د. رمزي بن دبكة

 أكبر مسألة قد تواجهها الدولة هو ذلك الخلط بين معنى المشروع وتطبيق المشروع من خلال جعله واقعاَ. ولكنّ الأخطر من ذلك لا يظهر جليّا إلاّ مع ظهور أزمة طارئة ما، فتدخل على المشروع الغير التام أو الغير قابل للتطبيق. ومنه فإنّ حلّ الأزمة الطّارئة يرتبط من بدايته بحلّ مشاكل المشاريع الغير التامّة فيظهر ذلك مستعصياً على الفهم والتفاعل والحل. إنّ خطروة ماتحدثه أزمة كوفيد-19 في الجزائر مثلاَ، هو دخولها على قطاعاتٍ بأكملها برتبة مشاريع غير منتهية ومفتوحةٍ على شكل ورشات عمل غير عمليّة وفاعلة داخل المجتمع من الأساس فأنّا لها أن تقابل أزمةً بحجم أزمة كورونا؟

ومنه فإنّ الأزمة مع الوقت خلقت أزماتٍ متعدّدة وجعلت حلّها مستحيلاً لأنّه مقترنٌ بحلّ مشاكل تلكم القطاعات المشاريع الغير مكتملة من عشرات السنين. إنّ الدول تواجه الأزمات دائما بالقطاعات الفعليّة المطبّقة واقعاً وليس بمشاريع غير تامّة والتي تحتاج هي ذاتها إلى حلول حقيقيّة. ومنه فإنّ الأزمة في الجزائر قد زادت من عمق صعوبة الحلول في كلّ القطاعات لأنّها ليست فعليّة أصلاً فكان خلل معالجتها يكمن في صعوبة تصنيفها ابتداءًا. إنّ قطاعاتٍ بأكملها مثل الصحّة والتعليم والاقتصاد والجامعات والجماعات المحليّة والبنوك والنقل كلّها قطاعاتٌ برتبة مشاريع مفتوحة غير تامّة وفعليّة. فكيف إذا علمنا بأنّ الأزمة أعطيت لقطاع مهلهل كالصحّة وكيف إذا عرفنا بأنّ الأزمة عالميّة ولم تحلّها أقوى الدول بقطاعاتها الفعليّة العمليّة؟

إنّه حتماً لأمرٌ مهول لو فكّرنا في ذلك مليّاً ولعرفنا ماتواجهه الجزائر على أنّه توجّه غير صحيح ويحتاج إلى مراجعةٍ سريعةٍ مبنيّةٍ على فهم تصنيف الأزمة وعلى قدرة إدارتها من خلال توزيع الأدوار على الفواعل الغير مباشرة والتي سنتحدّث عنها لاحقاً. فالتركيز على حلّ الأزمة من خلال طريقة القطاعات المشاريع هو توجّه خاطئ وجب للدولة التنبّه إليه، والعمل على حلّ الأزمة الآن مع تفعيل التوازن القطاعي مؤقتاً وتأجيل حلّ أزمات القطاعات المشاريع التي لها عشرات السنين.

يجب على الفاعلين أن يفهموا بأنّ رمي الأزمة لقطاع الصحّة يعني إيجاد حلول عميقةٍ لهذا المشروع الغير التام بذاته وهذا مالا تطيقه أكبر الدول في الوقت الرّاهن فما بالك بدول العالم الثالث. ومنه فإنّ الحلول لا تتأتّى إلاّ من خلال فهم الأزمة وما تحتاجه الأزمة ولو باعتبار الحلول القاسية أحياناً لأنّ الهدف الآن هو إنهاء كورونا في البلاد. أمّا إذا رميت الأزمة للقطاعات المأزومة بذاتها فإنّ الدولة ستكون ملزمة وستجري وراء حلّ أزمات القطاع ذاته وليس لحلّ أزمة كورونا فاليُنتبه إلى هذا الخلل البيّن.

لقد دأبت عدّة دول في آسيا على الأخذ بتدابير صارمةٍ ولكنّها عمليّة من البداية. ويرجع سبب ذلك إلى خبرتها في تلقّي الأزمات من عشرات السنين مع مراعاتها لجوانب متعدّدة في الحل. ومن خلال الأداء، فإنّه يلاحظ اعتمادها على التخطيط الفاعل للإجراءات المباشرة ثمّ تليها الإجراءات المكمّلة أو الغير المباشرة والتي بمجموعها يصبح لها دور مباشرٌ في حلّ الأزمة. فمن ذلك مثلاً:

أوّلاً: إجراءات الغلق الكلّي للحد من الانتشار. وهنا ترى قطاعاتٍ بأكملها تسهر على ذلك. ففي ماليزيا مثلا، كان الغلق ثمّ تلاها مباشرة علميّة التوعية وهنا ترى الحجم الكبير للفواعل الغير مباشرة التي أعطيت لها أدوار كبيرة كالأئمة والعلماء والمجتمع المدني لأنّ الهدف أولاً كان توعويّاً.

ثانياَ: ثمّ تلا ذلك العمل على الجانب الاقتصادي والذي صاحبته نظريّةٌ سائدةٌ في آسيا خلال الأزمات وهي ظاهرة الحد من المصاريف (Minimizing the Costs)  من خلال تسهيل حياة المواطنين. فكيف يكون ذلك؟ إنّ التصرّف بالحد من المصاريف هو عكس التوجّه الذي أخذته الجزائر. فالكثير من الدول الآسيوية لجأت إلى تقديم المساعدات المباشرة للعمّال وتوقيف دفع الضرائب والاعفاء من دفع فاتورة الكهرباء والانترنت وغيرها من الاعفاءات المدروسة للمواطنين. وهذا ماجعل الناس تقلّل من حركتها وتثق في حلول حكوماتها، ولكن الأهم من ذلك فقد خفّف هذا كثيراً من الأعباء على قطاع الصحّة والأمن والجيش والتي هي من القطاعات المباشرة في التعامل مع الأزمة كما ذكرنا ذلك آنفاً. ثمّ إنّ خروجها السّريع من الأزمة قد أعطاها فرصةً أكبر لاستعادة الحياة اليومية سريعاً ومنه فتح الاقتصاد الداخلي ففتح الحدود فالخروج الكلّي من الأزمة مثل ما يحدث في فيتنام وسينغافورة وماليزيا وهونكونغ وغيرها. ولقد تلت تلك الاعفاءات مسألة توفير الحاجيات والمستلزمات مع تحفيزاتٍ كثيرة لمختلف فئات المجتمع.

إنّ الفاعليّة كانت كبيرة من خلال العمل على التحفيزات والتخفيف من الأعباء على القطاعات والحد من مصاريفها من خلال إعادة النظر في توزيع النفقات على المواطنين وعدم دفعهم إلى مرحلة المفاضلة بين البقاء في البيت أو العمل على إيجاد لقمة العيش كما حدث في الجزائر للأسف. فإنّ الناس لن تسمعك لو وصلت إلى درجة المفاضلة هاته ولو تكلّمت لعشرات السنين ولو كانت الإجراءات ردعيّةً للغاية.

ثالثاً: استغلال كل الطاقات البشريّة والكفاءات الموجودة في البلاد وذلك بإجراءات متنوّعة ساهمت في إعطاء الحلول السّريعة. لقد استغلّت معظم الدول الآسيوية أساتذة الجامعات والباحثين والخبراء في ظرف وجيز. ولعلمها بخطورة الأزمة فإنها فتحت باب المشورة وطلبت مساعدة كل الخبراء. فليس مبالغةً إن قلت بأنّ درجة المشاورات والملتقيات وتقديم المقترحات والتفاعل بين الأساتذة والباحثين قد أصبح بدرجة عالية خلال الأزمة. ثمّ تتبنّى الحكومات المشاريع المدروسة من كلّ القطاعات وتحوّلها إلى حلول عمليّة سريعة. وبهذه الطريقة من تبنّي حلول الخبراء، فقد ربحت الدول وقتاً ثميناً بدل التركيز على مايفعله قطاع الصحّة فقط. لقد زوّد الباحثون والخبراء حكوماتهم التي فتحت لهم المجال من خلال آلياتٍ واضحة، بمجموعاتٍ من الأفكار العمليّة كطرق التمويل أثناء الأزمة وأساليب مساعدة الشركات الاقتصادية و القطاعات الأولى بالنظر والدعم و الخطط المستقبليّة للخروج الآمن وغيرها من التدابير التي لا يُتحصّل عليها إلاّ بالبحث العميق من أصحاب الاختصاصات والباحثين وهذا مالم يحدث كذالك للأسف في وطننا الحبيب.

ربعاً: الاعتماد على أسلوب المكافآت المجدية وهذا يختلف كثيراً عن أسلوب المكافأة بالنذرة الذي اعتمدته الجزائر. ومعنى ذلك أنّ الجزائر فتحت عدّة ولايات ومناطق بسبب قلّة الإصابات أو نذرتها وهذا من الأخطاء الغير مجدية والتي تنمو عن قصور في التخطيط وتطبيق الحلول. إذ إنّ الأولى هو ملاحظة المناطق والولايات ومكافأتها ليس لقلّة الإصابات فقط بل لوجود عوامل أخرى كالتزام المواطنين في مراحل سابقة ونشاط المجتمع المدني فيها ووجود خلايا مجتمعيّة فعّالة وحيويّة وهناك مؤشّرات أخرى كذلك وهذا ما جعل فتح المناطق مثلاً في سينغافورة مبني على وجود تلك المؤشرات لا على قلّة الإصابات فقط.

لقد أردت من خلال هذه الورقة السّريعة إعطاء نظرةٍ حول الجوانب التي وجب النظر إليها وهناك جوانب أخرى كذالك من أجل حلّ الأزمة في الجزائر. وعليه فإنّه يجب أولاً، على الفاعلين النظر والاستفادة من أساليب حلّ الأزمات التي اعتمدها الآخرين ولقد فضّلت الدول الآسيوية لخبرتها. ويجب الاعتماد على طريقة متكاملة وليس فقط بطلب المساعدة  الصحيّة من الصين لأنّه ببساطة سوف لن يحلّ الأزمة. ثانياً، إنّ ما ينقص الجزائر هو القدرة على التخطيط وتفعيل الإجراءات الغير مباشرة. فإنّه من السهولة بما كان العمل على غلق الولايات ثم فتحها ثم غلقها ورمي الأزمة لقطاع الصحّة وغيرها من الإجراءات المباشرة في حلّ الأزمة. ولكن مع الوقت هذا ما يزيد من مشاكل الدولة وتغليب عدم القدرة على الحل. فإنّه الآن وجب على الفاعلين العمل أكثر والتعلّم على الأخذ بالإجراءات المكمّلة في كلّ الميادين ولكن لا يمكن ذلك إلاّ من خلال الاستعانة بالكفاءات والخبراء وعلى رأسهم أساتذة الجامعات والباحثين والعلماء. كما يجب الاستعانة بالأئمّة والدعاة وشخصيات المجتمع المدني من أجل خلق التعبئة اللاّزمة لحلّ الأزمة. ثالثاً: الإكثار من فتح النقاشات والحوارات وغيرها من أجل بعث الحيويّة الفاعلة وسط مختلف الطبقات مع تفعيل وتطبيق أفضل الأفكار التي تناسب الجزائر والتي تتوصّل إليها هاته المناقشات المكثّفة. فإنّه لمن الخطورة بما كان بأن تهمّش الكفاءات في هذا الوقت بالذّات أو بأن تُصبح المشاركتهم وكأنهّا أمر ثانوي من دون تفعيل. رابعاً: مراجعة النفقات ومحاولة تخفيف الأعباء على المواطنين كما ذكرنا آنفاً. فما تصرفه الدولة الآن سيكون له أثرٌ سريع للخروج من الأزمة والابتعاد قدر الإمكان عن أسلوب المفاضلة بين البقاء في البيت أو الموت جوعاً. خامساً، رسم خطّة عمليّة للخروج التدريجي والمدروس مع إعطاء وتوزيع الأولويّات خلال كلّ مرحلة. وليس بالخروج الغير مدروس والرجوع إلى نقطة الصفر في كلّ مرّة.

إنّ مجموع الحلول المركّبة وخاصة ما ينتج من المناقشات والأراء ومساهمة الفاعلين هو ما يخرج الجزائر من الأزمة الحاليّة. أمّا الاعتماد على القطاعات التي هي ذاتها مأزومة فإنّه سير نحو المجهول. وبقدر ماتسرّع الخطوات العمليّة لحلّ أزمة كورونا لا أزمة القطاعات، بقدر ما تحلّ الأزمة سريعاً. أمّا إذا بقينا في الجزائر نريد حلّ أزمة كورونا من خلال القطاعات المشاريع، فإنّه لا قدّر الله ستصبح كورونا هي ذاتها مشروعاً آخر مفتوحاَ لا ينتهي مثلما لم تنتهي مشاريع التعليم والبناء والصحّة والاقتصاد والنقل وغيرها وهذا مالا نتمنّاه والله أعلم.