قضايا أمنية

التطرف العنيف التداعيات و الاستراتيجيات المكافحة

الدكتور حكيم غريب

ان مسألة التطرف العنيف في الحالات التي يفضي فيها إلى الإرهاب، وتعالجها. والتطرف العنيف ظاهرة تتسم بالتنوع وتفتقر إلى تعريف محدد. وهو ليس بالأمر الجديد، ولا يقتصر على منطقة أو جنسية بعينها أو على نظام عقائدي معين. ومع ذلك، فإن التنظيمات إرهابية المتطرفة مثل تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة وجماعة بوكو حرام و حركة شباب المسلمين في الصومال قد شكلت، في السنوات الأخيرة، ملامح و ؤية و اضحة الملامح للتطرف العنيف وحددت معالم للبحثعن مقاربة شاملة لتصدي لهذا التهديد. ورسالة التعصب – الديني والثقافي والاجتماعي – التي تبثها هذه الجماعات كانت لها عواقب وخيمة في العديد من مناطق العالم. وهي تسعى، بحيازتها للأراضي واستخدامها وسائط التواصل الاجتماعي لإيصال أفكارها وإنجازاتها آنيا إلى مختلف أرجاء العالم، إلى تحدي قيم السلام والعدالة والكرامة الإنسانية التي نشترك فيها جميعا. وقد أدى انتشار التطرف العنيف إلى زيادة تفاقم أزمة إنسانية غير مسبوقة تتجاوز حدود المنطقة الواحدة. فقد فر ملايين الأشخاص من المناطق التي تسيطر عليها الجماعات الإرهابية والجماعات المتطرفة العنيفة. وزادت تدفقات الهجرة بعيدا عن مناطق النـزاع، طلبا للأمان، بل وباتجاه هذه المناطق أيضا، تحت إغراء المشاركة في النـزاع كمقاتلين إرهابيين أجانب، مما يزيد في زعزعة استقرار المناطق المعنية. ومع أن خطة العمل أُعدّت ضمن هذا السياق، فإن الغرض منها التصدي للتطرف العنيف بجميع أشكاله، أينما وقع

. وقد وصل المقاتلون الاجانب من تجنيد أكثر من 30000 مقاتل إرهابي أجنبي ينحدرون من أزيد من 100 دولة عضو للتوجه إلى مناطق الصراع والقتال في سوريا والعراق، وإلى أفغانستان وليبيا واليمن. ومما لا شك فيه أن بعض هؤلاء سيروّعهم ما يرونه ليتنظروا بفارغ الصبر تجاوز هذه التجربة، لكن آخرين قد عادوا إلى بلدانهم الأصلية – ولا شك أن المزيد منهم سيعود – لنشر الكراهية والتعصب والعنف في مجتمعاتهم المحلية

و في ظل تنامي ظاهرة التطرف العنيف و الارهاب في المنطقة العربية على وجه الخصوص سعى المجتمع الدولي، على مدى العقدين الماضيين، إلى التصدي للتطرف العنيف أساسا ضمن سياق تدابير مكافحة الإرهاب ذات الطابع الأمني التي اعتُمدت للتصدي للتهديد الذي يشكله تنظيم القاعدة والجماعات المنتسبة إليه. غير أنه مع ظهور جيل جديد من الجماعات الارهابية المتشددة و المتطرفة، هناك توافق دولي متزايد على أن تدابير مكافحة الإرهاب تلك لم تكن كافية للحيلولة دون انتشار التطرف العنيف. والواقع أن ثمة فئة أوسع من مظاهر التطرف العنيف، وقد يؤدي الخلط بين هذين المصطلحين إلى تبرير الإفراط في تطبيق تدابير مكافحة الإرهاب على نطاق واسع، لتشمل أشكال سلوك لا ينبغي أن ينطبق عليها وصف الأعمال الإرهابية

تعمل التنظيمات الارهابية المتطرفة العنيفة إلى حد بعيد في دورة انعدام الأمن والنـزاع المسلح التي تشهدها العديد من مناطق العالم. فقد سعى تنظيم القاعدة والتنظيمات المنتسبة إليه إلى حمل الحكومات على تغيير سياساتها من خلال تنظيم حملات دعائية مغرضة وشن هجمات كبرى. أما آخر موجة من الجماعات المتطرفة العنيفة والجماعات الإرهابية، ومنها على وجه الخصوص تنظيم الدولة الإسلامية داعش ، فقد نقلت التحدي إلى مستوى آخر، إذ استفاد أعضاؤها من النـزاع المسلح السورية وحالة عدم الاستقرار في العراق وليبيا ليستولوا على أجزاء كبيرة من الأراضي، حيث يمارسون ”الحكم“ وفقا لقواعدهم. ويتمتع هؤلاء بالقدرة على التنقل، كما أنهم مدجّجين بالأسلحة وملمّين بأسرار التكنولوجيا ومنظَّمين تنظيما جيدا. وقد أثبت التاريخ أن الحروب ”بالوكالة“ تزيد من تفاقم الأوضاع الأمنية الهشة والنـزاعات. لذلك، فإن الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية تتحمل مسؤولية خاصة عن مساعدة البلدان التي تعيش حالة نـزاع للعودة إلى السلام

 إن الدول التي تفشل في تحقيق مستويات عالية ومستدامة من النمو، وفي إيجاد فرص العمل اللائق لشبابها، والنقص من الفقر والبطالة، وتعزيز المساواة، والسيطرة على الفساد، وإدارة العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع بما يتفق والتزاماتها في مجال حقوق الإنسان بلدان معرضة أكثر من غيرها للتطرف العنيف، وتميل إلى أن تشهد عددا أكبر من الأحداث ذات الصلة به. وقد يعتبر المواطنون ضعف نتائج التنمية تأكيدا لعدم شرعية الحكومة، مما ينقص من فعالية مؤسسات الدولة في التصدي للتطرف العنيف عند ظهوره. ويمكن أن يجعل انعدامُ فرص العمل البديلة من التنظيمات المتطرفة العنيفة مصدر دخل مُغريا و تجد الجماعات المتطرفة العنيفة فرصا تستغلها في انعدام الجهود الكافية الرامية إلى إعمال الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وفقا للالتزامات الدولية، وهو ما يتفاقم بالتمييز ضد الجماعات على أسس إثنية أو قومية أو جنسانية أو عرقية أو دينية أو لغوية، وبانعدام الحيز الديمقراطي أو تقييده. ومؤسسات الدولة التي لا تفي بصورة ملائمة بالتزاماتها الدولية بضمان هذه الحقوق يمكن أن تغذي المظالم وأن تقوض فعاليتها بنفسها، بل يمكن أن تقوض حتى المعايير الاجتماعية والتماسك الاجتماعي

 ان التطرف العنيف لا يحترم الحدود الوطنية، ومن ثم يتعين أن تُكمَّل الإجراءات الوطنية والعالمية بالتعاون الإقليمي المعزَّز. وقد اعتمد بالفعل العديد من المناطق والمناطق دون الإقليمية استراتيجيات شاملة لمكافحة الإرهاب. وينبغي أن تتضافر جهود الدول لاستكمال تلك الاستراتيجيات أو لاعتماد خطط عمل إقليمية أو دون إقليمية جديدة لمنع التطرف العنيف، تيسرها المنظمات الإقليمية أو دون الإقليمية والأمم المتحدة، تكملةً للخطط الوطنية وتعزيزاً لها

 حققت الرسائل التحريضية التي تبثها الجماعات المتطرفة العنيفة على وسائل التواصل الاجتماعي نجاحا كبيرا في استدراج افراد المجتمع إلى صفوفها، ولا سيما الشباب، إناثاً وذكوراً. ولئن أثبتت الجماعات المتطرفة العنيفة أنها تملك قدرا من الذكاء و الخبرة في استخدام وسائل التنكولوجيا المتطورة الإعلامية الحديثة، رغم ذلك فهناك الآلاف من النشطاء الشباب الذين يتصدون للتطرف العنيف على طريق الإنترنت من خلال البرماج التوجهية و نشر ثقافة التسامح و الحوار والسلم ، وهم يستحقون أن تقديم المساعدات و الدعم و التشجيع لهم       و التشجيع على إجراء مزيد من البحوث حول العلاقة بين سوء استخدام الجماعات المتطرفة العنيفة للإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي والعوامل التي تدفع الأفراد إلى التطرف العنيف؛  و إنشاء منبر دائم معني بمنع التطرف العنيف تابع للهيئات الحكومية و الاقليمية والدولية لتوجيه تنفيذ هذه الاستراتيجية ، تديره فرقة العمل المعنية بالتنفيذ في مجال مكافحة الإرهاب ويدعمه مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب. ويضطلع هذا المنبر بتنسيق السياسات داخل منظومة الأمم المتحدة ودعم الدول الأعضاء في تحديد استجاباتها المؤسسية للتطرف العنيف على الصعد المحلية والوطنية والإقليمية عن طريق تبادل الدروس المستفادة، كما ينبغي أن يشجع التعاون بين الدول الأعضاء، بسبل منها الشراكات بين بلدان الجنوب والشراكات الثلاثية؛

 إن ظاهرة التطرف العنيف ظاهرة عالمية بطبيعتها، تقوض الإنسانية المشتركة بيننا، ويكمن وراءها مزيج من العوامل الشخصية والمجتمعية والفكرية التي تتغير مظاهرها من فرد إلى آخر. وقد تضررت من التطرف العنيف مجتمعات مختلفة في حقب مختلفة ومناطق متباينة من العالم. ولا تقدم خطة العمل هذه حلاًّ وحيداً لهذا التحدي، إذ لا وجود لأداة أو نهج يمكنهما الانفراد بالتخلص منه إلى الأبد. وبدلا من ذلك، ينبغي لنا توسيع نطاق تفكيرنا في هذا التهديد واتخاذ التدابير اللازمة لمنع انتشاره. وإنّ ما يثير أشد القلق في السياق الحالي هو سرعة انتشار أيديولوجيات التطرف العنيف في أنحاء مختلفة من العالم، وهو ما تيسره ثورة التكنولوجيا و في الخاتمة  يجب وضع استراتيجيات مشتركة وتشاركية، مع المجتمع المدني والمجتمعات المحلية، لمنع ظهور التطرف العنيف، وحماية المجتمعات المحلية من التجنيد وخطر التطرف العنيف خاصة في بؤر التوترو النزعات، وتقديم الدعم لتدابير بناء الثقة على صعيد المجتمع المحلي من خلال توفير منابر ملائمة للحوار وتحديد المظالم في مرحلة مبكرة؛

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock