تعالت اصوات كثيرة قبيل وبعيد جائحة كورونا ودعوات تشعل ناقوس الخطر , وتدق طبول الحرب بين الولايات المتحدة الامريكية والصين وبانها اصبحت على الابواب , وان الصراع اصبح صراعا صفريا لا رجعة عنه , وان سيتحول الى واقعا  هذا الصراع الى فعل على الارض .

 ولكن بالنظر الى موازين القوة بين الطرفين , ومن ستكون القوة مرجحة لاي طرف ؟ وهل من مصلحة الطرفين ان تقوم هناك حرب بينهما ؟

   دعونا ندرس احتمالات كل تلك السيناريوهات ونرى ونتتبع بعض ما تملك كل دولة من نقاط قوة او نقاط ضعف :

  – تملك الولايات المتحدة اكثر من ١٥٠ دولة حليفة او شبه حليفة , فهي تملك حلفاء في جميع دول قارة امريكا الشمالية ككندا والمكسيك ومعظم دول امريكا الجنوبية كالبرازيل والارجنيتين وتشيلي وكولومبيا .ومعظم القارة الاوروبية وجميع دول الاتحاد الاوروبي , والتي منها دول على وزن بريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا واسبانيا وحلفاء بالقارة الآسيوية ومنهم اليابان والهند وكوريا الجنوبية واندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وايضا جميع الدول الخليجية المصدرة للنفط ,وبعض من الدول الافريقية المعتبرة كمصر وجنوب افريقيا والمغرب وفي قارة  وفي قارة اقيانوسيا كاستراليا ونيوزيلاندا .

   وبالمقابل فان الصين لا تملك الكثير من الحلفاء , وحلفائها كروسيا مثلا : هو حليف وقتي وبينهم مصلحة مشتركة تنتهي في اول الطريق , وهو ايضا عدو مفترض بالمستقبل . وهناك ايران ,  فهي دولة محاصرة اقتصاديا وضعيفة الموارد بالنسبة لحجم سكانها , ومكمن قوتها فقط بميلشياتها التي تحارب عنها خارج البلاد وبصواريخها المتوسطة المدى , اما كوريا الشمالية فانها محاصرة , حتى وصلت الى ان تفاوض الولايات المتحدة من اجل الحصول على شحنات من الغذاء , وفنزويلا ايضا على حافة الافلاس , وكوبا محاصرة منذ عشرات السنوات , اضف الى ذلك ايضا بعض الدول الاسيوية والافريقية الفقيرة والضعيفة والغير مؤثرة .

– إن الولايات المتحدة تدير حالياً حوالي 800 قاعدة عسكرية ومنشآت لوجستية خارج أراضيها، من سنغافورة إلى جيبوتي ومن البحرين إلى البرازيل , بينما ينتشر نحو 200 ألف جندي أمريكي في تلك القواعد والمنشأت .

 بالاضافة الى ان الولايات المتحدة تسيطرعلى معظم المضائق الهامة بالعالم , والتي تتحكم بحركة السفن التجارية والسياحية والحربية بالعالم وحركة التنقل والتجارة العالمية . ومن خلال سيطرة حلفائها وهم من يتحكمون بهذه المضائق .واهمها ( مضيق باب المندب – مضيق البوسفور – مضيق الدردنيل – مضيق جبل طارق – مضيق قناة السويس- قناة بنما )  , باستثناء مضيق هرمز والذي تتشارك حدوده عمان وايران .

   اما الصين فهي محاصرة تماما , بدول تجاورها وتشاطئها , معظمها تدور بالفلك الامريكي , وحتى بضائعها وسفنها لا تستطيع المرور بها الا من خلال المرور بمضائق بعض هذه الدول .

  وهذه الدول جميعها ستقف حتما مع الولايات المتحدة  في حال حدوث اي نزاع مسلح لها مع الصين , وستكون عونا لها وبقوة ,ولن تقف متفرجة تماما في هذا النزاع .

  فاذن الصراع المسلح او الحرب لن تكون نزهة للصين ؛ لانها لن تواجه الولايات المتحدة وحدها , بل سنرى بانها ستواجه معظم دول العالم الحليفة مع الولايات المتحدة كما رأينا في الغزو الأميركي وحلفائها للعراق عام 2003 .

  وكذلك الحال بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها , فالصين دولة عظمى وتمتلك احدث الاسلحة واقواها , وهي اكبر جيش في العالم وارضها ذات مساحة ضخمة توازي مساحة الولايات المتحدة .

على الجانب الآخر كان الصينيون اقل وضوحاً غندما يكشفون عن عقيدتهم القتالية الغير معلنة . في تصريح نادرفيما ذكر في كتاب نشر في عام 1999 تحت عنوان “الحرب غير المقيدة”، حيث كتب “كاي ليانج” و”وانج شيانج” العقيدان في جيش التحرير الشعبي الصيني العبارة التالية:

 “إذا كان من الممكن أن يتم شن حرب من غرفة كمبيوتر أو من البورصة فانه باستطاعتها جعل دول معادية في الحضيض، فهل يوجد أي مكان بالعالم لا يمكن اعتباره ساحة محتملة للقتال؟… إذا سأل شاب صغير اليوم أين هي ساحة المعركة فإن الجواب سيكون : في كل مكان”.

وايضا هناك عامل مهم جدا واساسي يمنع النزاع المسلح بينهما وهو امتلاك كلا الطرفين للقدرة النووية الهائلة والتي ستحول دون اللجوء للحرب . يختلف الحال عما حصل بالحرب العالمية الثانية .

في الواقع هناك من الأسباب ما يدعو البلدين إلى التعاون وتنسيق علاقاتهما.فالصادرات الصينية إلى واشنطن تدعم الاقتصاد الأميركي ولا تستنزفه كالصادرات اليابانية، وهي منتجات تتطلب أيدي عاملة كثيفة (صناعة الحواسيب الأميركية تستفيد من القطع التي تصنعها الصين). ويعتمد القطاع الزراعي الأميركي كثيرًا في صادراته على السوق الصينية، فالعلاقة الأميركية – الصينية تتميز بالمنافسة والشراكة في آن معًا، وقد يحتاج البلدان إلى تفاهم تتبوأ بموجبه الصين مكانًا في القمة يليق بها، مقابل اعترافها بدور واشنطن في المحيط الهادئ .

تقوم الفلسفة الصينية على إخفاء أو تمويه القوة العسكرية وتجنب الصدامات العسكرية، واتخاذ المواقف المناورة في القضايا العالمية المختلفة مثل الحرب على الإرهاب والثورات المختلفة وقضايا مجلس الأمن، وهو ما نلحظه في الوقت الراهن مع الثورات العربية .

 لا شك بان الصين منغمسة حاليا بالتنمية الداخلية , ولا تبدي اي استعداد او رغبة في منافسة الولايات المتحدة على قيادة العالم , وهذه حقيقة لا جدال فيها , فزمن الحروب المباشرة بين دول عظمى ولّى بغير رجعة , وحدث هذا منذ منذ نهاية الحرب العالمية الثانية .

 لكن بالمقابل سيكون هناك حروب إقتصادية وايضا حروب بالوكالة (كما يحدث في العراق وسوريا وافغانستان وليبيا مثلاً ) , ولا نستطيع ان نغفل عن  سياسات الاحتواء االتي تقوم بها الولايات المتحدة تجاه الصين منذ مدة ليست بالقصيرة , أما المواجهات العسكرية المباشرة فلم ولن تحدث في الامد المنظور , كما يتوقع البعض من المحللين المتحمسين .

الاسم : مروان سمور  – باحث سياسي اردني
اضغط على الصورة