إن الأحداث المأسوية التي شهدتها أغلب الدول العربية منذ مطلع سنة 2011 إلي غاية الآن تعتبر كارثية بشتي المقاييس و تصنف كتسونامي حقيقي لشعوب تعاني الأمرين من بطالة مزمنة و تهميش إجتماعي. إذ كانت مجمل تلك الموجات من الإحتجاجات الشعبية بمثابة صرخة شعب تذمرا و سخطا علي أوضاعة المعيشية التي أضحت في الحضيض. فأغلب المتظاهرين هم من الشباب المتضررين من البطالة التي طالت أمدها و غياب العدالة الإجتماعية أو تسوية وضعية العمل المؤقت الذي هو في ظروف تعيسة جدا بدون تغطية إجتماعية. فهنا تبرز تلك النقمة علي تلك الحكومات لدي أغلب تلك الشعوب العربية المحتجة التي أصبحت تعاني من فقر مدقع و غياب للعدالة الإجتماعية التي لم توفر لهم عيش لائق و كريم في أوطانهم و التي أصبحوا يعتبرون غرباء عنها. أما البقية من الشعوب العربية المضطهدة فقد لجأت إلي خيار الهجرة نحو الدول المتقدمة لعلها تجد فيها لقمة العيش الكريم و إيجاد الذات في الحياة. إن دولة العراق تشهد اليوم ثورة حقيقية تطالب بإسقاط النظام و رحيل الجميع, فسلسلة تلك الثورات لم تنتهي حتي إلي يومنا هذا بحيث إتضح للعالم كله مدي تعاسة الحياة بتلك الدول. إذ أصبحت شعوبها تعيش تحت درجة الصفر من الفقر كالعاطل و العامل أو الموظف و الأستاذ و الكل غير قادر علي مواجهة غلاء المعيشة و زيادة أسعار المحروقات و المواد الغذائية و غيرها من المواد الأساسية. فإحتجاجات الشعب العراقي اليوم تأتي مواصلة لذلك الحراك الشعبي العربي المطالب بالتغيير الحقيقي و مكافحة الفساد و نهب الثروات الوطنية. فعلي الرغم من خروج رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي العديد من المرات علي شاشة التلفزيون مقدما حزمة من الإصلاحات و الخدمات الإقتصادية للشعب العراقي, إلا أن تلك الإنتفاضة الشعبية لم تهدأ بل زادت في نسق إحتجاجاتها لتتحول من مطالب إجتماعية تدعو لتحسين ظروف العيش إلي مطالب سياسية تطالب بإسقاط النظام و تغييره برمته من نظام برلماني إلي نظام رئاسي موحد. أما في المقابل فالأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية للشعب العراقي أصبحت تتجه من السيئ إلي الأسوء خاصة بعد سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين سنة 2003 و المعاناة من طول فترة الحرب الأمريكية أو أيضا من كوارث بما يسمي تنظيم دولة داعش بالعراق سنة 2015 الذي ظهر كدولة داهس علي نفوس الأطفال و الشيوخ و النساء الحوامل ليكثر فيها الفساد و الإجرام من نصب للمشانق و تقطيع للرؤوس و للأجساد مثل ذبح الخرفان في أيام العيد. إن دولة العراق تذرف اليوم دموع المساكين و تنزف دماء الشهداء و مازال يعاني شعبها من ظلم من قبل الجميع. كما أن المعيشة اليومية أصبحت قاسية جدا علي جميع المواطنين بحيث تغيب العدالة الإجتماعية غيابا كليا علي الطبقات الإجتماعية الفقيرة خاصة منها تسوية وضعية العاملين بالتعاقد في القطاع الخاص أو لتشغيل العاطلين من أصحاب الشهائد العليا من دكاترة و أساتذة.

مطالب إجتماعية تتحول إلي مطالب سياسية

إن الثورة العراقية لم تنطلق في أواخر هذه السنة من سنة 2019 بل كانت تلك الإحتجاجات متراكمة علي مدار السنين الماضية بحيث مثلت البداية الحقيقية لذلك الحراك الشعبي المطالب بالتغيير. فبالتأكيد العدوي وصلت لدولة العراق لتضرب في الصميم و تكشف المستور لضحايا الحكومات العراقية السابقة المتتالية. فذلك الإنفجار الشعبي العراقي اليوم يصنف كتسونامي جديد من خلال صرخة ذلك الشعب المطالب بتحسين ظروف العيش و المطالب بالتشغيل القار و الأهم من كل ذلك المطالبة بتوزيع الثروة الوطنية من عوائد بيع للمحروقات التي كانت توزع علي مجموعات معينة. بالنتيجة أصبح الوضع المعيشي لا يطاق بذلك البلد الذي أضحي شعبه يعاني من إنتهاك حرمته و سلب إرادته. إذا إنفجرت تلك القنبلة الموقوتة التي كانت علي مدار السنين الماضية مكتومة بالدكتاتورية لتخرج اليوم إلي شوارع بغداد صارخة و غاضبة لتقول كفي ظلما و إنتهاكا للحقوق الشعبية. ففي ظل تلك الإحتجاجات الشعبية السلمية المتصاعدة تبين أن ذلك النظام العراقي الحاكم حاليا لم يفهم بتاتا مطالب صرخة ذلك الشعب و أيضا لم يفهم منبع و سبب تلك الثورات الشعبية بجميع البلدان العربية من الخليج إلي المحيط. فالمطالب الشعبية كلها تختزل بالأساس في مطالب إجتماعية و القضية هنا ليست مرتبطة بشخص واحد بل بالآلاف و الملايين اللذين يعانون من الفقر المدقع و التهميش و المحسوبية في التعيينات بالوظيفة العمومية و إدارت الظهر لمطالبهم الإجتماعية من قبل الحكومة العراقية الحالية. فتلك الحشود الشعبية في شوارع بغداد و بقية المدن العراقية تبين للعالم كله مدي تعاسة الظروف الإجتماعية بذلك الوطن المنهوب لثرواته الباطنية و التي كانت ممكن أن تحقق الرفاهية لأولئك المحتجين لو تم إستغلالها إيجابيا في التنمية الإقتصادية و النسج علي منوال التجربة الخليجية الأخري التي سخرت تلك الثروات في بناء إقتصاد وطني قوي صاعد و واعد قادر علي مجابهة جميع التحديات و الأزمات لينعم بذلك شعبها بالرفاهية و رغد العيش. أما في المقابل فيعتبر إصرار الحكومة العراقية بمواجهة و قمع الحراك الشعبي السلمي بالقوة الأمنية و الرصاص الحي جريمة في حق شعب مضطهد بحيث حولها إلي دائرة عدو للمحتجين مما أدي إلي سقوط شرعيتها. بالنتيجة تحولت تلك المطالب الإجتماعية برمتها إلي مطالب سياسية تدعو لإسقاط النظام و أيضا زاد من إصرار المحتجين علي رحيل الجميع حتي تغيير النظام من برلماني إلي رئاسي و محاسبة تلك المجموعات السياسية الفاسدة التي حققت ثراء فاحش من المالية العمومية في وقت وجيز جدا.

العدالة الإجتماعية لتسوية الوضعية

إن الشعب العراقي يعاني منذ سنين طويلة من فقر مدقع و غياب كلي للعدالة الإجتماعية منها التشغيل الذي كان مقتصرا فقط علي طبقات معينة موالية للنظام أو نظرا لغياب تسوية وضعية العمال و الموظفين و الأساتذة المتعاقدين. فهنا لا يجب تجميل صورة النظام السابق لصدام حسين و البكاء علي أطلاله رغم إنخفاض الأسعار للمواد الغذائية خلال فترة حكمه, لكن في المقابل كانت سيئاته أدهي و أمر و يعتبر إجمالا فاسدا كالبقية. كذلك الإقتصاد هو أداة تتحكم فيه العقول البشرية و ليس جامدا و غير قابل للتغيير و التماشي مع المتغيرات العالمية. إن العدالة الإجتماعية لا تقتصر فقط علي الأنظمة الإشتراكية أو الشيوعية التي تختزل السلطة الإقتصادية في دائرتها المركزية بل العدالة الإجتماعية تكمن بالأساس في تلك “اليد الخفية” التي تتدخل وقت الحاجة لتعديل إنحراف المسار و تقديم خدمات إضافية لدعم المواطنين المتضررين و تقوية القطاع الخاص حتي يكون الداعم الأساسي للقطاع العام. بالتالي كانت الإصلاحات الهيكلية العراقية خلال هذه العشرية بطيئة جدا و لم تلتزم بتوجيهات و بنصائح صندوق النقد الدولي الساعي لتحقيق الإستقرار المالي العراقي من خلال ضبط نسبة الحد الأدني للتضخم المالي و إستقرار الأسعار بالأسواق و بالنتيجة تحقيق الإزدهار للشعب العراقي. بالإضافة إلي ذلك لم تلتزم الحكومات العراقية السابقة منذ سقوط نظام صدام حسين إلي غاية الآن بالمسار التنموي الذي رسم في المخططات الإستراتيجية أو بنصائح البنك الدولي الساعي لتحقيق التنمية الشاملة. إن الثروات الطبيعية التي تمتلكها دولة العراق تعتبر العمود الفقري للتنمية الإقتصادية و الذي ممكن تسخيره للخروج من محنته و رسم مسار إصلاحي إقتصادي جديد و ذلك بالإستئناس بتجربة دول الخليج منها بالأساس دولة الإمارات العربية المتحدة و التي يعيش شعبها في رفاهية تقارن بالدول المتقدمة. فهنا تكمن طرق تحقيق العدالة الإجتماعية و ذلك من خلال التسريع بتسوية وضعية المحرومين و المهمشين بالتدخل في الإقتصاد الوطني مباشرة عبر “اليد الخفية” و ذلك بتوفير إصلاح تعليمي, صحي و خدماتي و تغطية إجتماعية جيدة للجميع و السعي لإرساء الحوكمة الرشيدة و مكافحة الفساد المالي المستشري في دواليب الدولة و تقوية القطاع الخاص و الأهم تسخير العوائد المالية المتأتية من بيع المحروقات في التنمية الإقتصادية الشاملة.

فؤاد الصباغ – كاتب تونسي و باحث اقتصادي