Print Friendly, PDF & Email

يعد مفهوم القوة الناعمة – على حداثته النسبية – أحد المفاهيم واسعة الاستخدام والانتشار في تحليل السياسات الخارجية، وهو ما يرتبط بإسهام المفهوم في تعميق فهم طبيعة القوة وتطورها في العلاقات الدولية، ولفت الانتباه لأبعاد ظلت مهملة نسبيا في ممارسات القوة. فالتطورات في طبيعة النظام العالمي؛ من حيث فواعله وقضاياه ومؤسساته وأنماط تفاعلاته تجعل الأهمية النسبية للقوة الناعمة في تزايد مقارنة بالعناصر التقليدية للقوة الصلبة، مع تنامي ضرورة دمج الأبعاد الناعمة في ممارسات القوة الصلبة ذاتها.

وعلى الرغم من ذيوع وانتشار استخدام مفهوم القوة الناعمة على جميع المستويات الأكاديمية والرسمية وغير الرسمية، فإن تعريف المفهوم وأبعاده الأساسية يظل موضع اجتهادات متعددة تضيق من نطاقه تارة؛ بحيث يكاد يقتصر على بعض الموارد الثقافية ذات الطابع الإمتاعي أو الترفيهي، وتوسع من نطاقه تارة أخرى؛ بحيث يشمل جميع الأدوات والتفاعلات ذات الطبيعة التعاونية بما في ذلك استخدام الأدوات والآليات الاقتصادية، وأحيانا العسكرية في صورها غير الصراعية؛ مثل المعونات العسكرية وبرامج التدريب والمناورات المشتركة وغيرها. وتقتضي معالجة الإشكاليات التي تولدها هذه النسبية والسيولة الشديدة في تعريف المفهوم، زيادة الاهتمام النظري ببحث مفهوم القوة الناعمة وتحليل أبعاده، وهو ما تبدو الحاجة إليه مضاعفة في السياق العربي بالنظر إلى قلة الدراسات العربية التي تناولت مفهوم القوة الناعمة. فباستثناء الإشارات الصحفية المختصرة للمفهوم في بعض المقالات، فإن الدراسات الأكاديمية العربية التي سعت لتأصيل المفهوم نظريا أو توظيف أبعاده المختلفة في دراسات تطبيقية معمقة تتسم بالمحدودية الشديدة، وذلك رغم ترجمة كتابات ناي الأساسية عن القوة الناعمة إلى العربية، والانتشار الواسع لاستخدام.