علي الرغم من الحصار الإقتصادي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية و بعض حلفائها في المنطقة علي الجمهورية الإسلامية الإيرانية إلا أن الإبداعات الفكرية و الإنجازات الوطنية لطهران لم تتوقف. فقد صرح مؤخرا الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني أن بلاده ستقوم بتطوير منصات الصواريخ قصد إطلاق قمرين صناعيين إلي الفضاء و ذلك لأغراض علمية كمراقبة التغيرات المناخية و الطقس.

فهذا الإنجاز العلمي يجعل من إيران قوة ضاربة في منطقة الخليج الفارسي لتعزز بذلك مكانتها علي الصعيد العالمي بغزوها للفضاء. إذ منذ مدة طويلة و الكفاءات العلمية الإيرانية تشتغل علي تطوير المنظومة الصاروخية العابرة للقارات لتتحول الآن نحو غزو الفضاء خارج الغلاف الجوي منافسة بذلك وكالة الفضاء الأمريكية الناسا. بالتالي تشهد إيران اليوم تطورا كبيرا في بنيتها التحتية التكنولوجية و ثورة حقيقية في الإقتصاد الرقمي لتكون بذلك ضمن الصفوف الأولي مع الدول المتقدمة. إن الرهان علي العلم و المنافسة و روح الوطنية الإيرانية جعل من مواقف الشيخ حسن روحاني تحظي بإهتمام دولي كبير و صوتها مسموع دوليا في المحافل العالمية. فالتطورات التي يشهدها عالمنا هذا في ظل هذه المتغيرات الدولية تفرض علي جميع الدول السعي بأقصي المجهودات لتطوير البنية التحتية و سد الفجوة الرقمية قصد التحكم الجيد في تكنولوجيات المعلومات و الإتصالات الحديثة. إن غزو الفضاء عبر هذان القمرين من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية هو بداية مرحلة طويلة لتشمل بعد ذلك بعثات إستكشافية إلي كوكب القمر و لربما إلي كواكب أخري.

فالإنسحاب الأمريكي من الإتفاق النووي الإيراني لم يقف عائق أو حاجز أمام الكفاءات العلمية الإيرانية في مجال صناعة و تطوير الصواريخ البالستية. كذلك قمة وارسو المزمع عقدها خلال الأيام القادمة ببولندا بحضور عربي مكثف و خاصة منها مشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فيها تعتبر زوبعة في فنجان فارغ و لن تؤثر قيد أنملة في قوة إيران العلمية أو الردعية. أما جولة وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو في المنطقة تأتي لجمع التأييد للمشاركة العربية في تلك القمة و التي تندرج ضمن التحالف الدولي ضد سياسات إيران الإقتصادية و التكنولوجية و العلمية التي في مجملها لا تتعارض أبدا مع قرارات الأمم المتحدة خاصة منها البند 2231. بالإضافة لذلك أكد الجنرال آبادي في الحرس الثوري الإيراني أن القيادة الإيرانية في المنطقة توفر فقط تعاون إستشاري و تنسيقي مع الحليف السوري و الروسي و هي تحرص أيضا علي حماية الأكراد مثلما يحرص ترامب علي حمايتهم. إن الحرص الشديد علي تطوير منصات الصاوريخ للأغراض السلمية يعتبر الجوهر الأساسي لحكومة الشيخ حسن روحاني. فقد مثلت معظم تلك الإنجازات العلمية الثورة الإيرانية الحديثة التي لا تتعارض مع المصالح الغربية خاصة منها المالية و التجارية.

إذ أكد الجنرال قاسمي “أن القناة المالية و التجارية مع الإتحاد الأوروبي مفتوحة” بحيث هذا التواصل المباشر عبر المبادلات التجارية في قطاع الطاقة كالنفط و الغاز مازال قائم و متواصل. أيضا الإستثمارات الأجنبية المباشرة في إيران من قبل عديد الشركات الأوروبية خاصة منها الألمانية و الفرنسية مازالت تحظي بالدعم الكامل عبر الإمتيازات التفاضلية و الحوافز الجمركية عبر التخفيضات الجبائية. إن إيران ترفع اليوم سلاح العلم و لغة السلم في وجه سلاح الرصاص و لغة العنف و مواقف الشيخ حسن روحاني مسالمة و مندمجة مع المصالح الإقليمية بحيث تغيب فيها لغة التهديد و التصعيد أو الوعد و الوعيد. أما رؤية سماحته الإستشرافية فهي كلها ترفض الرفض القاطع للدخول في صراعات مباشرة مع القوي العظمي, لكن في المقابل تحتفظ الجمهورية الإسلامية الإيرانية بجميع حقوقها المشروعة من أجل إكتساب التكنولوجيات الحديثة و مواجهة أي عدوان محتمل من قبل الكيان الصهيوني و الولايات المتحدة الأمريكية.

كما تعتبر المواقف التي يروج لها رئيس وزراء دولة إسرائيل بنيامين نتنياهو كلها باطلة و لا أساس لها من الصحة و هي كذب و تدجيل و نفاق من أجل تألييب الرأي العام العالمي. فمنصات إطلاق الصواريخ البالستية ليست موجهة لإزالة إسرائيل من الوجود كما يزعم بل هي لأغراض علمية فضائية. كذلك البرامج النووية هي ليست لتدمير السعودية و الإمارات العربية المتحدة كما يسوق بل هي لتطوير الطاقات المتجددة كالكهرباء و قطاعات الصحة و النقل. أما تلك الأقمار الصناعية هي لمراقبة التغيرات المناخية و الطقس و بث البرامج التلفزية و ليست لأغراض عسكرية و تجسسية علي أمريكا و إسرائيل كما يزعم. فبالنتيجة كأنما هو يقدم صورة للعالم أن إسرائيل هي كبش الضحية و إيران الجزار المرعب. أما في الحقيقة فهو العكس بحيث طهران تسعي لغزو الفضاء بتلك الأقمار الصناعية من أجل سد الفجوة الرقمية الهائلة بينها و بين الدول الغربية و أيضا لتعزيز مكانتها العلمية علي الصعيد العالمي.

فؤاد الصباغ – باحث اقتصادي دولي

 

Print Friendly, PDF & Email