آليات التغيير السياسي الشامل … بين المنطق و التاريخ و الإسلام ..

ترددت كثيراً قبل كتابة ذلك المقال ، رغم اكتمال و تبلور و ترابط أفكاره في ذهني ، و ربما كان ذلك التردد جزءاً من الخوف من الاصطدام مع بعض الأفكار السائدة أو المنتشرة بين قطاعات كبيرة من الناس .

هذا المقال يهدف إلى تبديد أسطورة أن التغيير الكلي الشامل للمجتمعات ، خاصةً فيما يتعلق بالتغيرات الكبرى و المصيرية ، يحدث من أسفل ، أي أن ذلك التغيير يحدث من خلال دعوة الناس و الانتشار بينهم .. هذه أسطورة يسعى هذا المقال إلى تبديدها إلى جانب أسطورة أخرى تقول أن ذلك كان هو السبيل الذي حدث به التغيير الأعظم في بعثة النبي محمد صلى الله عليه و سلم و انتصار دعوته ، هذه أسطورة أخرى نسعى إلى تبديدها.

دعونا نبدأ باستدلال منطقي بسيط … دعونا نتخيل أي شخص يمارس أية مهنة بشكل يدوي بسيط ، لنفترض أن ذلك الشخص يعمل في الخياطة ، أي أنه ترزي … و يريد أن ينافس مصنعاً كبيراً يعمل بشكل اوتوماتيكي و لديه آلات عملاقة لصناعة الملابس … هل يمكن لذلك الترزي البسيط أن ينافس المصنع العملاق ؟ … الإجابة ستكون طبعاً انه لن يستطيع المنافسة … لأن المصنع يعمل من خلال آليات “الإنتاج الكمي” ، بينما يعمل الترزي من خلال إنتاج فردي بطيء .

كذلك أية مجهودات من أي فرد أو مجموعة أو تيار في مواجهة الدولة التي تمتلك آليات الإنتاج الكمي للأفكار ، حيث تمتلك التعليم و الإعلام و الجهاز البيروقراطي و الأجهزة الأمنية و أجهزة صناعة الوعي العام و بث الشائعات و الأخبار .. و بالتالي فإن أثرها حتماً سيكون أشد تأثيراً من تلك المجهودات التي تأتي من خارج أجهزة الدولة.

علينا أن ندرك أن كل التجمعات البشرية تتكون من طبقة حاكمة متحكمة ، و طبقة محكومة تمثل الأغلبية .. و هذا ينطبق على كل التجمعات البشرية ، ابتداءً من القبيلة وصولاً إلى الدولة الحديثة … و هذا موجود في كثير من الكتب و الدراسات ، أبرزها كتاب (The ruling class) أي “الطبقة الحاكمة” الذي تناولناه في حلقة قديمة (رابط الحلقة في التعليقات 👇 ) .

إذا نظرنا إلى أكبر التغيرات الشاملة التي حدثت في تاريخ البشرية ، سنجد أنها حدثت عندما وصلت تلك الفكرة إلى مركز صنع القرار في الطبقة الحاكمة ، و من ثم انتقلت و انتشرت في الطبقة المحكومة .. على سبيل المثال ، انتشرت المسيحية بشكل واسع حين آمن بها و اعتنقها الامبراطور الروماني “قسطنطين الأول” ، و بعده تم قبول الدين المسيحي ثم تم اعتبار الديانة المسيحية هي ديانة الامبراطورية الرومانية .

و كذلك حين ننظر إلى انتصار الشيوعية في الاتحاد السوفيتي بعد انتشار الثورة البلشفية ، و في الصين بعد انتصار ثورة “ماو تسي تونج” … و غيرها من التغيرات الكبرى في تاريخ البشرية ، و التي لا يتسع المجال لذكرها .

يقول أحد الناس أن الإسلام لم ينتصر بهذا الشكل .. و نحن نقول أن ذلك خطأ كبير .. و هنا نريد مزيد من التركيز لنشرح تلك النقطة .

دعونا نستعرض ثلاث مدن رئيسية في دعوة النبي صلى الله عليه و سلم ، مكة و الطائف و يثرب … فلنبدأ بمكة ، حيث وقفت الطبقة الحاكمة في وجه الدعوة الإسلامية و قاموا باضطهاد النبي و أصحابه .. و إذا فتحت كتب السيرة النبوية ستجد الكثير من العناوين التي تعكس ذلك الاضطهاد ، بل و تعكس محاولات الإفلات من ذلك الاضطهاد الذي تمارسه الطبقة الحاكمة في مكة ، مثل عناوين “الهجرة الأولى للحبشة” و “الهجرة الثانية للحبشة” و “رحلة النبي إلى الطائف” و “النبي يعرض نفسه على القبائل” و غيرها من العناوين ..

من بين هذه العناوين سيتضح الفارق بين تعامل النجاشي (الذي يمثل الطبقة الحاكمة في الحبشة) مع المسلمين ، و بين تعامل الطبقة الحاكمة في الطائف مع النبي صلى الله عليه و سلم ، حين أطلقوا غلمانهم و سفهاءهم على النبي ليسبوه و يقذفوه بالحجارة حتى أصابه الهم الشديد .

ثم نصل إلى المدينة الثالثة ، و هي يثرب التي تختلف بشكل أساسي عن مكة و الطائف في أن الطبقة الحاكمة فيها استجابوا لدعوة “مصعب بن عمير” حين أتى إليهم يدعوهم إلى الإسلام … و حين نرى قصة إسلام “سعد بن معاذ” و “أسيد بن حضير” ، و هما سيدا قومهما في يثرب ، سندرك هذا المعنى .

فلقد رأى “سعد بن معاذ” مجلس “مصعب بن عمير” مع “أسعد بن زرارة” ، فطلب سعد بن معاذ من أسيد بن حضير أن يذهب لهما و ينهرهما لأنه لن يستطيع هو فعل ذلك لأن أسعد بن زرارة ابن خالة سعد بن معاذ ، فلما ذهب إليهما أسيد بن حضير اقتنع بكلام مصعب بن عمير و دخل في الإسلام ، ثم ذهب إليهما سعد بن معاذ ، فاقتنع أيضاً بكلام مصعب بن عمير و دخل في الإسلام .. ثم عاد سعد بن معاذ إلى قومه “بني عبد الأشهل” و قال لهم أنه لن يكلمهم حتى يدخلوا في الإسلام ، فأسلموا ، فكان سعد بن معاذ من أعظم الناس بركةً في الإسلام .

و هنا يتضح الفارق الضخم بين طبقة الحاكمة في مكة و الطائف ، و بين الطبقة الحاكمة في يثرب .. ذلك الفارق هو الذي جعل يثرب تكون مدينة النبي صلى الله عليه و سلم ، فتكون دار استقراره حياً و ميتاً … إنه الفارق في الطبقة الحاكمة .

فإذا عدنا إلى مكة و الطائف ، فنسأل سؤالاً .. متى دخلت مكة و الطائف في الإسلام ؟ … دخلت مكة و الطائف في الإسلام حين تمكن المسلمون من الوصول إلى مركز صنع القرار و الطبقة الحاكمة في هاتين المدينتين .

هنا يظهر سؤال مهم جداً … فماذا تكون فائدة الدعوة ؟ أي تلك الدعوة التي تمت في مكة قبل الهجرة إلى “المدينة” … إن هذه الدعوة لها فائدة كبيرة و أهمية قصوى ، لأنها تعمل على إيجاد النواة الصلبة و الطليعة أو النخبة التي ستستطيع أن تحل محل الطبقة الحاكمة الموجودة و تستطيع إيجاد طبقة حاكمة جديدة .. أي أن تلك الدعوة لن تثمر التغيير الشامل في المجتمع طالما أن الطبقة الحاكمة لا تؤيد ذلك التغيير ، و لكن تلك الدعوة هدفها إيجاد الفئة المخصوصة التي تحل محل الطبقة الحاكمة ، و من ثم نشر الأفكار الجديدة في المجتمع ، و من ثَم إحداث التغيير الشامل في المجتمع .

و هنا نلفت الانتباه إلى أن ذلك الوصول إلى مركز صنع القرار و الطبقة الحاكمة قد يحدث بطرق متعددة … قد يحدث من خلال اقتناع بعض أفراد الطبقة الحاكمة بتلك الأفكار ، مثل حالة الامبراطور قسطنطين الأول مع المسيحية ، و مثل حالة سعد بن معاذ و أسيد بن حضير في يثرب و النجاشي في الحبشة … و قد يحدث من خلال الثورة مثل الشيوعية في الاتحاد السوفيتي و الصين … و غيرها من الطرق .

و نريد أيضاً أن نوضح نقطة مهمة جداً ، و هي أن وصول الإسلام إلى مركز صنع القرار و الطبقة الحاكمة لا يعني إجبار الناس على الدخول في الإسلام ، و إنما يعني إزالة القيود ضد انتشار الإسلام ، و رفع الأذى و الاضطهاد ضد معتنقي الدين الجديد ، و إزالة غشاوة التشويه و الطعن و التجريح ضد الإسلام .. فيتم عرض الفكرة بوضوح و هدوء و دون تخويف ، و إنما يتم عرض الفكرة برعاية الطبقة الحاكمة ، ثم يكون الناس أحراراً في قبول الإسلام أو رفضه .. و هذا ما حدث -مثلاً – مع الفتح الإسلامي لمصر ….و كذلك هو شأن كل الأفكار السياسية و الاجتماعية ، فإنها لا تنتشر بشكل كبير و شامل إلا حين تستطيع – بطريقة أو بأخرى – أن تصل إلى مركز صنع القرار و الطبقة الحاكمة .

أعتقد أن هذا الكلام مهم لكي نستطيع أن ندرك حقيقة و طبيعة الصراع .. و لكي ندرك ما الذي يمكن أن نصل إليه من خلال الدعوة و الانتشار بين الناس ، و ما الذي يمكن أن نصل إليه من خلال الوصول إلى مركز صنع القرار … و لكي نستطيع أن نضع سقفاً واقعياً لآمالنا و ما يمكننا الوصول إليهم من خلال الدعوة و الانتشار بين الناس .

———————————————————————–

إذا وصلت إلى هذه الفقرة .. فإنني أرجو منك – عزيزي القارئ – ثلاثة أمور ..
١- اكتب لنا تعليقاً على المقال .
٢- أن تشترك في صفحتنا على الفيس بوك
٣- لا تنسونا من صالح دعائكم .

نسأل الله لنا جميعاً السداد و الرشاد …
الله المستعان …
👍👍👍