وليد عبد الحي

أربعة أهداف تقف وراء التدخل التركي في الشمال السوري:أولا: تصفية العسكرتارية الكردية في البيئة الاقليمية المحاذية لتركيا كمقدمة لدفن احلام حزب العمال الكردي في تركيا والاحتفاظ بوحدة الاراضي التركية، ويمكن اعتبار هذا الهدف بأنه الهدف الاستراتيجي الأعلى ، بخاصة في ظل المعطيات التالية :

أ- النزعة الانفصالية الكردية في تركيا: يبلغ عدد الاكراد في تركيا ( 20 مليون نسمة حسب المعهد الكردي في باريس، وحوالي 14 مليون حسب Hurriyet Daily News ، و حوالي 15 مليون حسب السي آي ايه)، وخطورة هذا العدد في ضوء نتائج دراسة النزعة الانفصالية للأقليات ان أكراد تركيا يتكدسون في اقليم واحد ، منظمون سياسيا، ثم –وهو الاخطر- يقعون على حدود الدولة( الشرق والجنوب الشرقي)، لكنهم يفتقدون للمورد الاقتصادي الهام الى جانب ان الحريات السياسية لهم تراجعت في ظل تراجع مؤشر الديمقراطية في تركيا خلال 2018-2019 بعشر نقاط ويضعها في المرتبة 110 من 167.
طبقا ل (2019 Economist Intelligence Unit)
بخاصة بعد التحول نحو النظام الرئاسي ، وهو ما يجعل تركيا في موقف الاختيار بين مزيد من الحريات( وهو ما يوسع المجال للنزعة الانفصالية الكردية) او مزيد من التضييق( لكبح جماح هذه النزعة) وفي كل من الخيارين شرور.

ب- ان السمة العامة للعلاقة بين الحكومة المركزية التركية والاكراد منذ 2015 هي علاقة عنيفة ومرتبطة بالتدخل التركي في الازمة السورية.، فمنذ 2015 قتلت القوات التركية مئات المدنيين الاكراد وتم تدمير المنازل وتهجير مئات الآلاف من الاكراد( نيويورك تايمز 30 ديسمبر 2015) رغم ان الفترة من 2013-2015 عرفت قدرا كبيرا من الهدوء بين الطرفين. وقد كان التدخل التركي في سوريا مدفوعا في ” احد ” جوانبه بالقلق من تحقيق الاكراد انفصالا ناجحا في الشمال السوري ، وهو ما يعني قاعدة لدعم أكراد تركيا، وهو الامر الذي تراه انقرة تهديدا جديا، لا سيما بعد تنبه أردوغان لوزن مقاعد حزب الشعب الديموقراطي(65 مقعدا) ناهيك عن وزن حزب العمال الكردستاني المحظور.. وهنا تجد السياسة التركية نفسها امام خيارين اما ان تتدخل في سوريا مع كل اوزار هذا التدخل او لا تتدخل وقد ينعكس ذلك بتوسيع آخر لقاعدة كردية في سوريا تدعم المسلحين الاكراد في تركيا.

ت- ان التراجع الكبير خلال 2018 و 2019 للنشاطات العسكرية لحزب العمال الكردستاني(التركي) ضد القوات التركية بسبب قوة الضربات التركية ، أغرى اردوغان بالذهاب الى اقصى حد لاجتثاث النزعة الانفاصالية الكردية في تركيا وفي الاقليم مستثمرا ايضا تلاقيه في هذا الهدف مع بقية دول الاقليم ( سوريا والعراق وايران) ولعل ذلك جزء مما يفسر بعض التشنجات في العلاقات مع اسرائيل والولايات المتحدة الداعمتين للاكراد، وهنا تجد السياسة التركية نفسها امام اولويتين لا بد ان تعلو احداهما الاخرى: القضاء على الحركية الكردية المسلحة والتضحية ببعض الخسارة في العلاقة مع امريكا واسرائيل او العكس..وأحلاهما مر.

ثانيا: تغيير التركيبة السكانية في الشمال السوري لتغييب السمة الكردية السائدة في مناطق حدودية معينة بشكل يخلخل التواصل الديموغرافي الكردي، فمن مصلحة تركيا زيادة نسبة غير الاكراد في المنطقة لتوسيع الشقوق في الهوية ” القومية للمنطقة السورية”، وعليه فهو يحاول تسكين اعداد كبيرة من العرب والتركمان في المنطقة سواء من المهاجرين السوريين القدامي أو الجدد، وهذه السياسة التي حاولها العراق سابقا لم توصل الى نتائج ذات معنى بل عززت من الحساسيات القومية في مجتمعات متخلفة كمجتمعاتنا.

ثالثا: محاولة الحفاظ على الاسلام السياسي بنسخته الاخوانية أو ما تقارب معها، فقد كان رهان أردوغان على الاخوان المسلمين كبيرا للتمدد الاقليمي ، بخاصة بعد فوز محمد مرسي وتنامي دور النهضة في تونس وغلبة السمة الاخوانية على قطاع واسع من المعارضة السورية والليبية …الخ، لكن انقلاب السيسي ، والفوضى الليبية ونجاح الحكومة السورية في استعادة السيطرة على الموقف العام والقلق السعودي من تغلغل الاخوان في الوسط السعودي يفسر الخلاف التركي مع دول الخليج غير الداعمة للاخوان(الامارات والسعودية ) ومصر وحفتر ويفسر التقارب مع السياسة القطرية التي تقوم في جوهرها على ” دبلوماسية الإنابة”(proxy diolomacy) التي بدأت عُمان تزاحمها فيها، فحيث يواجه الاخوان مأزقا سارعت تركيا للنجدة، وعليه تعتبر العلاقة التركية مع الاخوان هي دالة فهم الاستراتيجية التركية في المطقة العربية.

رابعا: توظيف الدور التركي في الأزمة السورية للمقابضة مع كل من اوروبا والامريكيين والاسرائيليين ومع روسيا ، فمع اوروبا يجري التهديد بموجات اللاجئين الى اوروبا ، ومع الولايات المتحدة واسرائيل فان اردوغان يرى ان مساندتهما للاكراد سيدفع به الى مزيد من التقارب مع روسيا( شراء منظومات صاروخية دفاعية، والتناغم في ليبيا..الخ)، كما يحاول لجم الدور الروسي والإيراني مع الحكومة السورية من خلال غواية استمرار عدم الالتزام التركي بالحصار على ايران والتنسيق –في حدود معينة- مع ايران تجاه بعض موضوعات المنطقة.
في ظل هذه المعطيات ، يبدو ان مشروع ” تركيا الكبرى” سيواجه صعوبات حادة جدا نظرا لاتساع قاعدة الحركة التركية بما يفوق القدرة التركية ونظرا للملابسات وضيق مدى الحركة الدبلوماسية والمقايضة ( سوريا وليبيا واليونان وقبرص وقطر والغاز المتوسطي واكراد تركيا وميركنتلية ترامب وثبات الموقفين الروسي والإيراني في سوريا وتراجع متواصل لقيمة الليرة التركية والتوتر الصامت مع بعض الدول الأوروبية ..الخ)،
ويبدو ان ” التمدد الزائد” الذي كتبت عنه سابقا ما زال صالحا لتفسير واستشراف السياسة التركية.

Print Friendly, PDF & Email