قضايا أمنية

نحو مقاربة أمنية مغاربية مشتركة

تواجه منطقة المغرب العربي تهديدات أمنية زادت في تعقدها بعد الحراك الذي شهدته المنطقة سنة 2011  تتمثل اساسا في الارهاب والجريمة المنظمة وتجارة الاسلحة وصولا إلى ظاهرة الهجرة غير الشرعية ، هذه الأزمات الأمنية المهددة للفضاء المغاربي،أعادت النظر في مبادئ و مفاهيم العقيدة الأمنية المشتركة،والاعتماد الأمني المتبادل بين هذه الدول، فمنطقة المغرب العربي عبارة عن وحدة جغرافية اقليمية منسجمةً تجعل منها فضاءاً جيوسياسياً وثقافياً متجانساً، وهذا مايستدعي بناء مقاربة اقليمية مغاربية أمنية مشتركة تجابه مختلف التهديدات الامنية خاصة منها الجديدة، و التي تهدد امن المنطقة و  كيان الدول ، و هو ما يرهن بناءالدولة و عملية الإستقرار الاقليمي في المنطقة ، وتعتبر الجزائر بحكم موقعها الجغرافي الإستراتيجي نقطة إرتكاز في أي مقاربة أمنية مغاربية مستقبيلة ، فهي تجسد بواقع القوة الجغرافية  نقطة تقاطع بين الدول المغاربية من ناحية وبين البحر المتوسط و عمق القارة الإفريقية من جهة ثانية ، لذا سميت “بالمغرب الأوسط “.

     ارتبطت التهديدات الأمنية الجديدة  بالتحول في مفهوم الامن الذي تجاوز المفهوم الكلاسيكي الى مفاهيم اخرى ذات ابعاد اقتصادية واجتماعية وقيمية ونفسية بما يتلاءم و الظروف الجديدة على اعتبار ان المنطق يقتضي بناء استراتيجيات جديدة اذا كانت هناك تحولات جديدة ،هذه التهديدات المختلفة التي تعرفها المنطقة بدأت في منطقة الساحل و تأثرت بعوامل داخلية وخارجية، وتعدتها إلى كل منطقة المغرب العربي التي أصبحت انعكاسا لتطور الأحداث في الساحل الإفريقي، تعقد هذه التهديدات واستفحالها و تماطل دول المنطقة أدى إلى رد فعل على مستوى المنظمات وعلى مستوى الدول الغربية أدى في نهاية المطاف إلى التدخل العسكري في المنطقة  الذي حتما ستكون له تأثيرات مباشرة على الأمن في المنطقة المغاربية سواءا على المدى القريب او البعيد.

   تعالج إشكالية هذه الدراسة التطورات الراهنة و المتسارعة للأزمات الأمنية التي يشهدها النظام الإقليمي المغاربي هذة الأزمات التي تعتبر كانعكاس مباشر لما يتعرض له النظام الدولي، من تغيرات ظرفية وهيكلية، ما يُعرض أمن المنطقة كليا، إلى اختلالات بنيوية جديدة، قد تعيد رسم خريطة جيوسياسية وجيواستراتيجية جديدة في منطقة المغرب العربي خصوصا مع تسارع الأحداث في مالي و تهديد استقرار كثير من دول المنطقة والتي تحاول مجابهة مايحمله المستقبل من إعادة صياغة للخارطة الأمنية .فما هي أهم التحديات الأمنية التي تواجه الدول المغاربية في ظل التطورات الراهنة و المتسارعة و تحديدا في منطقة المغرب العربي وجوارها ؟ وكيف يمكن ان تنعكس التهديدات الأمنية الجديدة المختلفة في المنطقة على الأمن في دول الجوار بشكل عام و على دول المغرب العربي بشكل خاص في ظل سيناريوهات التدخل العسكري  الحالية ؟

هذة الاشكالية يمكن معالجتها اعتمادا على الفرضيات التالية:

  • هناك علاقة بين التطورات التي شهدها النظام الدولي ببروز تحديات تُعرف بالمخاطر الجديدة و إعادة النظر في الافتراضات الأساسية للنظريات الأمنية في العلاقات الدولية.
  • يتضمن الجيل الجديد من الاتفاقيات الاورومغاربية تعاونا ماليا، اقتصاديا وتقنيا ومحورا اجتماعيا وثقافيا وحوارا سياسيا وأمنيا و هو ما لم يكن في الاتفاقيات التجارية التقليدية.
  • يعتبر التعاون و الاعتماد المتبادل و صياغة عقيدة أمنية إقليمية مغاربية مشتركة ضرورة ملحة لمواجهة تهديدات أمنية غير تقليدية مهددة للفضاء المغاربي الواحد.

للإجابة على هذه الإشكالية سنقسم الدراسة إلى أربعة محاور:

أولا: بروز التهديدات الأمنية الجديدة و التحول في مفهوم الأمن.

ثانيا:عوامل ظهور التهديدات الامنية في المنطقة المغاربية

ثالثا: الامن المغاربي بين الاستراتيجيتين الاوربية و الامريكية.

رابعا: المقاربة المغاربية لمواجهة التهديدات بعد التدخل العسكري في ليبيا2011.

 

أولا: بروز التهديدات الامنية الجديدة و التحول في مفهوم الأمن.

1- طبيعة التهديدات الأمنية الجديدة: ارتبطت التهديدات الأمنية بالتحول في مفهوم الامن الذي تجاوز المفهوم الكلاسيكي الى مفاهيم اخرى ذات بعد اقتصادي واجتماعي وقيمي ونفسي بما يتلاءم و الضروف الجديدة على اعتبار ان المنطق يقتضي بناء استراتيجيات جديدة اذا كانت هناك تحولات جديدة ،هذه التهديدات المختلفة التي تعرفها المنطقة بدات في منطقة الساحل و تأثرت بعوامل داخلية وخارجية، وأثرت  بدورها في دول الحوار وتعدتها الى كل منطقة المغرب العربي التي أصبحت مركزا لانعكاسات الأحداث وتطوراتها في الساحل الإفريقي و يمكن حصر هذه التهديدات الأمنية الجديدة في الأنواع التالية :

أ – الإرهاب :

     استفحلت الظاهرة الإرهابية في منطقة الساحل بشكل كبير بحيث تعددت التيارات الإرهابية بشكل كبير في المنطقة بالإضافة إلى بعض الحركات المتطرفة التي لها نفس التوجهات و هي موجودة في دول الجوار و من أهم هذه التيارات ما يلي :

  • تنظيم القاعدة في منطقة المغرب الإسلامي الذي استجمع قواه بفعل عوامل متعددة منها تمكنه من الحصول على موارد مالية مهمة قاربت 70 مليون دولار جراء الفدية التي كانت تعرضها على الدول التي ينتمي إليها الرهائن ، يضاف إلى ذلك حصولها على أسلحة متطورة عبارة عن صواريخ بإمكانها إسقاط طائرات على ارتفاع 11000 كلم² تحصلت عليها بفعل الأزمة الليبية التي مكنت من تدفق كبير للسلاح و وصوله إلى يد هذه التنظيمات الإرهابية ،وازداد هذا التنظيم قوة بتدعمه بـ 600 إرهابي فروا من افغنستان بعد اشتداد الضربات و الضغط عليهم وفروا إلى الصحراء الإفريقية و تمكن التنظيم من تجنيدهم .
  • حركة التوحيد و الجهاد : و هو تنظيم يتقاطع مع تنظيم القاعدة ، يعتمد على اختطاف رهائن هو الآخر و يحاول فرض منطقه في المنطقة .
  • تنظيم الجماعة السلفية للجهاد : و مركزها الأساسي ليبيا و تكني نفسها جماعة خالد بن الوليد .
  • أنصار الشريعة و مقرها الأساسي تونس و تفرعاتها ليبيا و في شمال مالي ، و قد كانت وراء عدد من العمليات الإرهابية من أهما اغتيال السفير الأمريكي في بنغازي ، هذه التنظيمات الإرهابية قامت خلال السنوات الثمانية الأخيرة بـ 100 هجوم إرهابي آخرها مهاجمة قاعدة تقنتورين في الجزائر ، و قد نتج عنها أكثر 160 قتيل [1].

من التنظيمات الأخرى الأقل تطرفا و لكنها مارست سلوكات غير منتظرة تنظيم أنصار الدين تحت زعامة إياد آغ و هو من أقدم و أبرز زعماء المتمردين الطوارق [2].

هذا التنظيم بالرغم  من كونه أقل تطرفا إلا أنه يساهم في تسريع الحل العسكري ، إذ في الوقت الذي استضافت الجزائر قادته و تمكنت من إيجاد أرضية توافق بينه و بين تيارات أحرى من بينها حركة الازواد ، فاجأ الرأي العام بإعلانه عدم الاعتراف بالاتفاقية و شرع في مهاجمة المدن الداخلية و هي حط أحمر خاصة و أن القرار 2085 الصادر عن الأمم المتحدة حدد آجال زمنية للتدخل العسكري و كان بالإمكان تأخيره على الأقل إلى غاية نهاية سنة 2013 ، يتمركز عموما التيار الإرهابي في كل من الحدود المالية الموريتانية ، شمال مالي ، الحدود  لمالية النيجيرية ، شمال تشاد مثلما توضحه الخريطة التالية:

يمكن إبداء ملاحظة أساسية بان هناك ارتباط وثيق بين الجماعات الإرهابية في المغرب العربي بالجماعات الإرهابية القادمة من القرن الافريقي [3].

هذا و قد ظهرت في سياق تعامل الدول مع الحركات الإرهابية نظريتين أو إستراتيجيتين للتعامل مع هذه التنظيمات المتطرفة ، نظرية أو إستراتيجية القوة الصلبة و التي تعتمد أساسا على الحل الأمني و التدخل المباشر للقضاء عليها و لم تتمكن هذه الاستراتيجية من وضع حد للتنظيمات الارهايبية و القضاء عليها يشكل نهائي في حين التوجه أو النوع الثاني يسمى القوة  الناعمة ، فهو يزاوج بين الحل العسكري و الحلول السياسية و السلمية و يضع أهدافه الأساسية تقليل المنابع و الأسباب التي تؤدي إلى الإرهاب ، كما تعتمد على الأسلوب التفاوضي و قد اعتمدت عليه الولايات المتحدة الأمريكية و هو يقوم على القوة العسكرية و على المساعدات الاقتصادية و على تدريب العناصر المحلية .[4]

في هذا السياق أجرت مؤسسة راند  RAND الأمريكية في جويلية 2008 دراسة  كان عنوانها كيف تنتهي الجماعات الإرهابية تناولت المؤسسة 648 جماعة إرهابية نشطت مابين 1998 و2006 من بينها 244 جماعة إرهابية مازالت موجودة و 268 تخلت عن العنف و 136 انتهت واندمجت مع جماعات أخرى .

خلصت الدراسة إلى أن سقوط الجماعات الإرهابية يكون من خلال أربعة وسائل هي:

– دور بارز للشرطة و المخابرات و القوات العسكرية .

– تمكن الجماعات الإرهابية من تحقيق أهدافها خاصة السياسية منها .

– اعتماد الجماعات الإرهابية سياسات غير عنيفة .

– موت أو توقيف القادة و الشخصيات المحورية في الجماعات .

من خلال إسقاط الأرقام المعلنة عن الوسائل  يمكن تسجيل مايلي :

  • متغير السياسات غير عنيفة كان هو المتغير الأكبر ، حيث أن 268 جماعة إرهابية تبنت هذا الأسلوب نسبة زوالها كان 43% .
  • متغير وفاة زعيم الجماعة كان السبب في زوال 40% .من الجماعات الإرهابية .
  • متغير قناعة الجماعات بتحقيق أهدافها جاء ثالثا بـ 10 % من التنظيمات زالت لهذه القناعة .
  • المتغير العسكري جاء الأخير بنسبة 7 % .

هذه الدراسة أثبتت أن الحل العسكري ليس الحل الأمثل .

و هذا الأمر الذي ينطبق على التدخل في شمال مالي ، إذ أن السيناريو الأقرب هو إعادة تموقع  الحركات الإرهابية بقوة أكبر و سيظهر هذا بشكل كبير ابتداء م شهر أفريل 2013 على شاكلة نموذج طالبان في أفغانستان [5].

ب – الهجرة غير الشرعية :

أثرت الهجرة غير الشرعية على الدول المغاربية على مستويين الأول خاص بمواطنيها والثاني باعتبارها منطقة عبور لعدد من الدول الإفريقية.

بالنسبة للمستوى الأول تعتبر أوربا من أكثر الدول استهدافا، حيث أن الإحصائيات تشير إلى أن عد المغاربة المهاجرين بطرق غير شرعية هو في حدود 250000 إلى 300000 شخص.

أما المستوى الثاني وهو الأخطر والمتمثل في اعتبار المنطقة المغاربية منطقة عبور للمهاجرين القادمين من منطقة الصحراء الإفريقية الكبرى.

تشير الإحصائيات إلى أرقام مذهلة، ففي تونس في سنة 1999 بلغ عدد الأفارقة الذين حاولوا الانتقال إلى أوربا عبر الموانئ التونسية 17000 وارتفع إلى 50000 عام 2000 و 100000عام 2001 ووصل إلى أرقام كبير في السنوات الأخيرة.

وفي الجزائر وصل العدد إلى 100000عام 2006 ونفس الرقم في موريتانيا، ووصل إلى حدود المليون في ليبيا.

ورغم الاحتياطات التي اتبعت ومنها تنظيم الهجرة في المغرب في نوفمبر 2003، ووضع الجزائر لإجراءات صارمة وتونس وليبيا نفس الشيء، والدخول في اتفاقات تعاون مع أوربا إلا أنها لم تحقق الأهداف المنظمة وأصبحت عامل سلبي أثر على استقرار المجتمعات المغاربية[6].

ج_ الجريمة المنظمة:

أصبحت الجريمة المنظمة التي تقودها شبكات التهريب مصدر خطر حقيقي على الدول المغاربية، خاصة وأن هذه المنظمات أصبحت تمتاز بهيكلة كبيرة ذات ارتباط بأطراف خارجية بدايتها تكون في المغرب، تمر على الجزائر إلى غاية مرسيليا واستعملت تونس والجزائر كمناطق عبور.

تشير التقارير الدولية والوطنية إلى أرقام كبيرة، إذ أن تقارير الأمم المتحدة تحصي ما نسبته 30 إلى 40%  من المخدرات الصلبة تمر عبر هذه المنطقة، ونسبة 27% من المخدرات صودرت في أوربا مصدرها المنطقة المغاربية بقيمة إجمالية قدرها 8,1 مليار دولار.

يضاف إلى هذا فان هذا الفعل يمس كل الإنتاج الآخر وهو مصدر من مصادر عدم الاستقرار في منطقة المغرب العربي خاصة على المناطق الحدودية[7].

د – التهديدات الاقتصادية:

من بين التهديدات الاقتصادية هو تبعية عدد من الدول لانتاجات محدودة، فالجزائر وليبيا تعتمدان فقط على النفط وتونس والمغرب على السياحة، وهذا ما أدى إلى ضعف البنى الاقتصادية لهذه الدول.

من بين التهديدات الاقتصادية الكبرى هو انعكاسات الأزمة المالية العالمية على أغلبية الدول المغاربية مع استثناءات نسبية بالنسبة للجزائر لعدم ارتباط اقتصادها المباشر بالاقتصاد العالمي.

مع هذا فان صندوق النقد الدولي يتوقع أن تتعارض الدول المغاربية لعدة تهديدات أهمها ما يلي:

  • تراجع نسبة النمو.
  • صعوبة صمود القطاع المالي.
  • تراجع الاستثمارات الخارجية وهذا لصعوبة الحصول على قروض بنكية لتمويل الاستثمارات.
  • إمكانية إفلاس الكثير من الشركات والمؤسسات عبر العالم.
  • تراجع التحويلات المالية من لمغتربين نتيجة الأزمة.
  • ارتفاع واردات الدول المغاربية.

    يضاف إلى هذا انعكاسات ما وقع في المنطقة المغاربية في 2011، والذي بقدر ما كان له نتائج ايجابية كانت له انعكاسات سلبية في الجانب الاقتصادي وذلك بفعل الأزمات المتتالية في المنطقة المغاربية.

    كذلك استمرار تراجع العلاقات بين الدول المغاربية والتي هي في حدود 3 إلى 4 % .

2- التحول في مفهوم الأمن: مفهوم الأمن كغيره من المفاهيم الأساسية في علم العلاقات الدولية شهد تحولا في مضمونه، على إثر انهيار الاتحاد السوفياتي وانتصار الفكر الليبرالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث فرض التوزيع الجديد للقوى على باحثي العلاقات الدولية إعادة النظر في تصوراتهم و طروحاتهم حول مفهوم الأمن، فبعدما كان مفهوم الأمن قبل تفكك الاتحاد السوفياتي مرتكزا حول القطاع العسكري (المتمركز حول مفهوم الدولة- الأمن القومي-)، توسع بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى مجالات أخرى من جراء ظهور نوع جديد من المخاطر التي زادت وتيرة انتشارها بفعل مسار العولمة، حيث صار لزاما على الدولة مواجهة تحديات آتية من مجالات عدة: الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي….الخ، و ليس فقط مواجهة التهديد العسكري القادم من وراء الحدود([8])، لذلك أصبح البعض يؤكد بأن الأمن قضية مجتمعية سياسية واقتصادية وليس فقط عسكرية. حيث ظهرت عدة تيارات تبحث في كيفية تحقيق الأمن وتلافي الحرب[9].

هذه الفترة الانتقالية في إعادة صياغة مفهوم الأمن أطلق عليها مرحلة الثورة في الدراسات و الشؤون الأمنية. خاصة مع تزايد أهمية ووتيرة ظاهرة الاعتماد المتبادل بين مختلف فواعل النظام الدولي، فظهور مجموعة من المشاكل والقضايا العابرة للحدود جعل الدول عاجزة عن معالجة هذه الأخيرة وفق وسائل وآليات حكومية محلية، أو حتى عبر اتفاقات رسمية أو غير رسمية لاسيما وأن هذه المشاكل العابرة للحدود قد أضعفت من مستوى أداء الدولة لوظائفها، ومن مدى أدائها لحاجات المواطنين مما جعلهم يلجئون إلى فواعل أخرى ليحققوا حاجاتهم([10]).

         لقد جاء التعبير عن ضرورة توسيع مفهوم الأمن في تقرير صادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، حيث أكدت أن مفهوم الأمن يجب أن يتغير من تركيز حصري على الأمن القومي إلى تركيز اكبر على أمن البشر ( الأمن الإنساني)، من أمن عبر الأسلحة إلى أمن غذائي بيئي وتامين مناصب الشغل([11]). لذلك نجد أن “فولك FALK”  يعرف  الأمن بناء على غياب التهديد حيث يقول:(عياب الأمن من وجهة نظر الأفراد. والجماعات)، أي غياب التهديدات التي تمس بأمن الأفراد حيث صار للأفراد الأولوية على أمن الدولة بل إن هناك من يعتبر الدولة أكبر خطر على أمن الأفراد وهذا ما أدى إلى بروز المستوى الفردي.

حسب هذا الطرح لا بد أن يتحول مفهوم الأمن، حيث لا يجب أن ينحصر في الأمن القومي للدولة كمرجعية وحيدة ومطلقة للأمن، وحول الأسلحة كوسيلة حصرية لتحقيق الأمن، وحول الحدود أو الإقليم كالعنصر الوحيد الذي يجب أن يؤمن، وإنما هناك عناصر أخرى تزايدت أهميتها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لذا يجب أن تطرح تصورات جديدة لمفهوم الأمن مع الأخذ بعين الاعتبار متغيرات عديدة أهمها:

  • حلول مفهوم التهديد محل مفهوم الخطر الذي ساد خلال مرحلة الحرب الباردة، ويكمن الفرق بين المفهومين كون الخطر معلوم المصدر وهناك إمكانية التنبؤ بتوقيت وقوعه (وإن كان ذلك بدرجة نسبية)، بينما يكون التهديد مجهول المصدر وتوقيت الوقوع، مما يعقد من إمكانية التصدي له، ومما يزيد من انكشافية أمن الدولة والأفراد في عالم ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
  • تزايد مراكز التأثير في النظام الدولي، وذلك بسبب تزايد الفواعل في العلاقات الدولية حيث لم تعد الدولة فاعلا وحيدا وموحدا في العلاقات الدولية مثلما افترضته المدرسة الواقعية التقليدية، بل صارت هناك فواعل متعددة، سواء أكانت ما دون مستوى الدولة أو ما فوق مستواها، وكنتيجة لذلك تزايدت مصادر التهديد (على المستوى الأكاديمي يعني ذلك تنوع وتعدد مستويات التحليل في الدراسات الأمنية)، وتزايدت معها مسببات التهديد وأنواعه حيث لم يعد التهديد بالضرورة عسكريا، بل صارت مصادره متنوعة: تجارة المخدرات، الجريمة المنظمة العابرة للحدود، الفقر، التلوث البيئي، الإرهاب الدولي، انتشار الأوبئة والأمراض، لذا اقترح “ريتشارد أولمن Richard ULMAN “(1983) توسيع قائمة الفواعل التي لها علاقة مباشرة بقضايا الأمن إلى الفواعل من غير الدولة Non-state actors، فلأغلب هذه الفواعل هامش كبير من المبادرة، لا رد فعل فحسب.

إن هذا التنوع في التهديدات الأمنية جعــل الدراسات الأمنيـــة متعـــددة التخصصات  Multidisciplinaire، وذلك على ضوء غياب منظور أمني شامل ومتخصص، ذلك أن مستجدات النظام الدولي لما بعد انهيار المعسكر الاشتراكي كشفت عن عمق عجز التصورات التقليدية لمفهوم الأمن في تحليل حركيات هذه التهديدات الأمنية الجديدة، وهذا ما سيتم توضيحه في مستويات الدراسة اللاحقة.

لذا يطلق على المحاولات التنظيرية في هذا المجال (الدراسات الأمنيـة Security studies ) ،و ذلك تبعا لاختلاف التصورات الناتج عن:

  • اختلاف التهديدات الأمنية من دولة إلى أخرى، فالتهديدات الأمنية التي تواجه دولة متقدمة ليست نفسها التي تواجه دول العالم الثالث، لذا فان تصورهما لمفهوم الأمن سيكون مختلفا.
  • اختلاف التهديدات الأمنية حسب التحولات التي تمس النظام الدولي، وتحول أشكال العنف، ففي سنوات السبعينات ساد الحديث عن الأمن الطاقويEnergetic security، لكن الفائض الإنتاجي للنفط خلال سنوات التسعينات أنقص من أهمية الحديث عن هذا المفهوم([12]).
  • زيادة وتيرة انتشار التهديدات الأمنية الجديدة بسبب تطور شبكة الاتصالات العالمية، حيث يقول “توماس فريدمان Thomas FRIEDMAN” :(الآن عليك أن تقلق وبصورة متزايدة بشأن التهديدات المقلقة من أولئك الذين أنت متصل بهم، بما في ذلك الاتصال عبر الانترنت والأسواق، ومن أولئك الأقوياء الذين يستطيعون المجيء إلى باب دارك)، فشبكات الاتصال التي أفرزتها العولمة في اغلب المجالات: الاقتصادية، المالية، الاجتماعية، الثقافية… تزيد من ضعف الدولة أمام التهديدات التي تواجهه([13]).

و من خلال ما سبق يتبين لنا أن مفهوم الأمن لم يعد يعني أن الدولة التي حققت أمنها حققت أمن أفرادها عن طريق مجابهة العدو الخارجي والاستعداد العسكري، بل أصبح يشمل جوانب عديدة ويشمل عدة مستويات. فعلى المستوى الوطني مثلا تتحرر الدول من كل خطر يهدد كيانها ومصالحها داخليا، وعلى المستوى الفردي يتحرر الفرد من كافة التهديدات التي تهدده، وبالتالي اتسع مفهوم الأمن ليشمل مستويات و مجالات أخرى تتعدى المعنى الضيق للأمن القومي الذي ساد الدراسات التقليدية حول الأمن[14].

ثانيا:عوامل ظهور التهديدات الامنية في المنطقة المغاربية

قبل الحديث عن انعكاس التهديدات الامنية على المنطقة المغاربية يجب الاشارة الى ان هناك مجموعة من العوامل في منطقة المغرب العربي و  الساحل بعضها خارجي والأخر داخلي ساهمت الى حد كبير في ضهور التهديدات الامنية غير التقليدية .

1-العوامل الخارجية:

 هناك مجموعة من العوامل أثرت في تردي الأوضاع في منطقة الساحل منها على وجه الخصوص مايلي:

  • الأزمة الليبية : -تدفق السلاح الطوارق.

– المجندون الماليون والنيجريون الذين فروا في أكتوبر 2011وكانوا تحت إمرة خميس القذافي.

  • الأزمة الاقتصادية الأوربية
  • التنافس الصيني الغربي على المنطقة، والذي أدى إلى تقسيم السودان.

2-العوامل الداخلية:

مرتبطة بمجموعة من العوامل اهمها:

  • غياب المساواة والتوازن بين المناطق سواء من حيث التنمية أو تمثيل أبناء المنطقة في مختلف مؤسسات الدولة.
  • الانقلاب العسكري وأثره على تأزيم الأحداث: بداية تأزم الأمور كان من إسقاط الرئيس المنتخب بإيعاز من فرنسا مما أدى إلى بداية تأزيم الأمور، وعدم قدرة الجيش على السيطرة على الوضع مما سهل على التنظيمات الإرهابية المختلفة من الانتشار السريع في شمال مالي والاستحواذ عليه وفرض منطقها وسياستها على ارض الواقع[15].

   ان لهذه التهديدات المختلفة  انعكاسات متعددة على الجزائر و دول المغرب العربي :

أ – التأثيرات المباشرة على الجزائر :

هذه التهديدات لها انعكاس مباشر على كل المنطقة و لاسيما على الجزائر و أهم هذه التأثيرات ما يلي

  • التدفق المحتمل اللاجئين فبالإضافة إلى25000 لاجئ الموجدين حاليا في الجزائر ، ينتظر أن يصلى إلى 500000 لاجئ في حالة فتح الحدود أو الرضوخ إلى المطالب الإنسانية ما سيشكل مصدر ضعف على الجزائر.
  • إمكانية اختراق بعض التنظيمات الإرهابية للحدود و ذلك بالنظر إلى طول الشريط الحدود الجزائري مع مالي و الذي يتجاوز 1400 كم .
  • التخطيط لعمليات إرهابية داخل دول الجوار و منها على وجه الخصوص الجزائر ، و بدأت معالمها الأولى من خلال محاولة اختطاف رهائن يعملون في قاعد تقنتورين ثم الهجوم على القاعدة بعد فشل محاولة الاختطاف .
  • تمركز المخابرات الغربية في المنطقة مما من شأنه أن يؤدي إلى تأثيرات سلبية على حدودنا الجنوبية .
  • إمكانية انتشار قواعد عسكرية فرنسية متاخمة لحدودنا الجنوبية ، مع ما يمكن أن يشكله ذلك من ضغط على الجزائر .
  • استمرار استنفار القوة العسكرية في الجزائر على طول الشريط الحدودي الجنوبي و الذي بقارب 6000 كم مما سيرفع من ميزانية وزارة الدفاع مع العلم أن الميزانية ارتفعت الضعف سنة 2011 و تواصل الارتفاع في ميزانية 2012 و 2013 .

ب – التأثيرات على دول المغرب العربي :

يمكن حصر أهم التأثيرات على دول المغرب العربي فيما يلي :

  • استفحال الهجرة غير الشرعية بالنسبة لكل دول المنطقة .
  • إمكانية استفحال التطرف الديني الذي بدا بعضه يرتبط بالتنظيمات ،الأهم من ذلك تنظيم الشريعة .
  • التأثيرات الاقتصادية المختلفة من قلة نمو و مخاطر مرتبطة باستفحال الأزمات
  • صعوبات و عجز على مستويات التنمية الإنسانية و البناء الديمقراطي .
  • استمرار ضعف التعاون البيني بين الدول المغاربية .
  • أزمات كبيرة على حدود الدول المغاربية مما ئؤدي إلى تبادل اتهامات منها وجود إرهابيين تونسيين في الهجوم على تقنتورين ، اتهام الجزائر باغتيال شكري بلعيد في تونس …
  • توسع المجالات الاقتصادية التوسعية للدول الغربية على حساب مصالح الدول المغاربية .
  • تأخر تصحيح الاختلالات المرتبطة باتحاد المغرب العربي بفعل ظاهرة التسلح بين الجزائر و المغرب و كذا لمولجه التهديدات الأمنية المختلفة [16].

ثالثا: الامن المغاربي بين الاستراتيجيتين الاوربية و الامريكية.

    تسعى فرنسا في اطار الاتحاد الاوروبي  إلى التصدي للدور و النفوذ الأمريكي المتنامي في المنطقة و امساك امريكا بالملف الامني و من ثم ،فان “مشروع “استراتيجية من اجل الساحل”  هو في الحقيقة  مشروع منافس للمشاريع الأمريكية التي انطلقت في المنطقة وأصبحت تهدد المصالح الفرنسية والأوروبية .فمنذ نهاية الحرب الباردة ،بادرت أمريكا إلى وضع اسس لتمركزها في افريقيا  و تكثيف تواجدها على المستوى الاقتصادي و الامني خاصة وقد اعطت  هجمات 11 سبتمبر 2011 دافعا قويا لهذا التمركز ،حيث احتل الجانب الامني مركز الاهتمام الامريكي ،وذلك في  اطار  السعي الأمريكي لتامين علاقاتها الطاقوية مع شركائها في الشرق الأوسط عبر  شمال افريقيا و منطقة إفريقيا السوداء كحلفاء في ظهرها .  ومن أهم المشاريع الأمريكية  الامنية التي وجهت إلى الساحل هناك مشروعين هامين وهما : مشروع:  .Pan –sahelو تم تبنيه في نوفمبر 2002 ، ويتضمن تدريب الجيوش الوطنية في مالي ،النيجر ،موريتانيا ،التشاد ،إلى جانب تشجيع التعاون الإقليمي  بمساعدة التكنولوجيا الأمريكية وتبادل المعلومات .وقد خصصت الإدارة الأمريكية لهذا المشروع مبلغ 6، مليون دولار في السنة الأولى و 7.75 مليون دولار في السنة الثانية الى جانب إرسال  ما يقارب من 150 جندي أمريكي  في شكل مهمات لكل من الدول (مالي، التشاد، النيجر، موريتانيا)  و التي تشكل قلب هذه الاستراتيجية .[17]. في سنة2005 استبدل هذا المشروع(Pan-sahel)،ببرنامج الشراكة الصحراوية لمواجهة الارهاب(le Partenariat transsaharienne contre le terrorisme ;TSCTP،و هو برنامج   تشرف عليه كل من   وزارة الخارجية، الوكالة الأمريكية للمساعدات  الدولية USAIA ووزارة الدفاع: والملاحظ على هذا المشروع انه وسع عدد الدول المعنية به . .فالى جانب  الدول الأربعة التي تضمنها مشروع Pan-Sahel وهي: مالي، النيجر، التشاد وموريتانيا، تم أيضا دمج الجزائر، المغرب، تونس، بوركينافاسو، نيجيريا، السنغال وليبيا  و بدوره يتضمن البرنامج  العمل على تحسين قدرات دول المنطقة ضد المنظمات الإرهابية ومنع هذه الأخيرة من توظيف عناصر جديدة في صفوفها إلى جانب منع تحول المنطقة إلى ملجأ للإرهابيين المحليين والدوليين ويعتمد هذا المشروع على جانبين من العمل: الجانب الاول و يعتمد على تحسين فعالية القوات المحلية من خلال تقاسم المعلومات، التكوين وتقوية التوافق و  الجانب الثاني يتعلق بالتعاون العسكري في إفريقيا من خلال التمارين العسكرية بين القوات الأمريكية والإفريقية وبعض دول الحلف الأطلسي (فرنسا، اسبانيا). وتم خلال الفترة 2005-2009، تخصيص مبلغ 490 مليون دولار لهذه الشراكة أغلبها وجهت إلى الدول الأربعة الساحلية (النيجر، التشاد، مالي، موريتانيا). [18]

  • إن هذه المحاولة من أجل بسط الهيمنة  الأمريكية Américafrique تتعارض مع Francafrique و تدفع فرنسا في إطار الاتحاد الأوربي إلى التصدي لكل محاولة تهدد نفوذها في مستعمراتها القديمة ومناطق تواجدها الاستراتيجية. وهو ما تنطوي عليه مبادرة استراتيجية من أجل الساحل
  • ثانيا: محتوى الاستراتيجية الاوروبية  وآليات تنفيذها
  •       بدأت بلورة هذه الاستراتيجية منذ سنة 2008 خلال الرئاسة الفرنسية للاتحاد الأوربي، حيث برز القلق الأوربي من تفاقم الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل وبعد العديد من المشاورات والبعثات الاوروبية التي تمت في كل من مالي، النيجر، موريتانيا والجزائر. وبعد ما تعقدت الأوضاع على اثر الانتشار الواسع لنشاط القاعدة، تقدمت ثمانية دول أوربية وهي (فرنسا، ألمانيا، الدانمارك، اسبانيا، ايطاليا، البرتغال، السويد وهولندا) برسالة إلى المفوضية الأوربية مطالبة إياها بتنفيذ التزاماتها في المنطقة، وهي الجهود التي كللت في ستة 2011 بتبني الإستراتيجية من أجل الساحل.[19]  و قامت هذه الاستراتيجية على الربط بين الامن و التنمية في حل مشاكل المنطقة  ،كما تركزت الاستراتيجية  بالدرجة الاولى على ما سمتهم بدول القلب  و هي  مالي، موريتانيا، النيجر  وتقوم على أربعة محاور أساسية وهي:[20]
  • المحور الأول: تشجيع التنمية، الحكم الراشد، وحل الصراعات. إن الهدف من هذا المجال هو المساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية بما يسمح بتحسين الظروف المعيشية لسكان المنطقة ومنحهم  فرص اقتصادية ومن ثم الحيلولة دون أن تتحول هذه المنطقة لنشاط الجماعات المتطرقة والجريمة المنظمة والعمل على تقوية مؤسسات الدولة، ودعم ميكانيزمات الحوار الوطني لحل مختلف الصراعات.
  • المحور الثاني: تشجيع التعاون الإقليمي: من خلال دمج دول المنطقة في إطار حوار فعال لإدارة فعالة التهديدات والتحديات.
  • المحور الثالث: تقوية القدرات الأمنية الوطنية ودولة القانون. حيث أن عدم  الاستقرار في المنطقة سببه مشكل التنمية وعدم سيطرة الدولة وعدم قدرة القوات المسلحة على ضمان وفرض وجودها الفعال في هذه المناطق، بسبب نقص المعدات والتكوين، وعليه فإن استراتيجية الاتحاد الأوروبي لمنطقة الساحل  تضمن تقوية قدرات المؤسسات الأمنية والأمن ودولة القانون من أجل مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للقارات.
  • المحور الرابع: تحسين المستوى الاقتصادي: ويركز هذا المحور على محاربة عوامل بروز تطور العنف من خلال العمل على محاربة الفقر والتهميش الاجتماعي الذي تعاني منه بعض الفئات الاجتماعية في منطقة الساحل.
  • وقد خصص الاتحاد الأوروبي لتنفيذ هذه الإستراتيجية غلافا ماليا بحوالي 650 مليون أورو منها: حوالي 450 مليون خصصت للدول الثلاثة التي تمثل قلب الإستراتيجية وهي: موريتانيا، مالي والنيجر، أما مبلغ 200 مليون أورو فقد وجه لبقية دول غرب إفريقيا والمغرب العربي، الى إلى جانب مبلغ   150 مليون اورو كمبلغ اضافي  من الصندوق الأوربي  للتنمية   إضافة إلى الإنفاق عبر جهاز  الانفاق على الاستقرار.[21] ويوضح الجدول التالي المساعدات المقدمة من قبل صندوق التنمية الأوربي واستراتيجية الاتحاد الأوربي من أجل الساحل[22].

جدول يبين المبادرات الاوربية في منطقة المغرب العربي و الساحل

صندوق التنمية الأوربي

الصندوق 10

إستراتيجية الاتحاد الأوربي من أجل الساحل
مالي533 مليون أورو50 مليون أورو
موريتانيا156 مليون أورو8.4 مليون أورو
النيجر458 مليون أورو91.6 مليون أورو

المصدر:مركز الدراسات الافريقية جامعة الخرطوم.

  •         وقد انطلقت العديد من المبادرات على المستوى الإقليمي ومنها برنامج محاربة الإرهاب في الساحل والذي يمول على المستوى البعيد من قبل جهاز الاستقرار (6.7 مليون أورو خلال الفترة 2012-2014) ويهدف إلى دعم القدرات المحلية وتحسين التعاون الإقليمي في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ويتضمن تأسيس كلية افتراضية للأمن في الساحل لتكوين قوات القمع و تقاسم المعلومة والخبرة. كما يمول جهاز الاستقرار أيضا وبمبلغ 2.2 مليون أورو برنامج نظام معلومات الشرطة لإفريقيا الغربية.
  • (Le système d’information de la police d’Afrique de l’ouest.)
  • وهو نظام يعتمد على خلق قاعدة تبادل المعلومات بين أجهزة الشرطة بين الدول الخمس(البنين، غانا، مالي، موريتانيا، النيجر) والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا وأنتربول. كما منح أيضا الصندوق الأوربي للتنمية مبلغ 41 مليون أورو ما بين 2012 و 2017 لمشروع  الدفاع  والأمن للمجموعة الاقتصادية لدول إفريقيا الغربية بغرض دعم قدرات المؤسسات، أما برنامج مكافحة تجارة المخدرات والجريمة في هذه المجموعة الاقتصادية فقد تدعم  بغلاف مالي إضافي قدر  7 مليون أورو من قبل الصندوق الأوربي للتنمية.[23] وبالإضافة إلى هذه المبالغ المالية، تم أيضا طرح بعثة  في إطار السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة  سميت  بعثة Mission PSDC SAHEL  في ديسمبر 2011.[24]
  • و في اطار بعثة السياسة الامنية و الدفاعية ،Mission PSDC SAHEL،استفادت النيجر في جويلية 2012 من  مهمة مدنية سميت Eucapsahel، لمكافحة الارهاب و الجريمة المنظمة و هي مهمة تمتد على سنتين بمبلغ مالي قدر ب7،8 مليون اورو.[25]
  • و الى جانب هذه المساعدات و لمواجهة  الازمة  الغذائية ،فان المفوضية الاوروبية خصصت مبلغ 337 مليون اورو كمساعدات انسانية لمنطقة الساحل في سنة 2012.هذا الى جانب مشاريع التنمية الممولة من قبل الصندوق الاوروبي للتنمية بقيمة 2000 مليون اورو موجهة لكل من بوركينافاسو ،مالي، النيجر، موريتانيا و التشاد .كما اقر الاتحاد الاوروبي مبلغ 164,5مليون اورو من الصندوق الاضافي توزع على ست دول  افريقية و هي :موريتانيا بمبلغ13 مليون اورو ،بوركينافاسو بمبلغ 17 مليون اورو ،مالي ب15 مليون اورو ،النيجر ب42,5 مليون اورو ،التشاد ب 35 مليون اورو و السنغال ب5 مليون اورو. [26]
  • ان الملاحظ على هذه الاستراتيجية –و ان كانت حديثة و الحكم على فعاليتها صعب، و  على الرغم من عملية  ربطها المسالة الامنية بقضية التنمية الا انها تركز الجهد الاكبر على الجانب الامني الذي يبرز في كثافة البرامج الخاصة  لتقوية القوات العسكرية مقارنة بالجوانب الاخرى من التنمية و التي بقيت محصورة في سياسة المساعدات  فقط دون تطويرها الى رفع الاستثمار المباشرة  و هي بذلك لا تحمل جديدا للاستقرار في المنطقة .لان سياسة المساعدات ليست بالأمر الجديد في السياسة الاوروبية تجاه الساحل و اتجاه افريقيا ككل
  • ففي اطار المحافظة على علاقات المركز بالمحيط  و المحافظة على العلاقات الاقتصادية الاستعمارية  امضت الدول الافريقية  اتفاقيات ياوندي سنة (1964-1965،و 1971-195)،ثم اتفاقية  لومي سنة 1975،مع الاتحاد الاوروبي و حوالي 46 دولة في إفريقيا ومنطقتي البحر الكاريبي والمحيط الهادي . وتمنح اتفاقية لومي صادرات الدول الإفريقية إلى الاتحاد الأوروبي إعفاءً من الرسوم الجمركية وقيود الحماية، كما تضمن للدول الإفريقية تثبيت حصيلة صادراتها إلى أوروبا من المنتجات الأساسية. وفي فبراير 2000، موعد انتهاء اتفاقية لومي  وبعد مفاوضات صعبة تمكّن الاتحاد الأوروبي والدول الإفريقية من التوصّل إلى اتفاقية جديدة للتجارة والمعونات بينهما،(اتفاق كوتونو)، مدتها 20 عامًا، وتعتبر هذه الاتفاقية الجديدة بمثابة اتفاق شراكة بين الاتحاد الأوربي والدول الإفريقية.  وتهدف الاتفاقية الجديدة إلى ما يلي:
  • – إحداث تغيير جذري في تنظيم العلاقة بين أوروبا وإفريقيا؛ حيث تمّ إلغاء النظام الذي يمنح تفضيلات لإفريقيا من جانب واحد، كما كان في اتفاقية لومي القديمة، وذلك ليحلّ محله اتفاق إقليمي للتجارة الحرة بين الجانبين بعد فترة انتقالية مدتها 8 سنوات.
  •    – القضاء على الفقر في إفريقيا ومساعدتها على الاندماج في الاقتصاد العالمي من خلال التحرير التدريجي لتجارتها مع أوروبا مع مراعاة الظروف الاقتصادية في هذه الدول .وتقديم منح مالية لإفريقيا ودول بحر الكاريبي والمحيط الهادي قدرها 13.5 مليار خلال الفترة من 2000 إلى 2007 إلى جانب 9 مليار منح سابقة لم تستفد منها هذه الدول[27].. و كان من المفترض ان هذه الشراكة تؤدي الى انتعاش الاقتصاد الافريقي و التنمية الاجتماعية ،الا ان العكس هو الذي حدث و دخلت اغلب الدول الافريقية في ازمات الغذاء و المديونية ،التي كان وراء نمو العنف و الارهاب و الجريمة المنظمة. و هو ما يدفعنا الى التساؤل عن الفرق بين الاستراتيجية من اجل الساحل و الشراكة الاقتصادية في اتفاق كوتونو
  • ان الاسراع الفرنسي بالتدخل العسكري في مالي يعبر عن ضرب لهذه الاستراتيجية  و  يوضح  الاعتماد الاوروبي على  المقاربة العسكرية –الامنية البحتة   في ادارة الازمات في منطقة الساحل و  المحافظة على  مصالحها الاستراتيجية  في المنطقة و من ثم مد و توسيع  التواجد  العسكري الفرنسي  المركز في افريقيا الغربية الى منطقة الساحل و شمال افريقيا.

رابعا: المقاربة الامنية المغاربية لمواجهة التهديدات الامنية الجديدة

عرف إقليم المغرب العربي متغيّرات جديدة، تتطلب تشخيصا معمّقا للتحديات، إذ يواجه مجموعة من التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية تدعو إلى تجنّب المآزق والأزمات المعطِّلة لمشاريعه في الإصلاح والتنمية.

وفي محاولتنا معرفة أهم التحديات التي تواجه الدول المغاربية وجدنا أنها تتركز على الخصوص في: البطالة، والفقر، والهجرة، وضعف الأداء الاقتصادي، ومحدودية التنمية الإنسانية المستدامة، و كذلك إشكالية الصحراء الغربية([28]).

    أمام هذه التحديات المتجددة و المعقدة، كان من المنتظر أن تلجأ الدول المغاربية إلى تفعيل دور الاتحاد المغاربي و مؤسساته لوضع حد أو تجاوز هذه المخاطر التي تهـــدد أمن و استقرار المنطقة، كان تأسيس الاتحاد المغاربي في العام 1989 لحظة مهمة على طريق استيعاب التحوّلات التي عرفتها العلاقات الدولية، وكان في إمكانه أن يعيد ترتيب أولويات المنطقة، الموزعة بين الأمن بكل مستوياته والتنمية و الديمقراطية.

وهكذا، يبدو جليا اليوم أنه بات من المستحيل للدول المغاربية التعاطي المجدي مع أهم التحديات بالاعتماد فقط على السياسات الوطنية، في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، مما يفرض عليها تكثيف الجهود من أجل إحداث نقلة نوعية في العمل التكاملي والاندماجي المغاربي([29]).

فرغم هذه المؤسسات و الأجهزة و الأهداف المسطرة و القمم المنعقدة فان دول المغرب العربي لم تصل إلى تحقيق ما كانت تصبوا إليه، فهي لم تستطيع حتى وضع خطوط أولية عملية لبعث الحيوية في مؤسسات الاتحاد التي عرفت الجمود على مستوى وظائفها،

فعلى مستوى مكافحة الإرهاب مثلا، لم تتمكن الدول المغربي من وضع خطط مشتركة للحد من مخاطر هذه الظاهرة، بالرغم من تعرضها مشتركة لأعمال تخريبية من طف  تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، ففي حين عرفت الجماعات الإسلامية تكاملا و انسجاما في أهدافها في المغرب العربي، بقيت الدول المعرضة لخطر الإرهاب عاجزة على لتعاون و التنسيق الأمني فيما بينها، و لجأت للبحث عن البدائل، الممثلة في الاتحاد الأوربي و الولايات المتحدة الأمريكية.

حتى على المستوى الاقتصادي، الـذي حظي باهتمام كبير على مستــوى القمم المنعقدة، و اعتبر أساسا لتفعيل التكامل، المشهد الإجمالي لواقع اقتصاديات هذه الدول في المنطقة بعيد تمام البعد عن كونه مُرضياً، حيث يعتمد اقتصاد الجزائر وليبيا على صادرات النفط والغاز، كما يعتمد اقتصاد المغرب – إلى حد كبير – على الإنتاج الزراعي والتحويلات النقدية من المغتربين، بينما تعتمد تونس على الطلب من قِبَل المستهلك الأوروبي وعلى السياحة. و لا شك أنّ عدم تجانس التشريعات الاقتصادية يحد من الأهمية الإستراتيجية للمنطقة، ويفقدها في المتوسط 2.5 % من الناتج الإجمالي بسبب إغلاق الحدود الجزائرية – المغربية وضعف التجارة البينية([30]).

فالعلاقات البينية بقيت ضعيفة في مجال التبادل التجاري والاقتصادي. بحيث لم تتجاوز 1.5% مثلما كانت عليه العام 1985 من مجموع صادرات كل من تونس والجزائر والمغرب، وعلى 1.2% من حجم الواردات، ولم تبلغ أكثر من 5% من مجموع المبادلات التجارية البينية على الرغم من الاتفاقيات القطاعية المبرمة بين أقطار الاتحاد([31]). وعليه، فإن حجم المبادلات البينية ـ رغم التحسن النسبي ـ يبقى ضعيفاً جداً ودون الطموحات التي أفرزتها القمم المغاربية، ودون المستوى بكثير إذا ما قورنت بحجم المبادلات التجارية مع الاتحاد الأوربي حيث تتجاوز 50%. ويمكن القول، إن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين أقطار اتحاد المغرب العربي لم ترق إلى أدنى التنظيمات في سبيل التكامل والوحدة الاقتصادية ولم تصل حتى إلى مستوى منطقة التفضيل الجمركي([32]).

         يتضح مما سبق أن دول المغرب العربي مازالت تعاني العديد من المشاكل على كافة المستويات، و بالرغم من توفر جاز مؤسساتي كقاعدة للعمل المشترك، يبقى الاتحاد المغاربي عاجز على تنفيذ ما تم التخطيط له في أهداف هذا التكامل في التقريب و تحقيق الانسجام بين مصالح هذه الدول، وهذا يعني أن دول المغرب العربي في اعتمادها على الاتحاد كإستراتيجية لحل مختلف المشاكل لم يحقق من وراءه شيء، و بقيت مؤسساته مفرغة هيكل دون روح فقط كما سماها مونتسكيو شركة التجمعات للتعارف فقط، و من أهم العوائق التي حالت دون نجاح مسار هذه التجربة التكاملية، لتصبح آلية ناجحة في مواجهة التحديات الأمنية في المنطــقة، ما يلي:

  • إن أهم عوائق التقارب الحقيقي والتعاون الفعلي على طريق التكامل والاتحاد المغاربي، تتمثل بمشكلات السيادة الوطنية على بعض المناطق، وقد كانت هذه المشكلات من آثار المرحلة الاستعمارية التي هيمنت على أقطار المغرب العربي إبان الاستعمار الفرنسي والإيطالي والإسباني. وجاء (ملف الصحراء الغربية) منذ عام 1975، والموقف من جبهة البوليساريو ليدخل أقطار المغرب في دائرة الصراعات المعلنة والخفية قرابة ربع قرن. وإذا كانت مشكلات السيادة الوطنية قد خف تأثيرها بشكل أو بآخر وحتى (ملف الصحراء) بعد أن دخل أروقة الأمم المتحدة لإجراء الاستفتاء ومازال الأمر لم يحسم بعد فإن قضية السيادة الوطنية، وما انضاف إليها من ظهور الحركات الأصولية في الجزائر منذ عام 1992، واتهام الجزائر للمغرب بدعم بعض فصائلها، قد حال دون التقارب منذ نهاية العام 1994، وتوترت العلاقة بين اكبر القوى في اتحاد المغرب العربي وهي الجزائر والمغرب. وجاء الحصار على ليييا منذ عام 1992، وما تمخض عنه من موقف ليبي محتج على المواقف المغاربية التي أيدت الحصار وخرجت عن معاهدة اتحاد المغرب العربي (المواد 3 و 15)، ليدق أسفين التباعد بين الأقطار المغاربية ويصيب اتحاد المغرب العربي بالشلل التام منذ مطلع العام 1995 وحتى الآن. وعليه، فقد تحكم الواقع السياسي بالواقع الاقتصادي المغاربي وترك تأثيراته العميقة في المبادلات الاقتصادية البينية([33]).
  • ضف إلى ذلك الانفصال بين تفكير الدولة و حاجيات المجتمع و هي سمة تتوفر في كل الدول المغاربية جعلت الاتحاد بينهم فقط لمصالح النخبة زيادة على ذلك غياب إرادة سياسة للعمل الجدي داخل الاتحاد([34]).
  • وجود مشكلات اقتصادية على صعيد الهيكلية والتنظيم و الإنتاج، وهناك تخلف في الهياكل التسويقية والإنتاجية وعدم كفاءتها، فضلا عن ضعف مرافق النقل والاتصالات وارتفاع تكاليفها، إلى جانب النقص في المعلومات التجارية، واختلاف النظم التجارية والسياسات المالية والنقدية، وعدم تنسيق التعريفات الجمركية وتوحيدها، وعدم قابلية عملات أقطار المغرب العربي على التبادل فيما بينها إلا عبر عملة أجنبية ، وفضلاً عن ذلك، هيمنة القوى الاجتماعية/ الاقتصادية ذات الميول والاتجاهات القطرية والتي تدفع ـ انطلاقاً من مصالحها وأنانيتها الضيقة ـ بالاتجاه المضاد للعمل الاتحادي. وكل ذلك يشكل عوائق فاعلة داخلية أمام تيسير وتنمية التبادل التجاري والتقارب البيني على طريق التكامل الحقيقي وصولاً إلى الاتحاد وتثبيت ركائزه([35]).

خامسا: الحلول المقترحة لتفعيل دور الاتحاد المغاربي و العمل المشترك في مواجهة التهديدات الأمنية.

إن الوصول إلى حل لجميع العوائق المطروحة ليس بالأمر الهين، لكن الوصول إلى أي حل بما يضمن المصالح المغاربية العليا، يقرب الحل للعوائق الأخرى، ذلك أن المغرب العربي بخاصة، والوطن العربي بعامة، يمتلك الكثير والكثير من المقومات والعناصر الموحدة التي تفتقدها التجمعات الإقليمية المعاصرة، فهناك تجانس جغرافي ومرجعية تاريخية وحضارية وقومية واحدة، فضلاً عن تماثل اقتصادياتها وثرواتها المعدنية، إلى جانب تماثل أزماتها الداخلية والخارجية، كل تلك عناصر لمقومات موضوعية لوحدة المغرب العربي، وعليه فإن بناء المغرب العربي الاتحادي أو الموحد يبدأ بخطوة حقيقية وجادة تعبر عن الإرادة الحرة والإيمان العميق بتحقيق تطلعات الشعب وضمان مصالحه الحاضرة والمستقبلية ضمن إطاره القومي والحضاري.

يمكن تأشير أبرز العوامل الممهدة للتقارب وإرساء أسس ثابتة للعمل الاتحادي وهي:

  • أولاً:العمل على إرساء أسس تعليمية ـ ثقافية لبناء الشخصية المغاربية/العربية، أي غرس الثقافة الموحدة لإنتاج الشخصية الموحدة لكي تتقبل وتصون الخطوات المطروحة في العمل الاتحادي أو الوحدوي([36]).
  • ثانياً: التركيز على تحقيق التكامل الاقتصادي، لأن العلاقات الاقتصادية و تشابك المصالح المادية بين الدول و كذلك الشعوب سيؤدي إلى تراجع دور القضايا السياسية التي عادة ما تكون مصحوبة بحساسية كبيرة، والحقيقة أن الأساس الاقتصادي في أي تجربة تكاملية سيلعب دورا كبيرا و أساسيا في نجاح مسار التكامل مثل التجربة الأوربية التي أسفرت عن تبلور الاتحاد الأوربي، فقد حرصت التجربة الأوروبية على أن تؤسس نموذجا أوروبيا يقوم على نسج شبكة مصالح مشتركة بين الشعوب الأوروبية، دون أن يعني ذلك اختفاء صراعات المصالح بين هذه الدول أو بين شرائح مختلفة من شعوب كل دولة. لذلك يجب أن يحتذى بمثل هذه التجارب الناجحة، فتجربة الوحدة الأوروبية قد دلت على أن الوصول إلى الأهداف الكبرى لن يتم إلا بإنجاز الأهداف الصغرى، وأن شبكة التفاعلات الأفقية بين الشعوب والتي تحقق لهم جانبا من مصالحهم الاقتصادية وطموحاتهم المادية، وتسمح باستقلالية العمل الأهلي وفاعليته، وتتيح له حرية الرأي والتعبير المستقل، عكس التجارب العربية و منها التجربة المغاربية التي تتميز بغياب شبكة مصالح اقتصادية حقيقية بين شعوب المنطقة العربية، نتيجة البدء بشعارات عامة كالسوق الاقتصادية المشتركة، والتي تعتبر في الحقيقة هدفا بعيد المدى، يجب أن يسبقه تفاعلات أفقية بين مؤسسات صغيرة ذات أهداف محدودة، كبناء تجمع لخطوط الكهرباء ، أو للغاز أو حتى للهاتف المحمول، ثم تصبح هذه التجمعات نواة لشبكة أكبر من المصالح الاقتصادية تكون في النهاية بدورها نواة للسوق الاقتصادية المشتركة([37]).
  • ثالثا: إنّ المطلوب من الدول المغاربية لمواجهة التحديات التنموية أن تعيد صياغة توجهات ومسار التنمية المغاربية، بما يساعدها على الاستفادة المتبادلة من الإمكانيات والموارد المتوافرة لديها ككتلة إقليمية قادرة على الاستمرار والتواصل، وتطوير التعليم التكنولوجي وتضييق الهوة ما بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل وفقا للتطور العلمي والتكنولوجي، وهذا يتطلب توفير بيئة سياسية وأمنية مناسبة مستقرة، تحمي الطبقات الفقيرة وتحفظ حقوق الإنسان الأساسية وتلتزم بقيم العدل والمساواة وتحفظ استقلال الوطن وأمنه وتؤمن مستقبله ومستقبل أجياله. كما يتطلب تنسيق التشريعات المالية والاقتصادية وفتح الحدود أمام التجارة البينية، وإنشاء سوق استهلاكية مشتركة تزيد جاذبية المنطقة في مجال استقطاب الاستثمارات الأجنبية, تؤدي على المدى المتوسط إلى تعزيز تكامل اقتصادي حقيقي بين دول المنطقة،تقلص تبعيتها الخارجية وتوفر لديها سيولة أكبر للإنفاق على التنمية. خاصة أنّ المنطقة تملك شروط التكامل بين الطاقة والزراعة والمعادن والسياحة والصناعة والخدمات, ما يجعلها مستفيدة من الوضع الدولي بسبب موقعها الجغرافي وانفتاحها الثقافي في الفضاء الأورو – متوسطي([38]).
  • رابعا: مما لاشك فيه أنّ تحقيق هذه المرونة، على الصعيد الاقتصادي، مستحيلة دون إطار سياسي ديمقراطي تعددي، يساعد على إطلاق مبادرات الشعوب المغاربية لإعادة بناء المغرب العربي على أسس عصرية. و تبقى المسألة ذات التأثير البالغ في هذا الإطار على مستقبل التنمية المغاربية تتمثل في عدم الفصل التعسفي بين السياسة والاقتصاد، فالكثير من أسباب فشل التنمية يعود إلى الوهم بإمكان تعجيل التنمية الاقتصادية في غياب تحرك واضح في اتجاه التحديث السياسي. لذلك على للدول المغاربية، إذا رغبت وصممت، أن تغيّر الوضع القائم وتقود المسيرة نحو تحقيق الأهداف المرجوة بتبنّي إدارة حكم جيدة، وسياسات إصلاح عادلة لصالح الفقراء والطبقات الوسطى، وإدارة موارد نشطة وفاعلة، وتحديد أولويات واضحة ودقيقة للتنمية، وتبنّي برامج الإصلاح الاقتصادي القادرة على خلق فرص عمل تمتص الداخلين إلى سوق العمل، وتستقطب نسبا متزايدة من صفوف العاطلين عن العمل، ومعالجة الفجوات بين المدن والأرياف لذلك فالانطلاق الحقيقي في هذه المواجهة العصيبة، يبدأ بإقامة نظام تعددي ديمقراطي سليم، يؤسس دولة القانون، ويضعها تحت الرقابة والمحاسبة والمساءلة، ويقر استقلال القضاء وتداول السلطة واحترام الآراء المتعددة والمختلفة، ويطلق حرية الصحافة والرأي والتعبير. إنّ هذا النظام الديمقراطي وحده قادر على طرح رؤية سياسية اقتصادية اجتماعية وطنية، تعتمد التنمية الشاملة بمشاركة القطاع الخاص، وإعادة تأهيل القوة البشرية الهائلة، مع تحديث المنظومة الثلاثية المعروفة، وهي التعليم والثقافة والإعلام([39]).
  • خامسا:العمل على حل جميع المشكلات البينية القائمة، واعتماد المرونة وعدم التشدد في الوصول إلى اتفاق بنظرة قائمة على أساس الوحدة آتية، أما المشكلات الحدودية فيمكن حلها وفق منطق الفهم المتبادل والثقة المشتركة والمصالح العليا بالعمل الموحد لهذه الأقطار([40]).
  • سادسا: ومن أجل تحقيق الضمانة والاستمرارية والتطور في العمل الاتحادي، ضرورة أن تأخذ القوى الشعبية مكانتها ودورها بفاعلية لبناء المغرب العربي، باعتبارها واجهات للرأي العام الضامن لأي خطوة تعبر عن أمانيه وتطلعاته ومصالحه([41]).وهنا يتعين أن تتركز الجهود على إقامة أنظمة حكم ديموقراطية معبّرة عن الإرادة الحرة للشعوب المغاربية، تحرص على سلطة القانون وتوفير الحريات للمواطنين، وتحترم حقوق الإنسان، ومؤسسات المجتمع المدني، وتتفاعل معه كشريك حقيقي في إدارة شؤون البلاد وتنفيذ برامج التنمية([42]).

وفي سياق كل هذا فإنّ الاعتماد على الذات مغاربيا يحتاج إلى حرية انتقال عوامل الإنتاج المغاربية من رؤوس أموال وقوى عاملة ومنتجات، كما يحتاج إلى ترشيد العلاقات الاقتصادية مع العالم الخارجي ووضعها على أسس متكافئة، بحيث يمكن تحقيق مزايا جماعية لأقطار المغرب العربي من خلال:

1- نقل وتوطين التقنية والمعرفة العلمية بالشروط الملائمة.

2- تنمية القدرات الذاتية وتوسيع إمكانات التصنيع المحلية.

3- تنمية الصادرات المغاربية المتنوعة وتقليص الاستيراد من البلدان الأجنبية إلى حده الأدنى، وزيادة حجم التجارة المغاربية البينية والتبادل التجاري مع الدول النامية.

لقد اصبحت التنمية المستدامة في المجتمعات المغاربية اليوم بمثابة برنامج طويل الأمد لبقاء أجيال من الشباب المغاربي على أراضيه وعدم الهجرة عنها، وبناء مجتمعات عصرية قادرة على مواجهة تحديات العولمة. وهكذا، فإنّ التنسيق والتكامل المغاربيين يمكن أن يخلقا إمكانية تنمية حقيقية تلبي الحاجات الأساسية للشعوب المغاربية، وتضمن استقلال الإرادة المغاربية. إذ أنهما ينطويان: أولا، على إمكانية تطبيق مبدأ الميزة النسبية بالنسبة إلى إنتاج كل من الأقطار المغاربية، وما يترتب على ذلك من زيادة في الكفاءة الإنتاجية، وذلك بأن يتخصص كل قطر في إنتاج السلع التي يتمتع فيها بالكفاءة الإنتاجية. و ثانيا، زيادة فرص التوظيف الكامل، فبعض البلدان المغاربية تعاني من انتشار البطالة، بينما يعاني بعضها الآخر من نقص الأيدي العاملة. و ثالثا، تقليل المخاطر الناجمة عن التنافس في التجارة الخارجية بين الأقطار المغاربية ذات الإنتاجية المتشابهة، وما يستتبع ذلك من زيادة في قدرة هذه البلدان على المساومة للحصول على أسعار أفضل وشروط أفضل في تسويق حاصلاتها. ورابعا، تمكين المغرب العربي من اللحاق بركب الدول المتقدمة، عن طريق التخطيط المشترك لتسريع النمو الاقتصادي ورفع المستوى المعيشي للمواطنين المغاربيين. وأخيرا، ضمان قدرة المغرب العربي على الاستجابة لتحديات العصر، وتحقيق ما يمكن من الاستقلال الاقتصادي، وتقليص مظاهر التبعية الاقتصادية للخارج([43]).

الخاتمة:

   ختاما يمكن القول ان تسطير استراتيجيات مناسبة لمواجهة مختلف التهديدات الأمنية الجديدة لدول المغرب العربي في مرهون بمدى جدية الإرادة السياسية، و إلتزامها بسياسات جديدة ، وانه في غياب مصادر التقارب المغاربي و التنسيق للعمل المشترك على كافة الأصعدة، و استمرارا التباعد، تبقى هذه الدول أكثر عرضة للمخاطر التي تهددها، او الاتجاه القسري  نحو البحث عن طرف آخر أو شريك  لمواجهة هذه المخاطر.و نقصد هنا التوجه للطرف الأوروبي بحكم العلاقات التاريخية المميزة مع دول المغرب العربي،و كذلك عامل القرب الجغرافي،او نحو الو.م.أ بحكم الامكانات التي تحوزها في جانب مكافحة هذه التهديدات و ذلك من اجل وضع استراتيجيات ضد هذه المخاطر المشتركة بعد غياب إستراتيجية فعالة ما بين دول المغرب العربي لمواجهة التحديات الامنية التي تواجه المنطقة ،  هذا الوضع حتما ستكون نتائجه السلبية اكثر بكثير من النتائج الايجابية اعتبارا بان كل من الاتحاد الاوربي و الولايات المتحدة الامريكية كانا و لازالا دوما يغلبان مصالحهما الامنية في عقدهما الاتفاقيات مع دول المنطقة.

 

[1] Bernard ADAM ;mali de l’intevention militaire fransaise a la reconstruction de l’etat ;/raport 2013 consulté depuit www.grip.org

[2] لعور راضية : اثر البعد الأمني على العلاقات الاورو مغاربية من خلال سياسة الجوار الأوروبي. مذكرة ماجستير بقسم العلوم السياسية ، جامعة بسكرة – 2011.ص68.

[3] فريجة لدمية : إستراتيجية الاتحاد الأوروبي لمواجهة التهديدات الأمنية الجديدة – الهجرة غير الشرعية أنموذجا-  مذكرة ماجستير بقسم العلوم السياسية ، جامعة بسكرة – 2011 .ص 98.

[5] Hélène BRANINE.la question touaregue ; edition palmier.p.55

[6] idem

[7] عبد القادر رزيق ، قيادة أفريكوم الأمريكية ، حرب باردة أم سباق للتسلح ( الجزائر ، ديوان المطبوعات الجامعية ، 2011 )ص55.

[8]) Annette JUNEMANN, Euro-Mediterranean relations after 11September. Frank Cass, London, 2004. from: www.gigapedia.org

[9] idem

[10]) James N. ROSENAU , The United Nations in a Turbulent World, London: Lynne Rienner publishers, 1992. p 28.

[11]) Peter HOUGH, Op.Cit. p 13.

[12] ) Jean jaque ROCHE et Charles Philippe DAVID, Theories de la Sécurité. Montchrestien, Paris , 2002. p p 13- 14.

[13] ) جوزيف ناي وجون د دوناهيو، الحكم في عالم يتجه نحو العولمة، ترجمة: محمد الشريف الطرح، العبيكان، القاهرة ، 2002. ص 126.

[14] نفس المرجع.

[15]

[16]

[17] André Bourgeot .  «Sahara de tous les enjeux», Hérodote  n° 142, 2011, P 46-47.

[18] Antonin Tisseron.  Quels enseignements de l’approche américaine au sahel. ? P 12.In :

http://www.gabrielperi.fr

[19]. William Assanvo  «réflexion sur la stratégie européenne   pour la sécurité et le développement dans le sahel . . In : : www.ouido-afrido,org)( Notes D’Analyse, , N° 05 octobre 2011. P 2-4).

[20] idem

[21]  عادل حجازي .الاستراتيجية الأوربية للأمن والتنمية في منطقة الساحل،مركز الابحاث الاستراتيجية .2014 ص145.

[22] مريم ابراهيمي :التعاون الأمني الأمريكي الجزائري في الخرب على الارهاب و تأثيره على المنطقة المغاربية .مذكرة ماجستير بقسم العلوم السياسية ، جامعة بسكرة – 2012 .ص 121.

[23].نفس المرجع،نفس الصفحة.

[24] Bérangère Rouppert . Op.cit. P 11.

[25] L’Union Européenne et le Sahel. Fiche d’information .Bruxelles. Le 16 janvier 2013 .In

  :  http://www .concilium.europa.eu .   P  2.

[26]-Ibid.P4

[27]  مغاوري شلبي .اتفاقية لومي تدشّن مشاركة اقتصادية بين إفريقيا وأوروبا.

In : http://www.onislam.net

[28])نفس المرجع.

[29]) مغاوري شلبي،مرجع سبق ذكره.ص 88.

[30]) عادل حجازي، مرجع سبق ذكره.ص93.

[31]) أمحمد مالكي، “ديناميكية الاندماج الجهوي والتعاون الغذائي في إطار اتحاد المغرب العربي 1989 ـ 1996″، في:مجلة شؤون عربية، القاهرة، العدد 191، 1997، ص 191.

[32]) عبد العزيز شرابي، “فرص تجسيد اتحاد المغرب العربي في ظل التحولات العالمية الراهنة“، في:مجلة العلوم الإنسانية، مديرية النشر و التنشيط العلمي، جامعة منتوري، قسنطينة ،العدد 10، 1998، ص35.

[33]) مصطفى الفيلالي، المغرب العربي الكبير، نداء المستقبل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1989، ص 89.

[34]) أحمد ناجي، مرجع سبق ذكره، ص 100.

[35]) محمد علي داهش، مرجع سبق ذكره، ص 206.

[36]) محمد علي داهش، مرجع سبق ذكره، ص 207.

[37]) عمرو الشوبكي، “أوروبا من السوق إلى الاتحاد: صناعة وحدة“، نقلا عن : http://www.ahram.org.eg/acpss/ahram/2001/1/1/SB2K25.HTM

[38]) عبد الله تركماني،”جدل التنمية والديمقراطية في المغرب العربي” ، خاص لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، نقلا عن: http://www.dctcrs.org/s5150.htm

[39]) المرجع نفسه.

[40]) النان ولد المامي ، مرجع سبق ذكره، ص ص 231-233.

[41]) محمد علي داهش، مرجع سبق ذكره، ص 208.

[42]) عبد الله تركماني،”جدل التنمية والديمقراطية في المغرب العربي” ، مرجع سبق ذكره.

[43]) نفس المرجع.

مراد حجاج

استاذ مساعد بقسم العلوم السياسية – جامعة بومرداس

 

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock