أولاً: أحداث 11 سبتمبر 2001 والسيادة الأمريكية على العالم:

1. الزلزال العنيف “أسود يوم في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية”:

    كان ما حدث، صباح يوم الثلاثاء 11 سبتمبر 2001، من هجوم الطائرات الانتحاري على برجي مركز التجارة العالمي والبنتاجون ، من أكبر المفاجآت التي هزت العالم بأسره، حيث شوهد أسوأ الحوادث الإرهابية في التاريخ،والتي وصلت في بشاعتها إلى الحد الذي لم يخطر على ذهن أحد من خبراء الأمن الأمريكي.

    وعقب هذه الأحداث، طالبت الولايات المتحدة الأمريكية العالم كله بالوقوف معها في معركتها العسكرية والسياسية والاقتصادية ضد جماعات الإرهاب، وما سَمّته بالدول المارقة. وقد تأثر اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية كثيراً نتيجة هذا الحدث الكبير، إلا أن ذلك انعكس على العالم كله نتيجة تحكم الولايات المتحدة الأمريكية في اقتصاديات الآخرين.

    ويرى بعض المفكرين أن الولايات المتحدة الأمريكية اغتنمت فرصة ما جرى لتحقيق مزيد من المكاسب في إطار السيطرة على آسيا، بدأ بأهم مواقعها وهو أفغانستان ، هذه المنطقة الذاخرة بالنفط، كما أن هذه المخططات للسيطرة كانت معدة للتنفيذ، سواء وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001 أم لم تقع.

2. إعادة الحسابات الأمريكية لاستمرار السيادة:

    مائة ألف شخص من عملاء المخابرات الأمريكية بجميع صورها وأشكالها وتنظيماتها ، فشلوا في منع كارثة 11 سبتمبر 2001 أن تحدث أو ينذروا بحدوثها. وعلى الرغم من ميزانية CIA التي تتعدى ثلاثين ملياراً من الدولارات في العام الواحد بما فيها العمليات المغطاة ، فلم تصل الأجهزة الأمنية إلى ما يمنع الانهيار الاقتصادي الأمريكي والعالمي، وما حدث بعدها من تأثيرات سياسية وعسكرية، بل وفي المجالات كافة.

    ومن ضرب الخيال، أن تتعرض الدولة الأمريكية أو القطب الأوحد، بكل ما تملكه من قوات عسكرية وأجهزة أمنية وأسلحة ذرية وأحدث تكنولوجيا العصر، إلى مثل هذا الخطر في عقر دارها وعاصمتها السياسية والعسكرية وضد رموز القوة والاقتصاد الأمريكي الذي يهيمن على العالم. ولقد بالغ العالم في وصف قوة وقدرات الولايات المتحدة الأمريكية، وأسهم الإعلام في تضخيم قوة المارد سيد العالم، وبعد هذه الأحداث أصبح لدى العالم قناعة أن النظام الدولي لا يمكن أن يستقر على حال.

    إن ما حدث في 11 سبتمبر 2001، هدم نظرية الأمن الأمريكي، التي كانت تعيش تحت حماية المحيطين الهادي والأطلسي وفي وقاية من جهة الفضاء. لقد شوهت صورة حارس الأمن الدولي، وسوف تعيد الولايات المتحدة الأمريكية حساباتها تجاه العالم جميعه: أصدقائه قبل أعدائه، فضرب أفغانستان بعد هذه الأحداث بتأييد من تحالفات صديقة للولايات المتحدة الأمريكية لا يعني بالضرورة عدم تورطها عسكرياً في هذا المستنقع وما ينطوي عليه من نزيف عسكري وسياسي واقتصادي.

    إن القوى الفاعلة في العالم اليوم وهي: الصين، وروسيا، واليابان، لديها الرغبة والطموح في تحدي ومواجهة الولايات المتحدة الأمريكية لتقليص سيطرتها على العالم. كما أن إعلان الإدارة الأمريكية “بأنه من ليس معنا فهو ضدنا” يحتاج إلى مراجعة للسياسة الخارجية الأمريكية المزدوجة في بعضها.

    في يوم الثلاثاء الأسود، وكما تهاوى برجا مركز التجارة العالمي وكأنهما من ورق، بدأت أيضاً تتهاوى معتقدات وأفكار الشعوب والحكومات، ولا يمكن استيضاح كل الآثار المترتبة على أحداث هذا اليوم إلا بعد أن ينقشع تماماً غبار ورائحة البرجين المدمرين وعواصف المعارك العسكرية ضد الدول والجماعات، بدءاً من أفغانستان إلى نهاية العالم انتقاماً لما حدث.

    إن مسايرة رد الفعل الأمريكي الغاضب سيتحول إن آجلاً أو عاجلاً ـ إلى إعادة الحسابات وتقدير المكاسب والخسائر بين الدول لوضع الإستراتيجيات والسياسات. والحقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية لم يستمر لها كثيراً وضع “القطب الأوحد” صاحب الأمر، والحق في الطاعة من الجميع. والمتوقع أن إذعان الدول المتقدمة للهيمنة الأمريكية لن يعود بنفس القوة، على ضوء أن الدولة العظمى الوحيدة في العالم تعرضت لمثل هذه الأحداث الكبيرة، وأيضاً لن يكون استسلام الكبار للدور الأمريكي في العالم كسابق عهده.

    إن التغيير قد بدأ من داخل الولايات المتحدة الأمريكية في أمور غير السياسية والعسكرية. فالعقل الأمريكي نفسه اجتاحه بعض التغييرات، من حيث التفكير في المشاعر والدوافع ومراجعة الحسابات. أما عن دول العالم الثالث، فيتعين عليها أن تسعى لتحقيق مزيد من حرية الإرادة في ضوء احترام الأوزان النسبية لكل الأطراف. وإذا أرادت الدول الكبرى أن تطور نفسها، لتصبح أكثر عدالة، ولتحدث التوازن المطلوب في العالم بما يؤمن مصالحها، فعليها أن تأخذ في حسبانها تفاعلات شعوب العالم الثالث. حتى لا تصبح ذات اتجاه واحد، يأتي من الغرب المتقدم إلى بقية دول العالم، فيواجه بالرفض والعنف. وهو أن يجد مبرره لدى قطاع عريض في العالم الثالث وداخل أوروبا نفسها بسبب غياب العدالة الدولية.

    إن قيادة العالم في هذا المناخ المتقلب الجديد يصعب أن يكون من قطب واحد، فلن يجد أمامه إلا خيار القوة العسكرية لاستمرار هيمنته وسيطرته، سواء كان هذا الاستخدام للأداة العسكرية تحت مظلة الشرعية الدولية، أي الأمم المتحدة أو التحالف الدولي، أو يكون أيضاً وفي بعض الحالات المرتبطة بمصالح القطب الأوحد خارج الشرعية الدولية. وإن استمر ذلك لفترة فلن يستمر إلى الأبد، فسوف يبحث العالم عن نظام آخر تتعدد فيه القطبية لإحداث التوازن المطلوب وإضفاء الشرعية والعدالة وتفعيل دور المنظمات الدولية.

    إن سعي روسيا والصين وأوروبا واليابان والمحور الفرنسي ـ الألماني ودول العالم الثالث للتوصل إلى إطار لحل النزاعات بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى الحرب والتوجه نحو سياسات اقتصادية تؤدي إلى تنمية اجتماعية ترفع من رفاهية الشعوب، سوف يزيد الثقة في العلاقات الدولية، بما ينعكس على إرساء قواعد للعدالة والشرعية، وإقامة سلام دائم وعادل وتحقيق توازن دولي في إطار تحقيق المصالح لكل من الدول الكبرى ودول العالم الثالث.

ويُعد ما وقع صباح الثلاثاء 11 سبتمبر 2001 من هجوم الطائرات الانتحاري على برجي مركز التجارة العالمي ومبنى البنتاجون من أعظم الأحداث التي هزت العالم، إذ كانت من أسوأ الأعمال الإرهابية في التاريخ، والتي وصلت في بشاعتها إلى الحد الذي لم يخطر على بال أي من خبراء الأمن الأمريكيين.

وعقب هذه الأحداث، طالبت الولايات المتحدة الأمريكية العالم، بالوقوف معها في معركتها العسكرية والسياسية والاقتصادية ضد الجماعات الإرهابية، وما سمته بالدول المارقة. وتأثر الاقتصاد الأمريكي نتيجة هذا الحدث الكبير، إلا أن ذلك انعكس على العالم كله نتيجة تحكم الولايات المتحدة الأمريكية في اقتصاديات الآخرين.

ويرى بعض المفكرين أن الولايات المتحدة الأمريكية اغتنمت فرصة ما جرى لتحقيق مزيد من المكاسب في إطار السيطرة على آسيا، بدأ بأهم مواقعها وهو أفغانستان، هذه المنطقة الذاخرة بالبترول كما أن هذه المخططات للسيطرة، كانت معدة وستنفذ، سواء وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001 أم لم تقع. وعلى إثر ذلك الحدث، وبعد عام بالتحديد، أصدر الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي في 20 سبتمبر 2002.

ثانياً: مجمل تقرير إستراتجية الأمن القومي الأمريكي بعد 2001:

1. أصدر البيت الأبيض، في 20 سبتمبر 2002، تقريراً للرئيس بوش بشأن إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية، تناولت الأخطار والتهديدات التي تواجه الأمن القومي الأمريكي وإستراتجية مواجهة هذه التهديدات. كما أشار التقرير إلى أن الأهداف الرئيسية لتلك الإستراتيجية هي الوصول إلى عالم أفضل وأكثر أمناً وتحقيق الحريات السياسية والاقتصادية والعلاقات السلمية بين دول العالم واحترام كرامة الإنسان.

2. جاء التقرير متضمناً مقدمة وثمانية أقسام رئيسية، عكست محتوياتها الآليات والأسس التي سترتكز عليها محاور تلك الاستراتيجية لتحقيق أهدافها ـ وتمثلت تلك الأقسام في الآتي:

أ. الدفاع عن طموحات وكرامة الإنسان.

ب. تقوية التحالفات التي تهدف إلى منع الإرهاب ومنع الهجمات ضد الولايات المتحدة الأمريكية وأصدقائها.

ج. العمل مع الآخرين لفض النزاعات الإقليمية.

د. منع أعداء الولايات المتحدة الأمريكية من تهديدها وتهديد أصدقائها بأسلحة التدمير الشامل.

هـ. بدء مرحلة جديدة من النمو الاقتصادي من خلال الأسواق والتجارة الحرة.

و. توسيع دائرة التنمية بانفتاح المجتمعات وبناء البنية الأساسية لترسيخ الديموقراطية بها.

ز. تطوير أجندة العمل التعاوني مع المراكز الرئيسية للقوى العالمية.

ح. تطوير مؤسسات الأمن القومي الأمريكي لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين.

ثالثاً: السياسات الأمريكية بعد 11 سبتمبر 2001

كان الإستراتيجيون الأمريكيون يقسمون التاريخ الأمريكي إلى ما قبل حادثة بيرل هاربر وما بعدها، ويُعَدّون غارات الانتحاريين اليابانيين على الأسطول الأمريكي، في بيرل هاربر، مقدمة ليس لدخول الولايات المتحدة الأمريكية الحرب العالمية الثانية واستخدام القنابل النووية ضد المدن اليابانية، وإنما لإعادة ترتيب الأوضاع الجيوإستراتيجية في العالم لتحقيق المصالح والسيطرة الأمريكية. وبعد يوم واحد من الكارثة في مانهاتن، (أحداث 11 سبتمبر 2001) كتب كيسنجر في “واشنطن بوست” أن على الولايات المتحدة الأمريكية أن تجعل من هذا اليوم انطلاقة جديدة للهيمنة والسيطرة كما حدث بعد بيرل هاربر.

وكتب على غراره أيضاً وزير الدفاع السابق، وليم كوهين، والباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى تشارلز كراتهامر, مع التركيز على ما سَمّياه بمراكز الإرهاب العربية: سورية، والعراق، وليبيا، إضافة إلى إيران، وهو ما يفهم منه أن الإستراتيجيين المذكورين يعتقدون أن الوقت قد حان لمزيد من الهيمنة الأمريكية على العالم وجر الجميع بما في ذلك أوروبا وروسيا خلف عربات المدافع الأمريكية.

1. توجهات أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001:

إن أمريكا ما بعد مانهاتن ليست أمريكا ما بعد بيرل هاربر، إذ تحكمها الآن ثلاثة حسابات شديدة التداخل هي:

·        على الصعيد السياسي: آسيا الوسطى وبترول بحر قزوين والاقتراب من الصين.

·        على الصعيد الأيديولوجي: انتهاج الإستراتيجية منطق صراع الحضارات.

·        على الصعيد الاقتصادي: تجارة السلاح لسد الفراغ الإستراتيجي، نتيجة انتهاء الاتحاد السوفيتي من منظومة إنتاج الأسلحة الإستراتيجية.

أ. على الصعيد السياسي:

ليست المسألة مقارنة بين الأجندة الأمريكية في الشرق الأوسط أو قلب آسيا، بل قراءة في الأجندة الجديدة، كما أوحت بها تقارير هارفارد ومعهد واشنطن والخارجية الأمريكية، وكتابات بريجنسكي المبكرة التي تولي أهمية خاصة لآسيا الوسطى.

إن آسيا الوسطى والشرق الأوسط تحتل قائمة الاهتمامات الأمريكية الجديدة، وإن ما حدث في مانهاتن أربك الولايات المتحدة الأمريكية وفرض عليها إيقاعات مبكرة. وهو ما يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية وهي تمضي إلى طريق الحرير وبحر قزوين بحاجة إلى شرق أوسط غير متفجر، ولكن دون مبادرات كبرى ودون صدامات ساخنة بين دول الصراع، وخاصة العربي ـ الإسرائيلي.

ب. مضامين الخطاب الثقافي:

يمكن باختصار تقدير الخطاب الثقافي الأمريكي فيما يلي:

(1) علمانية تبدو لا تعادي الإسلام ولا الحضارات والثقافات غير الغربية.

(2) ديمقراطية لا تتيح لغير العلمانيين الوصول إلى الحكم والتأثير والتوجيه.

(3) إغراق ثقافي يملأ الفضاء والأوقات والمؤسسات والفئات المستهدفة جميعها ويستوفي الأشكال المختلفة من العمل من: فن، وسينما، وإذاعة، ومجلات، وصحف ومؤتمرات، وندوات، ومحاضرات، ومعارض، ورحلات وزيارات، وضيافة، ولا يدع مجالا للتقويم والتساؤل والتقاط الأنفاس.

(4) إغداق مادي وأدبي وجوائز وإغواء إعلامي وأضواء تقدم لفئة من النخب التابعة.

(5) تشريعات وبرامج ثقافية وسياسية وإعلامية تفرض الثقافة الغربية تتعارض مع قيم وعادات وتقاليد دول أخرى.