وليد عبد الحي

ثمة سيناريو تناقشه الدراسات المستقبلية الأكاديمية( وكنت قد تناولته في كتابي الدراسات المستقبلية في العلاقات الدولية الصادر عام 1992 من صفحة 197-199) وتستند في تحليلها ومعلوماتها الى ما يتسرب من الدوائر الاستخبارية والأجهزة الامنية ومختبرات البحوث العلمية ، ويتمثل هذا السيناريو الذي تتالى شواهده تدريجيا لترسم صورة مرعبة تجعل من مفهوم القوة مفهوما غير محدد المعنى في الافتراض التالي:
مع استمرار التطور العلمي بل ومشاعية هذا التطور، ماذا لو ان التنظيمات السياسية التي تتبنى العنف في أغلب مناطق العالم امتلكت ” أسلحة دمار شامل : النووي أو الاشعاعي او السبراني او الجرثومي او الكيماوي او ما يتفتق عنه العقل البشري مستقبلا وأصبح العالم مرتهنا لمطالب هذه التنظيمات؟
لقد بدأ السلاح النووي في المختبر ثم امتلكته دولة واحدة ثم دولتان وبدأ انتشاره فاصبح لدينا الآن تسع دول مؤكدة( امريكا-روسيا- الصين- بريطانيا- فرنسا- الهند –الباكستان- كوريا الشمالية- اسرائيل) وهناك 5 دول تحوم الشكوك حولها ، أي ان الاتجاه هو نحو الانتشار رغم كل الضجيج، والمشكلة ان السر العلمي لانتاج القنبلة لم يعد سرا، وتتمحور المشكلة حاليا حول توفير ” المادة الخام والمفاعل”.
ومع التطور العلمي قد يتوفر ” قنابل نووية بدائية”، وقد تكون هناك قنابل نووية تكتيكية، او القدرة على تحقيق الانشطار من مواد جديدة وبطرق جديدة لا سيما ان هناك علماء مستعدون للتعاون مع هذه التنظيمات لاسباب دينية او عقائدية او فلسفية او انتقامية او مالية او حتى مرضية…
ولعل الاسلحة الاشعاعية(الراديولوجي) والسبرانية والجرثومية والكيماوية أيسر في الحصول عليها، بل ويمكن انتاجها من مواد بعضها في المنازل، فالحليب من افضل البيئات لانتاج مزارع من الفيروسات او ما شاكله من مواد الطعام او الأعشاب او …الخ.
تزداد المشكلة تعقيدا بظاهرة التسارع في التطور العلمي، فالنقاط المفصلية( turning points) والتي يتم التعبير عنها بما يسمى المنحنى السوقي(logistic curve) في المجال التكنولوجي تبين ان ايقاع الانتقال من مستوى لآخر في التطور التقني يزداد تسارعا ليصل معدله الحالي الى 25 سنة، وقد سبق لمركز دراسات اسلحة الدمار الشامل في جامعة الدفاع الوطني الامريكية أن نشر في يونيو 2014 دراسة تنبأ فيها بأن السيطرة وضبط انتاج اسلحة الدمار الشامل قد ينتهي عام 2030.
وكما طور العلم ” الطائرات بدون طيار” والتي اصبح أي تنظيم سياسي صغير قادرا على انتاجها بعد ان كانت سرا كبيرا تحتكره الولايات المتحدة، فأن استخدام هذه الطائرات( او ما سيتفتق عنه العقل البشري) لحمل اسلحة الدمار الشامل مؤشر على طبيعة التطور الكارثي في مجال التكنولوجيا العسكرية.
وقد تقوم دول معينة بتزويد تنظيمات معينة بهذه الاسلحة لاستخدامها من قبل هذا التنظيم ضد دولة أخرى معادية لتلك الدولة ، وبهذا يمكنها التنصل من المسؤولية ” المباشرة على اقل تقدير” عن الهجوم..ولن تجدي لجان التحقيق بعدها نفعا.
ويبلغ عدد المنظمات السياسية المصنفة ارهابية (بغض النظر عن الاعتبارات لتصنيفها) حوالي 200 تنظيم موزعة في 23 دولة، وبين هذه التنظيمات مجالات للتناحر ولكن(وهو ما يهمنا في هذا المقال ) مجالات للتعاون لا سيما في نقل محتمل لأي نجاح يحققه تنظيم معين في مجال موضوع انتاج اسلحة الدمار الشامل، فكما تتعاون الدول في ضبط هذا النوع من الاسلحة تتعاون التنظيمات فيما بينها لانتاجه مستغلة وسائل التواصل الالكتروني الحالي ، ويدور سباق بين هذين الطرفين في هذا المجال..
ذلك يعني أن في الطبيعة من المواد التي كما تصلح لتكون علاجا تصلح لان تكون ” مرضا” ، فإذا نجح تنظيم في ابتزاز دولة كبرى بسلاح دمار شامل سيكون درسا للآخرين، ففي عام 2004 اتفق الرئيس بوش مع جون كيري في حوار مفتوح ان ” ارهاب اسلحة الدمار الشامل هو الخطر الاول على الامن القومي الامريكي”،كما ان عددا من تقارير السي آي ايه تؤكد ان امتلاك هذا السلاح من قبل التنظيمات(أيا كانت) ليس الا مسألة وقت، وهنا تكون ” القيامة الصناعية ” بخاصة مع استمرار سياسات الهيمنة والفقر والجوع والاضطراب البيئي، فإما العدل الدولي (وهو ما لا يلوح في الافق) او أن يتحقق خيال فرانكشتاين…ربما.

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة