شهدت الساحة الدولية في نهاية الربع الأخير من القرن العشرين  تغيرات جذرية سواء على المستوى السياسي، الإقتصادي وحتى الإجتماعي،  الأمر الذي نتج عنه ظهور نظام دولي جديد، أين عرف العالم تحولات جديدة تصب كلها في إطار ما يعرف “بالعولمة”. وقد حولت هذه المتغيرات الحديثة طابع الصراع بين الوحدات السياسية داخل المجتمع الدولي، من صراع عسكري، إيديولوجي، إلى صراع إقتصادي، تكنولوجي وثقافي.

و ما ساعد هذا التحول في ظل العلاقات الدولية، هو التغيير في المفاهيم، حيث يلاحظ أنه برزت للعيان مفاهيم جديدة تنبذ الحرب والتناحر، وتدعو إلى الأمن والسلام والإستقرار والرفاه، على غرار الأمن المشترك، الأمن الإنساني، التعاون، الحوار، وصولا إلى ما يعرف بالشراكة.في سياق يدعم احترام حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي، وإرساء مبادئ الديمقراطية، مما دفع بالدول إلى محاولة تنظيم نفسها والدخول مع بعضها البعض، ضمن تكتلات وأقطاب متنوعة ومختلفة (سياسية، إقتصادية،إجتماعية وثقافية).

حيث أن النظام الدولي الجديد أثبت أنه لا مجال للضعيف، ما لم يسارع في الإنضمام أو الإحتماء داخل أقطاب عالمية أو إقليمية، تتميز بالصلابة والقوة من أجل التأقلم مع التحولات الدولية الجديدة والإستعداد لمواجهتها.

و على ضوء المتغيرات الجيوسياسية والجيوستراتيجية الجديدة التي جعلت العديد من المناطق ذات أهمية بالغة في الساحة الدولية، نجد منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، تعد منطقة استراتيجية في الوقت الراهن، وهذا لا ينفي أنها كانت قديما مهدا لحضارات إنسانية كبرى، وظهرت على ضفافها الديانات السماوية الثلاث: الإسلام، المسيحية واليهودية، مما يدل على أنها منطقة كانت ولا تزال ذات أهمية كبيرة.

فحوض البحر الأبيض المتوسط يتكون من ضفتين، ضفة شمالية تتميز بالقوة الصناعية والفلاحية، إضافة إلى التقدم العلمي والتكنولوجي، وضفة جنوبية تعاني من الفقر والتخلف والمديونية، لكن رغم هذا فهي غنية بالموارد الأولية، (نفط، غاز، فوسفات….).

فبتكامل الإمكانات المتاحة بين الضفتين يصبح الحوض المتوسطي منطقة وقطبا جيواستراتيجيا هاما في الساحة الدولية، خاصة لقرب المسافة بين الضفتين، إضافة إلى تأثير الحركات الإستعمارية الأوروبية في التركيبة السياسية، الإقتصادية، الثقافية والحضارية لدول الجنوب.

و نتيجة للوعي المشترك بين ضفتي البحر المتوسط، وإدراكا منهم على ضرورة بعث علاقات التعاون والتكامل، والإعتماد المتبادل في ضل التحولات الإستراتيجبة في المنطقة، الأمر الذي تمخض عنه ميلاد شراكة سياسية، أمنية، إقتصادية، مالية، إجتماعية، ثقافية وإنسانية، أطلق عليها إسم “الشراكة الأورو- متوسطية”و التي تهدف بدورها إلى إقامة منطقة في حوض البحر الأبيض المتوسط آمنة ومستقرة سياسيا، وتعيش في رفاه إقتصادي، وتنوع ثقافي متعايش.

و هنا تبرز أهمية هذا الكتاب من خلال محاولتنا لفهم أسس وخلفيات البعد الإجتماعي والثقافي للشراكة الأورو- متوسطية ومدى تأثيره في سيرها، ونظرا أيضا للنقص الملحوظ في البحوث العلمية ضمن هذا المجال، والتركيز أساسا على البعدين: السياسي الأمني والإقتصادي المالي، وإعتقادا منّا أن هذا البعد لا يقل أهمية على البعدين الآخرين، وهي أبعاد مترابطة ومتكاملة لإعطاء شراكة حقيقية بين دول الضفتين.

تقسيم الدراسة

إعتمادا على المنهجية المتبعة في إطار إنجاز هذا الكتاب ولغرض بلوغ الأهداف العلمية قمنا بتقسيم الدراسة إلى ثلاثة فصول.

تعرضنا في الفصل الأول للإطار العام للشراكة الأورو- متوسطية  من خلال ثلاثة مباحث، تضمن الأول منها الإطار المفاهيمي حيث حددت بعض المفاهيم على غرار الأورو- متوسطية، الضفتين الشمالية والجنوبية، التعاون، الشراكة بين الضفتين،أما المبحث الثاني فتعرضنا من خلاله إلى الدوافع التي بلورت إنعقاد مؤتمر برشلونة 1995 (الدولية، الإقليمية والمحلية)، أما المبحث الثالث فتطرقنا من خلاله إلى تحديد  أبعاد الشراكة الأورومتوسطية: السياسي – الأمني والإقتصادي- المالي والإجتماعي – الثقافي.

أما الفصل الثاني فقد تطرقنا فيه إلى واقع وحقيقة الشراكة الإجتماعية – الثقافية للشراكة الأورو- متوسطية من خلال التركيز على ثلاثة مباحث تحدثنا في المبحث الأول عن فكرة تنقل الأشخاص في المنطقة ومدى تأثيرها عليها، أما المبحث الثاني فقد خصصناه للحديث عن التبادلات الثقافية من دين ولغة وتعاون علمي وتكنولوجي وحتى جامعي ثم خصصنا المبحث الثالث للحديث عن التواصل الإجتماعي بين المجتمعات المدنية للضفتين.

أما الفصل الثالث فخصصناه للحديث عن حصيلة وآفاق الشراكة معتمدين فيه أيضا ثلاث مباحث، الأول خصصناه للحديث عن النتائج المحققة من طرف الشراكة في الميدان الإجتماعي – الثقافي،مركزين على النقاط التي سلف ذكرها في الفصل الثاني وقد خصصنا المبحث الثاني للحديث عن أهم التحديات التي تواجه الشراكة الأورو- متوسطية،وتقف كعائق أمامها أما المبحث الثالث والأخير فخصصناه إلى الرؤية المستقبلية لهذه الشراكة بين الضفتين من خلال عرضنا لسيناريوهات نجاح أو إخفاق المشروع.

مقدمة 11

الفصل الأول : الإطار العام للشراكة الأورومتوسطية

المبحث الأول: الإطار المفاهيمي. 17

1- تعريف منطقة البحرالأبيض المتوسط 17

2- الأهمية الإستراتيجة لمنطقة الحوض المتوسط 21

3 – المفاهيم المرتبطة بالشراكة الأورومتوسطية 25

المبحث الثاني: دوافع الشراكة الأورو-متوسطية 30

1- الدوافع الدولية 30

2- الدوافع الإقليمية 33

3- الدوافع المحلية 36

المبحث الثالث: مضمون إعلان برشلونة 1995 للشراكة الأورومتوسطة 39

1- الشراكة السياسية والأمنية 42

2- الشراكة الإقتصادية والمالية 47

3- الشراكة الإجتماعية، الثقافية والإنسانية 54

خلاصة الفصل. 59

الفصل الثاني : واقع الشراكة الإجتماعية الثقافية بين ضفتي المتوسط

المبحث الأول: ظاهرة تنقل الأشخاص وأثرها على الشراكة الأورومتوسطية 64

1- تعريف الهجرة 64

2- الأسباب الدافعة للهجرة 70

3 – أهمية الهجرة وتأثيرها على العلاقات الأورومتوسطية 88

المبحث الثاني: ظاهرة التبادلات الثقافية وأثرها على العلاقات الأورومتوسطية 96

1- التعدد الثقافي. 98

2- مجالات التعاون وأهم المؤتمرات الوزارية بين الضفتين 108

3- تأثير العامل الثقافي على العلاقات الأورومتوسطية 120

المبحث الثالث: المجتمع المدني وأثره على العلاقات الأورومتوسطية 129

1- المجتمع المدني ووظائفه 130

2- تنظيمات المجتمع المدني وتأثيرها على العلاقات الأورومتوسطي 138

خلاصة الفصل. 157

الفصل الثالث : نتائج وآفاق الشراكة الأورو-متوسطية

المبحث الأول: نتائج الشراكة الإجتماعية- الثقافية 162

1- ميدان الهجرة 162

2- ميدان حوار الثقفات.. 170

3- ميدان المجتمع المدني. 175

المبحث الثاني: تحديات الشراكة الأورومتوسطية 182

1- عملية السلام في الشرق الأوسط. 182

2- تفعيل مجموعة 5+5. 187

3- بروز التنافس الأمريكي الأوروبي على حوض المتوسط 193

المبحث الثالث: مستقبل الشراكة الأورومتوسطية 198

1- السيناريو الخطي إستمرار الوضع القائم 200

2- سيناريو التغييرالإصلاحي. 203

3- سيناريو فك الإرتباط (الراديكالي) 205

خلاصة الفصل. 209

خاتمة 211

قائمة المصادر والمراجع. 215