رامي المنار اسليمي* الثلاثاء 19 مايو 2020 – banassa.com

  تشير الحرب الباردة إلى حالة الصراع والمنافسة القائمة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي وحلفائهم من  نهاية الحرب العالمية الثانية  حتى أوائل التسعينات. خلال هذه الفترة ، تم تأسيس تحالفات عسكرية جديدة، بالإضافة إلى ذلك ، كان هناك استخدام واسع للدعاية، وظهرت منافسة قوية بين القوتين ، والأهم من ذلك ، أنفقت أطنانًا من المال على الدفاع ، وتطوير ترسانة نووية وأسلحة قوية ، والتقدم الصناعي والتطور التكنولوجي وسباقات الفضاء.ودخلت القوتان ، باستخدام الحلفاء ، في حروب غير مباشرة باستخدام وكلائهم المختلفين.

وانتشرت الحرب الباردة خارج القارة الأوروبية إلى كل مكان في العالم. سعت  منها الولايات المتحدة إلى محاصرة الشيوعية والقضاء عليها وحشد حلفائها، وخاصة في أوروبا الغربية والشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، دعم الاتحاد السوفياتي الحركات الشيوعية في جميع أنحاء العالم، وخاصة في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا.ورافق الحرب الباردة العديد من الأزمات الدولية مثل حصار برلين (1948-1949) ، والحرب الكورية (1950-1953) ، وأزمة برلين (1961) ، وحرب فيتنام (1956-1975) ، و الغزو السوفيتي لأفغانستان (1979).

وتشكل لحظة الغزو السوفياتي لأفغانستان السبب الرئيس للظهور الأول لظاهرة الجهاديين الإسلاميين الذين تم إنشاؤهم في البداية لغرض دفع الاتحاد السوفييتي خارج الأراضي الأفغانية. وبعد نهاية هذه الحرب الباردة بالانهيار الرسمي للاتحاد السوفيتي، وظهور  سلسلة من النزاعات والعمليات المسلحة ضد الولايات المتحدة نفسها، تغيرت التوازنات في النظام الدولي وبدأت الولايات المتحدة حرب دولية ليس ضد الشيوعية ولكن ضد هؤلاء “الجهاديين الأفغان “ الذين صنعتهم.

ودخلت قيادة النظام الدولي في نوع جديد من الحروب تسمى بالحرب الدولية ضد الإرهاب، وباستدعاء مصطلح الإرهاب، ويمكننا القول أن دول الأمم المتحدة لم تستطع تعريفه رغم عدد كبير من القرارات التي صدرت عن مجلس الأمن تدعو الدول لمحاربة الإرهاب، وتركت التعريف  للقوانين الجنائية للدول قبل ان تضع الدول نفسها تشريعات داخلية خاصة  لمكافحة الإرهاب.

وداخل هذا المسار من التطور لازال السوال مطروحا عن كيف تحول “المجاهدون الأفغان “ الذين صنعتهم الولايات المتحدة في مرحلة الصراع مع الاتحاد السوفياتي من “حلفاء” إلى أعداء؟ وكيف تأسس تنظيم القاعدة الإرهابي داخل أفغانستان وتحول  إلى العدو الأول للدول والعالم بأسره؟

ماذا كان الغرض من نشأة تنظيم القاعدة؟ وما هي المرحلة الانتقالية التي حولت القاعدة من كونها خادمًا لتوزنات معينة في النظام الدولي إلى عدو خطير للدولة التي تقود العالم وباقي مكونات النظام الدولي ؟وماذا كانت نتيجة هذا الانتقال وقيام الجماعة المسلحة ككل؟

يمكننا القول إن أول ظهور لما كان يسمى “بالجهاديين” الذين يعتبرون اليوم إرهابيين ، كان بالضبط بعد اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود في عام 1979 ، وإعلان الأمير خالد كملك.في الوقت الذي أصبح فيه الأمير خالد ملكًا ، بدأت الجماعات الإسلامية المتطرفة  الموجودة في المملكة العربية السعودية  صراعا مع الدولة  بحجة حماية أو تعزيز الدين الإسلامي.

وخلال حكم الملك خالد قامت جماعة مسلحة بقيادة جهيمان العتيبي في عام 1979 بمهاجمة الكعبة والسيطرة عليها باستخدام الأسلحة ولم تستطع القوات السعودية إيقافهم، مما دفع الملك إلى طلب مساعدة القوات الأجنبية لاستعادة السيطرة على الكعبة. وأدى هذا العمل إلى مقتل العديد من الأفراد، وكانت مذبحة صدمت العالم كله، وهذا ما دفع جيمي كارتر الرئيس الأمريكي السابق إلى تقديم اقتراح للملك السعودي، وكان هذا الاقتراح يتألف من إرسال الجماعات الإسلامية التي كانت قد بدأت في تشكيل نوع من المعارضة التي قد تهدد سلالة أفغانستان من أجل القتال ضد الاتحاد السوفيتي وحماية ما رأوه على أنهم مسلمون يتعرضون للهجوم والمذبحة من قبل الاتحاد السوفياتي.

كان هذا الاقتراح وسيلة لحل مشاكل المملكة وفي الوقت نفسه تمكين الولايات المتحدة من خلال إضعاف الاتحاد السوفياتي من خلال حرب غير مباشرة من شأنها أن تستنزف قوة السوفيت ، وفي نفس الوقت تبقي الولايات المتحدة خارج هذا الصراع.

وبذلك بدأ عمل دعائي كبير بترويج أيديولوجية الجهادية في أفغانستان من خلال وصف أفغانستان بالدولة الإسلامية وإخوانها المسلمين الذين تعرضوا للهجوم من قبل مجموعة من غير المؤمنين ، وبهذه الطريقة اكتسبت الأسرة صورتها كحامية للإسلام وحصلت تخلص من حزب المعارضة الذي بدأ يتشكل داخل البلاد.

وحصل اقتراح الرئيس الأمريكي السابق على موافقة وقبول، مما أدى إلى إطلاق حملة دعاية واسعة النطاق في الإعلام ووسائل أخرى كانت تحفز الناس على الذهاب للدعم أفغانستان ضد حربها مع الاتحاد السوفياتي،  وتأسست لجن في السعودية  في بداية الثمانينيات لجمع التبرعات لدعم الجهاديين ، حتى أنهم طلبوا من الإخوان المسلمين الانضمام إلى الجهاديين في أفغانستان ، كما أعطت الخطوط الجوية “للجهاديين الأفغان” خصومات على رحلاتهم عند السفر إلى الأراضي الأفغانية.

وبعد انتهاء الحرب، ومغادرة السوفييت أفغانستان، توفي الملك خالد ووصل الملك فهد  إلى الحكم ، وطلبت  السعودية من الولايات المتحدة مطالبة الجهاديين بمغادرة أفغانستان ، ولكن الشيء  الذي لم تتوقعه الدول التي كانت تدير الصراع مع الاتحاد السوفياتي في افغانستان هو أن هؤلاء “الجهاديين” باتوا يعرفون بالفعل أنهم استخدموا من قبل الولايات المتحدة وأن الأسلحة التي كانوا يزوَدون بها تأتي من الولايات المتحدة وأن المعلومات التي حصلوا عليها كانت تأتي من وكالات المخابرات الأمريكية.

وهذا ما دفع اليمني السعودي أسامة بن لادن (زعيم القاعدة فيما بعد ) والأردني الفلسطيني عبد الله عزام إلى رفض فكرة المغادرة، ورأوا أن أفغانستان أصبحت وطنهم وأراضيهم، وباتوا يفكرون في تشكيل أفغانستان جديدة يحكومنها بهذا الشتات من “الجهاديين“ الذين جاؤوا من كل مناطق العالم العربي الإسلامي وخاصة من الشرق الأوسط ، وبدأت تظهر قيادات  ستنتقل إلى مناطق أخرى في العالم مثل السعودي عبد الرحمن الدسري الذي كان يدعى ب “بربروسا” وقواته في يوغوسلافيا ، وسامر السويلم ( المدعو الخطاب ) الذي انتقل الى الشيشان ،وبذلك بدأت القاعدة تنتشر تدريجيا خارج أفغانستان.

ولم تستطع السعودية إجبار “الجهاديين الأفغان “ كلهم على الخروج من افغانستان، والعدد القليل الذي عاد منهم إلى السعودية حمل معه أفكارا أخرى مضادة للسعودية والولايات المتحدة الأمريكية، حيث شرع هؤلاء العائدون من افغانستان  في العمل المسلح والإعداد للقيام بنفس الدور الذي كانوا يقومون به في أفغانستان، لكن هذه المرة بمهاجمة السلطات السعودية والولايات المتحدة الأمريكية في نفس الوقت ، وكان أول احتكاك للسعودية مع “الجهاديين الأفغان”  بمناسبة هجوم صدام حسين على الكويت واقتراب قواته من الأراضي السعودية ، الشيء الذي أدى  بالسعودية  إلى طلب مساعدة القوات الأمريكية لحماية أراضيها مما أدى إلى  دخول السعودية في مع “مجاهدي “أفغانستان السابقين الذين يشكلون نواة تنظيم القاعدة في السعودية الذين عارضوا طلب المساعدة العسكرية الأمريكية .وبدأت المواجهة  داخل السعودية نتج  عنها اعتقالات للعديد من “المجاهدين “المسلحين العائدين من افغانستان  وقام مسلحون منهم بهجمات متعددة في داخل المملكة  العربية السعودية وجهت ضد الأمريكيين في 1995 و 1996 .

ويلاحظ أن السعودية حاولت في مرحلة بدايات المواجهة مع الإسلاميين المتطرفين تطبيق نموذج أنور السادات الذي شعر  بتزايد خطر الإسلاميين في مصر وبدأ في إخراجهم من السجون في محاولة لاحتوائهم والتأسيس لعلاقات جديدة لتجنب  الصراع معهم لكن محاولة الاحتواء انتهت بمقتله . ولم تنتبه السعودية وهي تستعير مقاربة أنور السادات إلى   الجانب الآخر ، إلى الباقين في أفغانستان .

لقد كان  أسامة  بن لادن قد أسس تنظيم القاعدة  وبدأ  في مهاجمة الولايات المتحدة من خلال قصف السفارة الأمريكية في دار السلام ، وتدمير سفينة تابعة للبحرية الأمريكية في اليمن لينتهي بالهجوم على الولايات المتحدة باستخدام في أحداث 11 سبتمبر الشهيرة.

هذه الهجمات والأعمال التي قادها أسامة بن لادن ضد الولايات المتحدة الأمريكية كانت في إطار تنظيم إرهابي عالمي  يسمى  القاعدة وهو تجمع شتات  لما كان يسمى ب”الجهادية” من قبل الولايات المتحدة أثناء الحرب ضد الإتحاد السوفياتي في افغانستان  .

ومنذ ذلك الحين، بدأت الولايات المتحدة حربًا جديدة على   الإرهابيين الذين  كانوا  ذات مرة يحاربون الشيوعية السوفياتية في افغانستان بدعم أمريكي .وعادت الولايات المتحدة في مرحلة إلى اتخاذ إجراءات جعلت  المملكة العربية السعودية تمنع السفر إلى أفغانستان ، وبدأ الأمريكيون نقاشا أخر مع السعودية حول  المناهج والمضامين الدينية التي ترى أمريكا أنها أدت إلى إنشاء هذا الجيل من الإرهابيين الذي  باتوا يشكلون  تهديدا للولايات المتحدة وصورتها وسيادتها.

وبذلك، فإن ظاهرة الإرهاب تطورت بشكل كبير بعد نهاية الحرب الباردة ، وأن دور القاعدة كواحدة من أبرز المنظمات الإرهابية يجد أصله في الظاهرة الجهادية في أفغانستان خلال المواجهة بين الإتحاد السوفييتي والدول الغربية ،إن أولئك الذين سافروا إلى أفغانستان بحجة الجهاد ضد الشيوعية وبدعم وتمويل من السعودية سوف يتحولون إلى منظمة إرهابية كبرى تسمى القاعدة ،بقيادة السعودي أسامة بن لادن والمصري أيمن الظواهري. لذلك ، يبدو أن عوامل الصراع في النظام الدولي أنتجت ظاهرة المنظمات الإرهابية ، وأن هذه المنظمات سيكون لها تأثير على النظام الدولي المستمر حتى الآن.

وبذلك، فالنواة الأولى لنشأة تنظيم القاعدة كانت  في أفغانستان ،حيث أنه بعد انتهاء الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي ، تفرّق “العرب الأفغان” وعادوا إلى بلدانهم بينما انتقل أسامة بن لادن إلى السودان وعمل على مواصلة بناء القاعدة  و نفذ الضربات الأولى ضد الولايات المتحدة الأمريكية في إفريقيا (كينيا) ، ومن الواضح أن زعيم القاعدة تلقى دعمًا ماليًا كبيرًا من ممولين سعوديين وخليجيين بعيدا عن أعين السلطات السعودية للعودة إلى أفغانستان ،حيث شرعت القاعدة في التجنيد والاستقطاب والتدريب لإنهاء خطته بضربة كبيرة عمقت أزمة النظام الدولي ، وهو الهجوم الإرهابي على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر.حيث ستقود أحداث 11 سبتمبر 2001 الولايات المتحدة إلى شن هجوم على الأراضي الأفغانية ظل مستمرا ولم يُعرف مصيره مع الإتفاق الأخير الذي أبرم مع حركة طالبان  ، وعلى الرغم من الضربات العسكرية الأمريكية ، واصلت القاعدة هجماتها الإرهابية في العديد من مناطق العالم ،لأنه بعد أحداث 11 سبتمبر ، تحولت إلى منظمة إرهابية لامركزية تضم خلايا تقع في الشرق الأوسط وأفريقيا ، حيث القاعدة في اليمن بقيادة العولقي وفي منطقة المغرب العربي.، نشط في تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بقيادة زعيمه عبد الملك دوردكال ، الموجود في المنطقة الشمالية الشرقية الجزائرية حتى اليوم.

إن هجوم 11 سبتمبر 2001 غيّر خارطة الأحداث والتوازنات في العالم ، حيث ستتدخل الولايات المتحدة من عام 2003 في العراق بذرائع مختلفة ، بما في ذلك حيازة أسلحة الدمار الشامل وأحيانا إشارة إلى دعم المنظمات الإرهابية ،ومقابل ذلك نشطت القاعدة في العراق بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي الذي كان مسؤولا عن هجوم مدريد عام 2004.

وعلى الرغم من كل هذه الأحداث وظهور تنظيم داعش لم يمت تنظيم  القاعدة ،وإنما ضعُف في أفغانستان  لكن الخطير أنه ظل قويا في منطقة الساحل والصحراء رغم كل الضربات التي تلاقاه التنظيم الأم ونشأة تنظيم داعش الذي كانت له “جاذبية إرهابية “ مختلفة في التجنيد والاستقطاب وطريقة أخرى في بناء التنظيم وإعلان تنظيم سماه ب “دولة خلافة “.رغم كل ذلك استمر القاعدة في إفريقيا في الشمال والساحل والصحراء والمنطقة الشمالية الشرقية من نيجيريا (بوكوب حرام) والشباب المجاهدين في الصومال.

ومن الواضح أن الدول الكبرى وجدت في المنظمات الإرهابية رغم ذلك جاذبيتها وسيلة للتدخل والتواجد في مجموعة كبيرة من مناطق العالم ،لأنه على الرغم من الهجمات الإرهابية التي تلقتها بعض البلدان ،فإن  هذه الضربات مكنت الدول الكبرى من الوصول  إلى مناطق حيوية في العالم مثل التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب الذي كان موجودًا فوق السماء السورية العراقية ، وعملية برخان الفرنسية ضد القاعدة وداعش في الساحل.

وخلاصة القول إن الإرهاب الذي نشأ كظاهرة تحول إلى صناعة ، حيث تتدخل جميع الدول بذريعة مكافحة الإرهاب  ومع ذلك فإن المنظمات الإرهابية باقية و ظلت تنتج قادة جدد ،فبعد مقتل بن لادن جاء خلفه الظواهري.

وبناءً على ذلك، فإن جميع دراسات الظاهرة الإرهابية لا يجب أن تكون راضية عن التفسيرات المتعلقة بالدين أو الوضع الاجتماعي والثقافي والنفسي للمتطرفين والإرهابيين، بل عليها أن تبدأ من التفسيرات المتعلقة بالنظام الدولي التي تُفسر نشأة الجماعات الإرهابية نظرا لوجد مصلحة لدى القوى المهيمنة في النظام الدولي في توظيفها وربما يكون أبرزها توظيف المخابرات الجزائرية لمختار بلمختار  وأبو الوليد الصحراوي وغيرهم من القيادات الإرهابية ذات الجنسية الجزائرية الموجودة في منطقة الساحل والصحراء التابعة للقاعدة التي لم تضعف في منطقة  شمال إفريقيا والساحل والصحراء ،بل تزداد داخل مشهد ليبي يؤثر على كل المنطقة داخل أطراف ليبية متناحرة كلها تدعي محاربة الإرهاب،لدرجة صعوبة الإجابة عن السؤال : من يحارب الإرهاب في ليبيا؟.

*متخصص في العلاقات الدولية – متعاون مع جريدة بناصا