بسم الله الرحمن الرحيم

صرخة : مَنْ المسؤول عن تهجير وقتل أولادنا ؟؟!!

اللواء د. محمدأبوسمره ـــ رئيس تيار الاستقلال الفلسطيني، وعضو المجلس الوطني .

على ضوء كارثة وفاة الشاب الفلسطيني الغزي المهاجرمن غزة حسام أيمن رشاد أبوسيدو، يوم18/1/2019 على شواطئ جزيرة ليروس باليونان ، وقبله بأيام وفاة ثلاثة أطفال فلسطينيين رُضَّع إثر محاولة عصابات التهريب قتل جميع من بالقارب المطاطي في عرض البحر بين تركيا واليونان، يتوجب السؤال والصراخ عالياً : مَنْ المسؤول عن دفع عشرات آلاف الشباب والفتيات والعائلات للهروب من الحياة في غزة؟!

وخصوصاً أنه على مدى الأعوام الماضية تعرَّض عشرات الشبان الفلسطينيين ، وتعرضت عشرات العائلات الفلسطينية الهاربين من الحياة القاسية والمريرة والصعبة والكئيبة والمؤلمة في غزة ، إما للغرق في عرض بحر اليونان وتركيا وغيرها من بلاد الهجرة الجديدة، أو للقتل المتعمد ..

ولذلك لابد لنا من السؤال ، والبحث والتفتيش عن المسؤول الفعلي والمباشر عن هذه الظاهرة المُنَّظمَّة الخطيرة ؟!

وخصوصاً أنَّ الجميع يعرف ، أنَّه هناك هجرة مُنَّظَّمَة من قطاع غزة ، إلى تركيا واليونان وبلجيكا وأسبانيا وألمانيا والدانمرك والنرويج والسويد وكندا والولايات المتحدة ، وأميركا اللاتينية واستراليا ، وغيرها من البلاد الأجنبية ، وهناك حتى لحظة كتابة هذه السطور عشرات العائلات الفلسطينية الغزية العالقة على الحدود بين الدول في صحارى أفريقيا ، وقد تقطعت بها السبل في طريقها إلى جنة أوروبا المزعومة ، وغيرهم من العالقين على الحدود بين العديد من الدول بأميركا اللاتينية ، ومئات العالقين في العديد من مطارات العالم !!!

إنتبهوا أيها القوم ، إنتبهوا ياقادة شعبنا في الضفة والقطاع والخارج ، يا كل الفلسطينيين ، ويا كل الفصائل والأحزاب والقوى الوطنية والإسلامية ، ويا منظمات وهيئات ومؤسسات المجتمع المدني ، وجميع الشخصيات الرسمية والإعتبارية والوجهاء والمخاتير وزعماء العائلات ، نحن أمام مآساة حقيقية ، خطيرة ومنظمة تتشكل أمام أعيننا ، بينما مازال البعض منا يمارس هوايته اللعينة في تبادل الشتائم وتكريس خطاب البُغض والكراهية ، وتعزيز عوامل الانقسام البغيض والدمار السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري والإعلامي ..

كل هذا يحدث ، بينما جثمان آخر الضحايا ، شهيد الظلم والغربة والظلم والفقر والبطالك والحصار ، بحاجة إلى توفير عدة آلاف من الدولارات ، وهي قيمة تكاليف نقله من اليونان إلى القاهرة ، فغزة ، حتى يدفن فيها ، بينما عائلته الفقيرة لاتملك توفير المبلغ المطلوب ، وسفارتنا باليونان تقول أنه لاتوجد لديها الإمكانيات المالية والفنية من أجل نقله إلى غزة ، مما اضطر رفاق هجرته وغربته ووجعه من الفلسطينيين والعرب والمسلمين ، بالتنسيق مع السفارة في أثينا إلى العمل على مواراة جثمانه الطاهر في تراب إحدى الجزر اليونانية النائية ، ووجه المهاجرون الفلسطينييون الغزيون في تلك الجزر اليونانية النائية على ساحل البحر المتوسط من أصدقاء الراحل الشهيد المظلوم حسام أبوسيدو ، الدعوة للمشاركة في تشييع جثمان شهيد الانقسام والغربة والمنفى والهجرة والمعاناة والوطن ، حيث من المفترض أن يُنقل فجر اليوم من جزيرة ليروس التي أُستُشهد مرتطماً بصخور بحرها ، على بعد خمسة أمتار من شواطئها، إلى جزيرة كيوس اليونانية، وسيتم الدفن بمشيئة الله تعالى بعد صلاة الظهر في مقبرة السيد سيرمولا محمد أفندي بلاطاني قوص اليونان ، وقد تردد في اللحظات الأخيرة أنَّ ذوي الشهيد المظلوم والعديد من الشبان الفلسطينيين المتطوعين ، يبذلون مع سفارة فلسطين في أثينا جهودهم الجبارة لنقل الجثمان الطاهر إلى القاهرة ، ثم معبر رفح ، ومنه إلى غزة لدفنه هناك ، وليس معروفاً ، إن كان ذلك سينجح أم لا ، في ظل الكثير من التعقيدات الفنية ، والإجراءات المُعقدة من الجهات اليونانية المُختصة ، وإن كُنتُ أتمنى أن تنجح جهود العائلة في نقل جثمان ابنها المظلوم من جزر اليونان النائية ، إلى قطاع غزة المحاصر ، ليدفن في مقابر الشهداء في غزة.

وبكل الأحوال  علينا جميعاً ، أن ندرك أننا أمام مأساة اجتماعية وإنسانية ووطنية خطيرة ومتكررة بشكل شبه يومي ، ولا أحد يرغب أويريد تحمُّل المسؤولية عما يحدث ، بينما في الحقيقة الجميع يتحمل المسؤولية عن هذه المصيبقة والكارثة الوطنية والإنسانية ، ورحم الله الخليفة العادل عمر بن خطاب ، حينما خاف أن يحاسبه الله على عدم تمهيد الطريق لبغلة قد تتعثر وهي تمشي في العراق ، ومما جاء في الأثر عن أمير المؤمني عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه) ، قوله الشهير : ( ويلك يا عمر، لو أنَّ بغلة تعثرت في العراق لسُئل عنها عمر : لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق؟ ) …

فكيف بكل مّنْ كان سبباً في دفع شبابنا وأطفالنا وبناتنا إلى الهروب من الحياة المُجحفة في قطاع غزة ، والموت على سواحل تركيا واليونان وأوربا ، وفي بحار وصحارى المنافي الجديدة؟!

وقد كشفت آخر استطلاعات للرأي أُجريت في قطاع غزة ، أنَّ عدد الراغبين بالهجرة من القطاع غزة المحاصر المنكوب ، وصل إلى 40% ، رغم كافة المخاطر التي يدركها جيدأً الغزيون ، والتي انتهت في كثير من الأحيان بالموت أو السجن. وبثت ( هيئة البث الصهيونية باللغة العبرية / كان  ) تقريراً متلفزاً لها يوم الأحد14/1/2019 ، سلطت فيه الأضوء على هجرة الفلسطينيين من القطاع المنكوب ، وقالت أنَّ :(40 ألف شخص غادروا القطاع في النصف سنة الأخيرة) ، والتقى المراسل الصهيوني غال برغر ، في أسطنبول بتركيا ، مع العديد من الشبان الفلسطينيين هاجروا من غزة إلى تركيا ، والتي هي محطة انتقالية من أجل العبور إلى أوروبا، بحثاً عن حياة أفضل لهم ولأطفالهم.  وقال المهاجرون الفلسطينيون الذين تحدث معهم مراسل (كان )، إنهم : ( تغربوا عن غزة من أجل العثور على مستقبلٍ أفضلٍ ، رغم البعد عن عائلاتهم ومعاناة الحنين إلى الوطن ( ، وقال شاب فلسطيني من غزة اسمه إسكندر، غادر القطاع قبل 3 أشهر ونصف الشهر، مخلّفاً وراءه 3 أطفال وزوجة ، لمراسل هيئة البث الصهيونية للشؤون الفلسطينية، غال برغر، في تقريره الذي أعده من إسطنبول : ( لا مستقبل في غزة،أبسط الأمور غير موجودة ).

وكشفت المعطيات التي نشرتها الأمم المتحدة، ، أنَّ : ( عدد المهاجرين من القطاع في النصف السنة الماضية ، بلغ نحو 20 ألف شخص ) ،  بينما تتحدث المعطيات الصهيونية عن ضعف هذا الرقم ، وتقول أنهم (40 ألف مهاجر )!!.

وقال التقرير التلفزيوني الصهيوني ، إنَّ : (50% من سكان غزة يرغبون في الهجرة منها. والسبب الرئيس هو الوضع الاقتصادي القاسي في القطاع ، ومن بين المعطيات التي تدفع الغزيين إلى الهجرة، أنَّ نسبة البطالة في غزة تبلغ 55%، وأن المياه غير صالحة للشرب، والكهرباء متاحة من 4ــــــ 8 ساعات يومياً ).

وخلال الساعات والأيام الأخيرة ، وعلى ضوء تكرار المآسي والكوراث والمصائب ، فقد تصدرت قضية الهجرة  من قطاع غزة ، وماينتج عنها من مآسٍ وكوارث ومصائب للعائلات الفلسطينية ، اهتمامات وأحاديث المجتمع الفلسطيني ، وارتفعت الأصوات من شتى المسؤولين والتنظيمات والنشطاء والأشخاص والهيئات والجهات لتتحدث عن الوضع المعيشي الكارثي والمزري الذي إضطر أبناء القطاع للفرار منه ، بحثاً عن طاقة أمل ورزق في مكانٍ بعيد ، ولكن أصبحت رحلة البحث عن الأمل والرزق ، هي نفسها رحلة الذهاب إلى الموت والمجهول والقسوة وجحيم الغربة .

وبالتأكيد فإنَّ هذه النتيجة الكارثية يتحمل مسؤوليتها الجميع ، وخصوصاً ، من تسببوا في صناعة مصيبة الانقسام الأسود ، ومازالوا يصرون على استمراره مهما كانت النتائج والكوارث الجماعية ، ولقد حان الوقت الذي يصرخ فيه الكل الفلسطيني : كفى إستهتاراً بأرواح ومستقبل أبنائنا ، وكفى تدميراً وتمزيقاً وتشتيتا ًلمجتمعنا الفلسطيني ، توقفوا عن صناعة الكراهية والبغضاء والبؤس واليأس ، ولنعمل جميعاً من أجل إنقاذ مجتمعنا من المآسي التي تلاحقه ، ومن التفكك والتمزق ، وكذلك إنقاذ أبناءنا من الضياع والموت والغربة والهجرة والمجهول ….

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

البريد الإليكتروني [email protected]

 

Print Friendly, PDF & Email