في القرن الحادي والعشرين، برز “سباق التكنولوجيا الجيوسياسية” – التنافس على التقنيات الاستراتيجية- بوصفه سمةً محدِّدة للجغرافيا السياسية. وأعادت الإنجازات في مجالي الذكاء الاصطناعي وعلوم الكم تشكيل مفهوم القوة الوطنية. فالتقدم السريع في الذكاء الاصطناعي يدفع عجلة النمو الاقتصادي، ويحول النظم العسكرية، ويتيح أدوات جديدة للمراقبة والتضليل الإعلامي، بينما تبشر الحواسيب الكمومية الناشئة بقدرتها على كسر أنظمة التشفير التقليدية وإحداث ثورة في مجال الحوسبة. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي محركاً رئيسياً لاختلال موازين القوة الجيوسياسية؛ مما فاقم حدة التنافس بين القوى الكبرى على التفوق التكنولوجي والهيمنة الاقتصادية . وتتسابق الصين والولايات المتحدة اليوم وجهاً لوجه في هذه المجالات، فيما تسعى أوروبا إلى تحقيق السيادة التكنولوجية؛ ومن شأن نتيجة هذا السباق أن تعيد رسم ملامح النفوذ العالمي، والتحالفات، ومسارات التنمية.

يمثل كل من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الكمية تقنيات “عامة الغرض” ذات طابع تحويلي. فقد باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُعزز الإنتاجية في مختلف القطاعات؛ إذ تشير دراسة لشركة “ماكينزي” إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده قد يضيف ما بين 2.6 إلى 4.4 تريليون دولار سنوياً إلى الاقتصاد العالمي ، كما يُستخدم في مجالات الاستخبارات العسكرية والأسلحة ذاتية التشغيل والأمن السيبراني. ولا تزال تكنولوجيا المعلومات الكمومية (الاستشعار والحوسبة والاتصالات) ناشئة؛ لكنها تقدم قدرات “رائدة”؛ فقد تتمكن الحواسيب الكمومية في نهاية المطاف من حل مسائل تتجاوز قدرات أقوى الحواسيب الفائقة اليوم، كما يمكن للاتصالات الكمومية أن توفر أنظمة تشفير شبه مستحيلة الاختراق . ولا يَعِد الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا الكم بمكاسب تدريجية فقط؛ بل بتحولات جذرية قادرة على قلب الهياكل القائمة رأساً على عقب. ويؤكد المحللون أن الدولة التي ستتقدم في هذين المجالين ستحقق “مزايا عسكرية ملموسة” ونصراً رمزياً يُشبه التفوق النووي . لقد أصبحت التكنولوجيا الجيوسياسية تمثل الحدود الجديدة التي يُتنازع حولها على القوة العالمية.