يعد الربط بين جدلية ما هو كائن وما يجب أن يكون فيما يتعلق بمكانة القوة في المدرك الاستراتيجي الأمريكي وإشكالية توظيفها، من المتلازمات الذهنية الراسخة في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، لاسيما بعد أحداث 11 أيلول 2001 وحربي أفغانستان والعراق، والتي حفزت المفكر والمخطط الاستراتيجي الأمريكي للبحث عن توظيف بدائل أو وسائل فاعلة تعزز مخرجات الأداء الاستراتيجي الأمريكي بما يصب في المحصلة النهائية في جانب تكتيل القدرات الإستراتيجية الشاملة وإحداث توازن في كيفية توظيف القوة مما يفضي إلى استمرارية الهيمنة الأمريكية وفق صياغات فلسفة جيوستراتيجية جديدة اعتنقها صانع القرار الأمريكي، وهنا تندرج مفاهيم عديدة لكيفية توظيف القوة وفق منسجمات جديدة تتلاءم مع طبيعة التحولات الدولية، فبرزت مفاهيم القوة الناعمة( اللينة) والقوة الصلبة(الخشنة) كمفردات تصب في خانة ما يسمى التوظيف المتوازن للقوة تحت مسمى القوة الذكية لتحقيق أهداف الإستراتيجية الأمريكية، كونها تقدم رؤية تحليلية مقاربة لأثر توظيف القوة الذكية في الإستراتيجية الأمريكية وحداثة استخدامها في أنساق التفاعلات الدولية، ويبين لنا طبيعة العلاقة الارتباطية بين القوة الناعمة والصلبة وحسابات صناع القرار الأمريكي حيال التعامل الوحدات الدولية وغير الدولية المكونة للنظام العالمي الجديد، الأمر الذي يميز الفكر الاستراتيجي الأمريكي عن غيره أنه ذو أبعاد ودلالات حركية وديناميكية عالية، ولا يهمل أبداً البعد المستقبلي واحتمالاته القادمة، ولعل من أبرز المهام الصعبة التي يمكن أن تفهم من خلالها تفاعلات القوة بمجمل متغيراتها الحالية والقادمة تكمن في بناء تفكير جديد وبلورة الإدراك الاستراتيجي المتبادل لما هو عليه طبيعة التفاعلات العالمية بشقيها الدولي والإقليمي، لذا يُـعدّ هذا البحث محاولة لاستشراف مستقبل القوة في المدرك الاستراتيجي وحسابات التوظيف الاستراتيجي الجديد للقوة، ومن ثم الاقتراب من المعطيات المحتملة للزمن الآتي بالاستناد إلى معرفة ما يدور اليوم. وبناءاً عليه، لابد من اشتراطات أساسية في فهم مغزى الحاضر والمستقبل، تلك التي يتقدمها قبل كل شيء فهم ما هو مطروح اليوم من تنظيـرات فكرية وعمليـة مهمة جداً لا يمكن أبداً تجاهلها أو التــغاضي عن مضامينها أو الاستخفاف بنتائجها. إن المتغيرات الدولية التي أثرت في هيكلية النظام الدولي أدت دورا مهما ومؤثرا في تغير مفهوم القوة ،وتشكيل أنماط جديدة لها مما جعل من مفهوم القوة التقليدية الصلبة يتراجع بشكل ملحوظ، مقابل تعاظم دور القوة الجديدة المتمثلة بالقوة الناعمة كأحد الأشكال الجديدة للقوة التي توظفها الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم فقد شكل توظيف مفهوم القوة أهم الثوابت الإستراتيجية في الأداء السياسي الخارجي منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى يومنا هذا، وان ما طرأ من تغيرات على وظيفة القوة الأمريكية لا يتعدى تحديد الأولويات والمقاربات لأدوات تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية دون المساس بوظيفتها الأساسية في حماية مصالح الولايات المتحدة الأمريكية سواء كانت تكتيكات وصور توظيفها في أطار الردع التقليدي أو النووي أو الحرب الاستباقية أو الوقائية أو تحقيق الجذب والتأثير في سلوك الآخرين عن طريق توظيف القوة اللينة أو المزاوجة مابين القوة الصلبة والناعمة تحت توصيف ما يسمى بالقوة الذكية،لذا فأن القوة مفهوم عام وشامل يستند إلى مجموعة من العوامل السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، والثقافية،والبشرية تؤثر بعضها في البعض الآخر، أي أن توظيف القوة النشطة والبناءة في المدرك الاستراتيجي الأمريكي كإلية من آليات تنفيذ الإستراتيجية الأمريكية أدى إلى ضبط الأداء الاستراتيجي الأمريكي بما يسهم في تمكين الهيمنة الأمريكية لعقود قادمة، لذا فقد دأبت مناهج تحليل العلاقات الدولية إلى بحث إشكالية توظيف القوة، بوصفها المحرك الأساسي للتفاعلات الحاصلة فيما بين الدول، إذ يختلف فهم مكانة القوة ومكوناتها وعناصرها واليات توظيفها استراتيجيا باختلاف المدارس والمداخل والاتجاهات النظرية المختلفة في العلاقات الدولية، فضلاً عن طبيعة توجهات صانع القرار الاستراتيجي الأمريكي.

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة