسد، وكذلك للاعبين الآخرين على الأرض، وهو أن الخط الأحمر بالنسبة لنا هو أن نبدأ في رؤية مجموعة كاملة من الأسلحة الكيميائية تتحرك أو يجري استخدامها. هذا من شأنه أن يغير حساباتي».

بعد مرور عام تقريبًا في 21 أغسطس 2013 قتل هجوم بالأسلحة الكيميائية مئات السوريين في الغوطة، التي تسيطر عليها المعارضة بالقرب من دمشق. وألقت واشنطن باللوم في الهجوم على الحكومة السورية، ومن ثم تجاوز الأسد الخط الأحمر لأوباما.

عُد رفض أوباما للانتقام عسكريًّا ضد الحكومة السورية بمثابة نقطة تحول في الحرب؛ لأنه رسخ التصور بأن أمريكا لن تتدخل مباشرة.

بدلًا عن التعبئة من أجل العمل العسكري، اختارت الولايات المتحدة الدبلوماسية، وتوسطت في اتفاق مع روسيا شهد تخلي الحكومة السورية عن أسلحتها الكيميائية. وعُد رفض أوباما للانتقام عسكريًّا ضد الحكومة السورية بمثابة نقطة تحول في الحرب؛ لأنه رسخ التصور بأن أمريكا لن تتدخل مباشرة.

في عامي 2017 و2018، اتُّهمت الحكومة السورية مرة أخرى باستخدام الأسلحة الكيميائية في خان شيخون ودوما على التوالي. وأدى كلا الهجومين إلى ردود عسكرية محدودة من جانب إدارة ترامب.

4. دعم الحرب السعودية في اليمن

تسببت الحرب في اليمن في أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وكانت الولايات المتحدة مشاركة فاعلةً فيها.

بعد فترة وجيزة من قيادة السعودية لتحالف من الدول المجاورة، في حملة قصف في اليمن ضد المتمردين الحوثيين في البلاد، أعلن الرئيس الأمريكي أوباما أن واشنطن ستقدم الدعم اللوجستي للرياض.

وقال مجلس الأمن القومي الأمريكي في بيان صدر يوم 25 مارس 2015: «دعمًا لإجراءات مجلس التعاون الخليجي لصد عنف الحوثيين، وافق الرئيس أوباما على توفير الدعم اللوجستي والاستخباراتي للعمليات العسكرية التي تقودها دول مجلس التعاون الخليجي».

ومضى البيان قائلًا: «بينما لن تقوم القوات الأمريكية بعمل عسكري مباشر في اليمن لدعم هذا الجهد، فإننا سننشئ خلية تخطيط مشتركة مع السعودية لتنسيق الدعم الأمريكي العسكري والاستخباراتي».

بعد بضع سنوات، قاد نواب من الحزب الديمقراطي، الذي ينتمي إليه أوباما، جهود إنهاء المساعدات الأمريكية للتحالف الذي تقوده السعودية. في أبريل (نيسان) استخدم ترامب حق النقض ضد قرار للكونجرس يأمر الإدارة بوقف الدعم للتحالف الذي تقوده السعودية.

مع اقتراب الصراع من الذكرى السنوية الخامسة، تظل الحرب في طرق مسدود مع سيطرة الحوثيين الكاملة على العاصمة صنعاء.

هذه الحرب دفعت الدولة الفقيرة بالفعل إلى شفير المجاعة، وتسببت في مقتل الآلاف من الناس كما أدت إلى تفشي الأمراض التي كان يمكن الوقاية منها، بما فيها الكوليرا.

5. اتفاق إيران النووي

بعد عقود من العداوة وانعدام الثقة، بدا أن واشنطن وطهران تحلان إحدى نقاط الخلاف الرئيسة بين البلدين وهي البرنامج النووي الإيراني.

وقعت الولايات المتحدة وإيران – إلى جانب القوى العالمية الكبرى الأخرى – اتفاقًا من شأنه أن يجعل الجمهورية الإسلامية تخفض وتيرة العمل على برنامجها النووي بشكل كبير مقابل رفع العقوبات المفروضة على اقتصادها.

أعلن ممثلو المجتمع الدولي عن هذا الاتفاق، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، من جنيف في 14 يوليو (تموز) 2015. وفي وقت لاحق، أشاد أوباما بالاتفاق بوصفه «اتفاقًا جيدًا للغاية» يحقق واحدًا من «أهم الأهداف الأمنية» بالنسبة لواشنطن، على الرغم من فشله في معالجة الخلافات الأوسع مع طهران.

وقال أوباما في خطاب مطول يدافع عن الاتفاق في أغسطس 2015: إن الحرب كانت البديل الوحيد للدبلوماسية مع إيران. وأضاف أن «الشيء الوحيد المتيقن في الحرب هو المعاناة البشرية والتكاليف غير المؤكدة والعواقب غير المقصودة».

6. السماح بتمرير قرار الأمم المتحدة ضد المستوطنات الإسرائيلية

قبل خروجه من البيت الأبيض، رفض أوباما استخدام حق النقض ضد قرار مجلس الأمن الدولي الذي يدين المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية.

وفي 23 ديسمبر (كانون الأول) 2016 شجب القرار الذي مرّ بأغلبية 14 صوتًا وامتناع أمريكا عن التصويت، إقامة المستوطنات وشجبها بوصفها «انتهاكًا صارخًا بموجب القانون الدولي».

على مدار الأعوام الثمانية الماضية، انتقد البيت الأبيض علانية النشاط الاستيطاني الإسرائيلي. ومع ذلك، في عام 2011 استخدمت الإدارة الأمريكية حق النقض ضد قرار مماثل في مجلس الأمن لحماية إسرائيل.

برر مسؤولو البيت الأبيض الامتناع عن استخدام حق النقض في عام 2016 بالتشديد على أن واشنطن استنفدت جميع الجهود لدفع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال المفاوضات المباشرة.

وقال بن رودس المساعد بالبيت الأبيض في ذلك الوقت: «لم يكن بوسعنا أن نعارض بضمير مستريح قرارًا يعبر عن مخاوف بشأن الاتجاهات التي تقوض أساس حل الدولتين».

7. الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل

لم يبتعد أي رئيس أمريكي عن التزام واشنطن بأمن إسرائيل. ومن هاري ترومان إلى باراك أوباما، وقف الجمهوريون والديمقراطيون في البيت الأبيض إلى جانب إسرائيل في صراعها مع الفلسطينيين.

أخذ ترامب هذا الدعم إلى مستوى آخر، وخرق المعايير الدولية، وعكس مسار السياسات التي استمرت لعقود من الزمن، وتحدى بعض أقرب حلفاء واشنطن لكي يقدم خدمات متعاقبة لحكومة اليمين في إسرائيل.

بعد ثلاث سنوات في السلطة، عينت إدارة ترامب محاميًا متشددًا مؤيدًا للمستوطنين سفيرًا لها في إسرائيل، وقطعت التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم (الأونروا)، وسحبت الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وأعلنت أن المستوطنات ليست بالضرورة غير قانونية.

لكن ربما كان أكبر تحول في السياسة هو نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، والاعتراف بالمدينة المقدسة عاصمةً لإسرائيل.

وقال ترامب في خطاب أعلن فيه الخطوة في 6 ديسمبر 2017: «اليوم نعترف أخيرًا بالأمر الواضح، وهو أن القدس عاصمة إسرائيل. هذا ليس أكثر أو أقل من اعتراف بالواقع. إنه أيضًا الشيء الصحيح الذي يجب فعله».

تبع ذلك غضب عالمي؛ إذ أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية ساحقة قرار الإدارة الأمريكية في قرار أيده بعض أقرب حلفاء واشنطن الأوروبيين.

وبينما قال ترامب في إعلانه إن هذه الخطوة لا تغير الوضع المتنازع عليه للمدينة المقدسة، فإنه عبر عن سعادته فيما بعد برفع القدس «من الطاولة»، مشيرًا إلى أنه حل القضية لصالح إسرائيل. القدس رمز للألم التاريخي والخيانة التي لحقت بالشعوب العربية».

وأكد: «أنه الجرح الذي لا يندمل أبدًا، وسيكون ذلك ببساطة بمثابة وضع الملح على الجرح».

8. التخلي عن الاتفاق الإيراني

استغرق الأمر 17 شهرًا كي ينسحب ترامب من الاتفاق الذي وصفه مرارًا بأنه «الأسوأ على الإطلاق». وكان كبار مساعدي البيت الأبيض أوصوا في السابق بالإبقاء على الالتزام بالمعاهدة.

بحلول 8 مايو 2018 عندما أعلن ترامب انسحابه من الاتفاق كان قد حصل على فريق جديد من مستشاري السياسة الخارجية من كبار المسؤولين الذين عينهم بعد توليه الرئاسة.

ذهب ريكس تيلرسون، الذي كان متعاطفًا مع الاتفاق، وحل محله مايك بومبيو الأكثر تشددًا في وزارة الخارجية. وفي نذير سيئ للدبلوماسية عين ترامب جون بولتون مستشارًا للأمن القومي.

دفع ترامب بأن الاتفاق أعطى إيران الكثير دون أن ينهي برنامجها النووي، في الوقت الذي أخفق فيه في معالجة القضايا الأخرى مع الجمهورية الإسلامية، بما في ذلك دعمها للجماعات المسلحة.

وقال في إعلانه: «إن الاتفاق رفع العقوبات الاقتصادية المشددة على إيران في مقابل قيود ضعيفة للغاية على النشاط النووي للنظام، وليس هناك قيود على الإطلاق على سلوكه الخبيث، بما في ذلك أنشطته الشريرة في سوريا واليمن وأماكن أخرى في جميع أنحاء العالم».

قبل نهاية عام 2018 أعادت الولايات المتحدة فرض عقوبات قاسية على العديد من الصناعات والأفراد الإيرانيين؛ مما زاد من حدة التوترات بين البلدين وأوصلهم إلى شفير المواجهة العسكرية في الخليج.

9. «الوقوف بجانب السعودية» بعد مقتل خاشقجي

بعد ستة أسابيع من قيام عملاء الحكومة السعودية بقتل وتقطيع شخص يحمل إقامة في الولايات المتحدة، وكاتب عمود في صحيفة «واشنطن بوست» في قنصلية المملكة بتركيا – العضو في الناتو – أصدر البيت الأبيض بيانًا صحافيًّا بعنوان: «بيان من الرئيس دونالد ترامب حول الوقوف بجانب السعودية».

كان ذلك مؤشرًا واضحًا على أن ترامب سيكون بمثابة المدافع الأول عن السعودية.

وجاء في البيان الصادر في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 «ممثلو السعودية يقولون: إن جمال خاشقجي كان «عدوًّا للدولة»، وعضوًا في جماعة الإخوان المسلمين». وكان ذلك مؤشرًا واضحًا على أن ترامب سيكون بمثابة المدافع الأول عن السعودية وسط التداعيات العالمية بعد اغتيال خاشقجي.

ومضى البيان للإشادة بمشتريات السعودية من الأسلحة من شركات تصنيع الأسلحة الأمريكية، وتوبيخ إيران بسبب النزاعات الإقليمية. وقال ترامب: «الولايات المتحدة تعتزم أن تظل شريكًا ثابتًا للسعودية لضمان مصالح بلدنا وإسرائيل وجميع الشركاء الآخرين في المنطقة

من شأن دفاع ترامب النشط عن المملكة وحكامها بعد الاغتيال، أن يحدد علاقته السعودية في الوقت الذي يواصل فيه دعم الرياض بحماسة في المسائل الإقليمية الأخرى، بما في ذلك الحرب في اليمن، والمواجهة مع إيران.

10. سحب القوات الأمريكية من شمال سوريا

بعد محادثة هاتفية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أوائل أكتوبر أعلن ترامب أن القوات الأمريكية ستنسحب من شمال سوريا؛ مما أعطى فعليًّا الضوء الأخضر لعملية عسكرية تركية في المنطقة.

وقال البيت الأبيض في بيان في 6 أكتوبر: إن «تركيا ستمضي قدمًا قريبًا في عملياتها المخطط لها منذ فترة طويلة في شمال سوريا. لن تدعم القوات المسلحة للولايات المتحدة العملية أو تشارك فيها، ولن تكون قوات الولايات المتحدة، بعد أن هزمت «الخلافة» الإقليمية لداعش، موجودة في المنطقة القريبة».

تسبب القرار في رد فعل هائل في الكونجرس.

تسبب القرار في رد فعل هائل في الكونجرس. لأن الجيش التركي يهدف إلى تطهير شمال سوريا من المقاتلين الأكراد الذين تدعمهم الولايات المتحدة، والذين لعبوا دورًا رئيسيًّا في القتال ضد «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)».

كان ينظر إلى الانسحاب الأمريكي على أنه خيانة لحلفاء أمريكا الأكراد. وقدم الكونجرس عدة تدابير لفرض عقوبات على تركيا بسبب التوغل ورفض قرار ترامب. وفي وقت لاحق، وافق كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ على قرارات تقر بالإبادة الجماعية للأرمن في توبيخ لتركيا.

من جانبه قال ترامب إنه سيحتفظ بمجموعة صغيرة من القوات الأمريكية في سوريا لحماية حقول النفط في شمال شرق البلاد التي مزقتها الحرب. وقال ترامب في نوفمبر: «نحن نحافظ على النفط. لدينا النفط. النفط آمن. تركنا القوات خلفنا فقط من أجل النفط».

ما هي حدود التغير في الإستراتيجية الأمريكية تجاه قضايا وأزمات منطقة الشرق الأوسط وتحالفاتها الإستراتيجية في عهد ترامب؟ وما هي جوانب الاستمرارية في تلك الإستراتيجية؟

ومن هذا التساؤل الرئيسي تنبثق عدة تساؤلات فرعية:

    تمحورت الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط بعد أحداث 11سبتمبر حول مجموعة من الأهداف:

1_ التصدي للإرهاب: مواجهة ما يعرف بالإرهاب أخذت المرتبة الأولى من الاهتمام الأمريكي  في الشرق الأوسط  بعد أحداث 11 سبتمبر، وقد اعتمدت تلك التنظيمات الإرهابية وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام(داعش) في تمويل نشاطاتها وتطوير قدراتها على العالم الإسلامي وكان من أهدافها تقويض أنظمة الشرق الأوسط المتحالفة مع الولايات المتحدة، لذا سعت الولايات المتحدة على مواجهة تهديدات تلك التنظيمات التي تستهدف أصدقائها وتقديم المساعدات اللازمة لها لحفظ استقرار المنطقة]).

بالنسبة لإستراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مكافحة الإرهاب تطالب بأن يتحمل حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مزيدا من العبء في مكافحة “الإسلاميين المتشددين” مع الإقرار بأن تهديد الإرهاب لن يتم القضاء عليه نهائيا،   كما ينبغي على الولايات المتحدة أن تتجنب الالتزامات العسكرية المكلفة “المفتوحة]).

2_ منع انتشار أسلحة الدمار الشامل: تعد منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق في العالم التي تثار فيها المسألة النووية بين الحين والأخر، وذلك لأهميتها سياسيا واقتصاديا وجغرافيا في المدرك الاستراتيجي للقوى الكبرى، ورغم تعدد المحاولات والجهود الرامية لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، فأن تلك الجهود والمحاولات في سبيل جعل هذه المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل قد باءت بالفشل.

ومن المعروف أن أغلب دول المنطقة عدا إسرائيل  موقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وأن أغلبها ليس فقط لا تملك أسلحة دمار شامل بل لا تملك حتى القدرة النووية للأغراض السلمية عدا إيران.

ومن بين الأهداف الإستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، منع انتشار أسلحة الدمار الشامل بكل أنواعها، كما أن انتشار هذه الأسلحة يهدد أصدقاء الولايات المتحدة في المنطقة لا سيما الخليج وإسرائيل وكذلك القوات الأمريكية المنتشرة حول المنطقة، وتحت هذه الذريعة، قامت الولايات المتحدة باحتلال العراق عام 2003، كما تعمل الولايات المتحدة على منع إيران من امتلاك تلك الأسلحة]).

بالنسبة لترامب، فان مصلحة العالم هي في منع وتطوير انتشار أسلحة الدمار الشامل، ولذلك تستهدف إستراتيجيته في منع هيمنة أي قوة مُعادية للولايات المتحدة على الشرق الأوسط، وركزت إدارة ترامب بشكل رئيسي على مواجهة إيران، واعتبرتها الدولة الرائدة في العالم في رعاية الإرهاب من خلال تقديم السلاح والتمويل، كما اتهمتها أيضاً بمواصلة تطوير برنامج صواريخ باليستية طويلة المدى، وتنفيذ أنشطة إلكترونية خبيثة، والعمل على استدامة دائرة العنف وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط وتهديد حلفاء الولايات المتحدة بالمنطقة]  .(

3_ تدفق النفط بأسعار مناسبة: يوجد في منطقة الشرق الأوسط أكبر مخزون نفطي في العالم يفي بحاجة الولايات المتحدة من الطاقة اللازمة لتفوقها العسكري والاقتصادي والسياسي، لهذا تحرص واشنطن على تدفق النفط من الشرق الأوسط وبأسعار مناسبة.

وتطلبت سياسة الهيمنة على النفط ضرورة التدخل في شؤون منطقة الشرق الأوسط، واعتبرت الولايات المتحدة منظمة أوبك المصدرة للنفط مصدر تهديد لاقتصاديات السوق الحر ورأت ضرورة الحد من تأثيرها من خلال الضغط على الدول النفطية لتقوم بتعديل سياستها النفطية بما يتواءم ومصالح الولايات المتحدة.

وفي هذا الصدد ربط ترامب ما بين الدعم الأميركي لدول الشرق الأوسط وخفض أسعار النفط، داعيا الدول الخميس في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) إلى خفض أسعار الخام، قائلا “إن بلاده توفر الأمن لدول الشرق الأوسط المنتجة للنفط بينما تقوم هذه الدول بدفع الأسعار للارتفاع]. (

4_ استقرار الأنظمة الصديقة: حرصت الولايات المتحدة على أبقاء علاقات الصداقة مع الأنظمة السياسية في الخليج العربي ومصر والأردن والمغرب، وتحرص تلك الدول على إرضاء المطالب السياسية الأمريكية بالمنطقة فتقابلها واشنطن بالتأييد والمساندة.

بالنسبة لترامب فأن موقفه من تلك الأنظمة الصديقة يتمثل في أهمية مشاركة دول المنطقة، خاصة الغنية منها، في تحمل أعباء التكلفة المالية المتعلقة بقضايا المنطقة، وذكر أن الولايات المتحدة أنفقت 7 تريليونات دولار في الشرق الأوسط على مدى 18 عاما، وأن الولايات المتحدة لا يجب أن تتحمل المسؤولية عن هذه التكلفة الهائلة، وعلى دول المنطقة دفع هذا الثمن]).

5_ اَمن إسرائيل: اهتمت الولايات المتحدة  طويلاً بأمن إسرائيل لأنها الدولة الوحيدة التي تمارس الديمقراطية الغربية ومنحازة للمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، لهذا تعمل الولايات المتحدة على تثبيت هذه الدولة وتهيئة الظروف مع العرب والمسلمين لإنهاء حالة الصراع العربي الإسرائيلي وإقامة سلام دائم في المنطقة. كما تلعب إسرائيل بحكم موقعها الجغرافي في المنطقة كحارس استقرار للأنظمة القائمة وفي منع أي تحول راديكالي أو ديني قد يضر بمصالحها ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

بالنسبة للرئيس الأمريكي ترامب يعتبر أحد أكثر الرؤساء الأمريكيين تعبيرا عن الانحياز لإسرائيل، والسعي نحو تقوية التحالف معها. فقد كتب ترامب في أكتوبر 2016 على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي: “لقد قلت في مناسبات عديدة إنه في عهد إدارة ترامب، فإن الولايات المتحدة ستعترف بأن القدس هي العاصمة الوحيدة والحقيقية لإسرائيل”([8]). وهو ما تم بالفعل في العام 2018 ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، كما انه يدعم تحالفا قويا بين بلاده وإسرائيل“.

كما اتهم ترامب سلفه أوباما بتخريب العلاقات مع إسرائيل. وشدد على التزامه بأمن إسرائيل، مؤكدا ضرورة اعتراف السلطة الفلسطينية بإسرائيل كدولة يهودية، ووقف جميع الهجمات الإرهابية ضدها]).

6_ تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان: توظف الولايات المتحدة موضوعة الديمقراطية وحقوق الإنسان كأحد الوسائل التي تخدم  مصالحها في الشرق الأوسط، وهي تستخدم هذه الوسيلة تحديدا بما يخدم أهدافها، فقد ترى الولايات المتحدة أن تدعيم الديمقراطية قد يضر بمصالحها عندما تصل أحدى التيارات الإسلامية إلى الحكم عن طريق الانتخابات.

يري ترامب أن دعم الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، والتقارب مع التيارات الإسلامية أديا إلي عدم الاستقرار، وانتشار الحروب الأهلية في العديد من الدول العربية، وصعود التنظيمات الإرهابية مثل “داعش”، وجبهة النصرة وغيرهما. ولذلك، فقد تبنى ترامب منظوراً واقعياً في التعامل مع قضايا المنطقة مما يعني  تراجع الترويج للديمقراطية في أجندة إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط. كما يرفض ترامب فكرة “الاستثناء الأمريكي”، والدور القيادي الأخلاقي الأمريكي للعالم. ومن ثم، يرفض مبدأ تغيير الأنظمة بالقوة، ونشر الديمقراطية، أو حقوق الإنسان، والميل للانعزالية، والتركيز على الشأن الداخلي]).

ومن المتوقع أيضا أن يزداد اهتمام الكونجرس الأمريكي الجديد(ذو الأغلبية الديمقراطية في مجلس النواب) بقضايا حقوق الإنسان والديمقراطية، والسعي لتبنى تشريعات تربط التعاون الاقتصادي والعسكري مع دول المنطقة بمشروطية سياسية، في المقابل سوف تقوم إدارة الرئيس ترامب بالتأكيد على مصالح الولايات المتحدة بحلفائها في المنطقة في إطار إستراتيجية “أمريكا أولاً]).

ثانياً: محددات التوجه الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في عهد ترامب.

     هناك عدد من المحددات الداخلية والخارجية التي تشكل إطارا حاكما لإستراتيجية إدارة الرئيس ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط، وتؤثر بشكل كبير في توجهات تلك الإستراتيجية، وحدود التغير فيها.

1- المحددات الداخلية:

أ- مؤسسية صنع الإستراتيجية الأمريكية: رغم أن شخصية الرئيس ترامب، وسماته الشخصية واقتناعاته تلعب دورا مؤثرا في توجهات الإستراتيجية الأمريكية، إضافة إلي أن سيطرة الجمهوريين على الكونجرس الأمريكي، بمجلسيه النواب والشيوخ، تعطي حركة ومرونة أكبر لترامب في التعامل مع القضايا الإستراتيجية، فإن عملية صنع واتخاذ قرارات تلك الإستراتيجية هي نتاج التفاعل والتوافق بين المؤسسات الأمريكية، التي تشمل الرئيس، ومستشاره للأمن القومي، ووزارتي الخارجية والدفاع، وكذلك الكونجرس، وجماعات الضغط، ومراكز الأبحاث، وهي عملية معقدة يحكمها حجم وتشابكات المصالح الأمريكية في المنطقة، والتي تفرض حدودا على إمكانية حدوث تغييرات جذرية، في ظل ضعف خبرة ترامب السياسية، وعدم درايته بتعقيدات أزمات الشرق الأوسط]).

وقد أبرزت تعيينات ترامب لطاقم وزرائه ولاحقا التغييرات التي طالت عدداً منهم، أن هناك توجها من جانب إدارة ترامب لاتخاذ مواقف مختلفة تجاه أزمات وقضايا منطقة الشرق الأوسط.

وليس من المتوقع أن يؤدى سيطرة الديمقراطيين في مجلس النواب الجديد إلى تحول هيكلي في توجهات الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، وسوف يستمر الرئيس ترامب في لعب الدور الأكبر في مجال السياسة الخارجية. بالمقابل، من المتوقع أن يقوم مجلس النواب الجديد بوضع قيود على مبادرات الرئيس التي تتطلب موافقة مجلسي الكونجرس (النواب والشيوخ)، خاصة تلك التي تتطلب موازنات مالية، مثل تمويل برامج المعونات الخارجية. وأن يسعى للتأثير بشكل أكبر على السياسة الخارجية من خلال دوره الرقابي. وسوف يستخدم أدوات الرقابة، مثل التحقيقات وطلب المعلومات وجلسات الاستماع لتوجيه أسئلة واستفسارات للمسئولين التنفيذيين عن السياسة الخارجية تجاه المنطقة وبلدانها]).

ب- الاتجاه الانعزالي في الإستراتيجية الأمريكية: يتبني ترامب سياسة العزلة البناءة، ومبدأ “أمريكا أولا”، والتي تمثل تحول كبير في الإستراتيجية الأمريكية على نمط ما قام به الرئيس الأسبق مونرو عام 1821. وتقضي هذه الإستراتيجية بتفعيل الموارد الكامنة. سواء كانت طبيعية، أو بشرية، أو تكنولوجية، لإعادة بناء الولايات المتحدة كفاعل رئيسي في النظام الدولي، وعدم الانغماس في الصراعات الإقليمية، كما يحدث في منطقة الشرق الأوسط]).

ج- عقيدة ترامب ومفهوم الصفقة: تقوم عقيدة ترامب على مبدأ ومفهوم الصفقة في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية، ويرتكز على أن حجم انخراط أمريكا في قضايا العالم، ومنطقة الشرق الأوسط تحديدا، سوف يرتبط بمقدار ما تحققه من منافع اقتصادية للولايات المتحدة، وهذا نابع من عقلية رجل الأعمال الذي يتعامل بمنطق المكاسب والخسائر، والذي برز في تصريحاته في مراجعة التعاون مع حلف الناتو، والدفاع عن الدول الصديقة، وصفقة البرنامج النووي الإيراني، والانفتاح على كوبا، والشراكة مع المحيط الهادي، وموقفه الرافض للعولمة، حيث رأي ترامب أنها كانت عبئا على الولايات المتحدة ولم تحقق لها المزايا المرجوة]. (

د- التغير في الآليات لا الأهداف: هناك ثوابت في الإستراتيجية الأمريكية تشكل استمرارية لها، بغض النظر عن طبيعة الإدارة الأمريكية، جمهورية كانت أو ديمقراطية، وأن التغير فقط دائما ما يكون في الآليات، ما بين اللجوء إلي الآليات الصلبة كالحرب، والتدخل العسكري، والعقوبات، وهي غالبا مرتبطة بالجمهوريين، وما بين الآليات الناعمة، مثل الدبلوماسية، والمفاوضات، والمساعدات، وهي غالبا مرتبطة بالإدارات الديمقراطية. لكن هناك اتفاقا بين كل الإدارات على تحقيق تلك الثوابت، التي ترتبط بكيفية تحقيق المصالح الأمريكية]).

ورغم أن مواقف وتصريحات ترامب تنبئ بعزمه إحداث تغيير كبير في توجهات الإستراتيجية الأمريكية في العالم باتجاه الانعزال، ورفض العولمة، واتفاقيات التجارة الحرة، وإعادة النظر في شراكات الولايات المتحدة الخارجية، فإن الشرق الأوسط يمثل أحد جوانب الاستمرارية في الإستراتيجية الأمريكية، نظرا لتشابك المصالح الأمريكية فيها، وأن التغيير سيكون في نطاق الآليات، والاعتماد على الآليات الصلبة، خاصة استخدام القوة العسكرية في محاربة الإرهاب، وتنظيم “داعش” عبر الغارات الجوية مع تجنب التدخل العسكري المباشر، كذلك استخدام أداة العقوبات ضد بعض الدول، ومنها إيران، بدلا من آليات الدبلوماسية والمساعدات.

2_ المحددات الخارجية:

أ–  تراجع الطلب على النفط:  شهد عام 2018، وصول الولايات المتحدة لمكانة أكبر دولة منتجة للبترول في العالم، وزيادة صادراتها البترولية عن وارداتها، نتيجة للاكتشافات النفطية الجديدة في النفط الصخري وهو تحول تاريخي سوف يؤثر بالتأكيد على توجهاتها تجاه منطقة الشرق الأوسط، وقد أعلن الرئيس الأمريكي ترامب، في حوار له مع جريدة الواشنطن بوست، في ديسمبر 2018 “البترول يفقد أهميته شيئا فشيئا كسبب لبقائنا في المنطقة، لأننا ننتج المزيد منه.. لذا، وكما تعلمون، قد نصل فجأة إلى نقطة لا نحتاج فيها إلى البقاء في هذه المنطقة]).

وفى هذا الإطار سوف يشهد عام 2019 استمرار الجدل الأمريكي داخل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية حول الأهمية الإستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، وجدوى العلاقة مع الحلفاء الرئيسيين في المنطقة العربية. لكن من المتوقع أيضا استمرار الهدف الأمريكي في استثمار العلاقة مع الدول العربية المنتجة للبترول لتحقيق هدف الحفاظ على سعر معقول لهذه السلعة وتجنب الاضطراب وعدم الاستقرار في الأسواق العالمية للبترول.

ب_ التوجه نحو آسيا: مثل سعى الولايات المتحدة نحو زيادة الاهتمام بالقارة الآسيوية سواء للمشاركة في ثمار النمو بهذه القارة الواعدة اقتصاديا، أو لمواجهة تصاعد النفوذ الاستراتيجي الصيني بها، والذي يهدد الوجود الأمريكي في القارة الآسيوية. وجاء إبرام اتفاق سلام مع كوريا الشمالية بشأن برنامجها النووي من خلال الضغط عليها عبر العقوبات الاقتصادية التي أتت ثمارها في سياق القمة الأميركية الكورية في سنغافورة، وعليه فقد أعلن الزعيم الكوري وقف التجارب النووية والبدء في تفكيك بعض المنشأة الخاصة بالتجارب النووية، كما طالب “ترامب” بالعودة إلى اتفاقية الشراكة عبر الهادي مع بعض القوى الآسيوية بعد انسحابه منها إبان توليه الحكم في يناير 2017.

وبالتالي يمكن القول أن التوجه الأمريكي نحو أسيا الذي بدأ في عهد أوباما واستمر في عهد ترامب يعنى بالضرورة إعادة ترتيب الأولويات الأمريكية في العالم، وإعادة توزيع درجة الاهتمام والإمكانات الإستراتيجية الأمريكية بعيدا عن الشرق الأوسط وقريبا من آسيا]).

ج_ محدودية التأثير: لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد في الشرق الأوسط، بخلاف ما كان في السنوات، التي أعقبت انتهاء الحرب الباردة، وسقوط الاتحاد السوفيتي. فقد برز في السنوات الخمس الأخيرة لاعبون رئيسيون، مثل روسيا التي أصبحت فاعلا في الكثير من الأزمات والقضايا مثل الأزمة السورية. وهذا الصعود الروسي كان نتيجة مباشرة لإستراتيجية إدارة أوباما المتخبطة، وعقيدته بعدم الانخراط المباشر في الصراعات في الشرق الأوسط، وإعادة التموضع في مناطق أخرى من العالم، مثل شرق وجنوب آسيا]).

ولا شك في أن محدودية الدور الأمريكي ستفرض قيودا على حركة وخيارات الإستراتيجية الأمريكية، وتدفعه إلى التقارب والتنسيق مع اللاعبين الدوليين، كروسيا، واللاعبين الإقليميين، كتركيا ودول الخليج عند التعامل مع أزمات وقضايا المنطقة، مثل مشكلة الإرهاب واللاجئين. فموسكو على سبيل المثال اتخذت من سوريا موطئ قدم لها أدى إلى زيادة تواجدها من الناحية العسكرية من خلال إقامة قواعد عسكرية جديدة يمكن استخدامها كمحاور إستراتيجية في نقل الطاقة من موسكو نحو الغرب الأوروبي عن طريق سوريا، فضلًا عن نشر منظومات الدفاع الجوي (s400)، و(s300). لكن من جانب أخر في حالة إبداء ترامب ثقة أكثر من سلفه أوباما تجاه موسكو، وسعيه لبناء علاقات أقوي معها، فإن الفجوة بينه وبين النخبة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية ستزداد.

إضافة لذلك، فإن منطقة الشرق الأوسط، التي تعد أكثر ساحات العالم سخونة، تمر بحالة شديدة من السيولة والهلامية، خاصة بعد مرحلة اندلاع الثورات العربية، ونشوب الكثير من الأزمات والحروب الأهلية في العديد من الدول، مثل اليمن، وليبيا، وسوريا، والعراق، وتتسم تلك الأزمات بأنها بلا أفق واضح نحو الحل السياسي، كما تتشابك أطرافها الداخلية مع الأطراف الإقليمية والدولية، وتغيرت معها أنماط التحالفات والخريطة الجيواسترايتجية.

ولذلك، فإن حالة عدم الاستقرار وتبدل قواعد اللعبة يضعان قيودا على الدور الأمريكي في التعامل مع تلك المشكلات، ويجعلانها أقل تأثيرا في توجيه مساراتها العسكرية أو تسويتها السياسية، وهو ما يفرض على الإدارة الأمريكية بناء تحالفات مع الأطراف الفاعلة في الإقليم، كروسيا، وتركيا، وإيران، والسعودية، ومصر، وهو أمر يواجه أيضا تحديات عديدة، في ظل تعارض المواقف والمصالح بين هذه الدول في الكثير من تلك الأزمات، كما يبرز بشكل جلي في الأزمة السورية، إضافة إلى أن تعدد الجبهات المفتوحة أمام ترامب في داخل أمريكا وفي العالم سوف يحد من خياراته بشأن الشرق الأوسط]).

هذه الأسباب مجتمعة أصبحت محددات إمام توجه الولايات المتحدة لتقليل ارتباطها بالشرق الأوسط، بمعنى تجنب التورط في مشكلات المنطقة وعدم لعب دور قيادي بالنسبة لها.

وبالتالي، فإن هذا الإطار سوف يؤثر بشكل كبير في توجهات إدارة ترامب، ونمط تعامله مع قضايا الشرق الأوسط وتفاعلاته، ونمط آلياته وتحالفاته، ونوعية الخيارات المتاحة أمامه.

ثالثا: توجهات الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط في عهد ترامب.

    لا يمكن فصل توجهات الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط عن الرؤية التي تبنتها إدارة ترامب للعالم، والتي استندت بشكل أساسي على مبدأ “أمريكا أولاً”، وحديث ترامب عن أنه مع كل قرار وكل عمل ستقوم به إدارته، ستضع مصالح الولايات المتحدة في المقدمة.

وتركز إستراتيجية ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط على عدد من القضايا الرئيسية، حضر بعض منها في خطابات وكلمات الرئيس ترامب، خلال مدة حكمه، مثل الحرب على الإرهاب وتنظيم “داعش”، واتفاق البرنامج النووي الإيراني، والعلاقات مع الدول الخليجية ومصر، وموضوع الصراع العربي الإسرائيلي وصفقة القرن، والتحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط، وكما أظهرت تلك المواقف توجها نحو إحداث تغييرات على الإستراتيجية الأمريكية تجاه قضايا وملفات الشرق الأوسط، فما هي ملامح وحدود هذا التغير؟

1_ الحرب على الإرهاب:  تنظر الولايات المتحدة للمنظمات الإرهابية الجهادية على أنها تشكل أخطر تهديد إرهابي للأمة الأمريكية وأسلوب الحياة الأمريكي، وأن منطقة الشرق الأوسط لا تزال موطناً لأخطر المنظمات الإرهابية في العالم، وتبنت إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي هدف هزيمة تنظيم “داعش” كهدف رئيسي ضمن أولوياتها]).

رأي ترامب أن الاجتياح الأمريكي للعراق عام 2003 كان السبب في ظهور تنظيم “داعش”، لافتا إلى أن الانسحاب من العراق عام 2011 أيضا كان خطأ كبيرا من جانب أمريكا، لأنها لم تترك أي جندي في العراق، وأن من أحد أخطاء أمريكا بالعراق أيضا هو تركها للبترول، وهو المصدر الذي اعتمد عليه التنظيم الإرهابي لكي يوفر مصادر مالية للتمويل. لذلك، انطلق ترامب من موقف مبدئي مناهض للإرهاب و”داعش”، واتهم كلا من أوباما وهيلاري كلينتون بأنهما يدعمان “داعش”، وأبدا موقفا مغايرا عن النهج الأمريكي، حيث اقترح حلا جذريا للقضاء على “داعش]).

لكن ترامب لم يطرح رؤية إستراتيجية شاملة، وآليات محددة لمحاربة الإرهاب. كما إن موقفه من التطرف الإسلامي يتسم بالعمومية، وغياب الرؤية المحددة، ويمثل تكرارا لإستراتيجية جورج بوش الابن. كما أن هناك تحديات تواجه إدارة ترامب في محاربة تنظيم “داعش”. فالغارات الجوية لم تفلح في القضاء على التنظيم بشكل نهائي، وهذا يتطلب إرسال قوات برية لمحاربته على الأرض، وعبر إستراتيجية حرب العصابات والمدن، وهو ما يضع قيدا على إمكانية إرسال الولايات المتحدة لقوات برية، والذي أعلنه في برنامجه الانتخابي، وسيكون الاعتماد على قوات من الدول الإقليمية بمساعدة أمريكية، وهو ما يعني أن إستراتيجية ترامب بشأن محاربة الإرهاب وتنظيم “داعش” في العراق وسوريا ستكون امتدادا لإستراتيجية إدارة أوباما، مع اختلافات طفيفة في الحلفاء، حيث سيعتمد ترامب بشكل أكبر على روسيا وتركيا]).

ومع نهاية عام 2018، أعلن الرئيس ترامب هدف القضاء على تنظيم “داعش” قد تحقق، وبناء عليه أصدر قراره بسحب القوات الأمريكية من سوريا. ومن ثم، فمن المتوقع انخفاض اهتمام الولايات المتحدة بقضية مكافحة الإرهاب في المنطقة في عام 2019، خاصة مع تزايد الإحساس الأمريكي بالأمان من العمليات الإرهابية في الداخل، والاعتقاد بأنه تمت هزيمة داعش بعد طردها من غالبية الأراضي التي كانت تسيطر عليها في العراق وسوريا]).

2_ الاتفاق حول البرنامج النووي الإيراني: أعلن ترامب، أكثر من مرة، رفض اتفاق البرنامج النووي مع إيران، وعدّه تهديدا لأمن الولايات المتحدة، وأمن إسرائيل، ووعد بإلغاء هذه الصفقة، والبحث عن صفقة جديدة بشروط أفضل للولايات المتحدة، حيث رأي أن الشركات الأمريكية لم تستفد من رفع العقوبات على إيران، خاصة في مجال استخراج النفط، وإنما استفادت منها الشركات الأوروبية والروسية]).

لكن اتضح هناك قيودا أيضا على إلغاء صفقة البرنامج الإيراني، تتمثل في كونها تمت تحت رعاية الأمم المتحدة، وتصديق مجلس الأمن الدولي، ضمن صفقة “الخمسة+واحد”، وقد أعلنت الدول الخمس الأخرى الموقعة على الاتفاق عن تحفظها على توجه ترامب نحو إلغائها. من ناحية أحرى، فإن تقاطعات السياسة، ودور إيران البارز في سوريا قد يدفعان إلى إجراء اتصالات وتفاهمات بين البلدين فيما يتعلق بتنظيم “داعش”. كما أنه ليس بمقدور ترامب بناء إجماع دولي لمواجهة إيران، حتى لو صدق على إلغاء الاتفاق النووي، على عكس الرئيس أوباما الذي تمكن من بناء تحالف دولي داعم لسياسته تجاه إيران فيما يخص الملف النووي، والتوصل لهذا الاتفاق

كما اتهم ترامب إيران بدعم ورعاية التنظيمات المسلحة في المنطقة، وأكد إعادة تشديد العقوبات الاقتصادية على طهران. ولذلك، فإن تلك المواقف ستؤدي إلى زيادة العلاقات الأمريكية – الإيرانية توترا، بعد أن شهدت حالة من التقارب الحذر في عهد أوباما، بعد توقيع الاتفاق النووي]).

وفى هذا الإطار كان الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران، وعودة الولايات المتحدة لتطبيق عقوبات اقتصادية صارمة على إيران، منها وضع قيود صارمة على صادراتها البترولية بهدف حرمانها من المصدر الرئيسي للدخل. ومن المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة خلال عام 2019 بإعطاء أولوية للملف الإيراني وأن تقوم بتصعيد العقوبات الاقتصادية تجاهها.

وفي كل الأحوال، فإن العلاقات بين البلدين ستظل في حالة من الشد والجذب، وفقا لحسابات المصالح والتفاعلات الإقليمية، وملفات وأزمات المنطقة في العراق وسوريا، ومعادلة العلاقات بين أمريكا ودول الخليج من ناحية، وأمريكا وإيران من ناحية أحرى.

3_ العلاقة مع الحلفاء:

تحدث ترامب أكثر من مرة عن أن دول المنطقة يجب أن تدفع مقابلا عادلا لقاء دفاع الولايات المتحدة عنها، وأن الولايات المتحدة لا يجب أن تتحمل المسؤولية عن هذه التكلفة الهائلة، وعلى دول المنطقة دفع هذا الثمن. وقد أعلن الرئيس الأمريكي في نهاية 2018، أن المملكة العربية السعودية سوف تتحمل جانبا كبيرا من إعادة الأعمار في سوريا.

لكن كثيرا من مواقف ترامب، وقناعاته السياسية، خاصة فيما يتعلق بالاستغناء عن الحلفاء، وخصخصة الأمن، وإلزام الدول الحليفة بدفع تكلفة الدفاع عن مناطقها، سواء في منطقة الخليج، أو كوريا، أو اليابان، تفتقد الواقعية، وعدم فهم تعقيدات العلاقة بين أمريكا وهذه الدول، التي تقوم على تبادل المصالح بأشكالها المختلفة، حيث إن التعاون العسكري الأمريكي مع الخليج يستهدف بالأساس تحقيق المصالح الأمريكية، وجني العديد من المنافع الاقتصادية، وصفقات الأسلحة، والتعاون ألاستخباراتي والأمني في مكافحة الإرهاب]).

ولنأخذ الحليف السعودي على سبيل المثال الذي لديه العديد من أوراق الضغط التي تمكنه من مواجهة تداعيات أي تطورات سلبية في العلاقات، مثل التهديد بسحب الاستثمارات السعودية الضخمة في الولايات المتحدة، ووقف التعاون الأمني والاستخبارتي في مكافحة التنظيمات المتطرفة. من ناحية أحرى، فإن مواقف ترامب المتشددة ضد إيران، وتهديده بإلغاء الاتفاق النووي، الذي عارضته معظم دول الخليج، قد يدفعان إلى التقارب الخليجي – الأمريكي لاحتواء التهديدات الإيرانية في المنطقة، خاصة في العراق، واليمن، والتعاون لحل الأزمة السورية. ولذا، من غير المتوقع حدوث تباعد أو توتر في العلاقات الأمريكية – الخليجية، رغم تصريحات ترامب المتشددة.

ومن المتوقع أن تستمر الإدارة الأمريكية في هذا النهج خلال عام 2019، ومطالبة حلفائها في منطقة الشرق الأوسط بدفع فاتورة تنمية الأراضي الفلسطينية أو إعادة الأعمار في سوريا واليمن]).

من جانب آخر، وفي ضوء استمرار التحديات الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، سواء تلك المتعلقة بالإرهاب الدولي، الذي يمثله تنظيم “داعش”، وجبهة النصرة (فتح الشام)، وبقايا القاعدة في بلاد الشام، والمنظمات المتطرفة في ليبيا، والمخاطر المحيطة بسلامة الملاحة الدولية في مضيقي هرمز وباب المندب، أتجه الرئيس الأمريكي ترامب إلى تصحيح الخلل الذي أصاب العلاقات المصرية – الأمريكية في عهد أوباما.

والواقع أن العلاقات بين البلدين تحكمها مصالح إستراتيجية متبادلة، وضعت دائما سقفا وحدودا لمستوي التصاعد أو الصدام بينهما، وتتمثل في المحافظة على معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، والمرور العسكري الأمريكي في قناة السويس، والتعاون الأمني والاستخبارات في مكافحة الإرهاب، لكنها شهدت شدا وجذبا، نتيجة لأجندة أوباما بشأن الديمقراطية والإصلاح السياسي في مصر بعد 30 يونيو، ومع ذلك، ظل التعاون العسكري بين البلدين مستمرا، وظلت المساعدات العسكرية، التي تقدر بـ 1.3 مليار دولار، كما هي دون تغيير. كما أفرجت إدارة أوباما عن المساعدات العسكرية التي جمدتها في، عقب فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في أغسطس 2013، بينما شهدت المساعدات الاقتصادية تراجعا منذ عهد بوش الابن]).

ولذلك، فقد تراجعت المطالب الأمريكية في عهد ترامب بشأن الإصلاح وتحقيق الديمقراطية في مصر، والتي كانت سببا في توتر العلاقات بين البلدين، سواء في عهد بوش الابن، أو في عهد أوباما، حيث تغلب على ترامب حسابات الواقعية، وتحقيق المصالح، والتخلي عن المثالية. كما أن تنويع مصر لسياستها الخارجية، والاتجاه شرقا صوب روسيا والصين يعطيان لها استقلالية وندية أكبر في التعامل مع الولايات المتحدة، على خلاف ما كان سائدا من علاقات تبعية، إبان عهد مبارك.

وبذلك مثلت العلاقات المصرية-الأمريكية أحد مجالات التغيير في إستراتيجية إدارة ترامب، خاصة على مستوي الخطاب السياسي، حيث انتقلت من مرحلة البرود والفتور، التي شهدتها إبان إدارة الرئيس أوباما، نتيجة لمواقفه من ثورة 30 يونيو 2013، وقضية الديمقراطية والحريات في مصر، إلى مرحلة من التقارب والتنسيق مع الرئيس السيسي بشأن القضايا الإقليمية، خاصة ملف مكافحة الإرهاب، والوضع في ليبيا وسوريا.

4_ صفقة القرن: تراجعت الإدارة الأميركية عن كونها وسيطًا محايدًا في عملية السلام بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل وعليه فقد تبنت سياسات غير متوازنة ومغايرة لإدارة “أوباما” التي حاولت عدم المواجهة مع دول المنطقة من خلال الانحياز تجاه إسرائيل، حيث قامت إدارة “ترامب” بالاعتراف بالقدس الشرقية عاصمة لإسرائيل وأمرت بنقل السفارة الأميركية إليها في خطوة مفاجئة تراجع عن تنفيذه العديد من الرؤساء الأميركيين، مما أدى إلى زيادة وتنامي الانتهاكات ضد الفلسطينيين نتيجة تخلي الولايات المتحدة عن كونها وسيط محايد في إدارة عملية السلام إلى كونها طرف متحيز يساهم على تصفية القضية، فضلاً عن استمرار الضغط الأميركي بوقف المساعدات المقدمة إلى وكالة الأونروا للقضاء على حلم العودة للاجئين الفلسطينيين في المقابل أصدرت إسرائيل قانون القومية اليهودية]).

وفي سبتمبر 2018، أعلن الرئيس ترامب وعلى هامش اجتماعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، أن إدارته ستطرح خطة سلام فلسطينية إسرائيلية في الشهور المقبلة (ما بين شهرين أو أربعة)، وبذلك أعاد موضوع “صفقة القرن” للصدارة مرة أخرى بعد أن ساد اعتقاد أن الولايات المتحدة قد تخلت عنه، وأشار ترامب إلى أن “حل الدولتين” يمثل الخيار الأفضل لاتفاقية سلام فلسطينية إسرائيلية، وأنه يأمل إبرامها قبل نهاية فترته الرئاسية الأولى، وبالرغم من أنه لم تتضح بعد تفاصيل الرؤية الأمريكية لتسوية قضايا الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين وغيرها، فمن المتوقع أن تطرح الولايات المتحدة هذه الرؤية خلال العام الحالي، وبالرغم من أن الإعلان عن انتخابات جديدة في إسرائيل في إبريل المقبل قد يؤجل إطلاق هذه المبادرة، فسوف يعول الأمريكيون على قيام الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة بإقناع وتشجيع الفلسطينيين على التفاوض بشأن الأفكار التي سترد في هذه المبادرة، وعدم رفضها من البداية]).

5_ التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط: أعلن الرئيس الأمريكي ترامب في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (سبتمبر 2018) أن بلاده تعمل مع دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن لإقامة تحالف استراتيجي إقليمي لتحقيق الأمن في الشرق الأوسط، وأعقب ذلك قيام وزير خارجيته بالاجتماع مع نظرائه من هذه الدول للتحضير لقمة سوف تستضيفها الولايات المتحدة لمناقشة إنشاء هذا التحالف الذي بات يعرف باسم “التحالف الاستراتيجي للشرق الأوسط“.

وتشير الأخبار الأولية إلى أن التحالف يتضمن ليس فقط التعاون العسكري ولكن يمتد أيضا للتعاون الاقتصادي والدبلوماسي، وتنسيق العمل من أجل إنهاء الصراع في سوريا واليمن، ومواجهة إيران، والتصدي للتهديدات الجديدة، مثل الهجمات الإلكترونية على البنية التحتية. في حين اوباما لم يكن متحمسا لهكذا نوع من التحالفات خصوصا إذا كانت تستهدف التهديدات الإيرانية للمنطقة وذهب إلى أن التفاهم وليس المواجهة مع إيران كفيل لحل المشاكل]).

ولكن هناك أيضا عددا من الأسئلة التي ربما لا تزال محل النقاش حول طبيعة وحدود التعاون في المجالات الأخرى، منها العسكري، ومن المتوقع أن يتم طرح المبادرة المتعلقة بإنشاء هذا التحالف في خلال هذا العام.

    إن توجهات إستراتيجية إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط قد شهدت بعض التغيرات النسبية عن توجهات إستراتيجية إدارة أوباما، في ضوء تصريحاته ومواقفه، لكنها لن تكون استنساخا من توجهات إستراتيجية إدارة بوش الابن، وتجربة المحافظين الجدد. كما أن هناك حدودا لحجم ومدي التغير في الإستراتيجية الأمريكية تجاه المنطقة في عهد إدارة ترامب، نتيجة لتعقيدات وتشابكات المصالح، وتطورات الأحداث على الأرض، وظهور متغيرات جديدة، مثل تصاعد الإرهاب، وبروز لاعبين فاعلين، وخريطة التحالفات الجديدة بالمنطقة، وتغيرها بشكل مستمر. وسيكون التغيير محدودا مقارنة بالتحولات الأخرى المتوقعة من جانب الإدارة على المستوي الدولي، سواء في علاقات الولايات المتحدة مع أوروبا، وحلف الناتو، والمحيط الهادي، أو موقفها من العولمة.

كما سيكون التغيير محصورا في الآليات، حيث سيكون الاعتماد بشكل أكبر على الآليات الصلبة، مثل استخدام القوة العسكرية، والغارات الجوية، والعقوبات. كما سينحصر التغيير في قضايا محددة، مثل الحرب على الإرهاب، ومواجهة “داعش”، حيث سيكون ترامب أكثر حزم وتشدد عن سلفه اوباما في التعامل مع قضايا الإرهاب والجماعات المتطرفة، وفيما يتعلق بالملف النووي الإيراني، فقد تبنى ترامب هدف مواجهة إيران، واعتبره التوجه الرئيسي للإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو بالتأكيد تحول نوعي،

كما يؤمن ترامب أيضا بالتعامل مع الدول ويعتبرها محور الاستقرار في المنطقة، كالتقارب مع روسيا في سوريا، والانفتاح على مصر. مختلفا عن اوباما الذي جاء إلى القاهرة ليوجه خطاباً “للشعوب الإسلامية”. لكن من غير المتوقع حدوث تغييرات جذرية فيما يتعلق ببقية القضايا. وفي كل الأحوال، فإن إدارة ترامب سوف تشكل مرحلة جديدة، ومختلفة في الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.

من جانب أخر، فإن الشرق الأوسط وأزماته ستظل ضمن أولويات الإستراتيجية الأمريكية، ويصعب فك الاشتباك معها بشكل كامل، أو الانسحاب منها، نتيجة لحسابات المصالح الأمريكية في المنطقة، ونتيجة لتعاظم الدور الروسي فيها بما قد يؤثر سلبا في نفوذ الولايات المتحدة ومصالحها في الكثير من مناطق العالم الأحرى، مثل شرق أوروبا، ووسط آسيا.

وبالتالي هذا التوجه لم ولن يعني انسحاب الولايات المتحدة بالكامل من الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة ستحافظ على قدر من الاهتمام بهذه المنطقة لعدة أسباب، أولها يتعلق بكون الولايات المتحدة قوة كبرى في العالم وستظل مهتمة بأن تلعب دورا ما في الشرق الأوسط. السبب الثاني يتعلق بإسرائيل، وتعهدها بالحفاظ على وجود وأمن الدولة العبرية، وهو أحد ثوابت الإستراتيجية الأمريكية. والسبب الثالث يتعلق بسعر النفط وتأثيره على الاقتصاد العالمي. فما زالت منطقة الخليج تلعب دورا مهما في تحديد سعر النفط كسلعة عالمية تخضع لمتطلبات العرض والطلب.

ولكن المؤكد أن أهمية المنطقة للولايات المتحدة في تراجع مستمر، ومن ثم فإن رغبتها في التورط في شئونها أو لعب دور قيادي بشأن قضاياها هي أيضا في تراجع مستمر.