دراسات أمنية

الأمن و المجتمع دراسة في العلاقة بين المؤسسات الاجتماعية والمؤسسات الأمنية

5.0
01

الأمن حاجة أساسية للأفراد كما هو ضرورة من ضرورات بناء المجتمع، ومرتكز أساسي من مرتكزات تشييد الحضارة، فلا أمن بلا استقرار ولا حضارة بلا أمن. ولا يتحقق الأمن إلا عندما يتلاشى أي شعور بالتهديد للسلامة والاستقرار.

– الدور التنموي للمؤسسات الأمنية في المجتمع
رغم أن وجود الأجهزة الأمنية ضرورة حتمية لأي دولة سواء في القديم أو الحديث تنبع ضرورة وجودها من ضرورة الأمن نفسه الذي لا غنى عنه في أي وقت سواء للفرد أو المجتمع ، ويستحيل أن يمارس الناس نشاطهم وحركتهم اليومية إلا مع تحقيق الأمن إلا أن الكثير من الناس عمومًا والباحثين في مجال العلوم الاجتماعية لا يعطون البعد الأمني دوره في الدراسة والتحليل أو ربما ينظرون للأجهزة الأمنية بأنها معول هدم للدولة أو علامة على التخلف أو أن بناءها يكون على حساب الرخاء الاقتصادي والتنمية أو يهملون العلاقة بين
البعد الأمني والبعد الاجتماعي.

والسؤال هنا : هل تسهم الأجهزة الأمنية في تنمية المجتمع ؟ ولماذا ؟ وما هي العلاقة بين هذه الأجهزة وبين التنمية ؟ هذا ما سيتم الإجابة عنه من خلال هذا المساق .

– التعاون بين المؤسسات الأمنية والمجتمع
* إن الواجبات الأساسية للمؤسسات الأمنية هي منع الجريمة قبل وقوعها، ومكافحتها، والكشف عنها، والقبض على مرتكبيها، والمحافظة على الأمن العام، وحماية الأرواح والممتلكات، والإشراف على تنفيذ قوانين الدولة.

* إذا وجدت علاقة قوية بينهما فإنه بالتأكيد سوف يكون هناك نجاح ملحوظ في مكافحة الجريمة وانخفاض نسبتها، وتعود الطمأنينة والاستقرار الأمني للمجتمع من خلال ما تقدمه المؤسسات الأمنية من خدمات اجتماعية.

* من أجل دعم أمن المجتمع لا بد أن تخرج المؤسسات الأمنية عن نطاقها التقليدي والانخراط مع المجتمع وتقديم خدمات اجتماعية له حتى يكتسب الجهاز الأمني حب وتقدير كافة أفراد المجتمع. لا بد من وجود نظرة مستقبلية لتفعيل الجهود من قبل المؤسسات الأمنية لتقديم دورها الاجتماعي، وإظهاره بين أفراد المجتمع حتى يقدمون دعمهم للأجهزة الأمنية لتحقيق مفهوم الأمن الشامل.

* إن واجبات الشرطة التقليدية هي منع الجريمة، واكتشافها، والقبض على مرتكبيها وتنفيذ العقوبة الصادرة بحقهم، والمحافظة على الأمن العام.

*إذا؛ فإن أهم الواجبات الوظيفية هي تحقيق الأمن والاستقرار لأفراد المجتمع، ولكي تؤدي المؤسسات الأمنية هذه الواجبات لا بد أن تكون مقبولة لدى المجتمع حتى تستطيع أن تطلب مساعدته.

* مهما أُوتيت المؤسسات الأمنية من قوة فلا يمكن أن تؤدي واجبها على أكمل وجه بدون تفاعل أفراد المجتمع.

– الدور الاجتماعي للمؤسسات الأمنية
* جهاز الشرطة نادرًا ما يقوم ببعض الأدوار التي هي من أهم النشاطات الاجتماعية، والتي تتمثل في توفير فرص عمل للشباب، وعدم وجود باحث اجتماعي داخل كل مركز أمني يعمل على حل المشكلات التي يمكن السيطرة عليها دون اللجوء إلى المحاكم، وعدم وجود رعاية لاحقة للمفرج عنهم من خلال توفير فرص عمل لهم، أو مساعدتهم على إيجاد عمل.

وأظهرت الدراسة أن هناك عددًا من المعوقات التي تحد من فعالية الأداء في جهاز الشرطة، كان أبرزها سلبية المواطن وعدم تعاونه مع رجال الشرطة سواء بحماية نفسه، أو التبليغ عن محاولات لارتكاب الجريمة.

* المؤسسات الأمنية مطالبة بأن تلعب دورًا كبيرًا على الساحة الاجتماعية حتى تقترب أكثر من أفراد المجتمع وتقوي علاقتها بهم، وهذه النشاطات سوف تقربهم حتمًا إلى المجتمع بشكل عام الذي يمدهم بالمعلومات الأمنية الهامة.
إذًا فالمؤسسات الأمنية لم تعد تستطيع أن تعيش بمعزل عن المجتمع ومؤسساته، وأن أفرادها يجب عليهم أن ينخرطوا مع جميع فئات المجتمع حتى يتمكنوا من الاستفادة منهم بالمشاركة الأمنية والمساعدة عند الطوارئ.

* إذًا لا شك في أن انعزال المؤسسات الأمنية وبعدها عن مجال العمل المثمر والتعاون مع المؤسسات الاجتماعية في كل مراحل منع الجريمة يفقد الإجراءات التي تتخذ في هذا السبيل النتائج المرجوة. وكلما زاد التعاون والاختلاط ومشاركة الأجهزة الأمنية كلما اقترب المجتمع من تحقيق أمله في القضاء على عوامل الجريمة.

* هناك تقصير في كثير من المؤسسات الأمنية بالنسبة لإعداد المتدربين على الحرف داخل مراكز الإصلاح (السجون)، مثل قلة عدد المتدربين، وقلة الدعم المقدم لأسر المسجونين، وفي كثير من البرامج والخدمات الاجتماعية التي يقدمونها للمجتمع.

التوتر في العلاقات بين المجتمع والمؤسسات الأمنية
* استخدمت أجهزة الشرطة بعض الفترات كوسيلة لتقييد حرية المواطنين وإرهابهم، حتى أن رؤية بعض أفراد الشرطة يولد الشعور بالعدائية. وقد ارتبطت صورة الشرطي لدى الموطن بصورة الرجل المستبد في كبت الحريات وإرهاب الناس.
وهذه التجاوزات جعلت بعض أفراد المجتمع يأخذ فكرة خاطئة عن بعض المؤسسات الأمنية – وخاصة الشرطة – على أنها أداة قمع وإرهاب للمجتمع، وأصبحت هذه الفكرة تتوارثها الأجيال، فتسببت بإبعاد المساحة بين أفراد المجتمع والمؤسسات الأمنية، الأمر الذي يجعل فجوة بينهما.
– أمثلة لبرامج اجتماعية
* قدمت المؤسسات الأمنية بعض البرامج والخدمات الاجتماعية التي ترتبط بالمجتمع ارتباطًا وثيقًا ومنها:
١- أعمال الدفاع المدني : حيث تناط في كثير من دول العالم بوزارة الداخلية الدفاع المدني من إطفاء الحريق وعمليات الإنقاذ ومباشرة الكوارث الطبيعية وإيجاد الملاجئ الآمنة ، وتكثر مهام أجهزة الدفاع المدني أثناء الحروب والأزمات كحالات الكوارث الطبيعية أو انهيار المباني . فضلا عن دور الدفاع المدني في السلامة وما يتطلب ذلك من إصدار اللوائح المنظمة للمصانع والمحلات التجارية وإصدار التصاريح بذلك والتأكد المستمر من وجود وسائل السلامة في المصانع والمجمعات السكنية والتجارية .
٢- أعمال النجدة وهي الأعمال التي تقوم بها المؤسسات الأمنية استجابة لنداء أفراد المجتمع في أي طارئ على مدار الأربع والعشرين ساعة.
٣ – برنامج الإصلاح الاجتماعي داخل السجون: وهذا دور اجتماعي تقوم به إدارة السجون بوصفها إحدى المؤسسات الأمنية ممثلا في الرعاية الاجتماعية لتأمين العمل الشريف بعد قضاء مدة السجن، ومساعدة الطلقاء … إلخ.
بالإضافة إلى تنفيذ برامج الإصلاح الاجتماعي داخل السجون سوا ء في شكل توعية ومحاضرات أو كان في شكل إنشاء دروس تعليمية لإكساب نزلاء السجون مهنًا حرفية يستطيعون ممارستها أثناء تنفيذ العقوبات وبعد الخروج من السجن ومن ثم استصلاح العناصر الإجرامية وإعادتهم إلى حظيرة المجتمع الفعال . ويتبع ذلك الرعاية اللاحقة للسجناء بعد خروجهم من السجن للحيلولة دون عودتهم للجريمة ومساعدتهم على تخطي مصاعب الحياة الاجتماعية بعد الخروج من السجن .
٤- الإشراف على دور الرعاية الاجتماعية للمخالفين الأحداث أو للنساء اللاتي يقعن في الجرائم والمخالفات
٥ – التصدي للجرائم المخلة بأمن الدولة : كجرائم خطف الأشخاص أو الطائرات أو القرصنة البحرية أو احتجاز الرهائن أو التفجيرات أو الاعتداء على الشخصيات والمنشآت الهامة في الدولة أو جرائم التجسس على الدولة أو توزيع المنشورات المعادية للدولة أو بث الشائعات المغرضة وترويج الأكاذيب المختلفة بهدف إثارة البلبلة والتشويه لسمعة المسئولين فيها ومحاولة إيجاد الوقيعة بين طوائف المجتمع العرقية أو الدينية وإثارة حقد المواطنين على الدولة .
٦ – تنظيم المرور : داخل المدن وعلى الطرق الطويلة ووضع اللوحات والإرشادات المنظمة للسير وإصدار الرخص الخاصة بالقيادة للأشخاص أو المركبات إضافة إلى التصاريح التي تصدر لإصلاح الطرق وكذلك تعقب المخالفين لأنظمة السير وإصدار الرخص اللوائح المنظمة وتحديد العقوبات بحق المخالفين والعمل على تطبيقها .
٧ – تنظيم السفر والهجرة : وذلك بإصدار جوازات السفر وتأشيرات الدخول والخروج وهذه أعمال في غاية الأهمية لا غنى لأي دولة عنها خاصًة مع تقسيم الناس في الدولة إلى مواطنين وأجانب ومع حرية السفر والعبور ومع تقدم وسائل المواصلات أصبحت أعمال الجوازات في داخل الدولة وفي منافذها المختلفة أمر في غاية الأهمية.
٨ – إصدار البطاقات الشخصية : للمواطنين عن طريق دوائر الأحوال المدنية وما يتبع ذلك من تسجيل المواليد والوفيات والمجنسين حديثًا ومن أُسقطت جنسيتهم وتنظيم المعلومات وفهرستها حول المواطنين بشكلٍ يسهل الرجوع لها عند الحاجة وهذا من أهم أعمال الأجهزة الأمنية في الدولة لما له من دور يمس أهم أركان الدولة وهو ركن الشعب وخاصًة المواطنين لما يترتب على ذلك من خصائص ومزايا يتمتع بها المواطنون من حيث التوظيف وتولى المناصب الوظيفية الهامة بما في ذلك الممارسة السياسية .
٩ – تنظيم الانتخابات : كما في بعض الدول حيث تتولى أجهزة الأمن الإشراف على العملية الانتخابية ومراقبة النتائج لمنع التلاعب أو التزوير فيها وضبط العملية الانتخابية كما هو الحال في أكثر دول العالم الثالث حيث تشرف وزارة الداخلية على العملية الانتخابية .
١٠ – التوظيف المستمر لرجال الأمن في مختلف أجهزة الأمن وما يتبع ذلك من إنشاء معاهدوكليات للعلوم الأمنية وبناء المدن الأمنية والحضارية والمساهمة في تقليل نسبة البطالة في المجتمع وتوفير الرعاية الصحية والاجتماعية لرجال الأمن وأسرهم وتعويضهم عند الوفاة أو التقاعد أو الإصابة أثناء العمل وذلك لأهمية الدور الأمني الذي تمارسه السلطة التنفيذية والذي تسهم من خلاله في تطور وتنمية المجتمع في الدولة
١١ – المشاركة في حماية الآداب العامة: حيث تقوم الشرطة بوصفها إحدى المؤسسات الأمنية بحماية الآداب حتى قبل وقوع أي جريمة، إضافة إلى التبصير بمواقع الزلل الأخلاقي.
١٢ – حماية الأحداث من الانحراف: وذلك بالتدخل في بعض الحالات التي تسبب انزلاق الحدث نحو الجريمة.
١٣ – برنامج المهام التخطيطية : تساهم الأجهزة الأمنية في تخطيط المدن والمجمعات السكنية سواء عن طريق مساهمات المرور أو الدفاع المدني ، وكذلك تخطيط الطرق والأنفاق والجسور والحدائق العامة والمرافق الترفيهية . وكذلك المشاركة في التخطيط الوزاري والإداري وفي تعيين المسئولين في الدولة عن طريق دوائر الأمن المختصة خاصًة ما يتعلق بمعرفة السيرة الذاتية للوزراء والمسئولين في الدولة والتأكد من انتماءاتهم الفكرية والسياسية والاجتماعية . وتشمل المهام التخطيطية المشاركة في تخطيط المصانع ووسائل السلامة وما يتعلق بصحة البيئة . وكذلك التنسيق مع الجهات ذات العلاقة في الدولة كالبلدية والإسكان و وزارة الصناعة والمصانع والمعامل البحثية والطبية في الدولة .
١٤ – خدمات إنسانية أخرى متعددة: هناك مجال واسع للخدمات الاجتماعية والإنسانية التي يمكن أن تقوم بها المؤسسات الأمنية خدمة للمواطنين (المجتمع). فهناك المجالات الخيرية المتعددة؛ إذ يمكن أن يكون لها دور في التدخل في حالة الكوارث والنكبات ليس بالمساعدة فقط ولكن بالإسعاف وتقديم الخدمات والعون.
– نموذج عملي لبرامج اجتماعية
فيما يلي نموذج عملي لما يمكن أن تقوم به المؤسسات الأمنية من برامج اجتماعية، ونذكر
على سبيل المثال ما يمكن أن تقدمه من بعض الخدمات :
١- زيارة المرضى في المستشفيات وتقديم تهنئة عيد الفطر المبارك وعيد الأضحى و المناسبات المختلفة من كل عام وإهدائهم باقات ورد والاطمئنان على صحتهم.
٢- إرسال رسائل للمواطنين والمقيمين في هذا البلد المعطاء عن طريق شبكة الجوال بالتعاون مع شركات الاتصالات الوطنية، وتشتمل على: تهاني بعيد الفطر المبارك .. نصائح توعوية.
٣- التبرع بالدم .. تستقبل غرف العمليات اتصالات من المواطنين والمقيمين على مدار الساعة بالتبرع بالدم في المستشفيات عند حاجتهم، فيتم التنسيق مع رجال الدوريات بالميدان وإرسال العدد المطلوب.
٤- مساعدة المعاقين: تقوم شعبة العلاقات والتوجيه طرفهم بتسهيل مهمة الشخص المعاق والعجزة والنساء عند مراجعتهم الإدارة وإنهاء المعاملات التي تخصهم.
٥- إقامة معارض توعوية بالمدارس بمختلف المراحل الدراسية على مدار العام وأثناء
الإجازة الصيفية وتنظيم برامج للطلاب لزيارة إدارة الأمن ، وتقديم الدور التوعوي بالإضافة إلى كسر الحاجز فيما بين الناشئة ورجال الأمن.
٦- المشاركة في الحملات الوطنية:يجب أن تساهم إدارة الأجهزة الأمنية بالمشاركة في الحملات الوطنية، والمناسبات العامة لتقديم الدور التوعوي للمجتمع.
٧- متابعة الشكاوى: تقوم شعبة العلاقات والتوجيه باستقبال الشكاوى والمقترحات ومتابعة
الصحف اليومية وتفعيل ما يكتب من شكاوى ومعالجتها ومكافأة من يتعاون من المجتمع مع رجال الأمن.
٨- الرد على جميع المكالمات الهاتفية عبر رقم محدد، وتقديم جميع الخدمات المطلوبة من قبل المتصلين والاستفسارات عن ما يحتاجون إليه من معلومات.
٩ – حملات توعوية: وكذلك تقوم بحملات أمنية توعوية الشاملة، وكذلك أسبوع المرور ويوم الشرطة العربية، واليوم العالمي للمخدرات، ويوم الدفاع المدني، كل هذه الحملات الإعلامية الهادفة تصب إلى توعية وتبصير المجتمع ومؤسساته إلى الخدمات التي تقدمها المؤسسات الأمنية، وبالتالي تخرج هذه المؤسسات الأمنية عن نطاقها التقليدي وتدخل في دائرة الضوء التي تقربها إلى كافة أفراد المجتمع.

محمد عبد الله المقري

 

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock