بقلم: أحمد طه الغندور.

3/1/2-2019.

 طالعتنا وكالات الأنباء بالأمس بخبرين يرتبطان ببعضهما البعض ارتباطاً وثيقاً، بل قل إن الخبر الثاني هو نتيجة للخبر الأول. يقول الخبر الأول أن “تل أبيب” قد نفذت قرارها بالانسحاب من اليونسكو مع دخول العام الجديد، وقد سبق لها اتخاذ هذا القرار في 17 أكتوبر/ تشرين أول 2017، وبررت “تل أبيب” قرارها آنذاك بما أسمته انحياز اليونسكو للفلسطينيين، عبر تبنيها قرارات بشأن القدس والأراضي الفلسطينية.

هذا الأمر عبر عنه مندوب الاحتلال لدى الأمم المتحدة “داني دانون” بقوله: “إن “تل أبيب” استقالت لأن المنظمة أفسدها أعداء الدولة اليهودية”، وأضاف: ” بأن “تل أبيب” لن تكون عضواً في منظمة مُكرّسة للعمل ضدها، وباتت أداة يتلاعب بها الأعداء” ـ حسب تعبيره ـ ولعل من أخر القرارات التي اتخذتها اليونسكو ما يؤكد على الحقوق الفلسطينية في مدينتي القدس والخليل، وهو ما أثار سخط الاحتلال.

حيث قررت اليونسكو في أكتوبر/تشرين أول 2017، وضع مدينة الخليل، ومسجد الحرم الإبراهيمي الشريف، على لائحة التراث العالمي، كما تبنت قراراً أخر في يونيو/حزيران 2018، يعتبر أن بلدة القدس القديمة وأسوارها من ضمن قائمة مواقع التراث العالمي المهددة بالخطر. 

أما الخبر الثاني والذي يرتبط بالخبر السابق؛ بل يعتبر نتيجة طبيعية له فهو ما جاء في الأنباء تحت عنوان، ” الإدارة المدنية تعرض قطعاً أثرية مسروقة من الضفة”، وجاء في تفاصيل هذا الخبر أن “الإدارة المدنية” ـ أي الجسم المسؤول عن إدارة الأراضي المحتلة لدى الاحتلال ـ قد أقام للمرة الأولى معرضاً لعرض قطع أثرية صودرت من “سارقي آثار في الضفة الغربية” ـ حسب تعبيرهم ـ، وقد قام ما يُسمى بـ “نائب وزير الدفاع “ايلي دهان” و “رئيس الإدارة المدنية “احفات بن حور” بافتتاح المعرض أمس في متحف “أراضي الكتاب المقدس” في الجانب الغربي من القدس المحتلة.

ومن الجدير ذكره أن الخبر أكد أن الاحتلال يحوز منذ 1967 وحتى الآن حوالي 40 ألف قطعة أثرية من بينها 20 ألف قطعة من المكتشفات هي قطع نقدية قديمة، والبقية هي أدوات فخارية وحجرية ونحاسية، مما دفع ما يُسمى “ضابط ركن الآثار، حنانيا هيزمي” إلى إصدار كتالوج يحتوي على المواد الهامة ويتضمن مقالات علمية عنها يواكب عرض المكتشفات.

وهنا لابد لنا من التذكير بقواعد القانون الدولي الذي يعتبر أن أعمال الدمار تكون متعمدة في معظم الحالات. فتدمير الآثار وأماكن العبادة أو الأعمال الفنية يقصد إلى القضاء على هوية الخصم وتاريخه وثقافته وإيمانه، بغية محو كل أثر لوجوده وحتى لكينونته.

لذلك نجد أن كلا من القانون الإنساني الدولي والقانون الجنائي الدولي قد حرصا على حماية الحقوق والممتلكات الثقافية والدينية في العديد من الاتفاقيات؛ نعرض في عجالة بعضاً منها:

فإن اتفاقيتي لاهاي لعام 1899 و1907 تحرمان ” تدمير ملكية العدو أو حجزها، ما عدا في الحالات التي تدعو ضرورات الحرب إلى ذلك”، وفقاً المادة 23 (ز) من لائحة قوانين وأعراف الحرب البرية، ملحق الاتفاقية المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية المؤرخة في 18 أكتوبر/تشرين الأول 1907 في لاهاي، أما المادة 28 من لائحة لاهاي؛ فقد نصت: “يحظر نهب مدينة أو بلدة حتى وإن كانت محط هجوم”.

وما يلي ذلك من اتفاقيات لاهاي، واتفاقيات جنيف للعام 1949، أو اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية والتي لم تنضم إليها كافة الدول المنضوية تحت شرعة الأمم المتحدة، نجد أن الحماية الكافية قد وردت في نص المادة 53 من البروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف للعام 1977 حيث نصت:

“تحظر الأعمال التالية، وذلك دون الإخلال بأحكام اتفاقية لاهاي المتعلقة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح المبرمة في 14 مايو/أيار 1954 وأحكام المواثيق الدولية الأخرى الخاصة بالموضوع:

(أ) ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب؛

(ب‌) استخدام مثل هذه الممتلكات في دعم المجهود الحربي؛

(ج) اتخاذ مثل هذه الممتلكات محلا للهجمات الانتقامية.

 من الملاحظ أنه لا تشير المادة (53) إلى حظر نهب الممتلكات الثقافية، فلا ضرورة لتكرار ذلك هنا في النص كون البروتوكول الإضافي يكمل اتفاقيات جنيف، حيث أن المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة تنص بالفعل على حظر النهب. وينطبق هذا الحكم على جميع الممتلكات المدنية، بما فيها الممتلكات الثقافية.

وتنص المادة 16 من البروتوكول الثاني أيضاً على حظر ارتكاب أي عمل عدائي موجه ضد الممتلكات الثقافية واستخدامها لدعم المجهود الحربي.

ومن المسلم به عموماً أن هذه الأحكام تعكس القانون العرفي وأنها واجبة بهذه الصفة على جميع المتحاربين سواء كانوا ملتزمين بالبروتوكولين الإضافيين أم لا.

أما بالنسبة للقانون الجنائي الدولي، والذي يمثله النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المعتمد في روما في يوليو/تموز 1998 فإنه أعتبر المساس بالممتلكات الثقافية ونهبها من جرائم الحرب وفقاً لنص المادة (8) (2) (ب) “9” كما يلي: ـ

“… تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخيرية والآثار التاريخية … شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية”.

أخيراً، لعله أصبح من الواضح لنا لماذا يسارع الاحتلال بالقفز من ” سفينة ” اليونسكو، ليس لأن المنظمة الدولية التي تُعنى بالعلوم والثقافة وحماية التراث العالمي منحازة ضد “الاحتلال” بل على العكس فإن الاحتلال لا يريد أن تظهر جرائمه واضحة أمام دول العالم قاطبة، وأن يصبح رموزه عرضة للمحاكمة أمام المحاكم الدولية، على جرائم يندى لها الجبين تهدف إلى القضاء على ” الفلسطيني ” بكل صورة ممكنة.

وهنا يكون النداء للمطبعين العرب من “أدعياء الثقافة”، أي ثقافة أو حضارة تدعون في التطبيع مع الاحتلال؟!

هل من المعقول أن ثقافتكم المزيفة قد رسمت شخوصكم بمتلازمة ستوكهولم ؟!

أم أنكم مجرمون؟! فإن الطيور على أشكالها تقع.

 

 

Print Friendly, PDF & Email