دراسات سياسية

النظرية الديمقراطية الغربية و الاستقرار الدولي

5.0
01

لا شك أن الحفاظ على المعاهدات والمواثيق الدولية ووفاء حكومات الدول بالتزاماتها الموقعة في إطار تلك المعاهدات، يشكّل عنصراً حيوياً من عناصر الاستقرار الدولي، فبعد نهاية الحرب العالمية الثانية جرى تطور كبير و وضِعَت الأسس والقوانين التي تنص وتنظم العمل بالمعاهدات الدولية كاتفاقية فيينا التي دخلت حيز التنفيذ عام 1980.

لكن رغم ذلك، برزت في الفترة الأخيرة العديد من الوقائع على المستوى الدولي من قبيل انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من معاهدات واتفاقيات دولية كثيرة كاتفاقية باريس حول المناخ والاتفاق النووي الإيراني وكان آخرها وربما الأخطر على الأمن الدولي هو الانسحاب من معاهدة “نيو ستارت” للحد من الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى الموقعة مع الاتحاد السوفياتي السابق عام 1987.

الإشكالية الكبرى التي تطرحها هذه السلوكيات هو الأسلوب الذي باتت تتبعه العديد من الحكومات وبالأخص الغربية في مجال الالتزام بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية، فعلى ما يبدو أن طبيعة النظام الديمقراطي الغربي هي السبب في هذه الإشكالية، والمقصود هنا أن هذه الانسحابات والتذبذبات في السلوك السياسي الخارجي لحكومات تلك الدول باتت تشكل خطراً حقيقياً على الاستقرار لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، فمن غير الواضح هل أن تلك الدول تستخدم الانتخابات لديها وتبديل الحكومات كمسوّغ للتحلل من تلك الالتزامات، أم أن المشكلة في طبيعة تشخيص تلك الدول لمصالحها على المستوى الدولي، ومن غير المفهوم أيضاً كيف أنّ دولةً عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال التي تحتوي على أكبر عدد من مراكز الدراسات والأبحاث الاستراتيجية على مستوى العالم توقع إدارتها على معاهدة كالاتفاق النووي الإيراني عام 2015 بعد سنوات من التفاوض اشتركت فيه كبريات الدول العظمى على مستوى العالم في مقابل إيران، ثم وببساطة وبعد ثلاث سنوات فقط تأتي إدارة أخرى برئاسة دونالد ترامب وتنسحب من ذلك الاتفاق بشكل مخالف للقانون الدولي، والأمر ذاته ينطبق على اتفاقية باريس للمناخ الهامة جداً للتوازن البيئي وحفظ الحياة على كوكب الأرض الموقعة عام 2015 أيضاً، فهل كانت إدارة أوباما مختلة عقلياً أو غير ناضجة استراتيجياً ولا تعرف مصالح بلادها ثم جاءت إدارة ترامب بعد ثلاث سنوات فقط لتصحح ذلك الخطأ!!

إن ما يحصل يذكّر أيضاً بتراجع الحكومات “الإسرائيلية” المتعاقبة هي الأخرى عن عديد من الاتفاقات والتفاهمات التي كانت توقعها مع الدول العربية المعنية ، كاتفاق أوسلو مع السلطة الفلسطينية الذي لم يتبقَ منه شيء، وتفاهم نيسان عام 1996 الذي خرقته “إسرائيل” مراراً في حروبها المتتالية على لبنان التي كان آخرها حرب تموز 2006، واتفاقية فصل القوات مع سورية الموقعة عام 1974 التي خرفتها وما زالت تخرقها “إسرائيل” باعتداءاتها المتكررة على الأراضي السورية، ولا يمكن الإغفال أيضاً أن اعتراف الإدارة الأمريكية الحالية بالقدس الشريف عاصمةً موحدةً “لإسرائيل” وسيادة الأخيرة على الجولان السوري المحتل يندرج كتجسيد عملي للقضية المطروحة في هذا المقال.

في الحقيقة ما سبق يطرح تساؤلاتٍ عميقة حول الجدوى من التفاوض و إضاعة الوقت والجهد في المباحثات مع حكومات الدول الغربية وحلفائها الإقليميين طالما أنّه يمكن أن تأتي حكومةٌ أخرى “منتخبة” وربما بعد فترة قصيرة نسبياً لتلغي أو تنسحب من تلك المعاهدات ، والتساؤل الآخر المطروح هو فيما إذا كانت النظرية “الديمقراطية” وفق الفهم الغربي لها ما زالت تصلح لتحقيق الاستقرار الدولي أم أنها ربما ستشكّل تهديداً جديّاً له في المستقبل القريب؟

رضا النحاس
موقع توازن للأبحاث والدراسات

 

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock