في عام 2003 ومباشرة عقب اختطاف سياح ألمان ونمساويين في منطقة الجنوب الشرقي للجزائر من قِبل جماعة إرهابية، استهجن الكثيرون تصريحا بدا غريبا لوزير الداخلية والجماعات المحلية الأسبق يزيد زرهوني الذي تساءل عن سبب وجود هذه المجموعة من السياح في موقع صحراوي دون حماية، بل وألمح في تصريحه إلى وجود أمر أو سر وراء هذا الوجود. فماذا كان يقصد الوزير زرهوني؟

آلاف الأطنان من الصخور المسروقة في فرنسا

مهنة متعبة وشاقة كان يعمل فيها أطفال من الجنوب بشكل خاص من أدرار وتمنراست، كانوا يعملون في جمع بعض أنواع الحجارة لبيعها مقابل مبالغ زهيدة جدا لتجار تحف.. هذه المهنة اختفت قبل 30 سنة تقريبا مع تراجع السياحة في الجنوب الجزائري، الحجارة المجموعة تم بيع أغلبها لسياح أجانب واظبوا على شراء الحجارة التي كانت في شكل الأحجار التي استعملت قديما في إشعال النار، وإلى اليوم لا يعرف أحد تفاصيل أكبر حول القضية التي تحتاج لبحث قد تفوق أهميته أهمية البحث في الأرشيف الجزائري في فرنسا بسبب أهمية الموضوع.

الوزير الأسبق زرهوني يكون قد تحدث بتلقائية دون خلفيات، لكن الحقيقة الثابتة هي أن كل أو أغلب السياح الأجانب الذين زاروا الجزائر، وبشكل خاص في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، عادوا إلى بلاهم محملين بكميات من الأحجار الغريبة الشكل واللون، بل إن بعض تجار التحف في تمنراست وإليزي وغرداية وأدرار كانوا إلى غاية التسعينات يجتهدون في شراء بعض الأحجار لبيعها للسياح.

هذه الأحجار كانت تُجمع من مناطق مثل هضبة تادمايت في جنوب التاسيلي والأهقار، هذه الوقائع تفسر شهادات تاريخية موثقة لمجاهدين ومناضلين في أثناء ثورة التحرير من أدرار وتمنراست أكدت كلها بأن السلطات الاستعمارية الفرنسية نقلت آلاف الأطنان من الأحجار التي كانت تُجمع إلى فرنسا، بعض هذه الأحجار، التي اعتقد البعض أن هدف نقلها هو البحث العلمي، بات في حكم المؤكد الآن أو على الأقل المرجح أنها أحجار من بقايا نيازك ومعادن نفيسة، بل إن شركات أجنبية متهمة إلى اليوم بنقل كميات من الأحجار إلى الخارج!

حقائق جديدة كشفها الزمن

في ثمانينات القرن الماضي، كما يقول المرشد السياحي ونوز محـمد من مدينة تمنراست، لاحظ مرشدون سياحيون تركيز عدد من السياح، وبشكل خاص الذين يحملون جنسيات أمريكية وإنجليزية، على فحص الصخور في مناطق مثل بلاطو تادميات وجبال تاسيلي أزجر وجمع كميات من الأحجار، حتى أنهم كانوا يشترون من أطفال ومن تجار صناعة تقليدية أحجارا سوداء ورمادية، يسميها التوارق “ايفوغاس اشناون” أو أحجار السماء، بعض هذه الأحجار كانت تباع بأسعار رمزية 100 أو 200 دينار للحجر، ولم يكن أحد ينتبه إلى حقيقة تركيز السياح الأجانب على هذه الأحجار السماوية التي كان قدامى التوارق يعرفونها جيدا.. كان الجميع يعتقد، حسب ونوز محمد، أن هذه الأحجار كانت تستعمل في الزينة.. والأخطر أن هذه الأحجار كانت تباع بأسعار أقل من أسعار حجرة وردة الرمال التي تتشكل في مناطق بصحراء ولاية ورقة.. لم يكن أحد يدرك أن هذه الأحجار الغريبة الشكل واللون هي مواد لا وجود لها على سطح الأرض، بل إن بقايا النيازك التي سقطت في صحراء الجزائر ليبيا وموريتانيا ومالي والنيجر لا نظير لها فوق سطح الأرض ككل.

ملف ثقيل ومبالغ مالية ضخمة “في اللعب”

بينما يعتقد ملايين الناس أن أغلى شيء في الصحراء الجزائرية هو الذهب الجاري التنقيب عنه في الجنوب الجزائري، فإن الحقيقة مختلفة تماما.. فما هو أغلى ثمنا هو عبارة عن قطع أحجار سوداء أحيانا أو رمادية وحتى زرقاء، يعمل بعض الخبراء في التنقيب عنها على جمعها وبيعها في شبكات سرية، فما هي قصة هذه الأحجار الثمينة جدا؟

تشير بعض التقارير الصحفية إلى أن بعض هذه الصخور يصل سعر الغرام الواحد منها إلى 2000 دولار (حوالي 30 مليون سنتيم) أي أن سعر 1 غرام من هذه الصخور يفوق سعر غرام الذهب بأكثر من 35 ضعفا، لكن المشكلة تكمن في صعوبة وتعقيد عمليات التنقيب وصعوبة معرفة هذه الصخور الغريبة، لهذا السبب يقول بعض العارفين بعمليات البحث هذه إن حمولة شاحنة من الصخور الصغيرة والكبيرة التي يستغرق البحث عنها شهرين أو ثلاثة قد لا تحتوي على صخرة واحدة من هذه الصخور النفيسة والغالية جدا، وأحيانا يكون الباحث محظوظا.. وبلغ هذا النشاط درجة من السرية جعلت العاملين فيه محل شبهة خطيرة، لأنهم يكونون بصدد تهريب ثروات وطنية لا تقدر بثمن من المعادن النفيسة جدا، بل والنادرة التي لا يوجد لها مثيل في كامل الكرة الأرضية.

وكشف تقرير علمي صدر في 2018 عن جامعة كامبريدج أن سعر بعض شظايا النيازك التي سقطت في الصحراء الإفريقية الكبرى التي تضم الصحراء الجزائرية يتراوح ما بين 4 إلى 20 ضعف سعر غرام الذهب، وأشارت الدراسة التي تناقلتها وسائل إعلام في الفترة بين سبتمبر ونوفمبر 2018 إلى أن بعض بقايا النيازك أغلى من الألماس والأحجار الكريمة.. وأثار عرض قطعة من نيزك سقط في منطقة ما بالصحراء الغربية في دار المزادات ببوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية، في أكتوبر 2018، بمبلغ نصف مليون دولار (حوالي 7 مليار سنتيم)، حالة من الجنون في دول عدة من ليبيا إلى موريتانيا مرورا بشمال مالي والجنوب الجزائري، دفعتهم إلى البحث عن بقايا النيازك التي سقطت بالصحراء الكبرى في آلاف السنين الماضية، لدرجة أن آلاف الباحثين عن الذهب في الجنوب الجزائري يبحثون الآن عن أحجار السماء التي يفوق ثمنها بكثير ثمن الذهب.. والأهم في هذا الموضوع هو أن العثور على بقايا النيازك أسهل بكثير من العثور على الذهب، كما أن ثمن أحجار سوداء اللون أو رمادية أكثر بكثير من قطعة ذهب.

منذ نهاية عام 2018 بدأ نشاط سري في الانتشار على نطاق ضيق في البداية بالصحراء الجزائرية، بعد تواتر الأخبار عن بحث محموم يقوم به مواطنون من ليبيا والمغرب ومالي والنيجر وموريتانيا عن شظايا النيازك التي يسميها قطاع واسع من سكان الصحراء الكبرى “اشناون ايفوغاس” التي تعني أحجار السماء، وهي أحجار يتراوح لونها بين الرمادي الفاتح والأسود، وفي أحيان قليلة يكون لونها بنيا، عمليات البحث التي يقوم بها شباب جزائريون تتركز الآن في 3 ولايات هي أدرار، تمنراست وإليزي.

لماذا الصحراء الكبرى وليس غيرها؟

من المعروف لدى خبراء الجيولوجيا وعلوم الكون والفضاء أن النيازك التي سقطت فوق الأرض طيلة ملايين السنين توزعت في كل مكان من الأرض، بل إن أكثر المناطق التي سقطت فوقها النيازك كانت أمريكا الشمالية وسيبيريا في روسيا، فما هو سبب البحث عن بعض هذه الصخور النفيسة في الصحراء الكبرى تحديدا؟

السبب يسير كما يقول الخبراء، هو أن الصحراء الكبرى مازالت جرداء وعذراء، وهي فوق هذا غير مغطاة بثلوج أو غطاء نباتي كثيف يجعل عملية البحث على درجة كبيرة من التعقيد تصل بها إلى مستوى الاستحالة، الأمر الثاني هو طبيعة وتركيبة بعض النيازك الصغيرة جدا التي سقطت في مناطق الصحراء.

يقول الدكتور المختص في الجيولوجيا دعان جمال “من غريب الصدف أن الكرة الأرضية تلقت في تاريخها الطويل عشرات الآلاف من النيازك توزعت في كامل محيط الكرة الأرضية، ومن أكثر الأمور غرابة أن المنطقة التي استقبلت أكبر عدد من النيازك هي شمال وجنوب القارتين الأمريكيتين وجنوب أستراليا وجنوب غرب أوروبا، والصحراء الكبرى الإفريقية، ولكن على عكس شمال وجنوب أمريكا فإن الصحراء الإفريقية الكبرى بها ميزتان لا تتوفران في أي مكان بالكرة الأرضية: الميزة الأولى هي السهولة الكبيرة في كشف هذه الأحجار بالصحراء الكبرى لسببين: الأول عدم وجود غطاء نباتي في مناطق شاسعة في هذا الموقع من الأرض، الثاني أن هذه الأراضي بقيت دون أي تغير أو استغلال أو بناء أو فيضانات طيلة آلاف السنين وهو ما جعلها تحافظ على حالتها. الميزة الثانية هي أن الصحراء الكبرى، وحسب عدة دراسات جيولوجية، تضم أغلى النيازك أو بقايا الشهب السماوية فوق سطح الأرض، وهو نوع النيازك الأندر والأغلى، إذ قد تصل قيمته إلى عشرات الآلاف من الدولارات للغرام الواحد، وهي نيازك تضم مواد غير موجودة بنفس التركيبة الكيميائية فوق سطح الأرض، وبعضها قادم من مناطق بالكون تبعد عن الارض بآلاف السنوات الضوئية. وما لا يعرفه الكثيرون هو أن 90% من الأحجار النيزكية الموجودة في مختبرات العالم جاءت من الصحراء الكبرى، ولهذا السبب تباع بقايا نيازك مكتشفة في صحراء إفريقيا، بما فيها الجزائر، بعشرات الآلاف من الدولارات في مزادات وفي عمليات بيع سرية”.

التحول من أقصى الجنوب إلى هضبة تادمايت والجنوب الغربي

البحث عن الذهب أو جنون البحث عن الذهب ليس منتهى القصة في تفسير ما وقع من عمليات بحث محموم في الجنوب وفي الصحراء، البحث هنا يتم بطرق خاصة وسرية عن أحجار السماء الرمادية والزرقاء والسوداء، في مواقع واسعة من الصحراء الصخرية.

يقول سمال هشام، مهندس دولة في الجيولوجيا من ولاية بشار “تنقسم الصحراء الكبرى، وجزء كبير منها في الجزائر، إلى منطقتين اثنتين: الأولى الصحراء الصخرية أو ما يسمى الحمادة، والثانية الرملية أو العرق، التي تسمى أيضا السيف لدى بعض بدو الصحراء الجزائرية الكبرى، وهنا يجب أن نشير إلى أن المناطق الأغنى، سواء في المعادن المختلفة أو الذهب أو حتى بقايا النيازك، هي الحمادة التي تمتد على ولاية تندوف وأجزاء من ولايتي بشار وتمنراست وأغلب إقليم ولاية إليزي، هذه المناطق الشاسعة التي تتشكل منها حوالي نصف الصحراء الجزائرية الكبرى تعد الأكثر قابلية للبحث. ويضيف المتحدث “أعتقد أن مخزون الصحراء الجزائرية من الثروات المختلفة كبير، وأغلبُها لم يُستكشف بسبب شساعة الصحراء الجزائرية”.

ويضيف المهندس سمال هشام “من المهم بالنسبة للدولة الجزائرية تنفيذ عمليات استكشاف واسعة للصحراء، وفرض رقابة على بعض المناطق التي تحتوي على ثروات باطنية أو سطحية كبيرة، بل وإنشاء جهاز أمني متخصص في مراقبة هذه المناطق لمنع أي نهب أو سرقة، وقبل كل هذا التوعية بخطورة عمليات التنقيب السرية هذه”.

الخرائط السرية التي تباع بـ2 مليار..!

لا يمكن بالمطلق البحث هكذا بالتنقل عبر الصحراء بلا هدف، العمل أكثر تعقيدا وتنظيما، في البداية يتداول الباحثون صورا منشورة في الإنترنت لعشرات أنواع الصخور السماوية وأشكالها، كما تتداول مواقع إلكترونية أجنبية تتبع مختصين في علوم الفضاء والجيولوجيا خرائط خاصة لكنها غير دقيقة لانتشار الأحجار في الأرض، لكن الخرائط الدقيقة التي تشير إلى موقع سقوط كل نيزك ونطاقه الجغرافي قد تصل قيمتها طبقا للكثير من التسريبات إلى 2 مليار سنتيم.. إنها خرائط دقيقة وخاصة لا يمكن لغير المختص فك رموزها، كل هذا يحتاج لتحقيقات أمنية، لأن كل شيء هنا مرتبط بشبكات تنشط في الخارج تتلقى هذه الأحجار لإعادة بيعها في سوق تهريب دولي خطير،

فما هو سبب تراجع أعداد موقوفي التنقيب عن الذهب في الجنوب؟

تكشف كل التقارير الخاصة بأعداد الموقوفين في قضايا تتعلق بمحاولة التنقيب عن الذهب في الصحراء، حتى قبل صدور قرار السماح بإنشاء تعاونيات محلية للبحث عن الذهب في الجنوب، أن عدد الموقوفين منذ نهاية عام 2019 وبداية 2020 تراجع بشكل محسوس مقارنة بأعوام 2017 و2018 و2019.

المتابعون يعرفون السبب.. ففي عام 2019 تراجع عدد المنقبين الموقوفين من قبل الدرك والجيش الوطني في الصحراء الجزائرية، مقارنة بعامي 2017 و2018 بأكثر من 50%، وهذا ثابت في البيانات الرسمية، وذلك لا يتعلق فقط بالضغط الأمني الكبير المفروض على عمليات التنقيب غير القانونية عن الذهب، بل أيضا بوجود نشاط آخر أكثر ربحية يجتذب الآن المئات وربما الآلاف من المنقبين عن الكنور.

وتشير شهادات إلى أن عمليات التنقيب عن النيازك في الجزائر تتم الآن في مناطق أغلبها بشمال ولاية تمنراست وولاية إليزي وولاية أدرار، حيث يُعتقد أن أكبر عدد من النيازك سقط، وبالرغم من عدم وجود موقوفين إلى الآن في قضايا تتعلق بالتنقيب عن الأحجار السماوية، فإن هذا النشاط بات يجتذب آلاف الهواة، بشكل خاص مع سهولته النسبية، فهو لا يحتاج لآلات أو معدات للحفر، بل فقط البحث فوق سطح الأرض، وهو ما يجعل مهمة الجهات النظامية أكثر تعقيدا وصعوبة.

تجارة دولية مربحة

قال الدكتور أحمد سليم حمدي من مصر، المختص في الجيولوجيا الفضائية، والأستاذ الزائر في عدة جامعات دولية ويقيم في ألمانيا “قبل 20 سنة تقريبا كان الاهتمام بالأحجار السماوية أو بقايا النيازك محصورا في المراكز البحثية الكبرى في العالم، وكانت هذه المراكز مستعدة لدفع مبالغ كبيرة نسبيا مقابل بعض أنواع هذه الأحجار، لكن في السنوات العشر الأخيرة انتشرت في العالم تجارة شظايا النيزك، وبات لها خبراء يقومون بتحديد قيمتها المالية عبر فحصها بمعدات خاصة، وتوسعت هذه التجارة مع وجود آلاف الأشخاص عبر العالم مهتمين بشرائها بأسعار خيالية وصلت إلى نصف مليون دولار، كما وقع في نهاية عام 2018 في دار مزادات ببوسطن الأمريكية، وهذا لاستعداد هواة امتلاك عينات النيازك النادرة لدفع مبالغ مالية كبيرة مقابل الحصول عليها، ما أثار انتشار حمى السرقات، في وقت يُخشى فيه من أن يؤدي ارتفاع سعر الغرام الواحد من النيازك حتى 3 آلاف أضعاف سعر الغرام الواحد من الذهب إلى تزايد عمليات سرقة هذه الصخور.

مركز هذه النشاطات في المغرب وليبيا

تشير أغلب المصادر إلى أن مركزي هذه التجارة غير الشرعية في شمال إفريقيا موجودان في ليبيا وفي المغرب، والمصادر التي تكشف هذه المعلومة هي ما يتبادله هواة جمع بقايا النيازك عبر حسابات ومجموعات فيسبوك مغربية وليبية، مجموعات تقول إن هذه التجارة ازدهرت في ليبيا بسبب الانفلات الأمني من جهة، وبسبب وجود كمية كبيرة من هذه الأحجار في جبال الهاروج جنوبي البلاد، أما المغرب فإن خبراء تقييم هذه الأحجار يوجدون به وينشطون سرا. وعلى الأغلب فإن بيع بقايا النيازك يتم عبر عمليات تهريب سرية تتم عبر الحدود البرية، من أجل عرضها على التجار والخبراء.

فراغ قانوني

الأخطر، كما يقول خبير علوم الأرض والجيولوجيا الدكتور معمر حسين، هو أن الجزائر لا تمتلك إلى اليوم قانونا يجرم عمليات جمع بقايا النيازك.. القانون الوحيد الذي قد ينطبق على المخالفين هو قانون التهريب في حالة ضبطها تُهَرَّب عبر الحدود، أو القانون الخاص بممارسة التعدين دون ترخيص، أو اعتبارها قطعاً أثرية فتسري عليها مواد قانون الآثار، ولكن تبقى عملية الحد من ظاهرة تهريب النيازك دون عنوان نظراً لوجود حزمة من الاختراقات، وغياب الوعي وآليات التوعية، فضلا عن عدم توفر الحماية الكافية في محيط حقول النيازك.