دراسات أمنية

مفهوم الأمن في الفكر العربي

أولا – تعريف الأمن : الأمن لغة :مصدره أمن – الأمان والأمانة بمعنى : وقد أمنت فأنا أمن ، وأمنت غيري من الأمن والأمان ضد الخوف ، ( ) وهو بذلك:”اطمئنان النفس وزوال الخوف ومنه الإيمان والأمانة ، المعني الذي ورد فى التنزيل العزيز بقوله تعالى : ” وآمنهم من خوف ” ، ومنه ” أمنة نعاسا ” و ” إذ يغشيكم النعاس أمنة منه ” ، نصب أمنة لأنه مفعول له كقولك فعلت ذلك حذر الشر ، ” وهذا البلد الأمين ” أي الآمن ، يعنى مكة وهو من الأمن . وفى حديث نزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام :” وتقع الآمنة فى الأرض ” أي : الأمن : يريد أن الأرض تمتلئ بالأمن فلا يخاف أحد من الناس والحيوان .( ) وعن رسول الله صلى الله وعليه وسلم :” نزل على جبرائيل فقال : يا محمد إن ربك يقرؤك السلام : ويقول : اشتققت للمؤمن اسما من أسمائي فسميته مؤمنا فالمؤمن منى وأنا منه ” ، ولقد وصف حال المؤمن فى سورة الحشر الآية 23 والمراد بهذا الوصف أنه :” معطى الآمان ” من عذاب الدنيا والآخرة .

ومن مفهوم الأمن نخلص إلى أن بقاء ونماء الأفراد والمجتمعات والأمم قوامه الأمن الذي يقوم على الأمانة والعدل والتحرر من الخوف ، والأمانة لا تقتصر على أداء حقوق الآخرين من مال بل أداء ما علينا من التزامات بنزاهة وصدق وهو ما يتجلى في قوله صلى الله وعليه وسلم : ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ” ، وبالأمن صلاح الأمة ونهضتها.

المفهوم الاصطلاحي : على الرغم من الأهمية القصوى للأمن فإن استخدامه يعود إلى نهاية الحرب العالمية الثانية في الأدبيات الداعية إلى تحقيق الأمن وتجنب الحرب، والأمن من وجهة نظر دائرة المعارف البريطانية يعنى :” حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية ” ، لذلك فقد تأسست وزارات الأمن القومي في معظم البلاد وقصر اهتمامها بحالة اللا أمن الناتجة عن التهديد العسكري، وعاش العالم مرحلة سباق التسلح بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل البيولوجية والكيميائية والذرية كجزء من سياسات الدول الكبرى لإظهار هيمنتها وقوتها ، وأغفلت المعاني الإنسانية للأمن وإن عبر عن ذلك بعض قادتها ، ومنهـــم ” روبرت مكنمارا- وزير الدفاع الأمريكي الأسبق ” في كتابه ” جوهر الأمن ” بتعريفه الأمن بأنه :” يعنى التطور والتنمية سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة ” ، وأن ” الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في المجالات كافة سواء في الحاضر أو المستقبل “، وهو ما قال به وزير الخارجية الأمريكي ” أدوارد ستاتنيوس ” الذي حدد هوية المكونين الجوهرين للأمن البشرى اللازم لتحقيق السلام في :
1- الجبهة الأمنية التي لا تكون إلا بالتحرر من الخوف .
2- الجبهة الاقتصادية والاجتماعية ؛ حيث يعنى النصر التحرر من العوز. .
ولقد تطور هذا المصطلح ليشمل المفهوم العام للأمن الاجتماعي كل النواحي الحياتية التي تهم الإنسان المعاصر ، بدءاً من شعوره بالاكتفاء المعيشي والاستقرار الاقتصادي إلى الاستقرار الشخصي في محيطه الأسري و بيئته الخارجية .( )

أما علماء السياسة فقد عرفوا الأمن في الإطار الفكري تبعا للنظرية التي يتم من خلالها النظر للمصطلح وهي ثلاث : النظرية الواقعية والنظرية الليبرالية والنظرية الثورية ، وبحسب النظرية الواقعية فإن الدولة هي الفاعل الرئيس ، وهى تتحرك وفق إدراكها للمحافظة على أمنها مما يقتضي الاستحواذ على القوة واستخدامها عند اللزوم ، وبالتالي فإن الأمن المستهدف هو أمن الدولة الذي يحقق التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي للدولة . أما النظرية الليبرالية فهي ترفض فكرة أن الدولة هي الفاعل الوحيد في العلاقات الدولية وأن أمنها لا يقتصر على البعد العسكري فحسب بل يتعداه إلى أبعاد اقتصادية واجتماعية وثقافية . أما النظرية الثورية فتسعى إلى تغير النظام وليس مجرد إصلاحه باعتبار ذلك وسيلة ضرورية للقضاء على الظلم . ( )
ومما لاشك فيه أن للأمن مستويات متعددة ؛ وهي تجمل في أربعة : أمن الفرد ضد كل ما قد يهدد حياته وممتلكاته أو أسرته ، وأمن الوطن ضد أي أخطار خارجية أو داخلية ، وأمن قطري ” إقليمي ” أو أمن جماعي لدول تتشارك المصالح وتعمل على التكتل لحماية كيانها ، والأمن الدولي الذي تتولى حمايته المنظمة الدولية للأمم المتحدة ؛ إلا أن الأمن الكوكبي أفرز مستويين هما : الأمن دون الوطني ، والأمن الذي تمارسه الدولة المهيمنة ، وقد ساهم ذلك في تطور هذا المصطلح .

فقد ظهر مصطلح الأمن الإنساني في النصف الثاني من عقد التسعينيات كنتاج للتحولات التي شهدتها فترة ما بعد الحرب الباردة ، وقد ركز على الفرد وليس الدولة كوحدة سياسية ، وأكد على أن أية سياسة أمنية يجب أن يكون الهدف منها تحقيق أمن الفرد بجانب أمن الدولة . ولقد أصبح هذا المفهوم ركنا في السياسات الخارجية ووظف كمبرر للتدخل الدبلوماسي والعسكري وكأداة صنع السياسة في العلاقات الخارجية .( )
وعرف أيضا الأمن الكوكبي الذي استهدف الانسجام مع ما شهده العصر من تقدم تكنولوجي هائل فأصبح للأمن مفهوم جديد يتجاوز الأمن الوطني والأمن الإقليمي وكان هدفه الجوهري متمحورا حول الاقتصاد العالمي باعتباره الركيزة الأساسية للأمن الكوكبي الذي اهتم بالثورة التكنولوجية في مجالات المعلومات والاتصالات، علاوة على اهتمامه بمشكلة الانفجار السكاني وقضايا البيئة ، وقدم رؤية جديدة لمفهوم الأمن الذي لا يواجه أعداء تقليديين ” دولا وأشخاصا ” ، بل يعمل على حشد مقوماته لمواجهة الأخطار التي تواجه البشرية جراء الأشياء أو الأحداث.( )
إلا أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر أحدثت انقلابا في جوهر الأمن الكوكبي الذي لم يعد مهتما بالأفكار التي كان مقررا لها أن تلعب دورا في صنع العالم الحديث ، بل باستخدام القوة المسلحة التي اتخذت من مواجهة الإرهاب هدفا لها دون اعتبار لما يلحق حقوق الإنسان من انتهاكات ، ورسخ للأمن دون الوطني الذي يفسح المجال لتنظيمات سياسية أو قبلية أو طائفية من لعب دور في تقرير أمنها على حساب الأمن الوطني .

كما اكتسب الأمن الإقليمي أبعادا جديدة فلم يعد ينصرف إلى مواجهة التهديد المشترك بل تجاوزه إلى إقامة ترتيبات وهياكل جديدة من أجل تحقيق التكامل والاندماج والتعاون في المجالات كافة خاصة ” الاقتصادية والتنموية” وأبرز أنجح التكتلات الاتحاد الأوروبي الذي يعمل جاهدا من أجل التصدي لسلبيات العولمة .
وترتب على ذلك تطور مفهوم الأمن لدى صانعي السياسات الدولية , فأوروبا بعد الحرب الباردة أسست لما يعرف بالمشاركة الأورو – متوسطة باتفاق أعضاء الاتحاد الأوروبي المتوسطين والشماليين على توسيع الاتحاد الأوربي تجاه شرق أوروبا ، وتم التوصل بالإجماع حول التعامل مع التحديات الأمنية القادمة من الشرق والجنوب بهدف إعادة التوازن في توزيع الموارد المالية بينهم بما يتفق مع إدراكهم بأن القضايا الأمنية لا تقتصر فقط على الجانب العسكري بل هناك قضايا أمنية غير عسكرية مثل : البطالة وتزايد معدلات الهجرة غير الشرعية من جنوب المتوسط إلى شماله ، وظاهرة الأصولية الإسلامية. وتوالت المبادرات الأوربية مثل: إعــــلان برشلونة الــذي صـــاغ مشاركة شاملة ترتكز علــــى ثلاثـــة محــــاور [ السياسية – الأمنية / الاقتصادية – المالية / الاجتماعية – الثقافية الإسلامية ] ، وإذا ما تأملنا الأهداف المرجوة من كل محور لكان ذلك كافيا لمواجهة الانعكاسات السلبية للعولمة.

ورغم أن التحديات الأمنية التي عرفها الأوروبيون في المتوسط ضمنت جدول أعمال واشنطن إلا أنه يبقي لأمريكا منظورها الخاص الذي تحدده مصالحها القومية والوطنية رغم اعترافها النظري بأن ما يهدد الأمن يكمن في الفجوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير ، والبطالة المرتفعة والهجرة غير الشرعية ، وأمن الطاقة والتهديد الذي يفرضه الإرهاب والحركات الإسلامية الراديكالية .( )
ثانيا- تعريف العولمة : العولمة ظاهرة قديمة حديثة ارتبطت بالتقدم التقني والتكنولوجي وبالتجارة ، وهى عملية ذات أبعاد مركبة تشمل النواحي الاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية ، وأيضا النواحي الاجتماعية والثقافية والسياسية ، وهى بذلك ظاهرة طبيعية لتوافقها مع تطور المجتمعات وتحدد وسائلها مسارها وتأثيراتها الإيجابية والسلبية التي تخضع لما تحدده الجهة المهيمنة.
وهي ليست بالظاهرة الحديثة لارتباطها بحركة تطور المجتمعات ، فقد سبق أن روج العالم لمثل هذه الأفكار . ففي أعقاب الحرب العالمية الأولي دعا الرئيس الأمريكي عام 1918 م إلى مبادئه الأربعة عشر لتدشين عصر جديد يتسم باحترام حقوق الشعوب كافة ، وفى أعقاب الحرب العالمية الثانية تمت صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، وذلك قبل سنوات من بداية عصر ” المكارتية ” فى الولايات المتحدة حيث يعاقب الناس لما يجول فى أفكارهم ومن يشتبه في وجود صلة بينه وبين الشيوعية .( )

المفهوم في النظام العربي

  • وجهة نظر د. زكريا زكريا

بدأ الفكر السياسي العربي في الاهتمام بصياغة محددة ومفهوم متعارف عليه في منتصف السبعينيات، وتعددت اجتهادات المفكرين العرب من خلال الأبحاث والدراسات والمؤلفات سواء في المعاهد العلمية المتخصصة، أو في مراكز الدراسات السياسية، والتي تحاول تعريف ذلك الأمن، ولعل من المهم أن نشير إلى أن ميثاق جامعة الدول العربية، والذي وضع عام 1944م، وأنشئت الجامعة على أساسه في مارس عام 1945م، لم يذكر مصطلح “الأمن”، وإن كان قد تحدث في المادة السادسة منه عن مسألة “الضمان الجماعي” ضد أي عدوان يقع على أية دولة عضوة في الجامعة، سواء من دولة خارجية أو دولة أخرى عضوة بها. كما أن معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية والموقعة عام 1950م، قد أشارت إلى التعاون في مجال الدفاع، ولكنها لم تشر إلى “الأمن”، ونصَّت المادة الثانية منها على ما أطلق عليه “الضمان الجماعي”، والذي حثَّ الدول الأعضاء على ضرورة توحيد الخطط والمساعي المشتركة في حالة الخطر الداهم كالحرب مثلاً، وشكَّلت لذلك مجلس الدفاع العربي المشترك، والذي يتكون من وزراء الدفاع والخارجية العرب.

كما أُنشئت اللجنة العسكرية الدائمة، والتي تتكون من رؤساء أركان الجيوش العربية، هذا ولم تبدأ الجامعة العربية في مناقشة موضوع “الأمن القومي العربي” إلا في دورة سبتمبر 1992م، واتخذت بشأنه قرار تكليف الأمانة العامة بإعداد دراسة شاملة عن الأمن القومي العربي خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر تعرض بعدها على مجلس الجامعة.

وقد تم إعداد ورقة عمل حول مفهوم الأمن “القومي العربي”؛ لمناقشتها في مجلس الجامعة العربية، وحددت الورقة ذلك المفهوم بأنه..

“.. قدرة الأمة العربية على الدفاع عن أمنها وحقوقها وصياغة استقلالها وسيادتها على أراضيها، وتنمية القدرات والإمكانيات العربية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مستندة إلى القدرة العسكرية والدبلوماسية، آخذة في الاعتبار الاحتياجات الأمنية الوطنية لكل دولة، والإمكانات المتاحة، والمتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، والتي تؤثر على الأمن القومي العربي.”

هذا ولم تعرض الدراسة الشاملة عن الأمن القومي العربي على مجلس الجامعة، كما أن العديد من المفكرين عبَّروا عن قصور المفهوم الذي توصلت إليه اللجنة؛ حيث اتسم المفهوم بالغموض من جانب، والخلط بين التعريف والإجراءات من جانب آخر؛ ولهذا فإن الورقة أفاضت بعد ذلك في تحديد إستراتيجيات العمل الوطني في كافة المجالات، ولم تحدد اختصاصات تنفيذ ومتابعة أيٍّ منها.

في النهاية يمكن القول: إن الفكر السياسي العربي لم ينتهِ بعد إلى صياغة محددة لمفهوم “الأمن القومي العربي” يواكب تحولات المناخ الإقليمي والدولي وتوازناته وانعكاسها على تصور وأبعاد هذا الأمن، وإن هذا الموضوع ما زال مطروحاً للتحليل ومفتوحاً للمناقشة رغم كل ما كتب عنه.

 

وجهة نظر منذر سليمان

يرى الدكتور منذر سليمان في بحث بعنوان ” نحو غعادة صياغة مفهوم المن لاقومي العربي ومرتكزاته” والمنشور على موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان في شبكة الانترنيت.

الأمن القومي كأي مفهوم أو مصطلح لا يمكن التوصل إلى تحديد دقيق له خارج نطاق المكان والزمان الذي يتحرك في مداره ، مع التنبه لخضوعه الدائم للتعديل والتطوير ، انسجاماً مع المتغيرات والعوامل التي أثرت ولا تزال في بروزه إلى ميدان التداول والتطبيق.

لو راجعنا تعريف الأمن في القواميس لوجدنا تقاطعاً يشير إلى “تحقيق حالة من انعدام الشعور بالخوف” وإحلال شعور بالأمان ببعديه النفسي/المعنوي، والمادي/الجسدي مكانها، والشعور بالأمان قيمة مرغوبة للبشر على مستوى الكون، ولا تقتصر على فئة اجتماعية معينة أو مرتبطة بمكانة وموقع الفرد في المجتمع، فالفقير مثل الغني يحتاج إلى الشعور بالأمان ويسعى إلى تحقيقه وإن اختلفت درجات التمتع به، ولا حاجة للتذكير بأننا نعيش في عالم أكثر تعقيداً واضطراباً، لا يمكن أن يتحقق الأمان الكلي فيه مما يجعله مسألة نسبية مرهونة بنجاح السعي الدائم لتعزيز أفضل الشروط لتوافره.  ويورد سليمان بعض التفصيلات نقتبس منها ما يلي:

محاولات لإعادة الصياغة
الأمن القومي كأي مفهوم أو مصطلح لا يمكن التوصل إلى تحديد دقيق له خارج نطاق المكان والزمان الذي يتحرك في مداره ، مع التنبه لخضوعه الدائم للتعديل والتطوير ، انسجاماً مع المتغيرات والعوامل التي أثرت ولا تزال في بروزه إلى ميدان التداول والتطبيق.

لو راجعنا تعريف الأمن في القواميس لوجدنا تقاطعاً يشير إلى “تحقيق حالة من انعدام الشعور بالخوف” وإحلال شعور بالأمان ببعديه النفسي/المعنوي، والمادي/الجسدي مكانها، والشعور بالأمان قيمة مرغوبة للبشر على مستوى الكون، ولا تقتصر على فئة اجتماعية معينة أو مرتبطة بمكانة وموقع الفرد في المجتمع، فالفقير مثل الغني يحتاج إلى الشعور بالأمان ويسعى إلى تحقيقه وإن اختلفت درجات التمتع به، ولا حاجة للتذكير بأننا نعيش في عالم أكثر تعقيداً واضطراباً، لا يمكن أن يتحقق الأمان الكلي فيه مما يجعله مسألة نسبية مرهونة بنجاح السعي الدائم لتعزيز أفضل الشروط لتوافره.

لا يزال مناخ ومنطق الحرب الباردة يلقي بثقله لدى التعامل مع مصطلح أو مفهوم الأمن القومي ، رغم الآنطباع السائد بأننا دخلنا مرحلة جديدة لم ترسو بعد على وصف دقيق لطبيعتها الإنتقالية منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في أواخر الثمانينات من القرن المنصرم. لكن إدارة الرئيس بوش الآن (الذي أعلن نفسه رئيس “الحرب الطويلة والمفتوحة” بعد هجمات ايلول/سبتمبر عام 2001 على الولايات المتحدة)، تعيدنا إلى تلك الحقبة التي سادت فيها اعتبارات استخدام القوة العسكرية، التوازن العسكري، توازن الرعب، ردعية التدمير الشامل المتبادل والمؤكد، بعد امتلاك الترسانات النووية ووضع سيناريوهات التعامل مع الضربة النووية الأولى، وصولاً إلى إقامة الخطوط الساخنة للتحذير خلال الأزمات بين واشنطن وموسكو … وضمان معالجة سريعة للانذارات الكاذبة ذات المصدر البشري أو التقني لتفادي نشوب الحرب….

ما تقدم يقودنا إلى حقيقة أننا لا نستطيع لدى تناولنا لمهفوم الأمن القومي أن نتجاوز طغيان الإستخدام الأمريكي له، مما جعله نتاجاً لمركزية أمريكية ويتم إسقاطه على الواقع المحلي ـ الاقليمي والوطني عالمياً ، دون مراعاة لمخاطر وأخطاء الاسقاط التعسفي الذي يقارب الاستنساخ المشوه لتجربة وخبرة تكاد تكون فريدة لدولة كانت ولا تزال منذ الحرب العالمية الثانية ، ترعى مشروعاً امبراطوريا للهيمنة على المستوى الكوني. أحياناً يتجلي هذا الإسقاط ومحاولة التماهي بنماذج كاريكاتورية متبذلة كأن يتم إبتداع منصب مستشار للأمن القومي في بعض كيانات الدول العربية، وخاصة الكيانات الخاضعة للاحتلالين الأمريكي والصهيوني في العراق وفلسطين. وللتوضيح، الاعتراض ليس على استحداث منصب أمني جديد من قبل أي حكومة عربية لكن تسمية مستشاراً للأمن القومي يشكل مفارقة غريبة … فكيف يتساوى نكرانها للاعتراف والالتزام بالإنتماء القومي والمؤسسات القومية العربية ، و قبولها بتنصيب مستشارها القومي… إلا اذا كانت تعتبر كيانها المنفرد قومية خاصة وبديلة!؟

في الفترة الأخيرة نشهد محاولات لإعادة صياغة مفهوم الأمن القومي من موقع ونظرة المركزية الغربية والأمريكية خاصة، أنعكاساً لتقاطع التطورات الداخلية الأمريكية مع التطورات على المسرح الدولي، في مناخ يتحول فيه الأمن إلى صناعة قائمة بذاتها بحجة مكافحة الأرهاب، حيث شهدنا تشكيل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية بعد دمج عدة مؤسسات فيها وتتم خصخصة (أوخوصصة) الاستخبارات والأمن والاستشارات، وحتى الحروب تصبح بالتعاقد لدرجة يفوق فيها عدد المتعاقدين للشركات الأمنية وغيرها من المتواجدين في العراق لخدمة الاحتلال الأمريكي وأعوانه، عن عدد قوات الاحتلال. وتتعزز صناعة الأمن القومي الأميركي التي تشمل النواحي العسكرية، الأمنية، الاستخبارات ومتفرعاتها في ظل تضخم اسطوري للميزانية المخصصة لها والتي تتجاوز عملياً 750 مليار دولار سنوياً.

4) مقاربة أكاديمية للتعريف

فيما يلي نورد عينة لإبرز ما قدمه بعض الأكاديمين المعنيين بدراسة الأمن القومي:
يقول الأكاديمي الاميركي باري بوزان المهتم بدراسة شؤون الأمن القومي “يبقى هذا المفهوم عصياً على الصياغة الدقيقة، يكتنفه الغموض لدى محاولة تعريفه، لكنه يبقى بالغ الدلالة، لأن غياب التحديد الدقيق يوفر للنخبة السياسية والعسكرية هامشاً واسعاً للتنظير الاستراتيجي ولاستخدام القوة”

بالفعل تفتقت عبقرية منظري البنتاغون بعد جهد بإطلاق عبارة “الحرب الطويلة” على الحرب التي تخوضها إدارة بوش عالمياً ضد ما تسميه الأرهاب ومضت سنوات منذ هجمات 11 سبتمبر/ايلول وإدارة بوش تتخبط في محاولة اصطياد توصيف يلائمها للحرب التي تشنها، ولا بد للمرء من أن يبدي اعجاباً ـ بعيداً عن السخرية طبعاً- بمن ابتدع وصفة “الحرب الطويلة”… لاحظوا السهل الممتنع هنا … لماذا التعقيد … وبنفس الوقت لماذا تحشر نفسك في محطات ومواعيد زمنية ؟ “فالحرب الطويلة” قد تعني حرباً أبدية … وبدون حدود زمنية وجغرافية ـ وهذا لب ما يحتاجه المنتفعين من صناعة الأمن والإرهاب لتبقى الاموال تتدفق إلى حساباتهم وجيوبهم.

بينما يحد كولوزيدج (Kolodgeij) ضرورة توسيع نطاق مهوم الأمن القومي للتعامل مع التحديات المتنوعة لعصرنا “مؤيدو هذا الموقف يختارون إدخاله في حقل دراسات العلوم الاجتماعية وفي ميدان أرحب للأمن القومي يشمل الاقتصاد، علم النفس، علم الاجتماع، والآنتروبولوجيا (علم دراسة أصول الأنسان) ، أو يدخلونه في رزمة واسعة من المشكلات العالمية الطابع تحت عنوان: الدراسات الأمنية، بما فيها العنف المحلي، الاخطار والصراعات الداخلية أو العابرة للدول، مرض نقص المناعة، تهريب المخدرات، الديون العالمية، الكساد الاقتصادي، الإنفجار السكاني، التلوث البيئي واتساع الهوة بين الفقراء والاغنياء” .

أما تراجر (Trager) فيعتقد أن “أهداف الأمن القومي ترمي إلى إيجاد الشروط السياسية المحلية والعالمية الملائمة لحماية وتعزيز القيم الوطنية الحيوية” .

بينما يرى وولفرز (Wolfers) أن “الأمن القومي من ناحية موضوعية هو انعدام التهديد الموجه ضد القيم المكتسبة والراسخة، ومن ناحية ذاتية، هو انعدام الخوف من إمكانية تعرض هذه القيم للتهديد أو الخطر” . ويعتمد كل من بترسون (Peterson) وسيبنيٍوس (Sepenious) على التعريف المعتمد من قبل مجلس الأمن القومي” “الحفاظ التام على المؤسسات والقيم الجوهرية للمجتمع” .

5) مقاربات من حقل التجربة
تفيدنا دائرة المعارف البريطانية بأن تعريف الأمن هو “حماية الدولة ـ الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية”، بينما يقدم هنري كسنيجر الذي احتل منصبي الأمن القومي والخارجية في السبعينات رأيه بالأمن القومي على النحو التالي: “الإجرات المتخذة من قبل المجتمع توخياً الحفاظ على حقه في البقاء” أما روبرت مكنمارا وزير الدفاع خلال حرب فيتنام فيقول “أن الأمن يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية والاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة .. والأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة بالمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها ، لمنح الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في مختلف المجالات سواء في الحاضر أو في المستقبل”.

 6) مساهمة في التعريف

 باعتقادي أدق مفهوم للأمن القومي هو ما ورد في القرآن الكريم بقوله تعإلى: “فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف” (6) سورة قريش من الآيتان 3،4. وفي قوله تعالى تأكيد أن الأمن هو نقيض الخوف، ونرى في لسان العرب المرادف نفسه أيضاً.

ولو حاولنا نقل وتطبيق هذا المفهوم من “مملكة السماء” إلى “مملكة الأرض” حيث يناط بمن يتولى شؤون الناس تأمين الغذاء والمأوى الآمن لهم. ومع تطـور المجتمعات البشرية إلى تكوين الـدولة ـ الأمة تطورت وتشعبت الحاجات والمستلزمات التي تضمن بقاءها وأمنها بما يتجاوز النواحي المادية الأساسية، ولكن جوهر مفهوم الأمن بأبعاه النفسية والمادية للبشر يبقى راسخاً. وفي حالة الدولة ـ الأمة المستقرة يمكن التوصل إلى التعريف المجرد والعام للأمن القومي الذي يصلح لها ويستجيب لحاجاتها بقطع النظر عن حجمها ووزنها في تركيبة النظام الدولي الراهن، خاصة إذا لم تتعرض في تاريخها المعاصر للتجزئة بفعل القوى الاجنبية المستعمرة ، أو تم سلخ أجزاء منها ، أو لا تزال ترزح أجزاء منها أخرى تحت الاحتلال الأجنبي، وفي حالة الأمة العربية نواجه استثناءاً خاصاً لاجتماع الاحوال السالفة الذكر، إضافة إلى الاحتلال الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، لذلك لا يمكن ولا يجوز لدى مقاربتنا لتعريف الأمن القومي العربي ان نكتفي بالصيغة المجردة العادية المتمثلة بالتعريف التالي حسب اعتقادي واجتهادي: “السعى الدؤوب لتحقيق الأمن النفسي والجسدي لمواطني الأمة، عبر استخدام عناصر ومقومات القوة المتنوعة التي تملكها الأمة للحيلولة دون تعرضها لمخاطر خارجية أو داخلية تهدد وجودها ونمط عيشها أو حياة مواطنيها، وضمان التطوير والتنمية لعناصر القوة والمقومات التي تملكها”. وأكرر أنه في الحالة العربية يبقى هذا التعريف ناقصاً ويتوجب إضافة …. “والعمل بكل الوسائل المتاحة وتوظيف جميع عناصر القوة والمقدرات ،لاسترداد الأجزاء المغتصبة والمحتلة من اراضي الأمة ،وتأمين عودة المشردين والنازحين إلى ديارهم الاصلية”.

هذه الإضافة ليست مسألة شكلية في ظل الوضع القائم في الوطن العربي، حيث نواجه احتلالاً واغتصاباً لوطن وتشريداً لشعبه في فلسطين، تنفيذاً لمشروع استيطاني عنصري، يشكل قاعدة متقدمة لمشروع هيمنة وتفتيت لأوصال الوطن العربي ، تقوده الولايات المتحدة التي اضحت باحتلالها للعراق رأس الحربة للمشروع الصهيوني ـ الأمريكي المشترك على امتداد الارض العربية ، بعد أن كانت تكلف الكيان الصهيوني بوظيفة التوسع والتمدد وقضم المزيد من اراض فلسطين التاريخية ، بالإضافة إلى الاراضي المحتلة في كل من مصر وسوريا والاردن ولبنان، وتشجيع ودعم الاحتلال الاثيوبي للصومال. وبناء عليه لا يمكن القفز عن حقيقة أن المشروع الصهيوني الاصلي للاستيطان ، والمشروع الأمريكي للاحتلال والهيمنة والتفتيت ، يشكلان معاً التهديد الوجودي والاختراق الأخطر على الأمن القومي العربي . لذا يشكل موقف كل دولة أو حزب أو منظمة أو فرد في الوطن العربي من هذا التهديد المقياس الأولي الحقيقي للحرص والالتزام والدفاع عن الأمن القومي العربي.

 الأمن القومي العربي أولاً

 7) غياب الوحدة السياسية للاقطار العربية لا يعني غياب وحدة الأمن الفعلية

– من الشروط الأساسية لمقاربة موضوع الأمن القومي تحديد مكونات وعناصر القوة المتوفرة للأمة أولا، ويكاد يجمع الخبراء في قياس ثروة وقوة الأمم بثلاثة أنواع من الموارد أو المصادر: الطبيعية، المنتجة، والمعنوية. ولا حاجة لتوضيح الموردين الطبيعي والمنتج ولكن الموارد المعنوية بموجب دراسات وتقارير البنك الدولي تشمل قوة العمل الخام (غير المدربة)، الرأسمال البشري والاجتماعي، نوعية المؤسسات الحكومية وغير الحكومية ودرجة كفاءتها وملاءمتها. وثانيا، التركيز على صيانة وتعزيز هذه المكونات، وثالثاً، التعامل بوعي ومرونة وجرأة في فحص دوري ومراجعة لقياس قوة وتفاعل هذه المكونات في البيئة الاقليمية والدولية.

 ـ  ولدى صياغة الأمة استراتيجيتها لصيانة الأمن القومي يتوجب ان تأخذ في الاعتبار التحديد الدقيق للمخاطر والتهديدات القائمة والمحتملة التي يتوجب التعامل معها. ومن المؤسف اعتبار البعض أن الحديث عن أمن قومي عربي هو نوع من الهلوسة أو الرضوخ للاوهام والافتراضات، لو دققنا في أصحاب مثل هذه الاحكام لوجدنا هم من نفس المجموعة التي سبقت لها ان أعلنت بزهو وعجرفة واحتقار عن موت فكرة القومية العربية ، أو الشعور القومي العربي والدعوة للوحدة العربية منذ اكثر من ثلاثة عقود، ولم تترك مناسبة عبر السنين ذاتها إلا واستغلتها لإعادة إعلان الوفاة . ويبدو أن أفضل رد على زيف هذه الدعوات والاحكام هو استمرار أصحابها بترديد ببغاوي لها مما يشكل إثباتاً على رسوخ الشعور القومي في وجدان أبناء الأمة … اليس غريباً أن يحتاج هؤلاء الحاقدين المتنكرين والمكابرين إلى توزيع أوراق النعي لنفس الميت مئات لا بل آلاف المرات؟ اليس ذلك مدعاة للخجل والفضيحة ؟؟!!! يبدو أن هذا الميت متمرد على حراس القبور يرفض ان يهال عليه التراب والنسيان، لأنه في الواقع حي يرزق بقلب نابض وجسد يأبى الاستسلام لسكرات الموت رغم أنه مثخن بطعناة من الاعداء والعملاء.

ـ ويعتقد البعض أن غياب الوحدة السياسية والإدارية للأمة العربية دليل على عدم واقعية الحديث عن الأمن القومي العربي وينظرون إليه باعتباره قضية مؤجلة في احسن الاحوال.

 ـ  إن دعاة مثل هذا التفكير المغلف بالواقعية، هم أبعد الأشخاص عن الواقع أو الاعتراف بالحقائق التي تجسدت عبر التجربة، فغياب الوحدة السياسية والإدارية حتى الآن على مستوى الحكومات لا يعني غيابها (أي الوحدة) على مستوى الشعوب، ونجد تعبيراتها في المشاعر المعلنة والتحركات الشعبية العربية تأييداً للحق العربي من فلسطين إلى العراق، مروراً بلبنان، السودان والصومال …الخ بوصفها النقاط الساخنة التي تشهد احتدام الصراع والمواجهة بين أبناء الأمة وأعدائها. كما أن فشل الحركات والأحزاب التي حملت لواء الفكر القومي في تحقيق الوحدة العربية، لا يعنى أن القومية العربية قد أنتهت كحافز ومحرك ، أو قاعدة انطلاق دائمة يسعى كل جيل عربي إلى تجسيدها في صياغة متجددة على مستوى الفكرة والحركة والمشروع، هذه الصياغة تأخذ في الاعتبار محاكاة التجارب الوحدوية بروح نقدية، ودراسة أسباب فشلها وعجز وتعثر الأحزاب المحسوبة على التيار القومي ، في تحقيق المشروع الوحدوي رغم وصولها إلى السلطة في بعض الاقطار العربية. ولا يزال بعض الكتاب يقتفون آثار فؤاد عجمى الذي كان كما اسلفنا قد تماهى مع بعض المعلقين الغربين والصهاينة ، في نعي القومية العربية ومشروع الوحدة العربية، لا يزال البعض مثل عضيد دويشة ، يروج لنفس المقولة في كتابه الأخير بعنوان “القومية العربية في القرن العشرين من الإنتصار إلى اليأس”، ويربط مصير القومية العربية ومستقبلها بقيادة عبدالناصر ويستنتج أن غياب عبدالناصر في عام 1970 قد غيّب معه الوحدة العربية. لا شك أن حركة القومية العربية لم تعرف في تاريخها المعاصر شخصية فذة وكاريزمية مثل عبدالناصر ، مجسدأً بفكره وخطابه وسلوكه آمال وأحلام الملايين بتحقيق الوحدة العربية، وشكلت هزيمة الـ 67 ضربة قاصمة لحلمه الوحدودي ولزعامته سعى بكل قواه لازالة آثارها، ولم يسعفه القدر ليقطف ثمار مسعاه. لكن ربط مصير القومية العربية ومشروعها الوحدودي بفرد مهما كانت مكانته وتأثيره ،لا يستقيم أمام التحليل المنطقي والوقائع التاريخية، فلا أحد يستطيع انكار الدور الأساسي الذي يمكن ان يلعبه الفرد القائد الموثوق والمحبوب من شعبه في توجيه مسيرة شعبه ومصيره، ولا شك ان هناك الملايين من أبناء الأمة العربية “يتمتمون في قرارة أنفسهم” أمام كل منعطف حاد واجهته الأمة بعد رحيل عبدالناصر: “في الليلة الظلماء يفتقد البدر”. فبعد 37 عام على رحيله المفاجئ – وربما المريب -لا يزال الشخصية الأكثر إحتراماً ونيلاً للتأييد والاعجاب في استطلاعات الرأي العام العربي من المحيط إلى الخليج حول القيادات العربية الاحياء منهم أم الاموات، (الاستفتاءات التي جرت قبل حرب تموز 2006 حيث تألق السيد حسن نصرالله كقائد فذ حقق نصراً قومياً وتاريخياً) هذه الحقيقة الساطعة هي شهادة على عظمة الرجل ،ولكنها شهادة على أن القومية العربية فكرة حّية وراسخة في وجدان الأنسان العربي، تنتظر من يحمل رايتها بجدارة ويتقدم الصفوف، ودليل على أنها ظاهرة موجودة موضوعياً في مجرى الحياة العربية وبصورة مستقلة عن نجاح أو فشل محاولات الزعماء والأحزاب والمنظمات ، التي تسعى لتجسيدها في إطار سياسي وحقوقي عربي جامع.

8) إشارات عن الأمن القومي العربي وثائق الجامعة العربية

ـ  بغياب صيغة إتحادية أو وحدوية لأجزاء الوطن العربي، بقيت الجامعة العربية الإطار العربي المعبر عن الطموح والأمل بالارتقاء بصيغة العمل المشترك، وانبثقت الجامعة العربية من اللجنة التحضيرية للمؤتمر العربي العام، وأصدرت ما عرف ببروتوكول الاسكندريـة بتاريـخ 25سبتمبر/أيلول عام 1944، أقتصرت اللجنة على تمثيل 5 دول عربية ولكن رغم تواضع التسمية التي تشير إلى هيئة تعليمية مشتركة أكثر منها سياسية، إلا أنها حملت منذ البداية الرغبة في التطور إلى صيغة أكثر تماسكاً وتوحداً.

– من المفيد استرجاع تلك التجربة/النواة التي شكلت نقطة الإنطلاق في المحاولات الجدية لتشكيل إطار وحدوي رسمي حيث ورد في البند الاول النص التالي الجدير بذكر أهم فقراته هنا:


– “أولا ـ جامعة الدول العربية

ـ  تؤلف “جامعة الدول العربية” من الدول العربية المستقلة التي تقبل الآنضمام إليها ، ويكون لهذه الجامعة مجلس يسمى “مجلس جامعة الدول العربية، تمثل فيه الدول المشتركة في الجامعة على قدم المساواة”. وتكون مهتمه مراعاة تنفيذ ما تبرمه هذه الدول فيما بينها من الاتفاقات وعقد اجتماعات دورية بتوثيق الصلات بينها وتنسيق خططها السياسية تحقيقاً للتعاون بينها وصيانة لاستقلالها وسيادتها من كل اعتداء بالوسائل الممكنة وللنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها.

–  وتكون قرارات هذا المجلس ملزمة لمن يقبلها فما عدا الاحوال التي يقع فيها خلاف بين دولتين من أعضاء الجامعة، ويلجأ فيها الطرفان إلى المجلس لفض الخلاف، ففي هذه الاحوال تكون قرارات “مجلس الجامعة” نافذة وملزمة. ولا يجوز على كل حال الالتجاء إلى القوة لفض المنازعات بين دولتين من دول الجامعة، ولكل دولة ان تعقد مع دولة أخرى من دول الجامعة أو غيرها اتفاقات خاصة لا تتعارض مع نصوص هذه الاحكام وروحها.

–  ولايجوز في أية حال إتباع سياسة خارجية تضر بسياسة جامعة الدول العربية أو أية دولة منها. (بروتوكول الاسكندرية).

ـ  وجاء لاحقاً في معاهدة الدفاع المشترك الموافق عليها بتاريخ 13 ابريل/نيسان 1950 في المادة الثانية ما يلي:

– “تعتبر الدول المتعاقدة كل اعتداء مسلح يقع على أية دولة أو أكثر منها، أو على قواتها، اعتداء عليها جميعاً. ولذلك فإنها، عملاً بحق الدفاع الشرعي ـ الفردي والجماعي عن كيانها تلتزم بأن تبادر إلى معونة الدولة أو الدول المعتدي عليها، وبأن تتخذ على الفور، منفردة أو مجتمعة جميع التدابير وتستخدم ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوة المسلحة لرد الاعتداء ولإعادة الأمن والسلام إلى نصابهما…”.

– المادة الثالثة

– “تتشاور الدول المتعاقدة فيما بينها، بناء على طلب احداها كلما هددت سلامة اراض اية واحدة منها أو استقلالها أو أمنها. وفي حالة خطر حرب داهم أو قيام حالة دولية مفاجئة يمس خطرها تبادر الدول المتعاقدة على الفور إلى توحيد خططها ومساعيها في إتخاذ التدابير الوقائية والدفاعية التي يقتضيها الموقف”.

– أما المادة العاشرة فتفيدنا

– “تتعهد كل الدول المتعاقدة بألا تعقد أي اتفاق دولي يناقض هذه المعاهدة وبألا تسلك في علاقاتها الدولية مع الدول الأخرى مسلكا يتنافي مع أغراض هذه المعاهدة”.
– لقد كان الغرض من الأشارة إلى المواد السالفة ، التذكير بوجود أسس ومبادئ لها علاقة بالأمن القومي العربي ، منصوص عليها في معاهدات تحفظها الجامعة العربية تحتاج أن ينفض عنها الغبار، ولا أزعم أني تمكنت في هذه العجالة من الاحاطة بكل البنود المتراكمة ، عبر العقود الستة التي انقضت على إنشاء الجامعة العربية والتي تشير في جوهرها أو في صياغتها إلى موضوع الأمن القومي ، حيث لا بد من القيام بهذه الجردة في وقت لاحق …. ولكني أود إضافة ما ورد في هذا الخصوص من إشارة في ميثاق العمل الاقتصادي القومي ، الذي إبرم في مؤتمر القمة الحادي عشر بتاريخ 27/11/1980 حيث ذكرت الديباجة:

– “وتعبيراً عن المسؤولية القومية لتحقيق التنمية المتوازنة والأمن القومي والتحرر والوحدة والاصالة في كامل الوطن العربي …. واعترافاً بأن العمل الاقتصادي يمثل عنصراً رئيسيا في العمل العربي المشترك وقاعدة راسخة ومنطلقاَ ماديا له، وبأنه يشكل الارضية الصلبة للأمن القومي الذي يتعزز بالتنمية المستقلة الشاملة وبأن جدوى العمل المشترك يتجاوز الجمع الإلى للعمل القطري”. ونجد في استراتيجية العمل الاقتصادي العربي المشترك التي ابرمت في نفس القمة بنداً يتعلق بالأهداف ينص على ما يلي: “الأمن القومي بما فيه الأمن الفكري والأمن العسكري والأمن الغذائي والأمن التكنولوجي”.

 9) انتهاكات عربية للمواثيق والمعاهدات

 ـ  لو اكتفينا بهذا القدر من البنود والصياغات المتعلقة بموضوع الأمن القومي ، لوجدنا أن غياب أي أهتمام أو التزام بالأمن القومي ، ليس انعكاساً لغياب في المعاهدات التي ابرمتها الدول العربية فيما بينها تحت سقف الجامعة العربية ومؤسسة القمة العربية ، وكأن الامر يحتاج إلى صياغة معاهدات واتفاقات جديدة ، رغم أنه من المفيد والمرغوب والضروري أن يتم مراجعتها من حين لآخر، للتأكد من صلاحية انسجامها مع المصالح العربية العليا، وإجراء التعديلات الضرورية عليها. ولا نحتاج إلى عناء كبير لدى المقارنة بين الممارسة الرسمية لبعض الحكومات العربية (أن لم يكن أغلبها)مع تلك البنود إلى اكتشاف ليس مدى التجاهـل بل التجاوز أو الإنتهاك الصارخ لها … إن لجوء بعض الحكومات العربية للدخول في اتفاقات ثنائية دولية أو اقليمية ، وخاصة المتعلقة بالصراع العربي ـ الصهيوني من اتفاقات كامب دايفيد، طابا، وادي عربة، وأوسلو اقدمت عليها كل من الحكومات العربية ( المصرية الاردنية والسلطة الفلسطينية ) دون العودة إلى الجامعة العربية لمناقشتها واقرارها ، يشكل انتهاكاً واضحاً للبنود المرعية الاجراء التي تم الأشارة إليها أعلاه. وهناك شرط آخر لم يتم استيفاءه لدى إبرام مثل هذه الاتفاقات التفريطية بالحق العربي ، ويتمثل بعدم العودة إلى شعوب هذه الحكومات ، لإجراء استفتاء عليها قبل التوقيع عليه وإبرامها. ولا يستطيع المرء هنا إلا أن يتذكر المواقف الصهيونية المتكررة لزعماء الكيان الصهيوني بأنها لن تقدم على انسحاب من أرض عربية اغتصبتها بالقوة ، إلا بعد أجراء استفتاء شعبي عليها ، رغم أنها بذلك تنتهك قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية العزيزة جداً حالياً على قلوب أدوات مشروع الهمنية الأمريكي في الوطن العربي.

10) المراجعة ضرورية للتصحيح والتصويب

ـ  نقطة الإنطلاق في تصحيح وضعية الاستباحة للأمن القومي العربي تكمن في إعادة الاعتبار لمفهوم عربي مشترك يتجاوز المصلحة القطرية الضيقة وتكريس صياغته مجدداً، ويمكن لمؤسسة بحثية عربية تحظى بالمصداقية ، أن ترعى مشروعاً خاصاً لهذه الصياغة عبر الدعوة إلى مؤتمر خاص ، يعقد كورشة عمل لخبراء واختصاصين في شؤون الأمن القومي ، يتم اعداد اوراق خاصة وفقاً لمخطط دراسي يتناول مراجعة وثائق الجامعة العربية المتعلقة بالموضوع ، للإستناد إليها في تقييم المرحلة المنصرمة ، إضافة إلى دراسات حول منطلقات، أهداف، أولويات، وبرامج وآليات تنفيذ استراتيجية عربية للأمن القومي. ويمكن ان تؤدي حصيلة النقاشات في ورشة العمل إلى اطلاق مشروع للأمن القومي العربي، يمكن مناقشته شعبياً وتبنيه كوثيقة تشكل مرجعية لما يمكن إعتباره إستراتيجية الأمن القومي العربي، وقد تخدم في ممارسة الضغط الشعبي على الحكومات للإلتزام بالحد الأدنىً من موجباته .

ـ تفيدنا تجربة العقود الثلاثة المنصرمة أن الأمن القومي العربي كل لا يمكنه تجزئته ، فعندما تتصرف أي حكومة عربية بما تعتقده خدمة لمصالحها الوطنية ، دون الأخذ في الاعتبار انسجامها مع مصالح الأمن القومي العربي ، ستكتشف لاحقاً أنها عرّضت أمنها الوطني للخطر مثلما عرضت الأمن القومي العربي. وعندما تتصرف قطرياً بما تمليه عليها مصالح الأمن القومي العربي يتعزز أمنها الوطني ويترسخ.

11) المصلحة العربية أولا

ـ  إن نغمة الاردن أولاً، لبنان أولاً، والكويت أولاً أو مصر أولاً أو أي بلد عربي آخر بمفرده أولاً ، طغت على خطاب البعض بتشجيع الإدارة الأمريكية لأوهام غذتها ، بأن إتباع سياسة استرضاء واشنطن والولاء المطلق لها ، وترويح مشروعها في الوطن العربي بعد احتلالها للعراق ، سيجلب الأزدهار والغنائم عبر الاتفاقيات الثنائية التي تقدم المنافع الاقتصادية، بالإضافة إلى المساعدات والمكافأت على تعاونها الأمني والعسكري. وتبدو هذه التوجهات وكأن شرط التقدم والتنمية والاستقرار لأي بلد عربي ، مرهون بتنكره لهويته وبانسلاخه وإنسحابه عن محيطه العربي، والتصرف كجزيرة معزولة ، والخروج من أية مؤسسات وهيئات للعمل العربي المشترك ، إلا ما يأمر به السيد الأمريكي من صيغ أمنية وظيفية لصالحه. ونلاحظ كيف أن تمادي بعض الحكومات العربية في التصرف على أساس قطري يمنحها شعوراً مخادعاً بإمكانية تحقيق الأمن والاستقرار عبر الاستعانة بالأجنبي ، وإبرام اتفاقيات أمنية وعسكرية ثنائية سرية وعلنية مع الولايات المتحدة خاصة، وغالباً ما تصادر هذه الاتفاقيات السيادة الوطنية وتحول البلد إلى قاعدة عسكرية أو منصة انطلاق في خدمة الاستراتيجية الاقليمية والكونية الأمريكية.

– الخطوة الثانية الضرورية هي إجراء مراجعة هادئة وفاحصة لكل المحطات البارزة في التاريخ العربي المعاصر، منذ انطلاقة فكرة مشاريع النهضة والوحدة العربية ، وتحديد الخطايا التي ارتكبت من بعض القيادات العربية الحاكمة ، أو مسؤوليتها في تكريس ضياع فرص ثمينة الحقت ضرراً فادحاً بالأمن القومي العربي، حالت دون تراكم الآنجازات الضرورية لتثبيت ركائزه. ولو سألنا انفسنا ما هو العنصر الحاسم والمقرر في غياب القدرة على تفعيل مستلزمات الأمن القومي العربي لما وجدنا عناءً في الأجابة الفورية بأنه غياب الارادة السياسية العربية المستقلة والفاعلة وآليات التعبير عنها.

 ضرورة تجاوز الخطايا والفرص الضائعة وإنجاز التحولات الخمسة

 12)  بعض من خطايا وفرص ضائعة

 وإذ نترك جانبا الآن المعالجة التفصيلية والتاريخية لإبرز الخطايا والفرص الضائعة لأنها تحتاج إلى دراسة خاصة بها نأمل التفرغ لها لاحقاً، فإننا سنشير هنا إلى ما يمكن وصفه بالتنويعات أو الأشكال المختلفة التي الحقت وتلحق الضرر بالأمن القومي العربي ، رغم الترابط والتقاطع في العديد منها ويمكن تصنيفها بإثني عشر حالة ، دون ترتيب في الأولوية أو الاهمية وسنكتفى بالأشارة إلى مثال واحد فقط من الأمثلة العديدة التي تندرج تحت كل منها:

 1)  عدم القدرة على ضمان استمرار ونجاح المحاولات الوحدودية أو الاتحادية العربية وخير مثال على ذلك ما جرى في الآنفصال للوحدة المصرية ـ السورية.

2)  عدم القدرة على انجاز مشاريع وحدوية أخرى ثنائية أو ثلاثية وأكثر ويحضرني هنا عدم تبلور محاولة تنفيد مشروع الوحدة الثلاثية المصرية ـ السورية ـ العراقية.

 3)  الإنفراد من قبل حكومات عربية زمن الحرب أو في زمن السلم بإجراء مفاوضات ذات الصلة بالصراع العربي ـ الصهيوني وابلغ الأمثلة على زمن الحرب (خلال حرب تشرين 73) وزمن السلم (زيارة السادات للقدس وإبرام معاهدة كامب دايفيد).

 4) التنصل الرسمي العربي التدريجي من قضية الشعب الفلسطيني وجوهر الصراع العربي ـ الصهيوني ، واتخاذ قرارات يمكن وصفها بأنها على طريقة حق يراد به باطل ، مثل قرار مؤتمر الرباط باعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

5) عدم حل النزاعات الحدودية والتاريخية بين الدول العربية بالطرق السلمية ومثال غزو العراق للكويت والعجز عن إيجاد حل عربي للازمة مما سهل عملية تدمير البلدين وخاصة العراق بشن حرب عام 1991 وبعدها الغزو الأمريكي عام 2003 .

6) العجز عن حل النزاعات الحدودية والخلافات مع الدول الأسلامية المجاورة بالطرق السلمية والحرب العراقية ـ الايرانية لحوالي 8 سنوات خير دليل على السياسة الكارثية التي الحقت الضرر بالبلدين وبالعلاقات العربية الإسلامية.

 7)  تقديم بعض الحكومات العربية لتسهيلات عسكرية والتواطؤ مع دول إجنبية لشن حرب عدوانية انتقامية ضد بلد عربي وغزو العراق عام 2003 أبرز الادلة.

8) تهميش دور المؤسسات العربية مثل الجامعة العربية وعدم احترام المعاهدات المبرمة بين الدول العربية وخاصة معاهدة الدفاع المشترك … العجز عن التدخل عام 1982 لمساندة لبنان ضد الغزو الاسرائيلي، وكما سبق ذكره أعلاه بدل العمل للدفاع عن العراق ضد العدوان قامت حكومات عربية بتسهيلة وتشجيعه بينما امتنعت تركيا العضو في الحلف الاطلسي عن السماح باستخدام اراضيها لغزو العراق عام 2003.

9) إذكاء النعرات التقسيمية على أساس عرقي أو مذهبي وأثارة المشاعر الطائفية ، ومساندة تأجيج وأشعال الحروب الأهلية في بعض الدول العربية ، ولبنان خير مثال على ذلك دون ان ننسى دعم انفصال الاكراد في الشمال العراقي.

 10) التفريط بالثروات القومية عبر رفع مستويات إنتاج النفط بناء على أوامر خارجية ، أو مراكمة مديونية وتبعية اقتصادية مدمرة للتنمية والاقتصاد الوطني ، عدا عن مراكمة الودائع العربية في الخارج بعيدة عن الاستثمار التنموي في الوطن العربي ، وإفشال كل مشاريع التصنيع الحربي والتقني المشترك ، والأمثلة هنا عديدة لا حاجة لذكرها.

 11) انعدام الصيغ العربية المشتركة للتعامل مع المؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، والتكتلات السياسية والاقتصادية الدولية المختلفة) وحتى لدى اطلاق المبادرات العربية السياسية فضلا عن انعدام توفر آليات المتابعة والتنسيق.

 12) استباحة الوطن العربي في عمليات تدمير منهجية للبيئة والموارد المائية وتحول العديد من مناطقه إلى مكبات للمواد السامة والمشعة والملوثة مع غياب لأي شكل من أشكال التنسيق في مجابهة أخطار الامراض المعدية وتفشي مرض نقض المناعة. والأمثلة على الشحنات للمواد السامة التي تجد طريقها إلى أرجاء الوطن العربي كثيرة والمخفى أعظم.

13) شروط وتحولات ضرورية للأمن العربي:

يتضح لنا مما تقدم أن المقاربة الواقعية للأمن القومي العربي لا ينحصر في الاعتبارات العسكرية البحتة المتصلة بردع الخطر الخارجي ، أو الاعتبارات الأمنية الداخلية المنفصلة لكل بلد عربي على حدة بالرغم من أهميتها. وتفيدنا التجربة ان حرص الأنظمة الشديد على بقائها جعلها تسخّر القوات المسلحة والأحهزة الأمنية على مختلف أنواعها ، لمهات حفظ النظام واستقراره على حساب حماية الأمن الوطني وتعزيز السلم الأهلي. ورغم معاناة الميزانيات الوطنية المزمن من العجز، نجد الحكومات تمعن في تضخيم المجمع البروقراطي، والأمني والعسكري المشغول والمهووس بحماية النظام، وتخصص معظم ميزانيتها على الشؤون الأمنية ـ العسكرية، ويواكب هذا التضخم في الإنفاق، إتباع اجراءات واعتماد قوانين تعسفية مثل قوانين الطوارئ التي تحد من الحريات السياسية والمدنية وتقلص هامش الحراك السياسي البعيد عن وصاية السلطات ورقابتها، وتعطل هذه الممارسات انطلاق المبادرات لتشكيل تعددية نشطة للحياة السياسية ، توفر مشاركة شعبية حقيقية في صناعة القرار الوطني. هذه المشاركة لن تتأمن شروط السير في انجازها بدون توفر حرية تشكيل الأحزاب، وحق التنظيم في مؤسسات ونقابات واتحادات ونوادي أهلية بصورة مستقلة عن تدخل السلطات، بالإضافة إلى توسيع هامش حرية التعبير والحريات الصحفية … لانها جميعها تشكل المدخل الطبيعي لإرساء ثقافة تعزز السلم الأهلي والتداول السلمي للسلطة وفقاً لآليات دستورية. إن توفر هذه الشروط سيساعد في سد أية منافذ خطرة يمكن ان تتسلل عبرها تهديدات للأمن الوطني والقومي العربي معاً.

كما ان تحصين الجبهة الداخلية لكل بلد عربي بما يضمن أمنه واستقراره وإسهامه في خدمة الأمن القومي العربي يستوجب السعي لانجاز تحولات رئيسية خمسة:

 1) تكريس مشروعية دستورية ـ شعبية للحكم وإقامة المؤسسات الضرورية التي تكفل ذلك.

2)  تكريس ملكية شعبية وطنية عامة للثروات الطبيعية ووضع آلية رقابة ومحاسبة فعالة على طرق استغلالها وانفاقها ، وتطال هذه الملكية كافة الموارد والودائع والاستثمارات الخارجية.

3) تكريس تنمية داخلية (وطنية) متوازنة تطال كامل الرقعة الجغرافية ـ السكانية وتستجيب للحاجات الاقتصادية والاجتماعية، المعيشية، الثقافية والفنية للشعب وتأخذ في الاعتبار حرصها على التكامل التنموي الاقتصادي مع البيئة العربية المحيطة مباشرة والأبعد، والتنبه إلى مخاطر توسيع الفجوة التنموية مع الدول العربية الأخرى المجاورة والأبعد.

4)  معالجة جديدة وحازمة لمخاطر الاعتماد المفرط على العمالة الأجنبية غير العربية وما تحمله من آثار مدمرة على الهوية والقيم المكتسبة والتكوين النفسي والثقافي العربي إضافة إلى التماسك الاجتماعي … ووضع الخطط الضرورية التي تكفل تقليص معدلات البطالة على المستويين الوطني والقومي.

5) التوقف بجدية وحزم أمام مخاطر الاعتماد المفرط على الحماية العسكرية والأمنية الأجنبية، وما يرافقها من منح تسهيلات وقواعد دائمة تصل إلى حدود تقويض السيادة الوطنية وتسليم مصير البلد ومستقبله …. لقد حان الوقت لوضع خطط بديلة تكفل التخلي التدريجي عن هذه الحماية ، لصالح السعي لإقامة وتعزيز ترتبيات واقعية لنظام أمني عربي مستقر.

14) ضرروة تشكيل منظومة أمن عربي ـ اقليمي.

اذا كان هناك عدة مستويات للأمن تطال الفرد، الوطن، الأمة، المنطقة والعالم، فإن واسطة العقد بالنسبة للوطن العربي هو الأمن القومي العربي ، فالإتفاق على تحديد مفهوم ومنطلقات له على المستوى العربي ، والتوصل إلى قناعة مشتركة حول الاضرار الجسيمة التي لحقت به من جراء الخطايا والفرص الضائعة التي أشير إلى بعضها آنفاً، سيشكل بداية جدية لإمساك الحلقة الأولى في مشروع حماية الأمن الفردي والوطني، كما سيؤمن فرصاً افضل للانخراط في حوار جدي حول تشكيل منظومة أمن أقليمي تدخل فيها الدول الرئيسية المجاورة، وخاصة دول الجوار الأسلامي إيران وتركيا. وتهدف هذه المنظومة إلى وضع العلاقات العربية ـ الايرانية والعربية ـ التركية على سكة التفاهم وتعزيز المصالح المشتركة وإزالة المخاوف المتبادلة على قاعدة التعاون وحسن الجوار والإحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد منه، وتوفير آلية فاعلة للنظر في الخلافات وتسويتها، بما يضمن عدم انتقالها إلى مستوى النزاعات. إن مجرد التوصل إلى تفاهمات أقليمية ستشيع أجواءاً إيجابية تخدم السلام العالمي وتزيل مبررات التدخل الخارجي بذرائع أمنية لحماية أي بلد من خطر مزعوم يشكله بلد آخر في الأقليم

 

يعود الاهتمام العربي في العصر الحديث بمفهوم الأمن إلى منتصف السبعينات

رؤية أبن خلدون

تعريف الأستاذ الدكتور المرحوم حامد ربيع للأمن القومي

يعرف أستاذنا المرحوم حامد عبد الله ربيع  في محاضراته بعنوان “نظرية القيم السياسية” مفهوم الأمن القومي بأنه “تلك المجموعة من المبادئ التي تمثل إطار الضمان الأدنى لأي حركة سياسية معادية، بمعنى آخر يقصد بذلك أن كل مجتمع كي يستطيع حماية تكامله وبقائه لابد وأن يسعى لإقامة إطار متكامل من مفهوم الحركة بالنسبة لعلاقاته مع جيرانه بحيث يحدد حد أدنى لا يستطيع أن يسمح بتجاوزه لأي تحرك سياسي يرتبط بجسده وحدوده، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نفهم خصائص مفهوم الأمن القومي كما يلي:

أولا: الأمن القومي يمثل قيما سياسية ذات طابع نسبي ديناميكي متغير ومتطور لأنها تدور حول الجسد السياسي وقد تحدد زمانا ومكانا.

ثانيا: هو يمثل محور التقابل بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية، لأنه يسعى لحماية الجسد السياسي الداخلي من منطلق السياسة الخارجية.

ثالثا: ولذلك فمن منطلق الأمن القومي تصير السياسة الداخلية امتدادا لا للسياسة الخارجية وإنما للموقف الذي يحكم القوى الدولية المتصارعة والمحيطة إقليميا بالدولة صاحبة الشأن.

الأمن القومي يمثل في الواقع المحور الحقيقي الذي يسمح بخلق الترابط والتكامل والتماسك بين القيم الجماعية والقيم الفردية.

 

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock