د.محمد عبدالرحمن عريف

هو حراك “العراق ولبنان”، حضر في صورة انتفاضة شعبية على منظومة الحكم (لبنان والعراق)، وحيث أنهما يلتقيان في نقاط أساسية منها تشابه نظام الحكم فيهما القائم على المحاصصات الطائفية والحزبية والذي بات حسب المعلن شعبيًا، نظامًا منبوذًا يختزل ضيق الشعبين في البلدين بالنخبة الحاكمة.

هنا جاءت الاحتجاجات في الدولتين، فلا شعارات طائفية ولا صور زعماء ولا أعلام أحزاب.. ففي احتجاجات (العراق ولبنان)، حضرت المشاهد مختلفة تمامًا، فهذه هي النخبة السياسة الحاكمة في لبنان هي نفسها منذ عقود علّة (العراق ولبنان) في نخبتيهما الحاكمة بين (العراق ولبنان) منظومة حكم متشابهة ملّها الشعبان، عليه حضرت الاحتجاجات لتقلب الطاولة على النخبة الحاكمة في (العراق ولبنان).

بين (بيروت – بغداد) رسمت الاحتجاجات التي يشهدها لبنان وقبله العراق، صورة مغايرة تماما عن أي احتجاجات سابقة حيث لم ترفع فيها لا شعارات ولا أعلام حزبية ولا طائفية ولا صور زعماء سياسيين أو دينيين، في سابقة سلطت الضوء على ضيق صدر الشعبين بالنخبة الحاكمة المهيمنة على المشهد السياسي والتي لم تتغير منذ سنوات.

واقع الحال أنه بالفعل يلتقي (لبنان والعراق) في نقاط أساسية منها التشابه السابق في نظام الحكم فيهما. كما يلتقي البلدان في ظاهرة استشراء الفساد فيهما وهو ما دفع بمئات الآلاف في بيروت وبغداد للخروج في مسيرات شعبية عفوية خلت من أي رموز أو شعارات سياسية أو حزبية أو طائفية. ويرى (العراقيون واللبنانيون) أن العلّة في بلديهم هي في نخبتهم الحاكمة لذلك كانت شعاراتهم ضد منظومة الحكم بتركيبتها الحزبية و”الطائفية”. ويتظاهر مئات آلاف اللبنانيين منذ أيام ضد الطبقة السياسية الحاكمة التي لم تتبدل ملامحها إلا لماما سواء خلال سنوات الحرب الأهلية (1975 – 1990)، أو في مرحلة ما بعد الحرب التي جاءت بوجوه جديدة سرعان ما تبنت قاعدة التوريث السياسي. لقد رفع المتظاهرون الصوت عاليًا ضد مسؤولين احتفظوا بمناصبهم منذ أكثر من 30 عامًا وآخرين ورثوا المسؤولية والحكم عن أبائهم وعائلاتهم.

هو ذات المشهد في العراق لا يختلف كثيرًا عن المشهد في لبنان. فمنذ إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين على إثر الغزو الأميركي للعراق في مارس/ اذار 2003، يدير الحكم تحالف أحزاب شيعية، حيث يرأس الحكومة شخصية شيعية ويرأس البرلمان شخصية سنّية وتتولى رئاسة الجمهورية شخصية كردية. وفشلت منظومة الحكم في العراق على مدى أكثر من 15 عامًا في معالجة الأزمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي استشرى فيه الفساد وتغلغل في كافة مؤسسات الدولة. وشهد العراق احتجاجات عارمة في أكثر من مرة على استشراء الفساد وسوء الخدمات وانقطاع الكهرباء والماء.

لقد نجح البعض في تحريك الشارع في العام الماضي وقاد اعتصامًا داخل المنطقة الخضراء. وكان معظم المحتجين من أنصارههم واتسمت تلك الاحتجاجات بطابعها الحزبي والطائفي ورفعت فيها شعارات وأعلام أحزاب. لكن الاحتجاجات الأخيرة كانت مختلفة عن سابقاتها حيث خلت من كل مظاهر التحزب والشعارات الطائفية ورفضت أي تدخل من أي زعيم حزبي أو ديني وكانت شعبية بامتياز.

الواقع أن المشهد ذاته تكرر أخيرًا في لبنان حيث سلطت الاحتجاجات الضوء على ضيق شعبي من منظومة الحكم ومن فساد النخبة الحاكمة، فكانت المظاهرات عفوية بلا شعارات طائفية أو حزبية حتى أن الزعيم الدرزي وليد جنبلاط اعتبر أنها قلبت الطاولة على الجميع ووصفها رئيس الوزراء سعد الحريري بأنها كسرت حاجز الطائفية. ويعتمد لبنان على منظومة حكم بحيث توزع المناصب الأساسية بنسب محددة بين أعلام الطوائف المختلفة: رئاسة الحكومة للسنّة والبرلمان للشيعة والرئاسة لشخصية مارونية. ويستند هذا النظام الطائفي على بيانات الإحصاء في عام 1932 هو الإحصاء الرسمي الوحيد في لبنان والذي أظهر أن المسيحيين الموارنة هم أكثر طوائف لبنان من حيث السكان. وقد انتخب ميشال عون (84 عامًا) رئيسًا للبلاد في العام 2016 إثر تسوية أتت برئيس الحكومة سعد الحريري رئيسا للحكومة.

ما حدث أنه لم تمض أيام على المظاهرات العراقية العارمة، والتي غيرت المعادلات السياسية ووضحت الانتماء للوطن قبل كل شيء، حتى انفجرت المظاهرات اللبنانية. والموقف من المحاصصة المذهبية والحزبية يكاد يكون واحدًا، فقد طغت المظاهرات على بغداد وبقية مدن العراق الجنوبية والوسطى في الأول من أكتوبر الجاري، وستعود، حسب الأنباء المتداولة من لجان تنسيق المظاهرات، في 25 من الشهر.

إن ما بين “لبنان والعراق” تشابه في الأحوال، فالمحاصصة الطائفية والحزبية تكاد تكون واحدة، والمعاناة من الهيمنة الخارجية واحدة أيضًا، وإذا كان لبنان مأسورًا بذلك وتظلّه عمامة واحدة، فإن العراق يرزح تحت وطأة عشرات من هؤلاء تُشكل قسمًا منه صار يسمّى المقاومة الإسلامية، لشرعنة التبعية المباشرة لغيرهم. غير أن أهم ما يختلف به الحراك اللبناني عن الحراك العراقي، هو وجود المرجعية الدينية، التي مازالت مسموعة في تأييد أو رفض أداء الحكومات، منذ عام 2003 وحتى يومنا هذا، بينما يخلو لبنان من مرجعية مؤثرة، عليه، تحدد مسارها السياسي، ووجود التدخل الخارجي،

لا صبر بعد الآن على الفساد فقد يختلف الوضع في العراق، من ناحية تأثير رجال الدين الشيعة، ومن ناحية وجود المناسبات الدينية، التي استطاعت الأحزاب الإسلامية الشيعية عبرها الهيمنة على المزاج العراقي، وتحويله إلى طقوس دينية، فالعديد من خطباء المنابر الحسينية يوصون بالصبر على الفساد وسوء الخدمات وتردي أحوال البلاد. غير أن هذا الأمر لا يستمر طويلًا، فللناس حاجاتهم ومتطلباتهم، ما لا يمكن أن يكتفوا بحرية تأدية الطقوس الدينية، أو بالشعور الطائفي، وأن يغض العراقيون الطرف عن هذا العبث، والسكوت عن تصريحات مذهبية.

لقد كسرت مظاهرات العراقيين هيبة “المذهبية”، على الرغم من قوتها لستة عشر عامًا، والمرجعيات وأهل العمائم لهم قوة بالعراق، كذلك كسرت مظاهرات لبنان سطوة “الطائفية”، ولم يعد عذر المقاومة والقوة المسلحة يشكل شيئًا في نفوس اللبنانيين. ليكون ما حدث بين “بغداد وبيروت” ما هي إلا انتفاضة شعبية غابت عنها “الطائفية والمذهبية”.

 

 

Print Friendly, PDF & Email