في ضوء الهزائم مُني بها تنظيم “داعش” في معاقله التقليدية، سعى للبحث ساحات بديلة للتمدد، فكان الانتقال الاستراتيجي إلى إفريقيا، عبر بلورة هياكله التنظيمية في غرب ووسط إفريقيا، وفي ضوء هذا التحرك عزز من نشاطه عبر تكثيف عملياته في المنطقة، حيث نشر إحصاء في 12 أغسطس الماضي حول عدد العمليات الإرهابية التي نفذها في الفترة من أغسطس 2020م حتى أغسطس 2021م، وكان مجملها نحو (2,944) عملية، إذ جاءت “ولاية غرب إفريقيا” في المرتبة الثانية من حيث عدد العمليات بمعدل (505) عملية أسفرت عن وقوع حوالي (2444) ضحية.

 ناهيك عن قيامه بنشر إحصاء جديد في 18 نوفمبر الجاري يستعرض عملياته خلال الفترة من أغسطس 2021 إلى نوفمبر 2021 في منطقة وسط إفريقيا بمعدل (70) عملية سفرت عن وقوع (269) ضحية، حيث شهدت الكونغو (29) عملية، تبعتها موزمبيق بحوالي (27) عملية، وتعرضت اوغندا إلى ما يقرب من (4) عمليات. ومن ثم يثير هذا المشهد جملة من التساؤلات حول محفزات وتداعيات التمدد الداعشي في إفريقيا.

محفزات التمدد

هناك جُملة من الدوافع التي تُفسّر تصاعد النشاط الداعشي، يتعلق بعضها بأهداف تنظيم “داعش”، وينصرف بعضها الآخر إلى العوامل المحلية المتعلقة بالقارة الإفريقية، ويتركز بعضها على السياقات الخارجية، ويمكن تناولها على النحو التالي:

1- الزعامة الجهادية: يسعى “داعش” إلى تحقيق الزعامة الجهادية في إفريقيا عبر التمدد الاستراتيجي والعملياتي في المنطقة، ومن أجل تحقيق هذا الهدف اتخذ عددًا من الخطوات؛ يتعلق أولها بقيامه بقتل “أبو بكر شيكاو” (زعيم بوكوحرام) بهدف حسم صراعه من الأخير. وينصرف ثانيها إلى تعزيز نشاطه عبر توسيع نطاق عملياته وتنويع تكتيكاته بهدف تأكيد الوجود والنفوذ من جهة، والرد على مقتل أهم قياداته في منطقة غرب إفريقيا وهما “أبو وليد الصحراوي وأبو مصعب البرناوي “من جهة أخرى. ويتصل ثالثها باتباعه نهجًا قائمًا على التغلغل التدريجي في المجتمعات المحلية سعيًا للحصول على القبول المجتمعي.

2- معضلة الساحل: تعد إفريقيا لا سيما منطقة الساحل الإفريقي بيئة حاضنة لنشاط التنظيمات الإرهابية وذلك نتيجة لعدد من الاعتبارات السياسية والأمنية والبيئة المركبة؛ فعلى الصعيد السياسي، تتميز الدول الواقعة في ذلك النطاق الجغرافي بتصاعد حدة الاضطرابات المرتبطة بالصراعات السياسية والانقلابات العسكرية. وعلى الصعيد الأمني لا يمكن إغفال هشاشة الحدود وزيادة الثغرات الأمنية المرتبطة بها نتيجة لتواضع القدرات في المجال الأمني والعسكري والاستخباراتي، ناهيك عن تمدد شبكات الجريمة المنظمة وتفشي جرائم الاتجار بالبشر والسلاح. 

وعلى الصعيد البيئي، تواجه القارة الإفريقية تحديًا كبيرًا يتمثل في تداعيات التغير المناخي التي تلقي بظلالها على الظاهرة الإرهابية، إذ أن تداعيات التغيير المناخي تساهم في تعزيز الأسباب التقليدية للصراع، الأمر يزيد من عدم الاستقرار الداخلي وهذا بدوره يغذي الإرهاب.  ومن ثم توفر تلك المعطيات سياقات حاضنة لنشاط التنظيم سواء على صعيد التوسع الجغرافي، أو على صعيد التجنيد، إذ يهدف التنظيم إلى تأسيس عقد اجتماعي جديد مع المجتمعات المحلية من خلال تقديم نفسه كبديل للدولة مستغلًا حالة تصاعد الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية المركبة.

3- ارتباك استراتيجيات المكافحة: يعد ارتباك استراتيجيات مكافحة الإرهاب في إفريقيا عنصرًا حاسمًا في تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية، فلم تنجح التداخلات التي اتبعتها القوى الغربية وعلى راسها الولايات المتحدة وفرنسا في تقويض نفوذ التنظيمات الإرهابية، فعلى الرغم من تعدد مبادرات التدخل الغربي إلا أنها لم تكن واضحة في أهدافها وآليات العمل الخاصة بها، مما أدى إلى تباطؤ تقدمها على الأرض، وعجزها عن تحقيق نجاحات، إضافة إلى أن الاهتمام بالجانب الأمني مع إغفال الجانب التنموي شكَّل تحديًا لتحقيق الاستقرار في المنطقة

4- انعكاسات جائحة “كوفيد 19”: بالنظر إلى حالة الدول الواقعة في منطقة الساحل الإفريقي نجد أن جائحة كوفيد -19 القت بظلالها الأمنية والاقتصادية على معظم دول المنطقة، إذ اتاحت الجائحة فرصة للتنظيمات الإرهابية لتعزيز نشاطها وتوسيع نفوذها، حيث أسهمت في تقويض شرعية الحكومات، لا سيما في الدول محل الصراع، الأمر الذي وظفته التنظيمات الإرهابية، سواء على صعيد التجنيد أو على صعيد تكثيف العمليات الإرهابية، مستغلة الضغط الأمني والصحي على الحكومات.

تداعيات التمدد

بناءً على ما تقدم هناك جُملة من التداعيات يمكن عرضها على النحو التالي:

1- اتساع نطاق الظاهرة الإرهابية: يمثل تمدد تنظيم “داعش” عاملًا محفزًا اتساع نطاق الظاهرة الإرهابية وتمددها سواء على المستوى الأفقي أو على المستوى الرأسي، لا سيما في ظل الوضع الأمني المضطرب الذي تعانيه القارة الإفريقية على وجه العموم، ومنطقة الساحل على وجه الخصوص، حيث الانقسامات العرقية، والتباينات الدينية، وتردي الأوضاع المعيشة.

ومن ثم يحمل هذا المشهد جُملة من الانعكاسات المحتملة، والتي يأتي في مقدمتها نجاح التنظيم في تدشين حلقات ربط بين مناطق نفوذه وولايته الموجودة في القارة، ما يفتح المجال أمام تعزيز مظاهر الدعم البشري واللوجيستي بينهما، في ضوء نمو التفاعلات بين الإرهابيين النيجيريين والساحلين، الأمر الذي يعزز من اتساع نطاق تهديد الأمن الإقليمي.

2- تنافس جهادي محتمل: أسفر نقل تنظيم “داعش” لمركز ثقله الإقليمي إلى إفريقيا إلى تصاعد الصراع بينه وبين تنظيم “القاعدة”، حيث شهد عام 2020م حالة من تصاعد الصراع العملياتي والإعلامي بين التنظيمين في محاولة من الأول لتعزيز صورته الجهادية من جهة، وإعادة التموضع في ساحات بديلة من جهة أخرى، مقابل محاولات من الثاني للحفاظ على نفوذه في معاقله الرئيسة من ناحية، وتأكيد قدرته على الصمود أمام منافسه التقليدي من ناحية أخرى.  

ومن المرجح أن يشهد هذا صراع تصاعدًا في المرحلة القادمة في ضوء جملة من المحددات؛ يتعلق أولها بتمسك كل منهما بمصالحه وأهدافه. وينصرف ثانيها إلى تصاعد فواعل جديدة في المشهد الجهادي في غرب إفريقيا ممثلة في الحضور المتجدد “لجماعة أنصار المسلمين في بلاد السودان” المعروفة “بالأنصار”(وهي تابعة لتنظيم القاعدة) في شمال نيجيريا. ويتصل ثالثها بانعكاسات تصفية عدد من القيادات الإرهابية في المنطقة، وعلى رأسها “عبد المالك دروكدال”، و”أبو وليد الصحراوي” و”أبو مصعب البرناوي “على العلاقة بينها.

3- زيادة تدفق المقاتلين الأجانب: يوفر تصاعد التهديد الداعشي بيئة حاضنة لزيادة تدفق المقاتلين الأجانب إلى القارة الإفريقية، وتكمن خطورة هؤلاء في ثلاثة عوامل رئيسة؛ يتعلق أولها بتعزيز قدرة التنظيمات الإرهابية على الصمود أمام الضغط العسكري. وينصرف ثانيها إلى تطوير استراتيجيات قتال تلك التنظيمات على المستويين العملياتي والتكتيكي، وذلك في ضوء الخبرات التي اكتسبها هؤلاء من مناطق الصراع المختلفة. ويتصل ثالثها إلى تحول هؤلاء إلى حلقات وصل بين التنظيمات الإرهابية الداخلية والخارجية 

4- تهديد الأمن الإنساني: يؤدي توسع عمليات تنظيم “داعش” إلى تهديد الأمن الإنساني عبر زيادة مستويات العنف الموجهة للمدنيين؛ إذ وصف ” محمد بن شمباس” (الممثل الخاص للأمين العام في منطقة غرب أفريقيا ومنطقة الساحل) العنف الإرهابي في المنطقة بأنه “غير مسبوق”، وأشار إلى أن “العواقب الإنسانية مقلقة” لا سيما مع زيادة عدد ضحايا الإرهاب في بوركينا فاسو ومالي والنيجر بمعدل خمسة أضعاف بين عامي 2016 و2020م، ناهيك عن انعكاسات هذ المشهد على أعداد النازحين واللاجئين، حيث  ذكرت الأمم المتحدة  في مطلع العام الجاري أن مليوني شخص نزحوا في منطقة الساحل الإفريقي التي تشهد أعمال إرهابية، مشيرة إلى أنه عدد قياسي لم تشهده المنطقة من قبل.

مجمل القول، تجادل العديد من التحليلات باحتمالية أن تشهد الساحة الإفريقية تصاعد التهديد الإرهابي في ضوء الأزمات المركبة التي تعاني منها من ناحية، بجانب سعي التنظيمات الإرهابية لا سيما “داعش” تعزيز نشاطها من ناحية أخرى. الأمر الذي يستلزم تعزيز التعاون الإقليمي سعيًا لتقويض نفوذ التنظيمات الإرهابية بجانب دعم الجيوش الوطنية لتقود التحركات الميدانية على الأرض، مع العمل على تعزيز جهود التنمية بغرض تفكيك البيئة لحاضنة للتطرف والإرهاب.