ترجمة- رنا عبدالحكيم

يُقدم الباحث السياسي الأمريكي توماس رايت في كتابه “تدابير لا تشعل الحرب All Measures short of war” نظرة عميقة لمستقبل التنافس بين القوى العظمى في عصر العولمة وآليات تعاطي الولايات المتحدة مع مختلف التحديات.

توماس رايت.jpg

ويرى الكاتب أن فلسفة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “أمريكا أولاً” تمثل انفصالًا عميقًا عن الأفكار الليبرالية والدولية التي شكلت السياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. وتوماس رايت الباحث في معهد بروكينجز، من أوائل المتخصصين الذين سعوا إلى إجراء تحليل جاد لآراء ترامب بشأن السياسة الخارجية. وفي هذا الكتاب، يقدم رايت حجة مُقنعة بأنَّ استراتيجية “أمريكا أولاً”، التي ينادي بها ترامب، ستضر بالعالم والولايات المتحدة نفسها.

وكان من الواضح أن الكتاب- الصادر في عام 2017- في ذلك الوقت بمثابة كتيب محتمل لإدارة هيلاري كلينتون. ويعترف المؤلف أن توصياته بشأن التزام الولايات المتحدة بالحفاظ على النظام الليبرالي الدولي من غير المرجح أن تحظى بتأييد في البيت الأبيض تحت حكم دونالد ترامب. ومع ذلك، لا يزال كتاب رايت يمثل تحليلًا مفيدًا وواسعًا للغاية لتوازن القوى العالمي القائم، وبالتالي للتحديات التي ستُواجه أي جالس على كرسي “المكتب البيضاوي”.

وأحد أكثر الأفكار إقناعاً في الكتاب تتمثل في أن “النظام العالمي” هو في الواقع سلسلة من الأوامر الإقليمية التي تدعمها القوة الأمريكية. وكما يقول رايت: “إنَّ أهم جزء في النظام الليبرالي ليس الأمم المتحدة أو المؤسسات المالية الدولية… إنه أوامر إقليمية صحية… فإذا انهار ذلك التخطيط الإقليمي، سينهار النظام العالمي بأكمله”. وتكمن الصعوبة في أن الأوامر الإقليمية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط تتعرض بالفعل لضغوط هائلة. ويرى رايت، أنَّ الأمل المعقود على الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين هو أن تشترك روسيا والصين في نظام عالمي تقوده الولايات المتحدة، من منطلق إدراكها أن ذلك النظام مفيد في نهاية المطاف لمصالحهم الاقتصادية الخاصة. بل ظهرت آمال في أمريكا بأن “يتلاقى” الشرق الأوسط مع النموذج الغربي، وهي آمال أثارها “الربيع العربي” لفترة وجيزة.

لكن في الواقع، لم تمضِ الأمور على هذا النحو، فكما يقول رايت، إن نهوض الصين وإحياء روسيا شجعا البلدين على تحدي الهيمنة الاستراتيجية الأمريكية في منطقتهما. فالصين وروسيا كنظامين استبداديين، كانا قلقين من أن النظام الليبرالي سيقوض قبضتهما على السلطة. ولم يكن النظام الإقليمي في الشرق الأوسط ليبراليًا في المقام الأول، لكن من المؤكد أنه يتفكك بسرعة، نتيجة للتراجع الكبير في قوة الولايات المتحدة إقليميًا.

وفي مواجهة كل هذا الاضطراب العالمي، فإن أقصى رد فعل أمريكي محتمل هو الاستسلام والعودة إلى ديارهم. ويبدو هذا بالفعل ما يُريده ترامب، الذي شكك مرارًا وتكرارًا في فكرة أنه من مصلحة أمريكا الحفاظ على تحالفاتها حول العالم، وفق النموذج القائم. وجادل ترامب علناً بأنَّ الولايات المتحدة تتعرض للخداع من الدول الأجنبية تتهرب من ضمان الأمن الأمريكي، بينما تتعامل بشكل غير عادل مع حاميها؛ أمريكا.

ويدحض رايت في كتابه فكرة أن أمريكا قد تكون أفضل حالًا إذا تخلت عن مبدأ النظام العالمي الليبرالي وسمحت بإنشاء مناطق نفوذ إقليمية لروسيا والصين وربما لإيران. ويجادل قائلاً: “حقق النظام الدولي الليبرالي نجاحًا مدويًا في حماية مصالح الولايات المتحدة، كما عزز السلام والازدهار لمعظم بقية العالم”. وعلى النقيض من ذلك، فإنَّ الدول الواقعة حول مناطق النفوذ الإقليمية ستكون أقل استقرارًا بكثير، وسيشجع ذلك الصين وروسيا وغيرها على اختبار عزم الولايات المُتحدة. وفي هكذا عالم، ستتقلص التجارة وتتراجع الديمقراطية و”ستجد الولايات المتحدة نفسها فجأة متورطة في صراعات، ومن موقع أضعف بكثير مما تتمتع به الآن”.

لكن إذا أرادت الولايات المُتحدة الحفاظ على موقعها في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، فإنها بحاجة إلى تحالفات. وبالنسبة لحقيقة أن بعض حلفاء الناتو والآسيويين ينفقون على الدفاع عن أنفسهم بدرجة أقل مما يُريده ترامب، فإنَّ ذلك “جزء من الثمن الذي يجب على الولايات المتحدة دفعه مقابل مزايا كونها قوة عظمى”. لكن ترامب رفض بشدة هذا النوع من التحليل.

ولا يترك كتاب رايت سؤالًا ملحاً دون معالجة إلى حد كبير، وحتى لو كان المؤلف على صواب في أنه من مصلحة أمريكا الحفاظ على النظام العالمي الليبرالي، يبقى السؤال حول ما إذا كان بإمكان الولايات المتحدة حشد الموارد الاقتصادية والاستراتيجية للاحتفاظ بهيمنتها العالمية؟

وفي نهاية الكتاب، يؤكد رايت أنه “لا يمكن اعتبار الولايات المتحدة في حالة انهيار”، لكنه يكرس مساحة صغيرة لتفنيد الأطروحة المتداعية. ويبدو أن العديد من ناخبي ترامب يعتقدون أنَّ الولايات المتحدة في حالة تراجع بالفعل، وأن بعض القوى الأجنبية متفقة على ذلك. وإذا كان الخاسرون على حق، فإنَّ النظام الدولي الليبرالي الذي تدعمه أمريكا قد يكون محكومًا عليه بتآكل مستمر، مهما كانت نوايا شاغل المكتب البيضاوي.

تحميل الكتاب

اضغط على الصورة