المؤلف مى مجيب – کلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة.

مجلة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – القاهرة، المقالة 5، المجلد 22، العدد 1 – الرقم المسلسل للعدد 86، الشتاء 2021، الصفحة 123-164

يتعين أن يراعى أى تقييم لإسهام “ديفيد إيستون” فى علم السياسة تقييمه هو نفسه الذاتى لما قدمه من إسهام، وهو التقييم الذى برز فى أکثر من موضع فى کتاباته. وبأخذ هذا بعين الاعتبار، بداية من علاقة الحرکة السلوکية بعلم السياسة، ثم بشأن اقترابه النظمى بين الاقترابات السلوکية عامة ؛ لنصل إلى نتيجة مفادها أن نظرية “إيستون” للنظم هى الإنجاز المتوج لجهد استهدف تطوير فهم فلسفى أو علمى للحياة السياسية. وعليه، للتفکير فى أى نقد تم توجيهه إلى نظرية النظم، يتعين أولا العودة إلى مصدرها الرئيس الذى لا يمکن قصره على مفاهيم مبسطة أولية کالمدخلات والمخرجات وعملية التغذية العکسية، خاصة أن “إيستون” نفسه قدم أکثر من طرح على مدار قرابة الخمس عشرة سنة ليقدم نظريته فى شکلها النهائى ويدافع عن الطرح الذى قدمه على مدى قرابة العقدين من الزمان.

لذلك تحاول هذه الورقة الاقتراب من النظرية وطرح ذات المفاهيم التى طرحها فى کتابه “تحليل نظمى للحياة السياسية” A system analysis of political life، والصادر عام 1965، کخطوة حتمية وجوبية سابقة على أى نقد من الممکن أن يقدم إلى النظرية. ولعل العودة إلى قراءة تلک النظريات الغربية فى العلوم السياسية متطلبا من متطلبات ليس فقط الفهم أو النقد، لکن ضرورة للفهم من أجل فتح آفاق جديدة أوسع لابتکار أو خلق نظريات “عربية” السياق صالحة التطبيق من أجل دراسة الظواهر السياسية، بعيدا عن تأثيرات المدارس الغربية.

مقدمـــة:

ديفيد إيستون”، هو عالم سياسى أمريکى، کندى المولد، ولد فى 24 يونيو 1917، وتوفى فى 19 يوليو عام 2014. وانتقل “إيستون” إلى الولايات المتحدة الأمريکية عام 1943، وعمل أستاذا لعلم السياسة بجامعة شيکاغو فى الفترة بين 1947 و1997. ولعل نظريته الشهيرة “نظرية النظم” أو “النسق”[i] -کما يطلق عليها بعض أساتذة علم السياسة- هى أکثر الهياکل النظرية التى برزت فى إطار الحرکة السلوکية تأثيرا فى علم السياسة.

 ويمکن، استنادا إلى کتابات “إيستون” المنشورة، التمييز بين ثلاثة مراحل فى تطور فکره السياسى[ii]: تمتد المرحلة الأولى من نهاية عقد الأربعينيات نت القرن العشرين، وحتى نحو عام 1953، عندما صدر کتابه “النظام السياسى”. ونجح “إيستون” فى تلک المرحلة التمهيدية، فى بلورة رؤية شاملة لطبيعة علم السياسة والنظرية السياسية، ووضع أساسا منهجيا لبناء إطار مفاهيمي للتحليل السياسي، في العقد اللاحق. وبلغت المرحلة الثانية ذروتها في نشره، في العام 1965، عملين نظريين کبيرين: “إطار للتحليل السياسي” A Framework for Political Analysis، و”تحليل نظمي للحياة السياسية” A Systems Analysis of Political Life، وحتى هذا الحين، وبحسب ما وعد “إيستون”، کان من المنتظر صدور عمل آخر في إطار النظرية السياسية الإمبريقية، يخصص لدراسة الأشکال الهيکلية للحياة السياسية، وکان للمرء أن يتوقع حينئذ أن يواصل “إيستون” في هذا العمل بلورة موقفه النظري. إلا أنه بالرغم من ذلک، توافرت مؤشرات لاحقة إلى أن تفکيره السياسي ربما يکون قد دخل، مع نهاية عقد الستينيات من القرن العشرين، إلى مرحلة ثالثة کان محورها إعادة تقييم ما أنجزه. وکان “إيستون” قد أضحى رئيسا منتخبا (President-Elect)، ثم رئيسا للجمعية الأمريکية للعلوم السياسية The American Political Science Association فى الفترة بين 1968 وحتى 1969، وهى الفترة التي أخذت فيها قيادة الجمعية لمجتمع العلوم السياسية الأمريکي، إضافة إلى الجهد السلوکي ذاته، يتعرضان إلى هجوم عنيف من علماء السياسة ذوي التوجهات الراديکالية أو أصحاب نزعات التغيير الاجتماعي. وفي کلمته الرئاسية لعام 1969، التي حملت عنوان “الثورة السياسية الجديدة في العلوم السياسية”، دعا “إيستون”

إلى بعض التعديلات الجوهرية في الاتجاه الذي اتخذته العلوم السياسية في ظل تأثير الحرکة السلوکية. وبشکل مثير للاهتمام، قادته إعادة التقييم تلک إلى تأکيد بعض الأفکار التي ظهرت بشکل أولي في کتاباته؛ لکنها انزوت بعدما تحول إلى بناء نظرية عامة.

تنقسم الدراسة إلى أربعة أجزاء أساسية هى: استراتيجية التنظير عند “إيستون”، والسياق الفکرى لکتاب “إيستون” الثالث “تحليل نظمي للحياة السياسية”، وقراءة جديدة للنظام السياسى: مفاهيم “إيستون” کما طرحها، وأخيرا، شجرة المفاهيم (الجديدة) ل”إيستون”، ولعل الجزء الثالث المتعلق بتفنيد أفکار “إيستون” کما وردت بکتابه هى الأصعب والأعقد، وقد يبدو ذلک من قراءة هذا الجزء، وهو أمر يتعلق بطريقة کتابة “إيستون” نفسه ورؤيته لما قصده بالتأييد والمطالب، وأنواع الاستجابات والضغوط، ومعنى التغذية العکسية. وحاولت الدراسة فى هذا الجزء تبسيط بعض الأجزاء من خلال وضعها فى نقاط واضحة أو الربط بينها فى شکل يحاول إيصال الفکرة کما قصدها الکاتب، دون نقد، ويبدو هذا الأمر جليا فى ذکر المسمى أو المفهوم الأصلى باللغة الإنجليزية، ومحاولة إيجاد مدلوله بالعربية، حتى وإن لم يکن دارج الاستخدام. فمثلا مفهوم authorities، أشارت إليه الدراسة بمعنى “شاغلى السلطة”، ولعل تلک المفاهيم –التى ذُکرت فى سياقها- تعکس إلى أى مدى لم يتم استيعاب نظرية النظم کما طرحها صاحبها، لذا تعين إعادة قراءتها حسب ما تم طرحه فى المصدر بنفس تسلسل الأفکار.

 وبناء على ذلک التقسيم، تطرح الدراسة مجموعة من القضايا التى تحاول إعادة مناقشتها بعد أکثر من خمسين عاما من طرح نظرية تحليل النظم، ترتبط أولى هذه القضايا بالسياق العام المحيط بالعلوم الاجتماعية عموما، وبعلم السياسة بوجه خاص، وبغض النظر عن السياق الذى نشأ فيه هذا العلم، فقضايا تتعلق بمنهجية علم السياسة، ورفض نعته بالنظرية، ومحاولة دراسة الظواهر السياسية بشکل علمى منضبط، کلها قضايا ارتبطت بسياق ظهور نظرية تحليل النظم، وأثرت على “إيستون” سواء فى طرح مفاهيم النظرية، أو فى الربط بين تلک المفاهيم وبعضها البعض أسوة بما يجرى فى العلوم الطبيعية کما سترد الإشارة، أو فى شرح الغاية من طرح النظرية بهذا النمط.

أيضا قضية تتعلق بالمراد من المفاهيم التى طرحها “إيستون””، وکيف أنها أکثر تعقيدا مما عهد عليه الدارسون خلال کل السنوات التالية على وضعها، سواء فى استيعاب فحوى النظرية، أو فى محاولات تطبيقها على دراسة النظم السياسية، أو الاجتماعية. کما أن عددا کبيرا من المفاهيم التى طرحتها النظرية،سيتبين أنها مفاهيم جديدة، يمکن إعادة استخدامها وتطبيقها فى مجال دراسة النظم السياسية أيا کان نوعها، فمثلا مفهوم مثل “المعارضة السلبية”، وکيفية وصف “إيستون” بأنها تمثل شکلا من أشکال التأييد للنظام يعطى زوايا مختلفة لبحث وتحليل النظم سواء السياسية أو غيرها، کما يدحض نقد الحفاظ على الوضع القائم الذى وجه إلى النظرية.

يمکن أيضا مناقشة قضية أخرى تتعلق بخريطة أو شجرة المفاهيم التى طرحها “إيستون”، والتى تنسحب لمجال أبعد من کونها مجرد مدخلات ومخرجات وعملية تحويل وتغذية عکسية،  ولعل الرابط بين تلک المفاهيم قد يساعد فى إعادة النظر فى أوجه النقد الموجهة إلى النظرية سواء باعتبارها ترنو إلى غاية واحدة وهى استقرار النظم ورفض تغييرها، وهو أمر أکدت نظرية تحليل النظم على استحالته، أو من حيث النقد الموجه إلى النظرية باعتبارها نظرية تستبعد القيم، وهو أمر غير متحقق فى  العلوم الإنسانية.

 هنا تبرز أهمية إعادة القراءة التى غدت بمثابة مسألة فهم وإدراک بعيدًا عما يتکون عبر تراکمات الزمن من قناعات. وبهذا المعنى، تعتمد الدراسة  في تحليلاتها لواقع قراءة  کتاب “تحليل نظمى للحياة السياسية” من مصدره دون تعريب أو ترجمة أو نقل، ولعل منهج إعادة القراءة هنا مذکور تجاوزا، فإعادة القراءة تعنى أنه کانت تسبق هذه المرة قراءة أو قراءات سابقة، ولکن ذلک غير متحقق، فرغم أن نظرية تحليل النظم ل”إيستون” قد تم تطبيقها ونقدها من قبل عشرات الدارسين فى الغرب –ومنهم “إيستون” ذاته، وکذلک عربيا، إلا أن عددا من هؤلاء الباحثين والدارسين لم يلجأ إلى قراءة هذا النظرية من مصدرها الأساسى، مما استوجب قراءتها قراءة مدققة ليس کنوع من الاستهلاک، ولکن لإنقاذ النظرية من التکرار، وإعادة تفسير وتقصى ما يمکن أن تشمله النظرية من أخطاء، ونواقص، إلى جانب التحقق من مدى جدواها فى دراسة النظم السياسية.

أولا: استراتيجية التنظير عند “إيستون”:

تکمن المشکلة الرئيسية عند “إيستون” فى محاولة إيجاد نظرية عامة فى العلوم السياسية[iii] کحال العلوم الطبيعية، خاصة وأنه يرى أن (علم) السياسة أصبح يهتم بالنظرية المعيارية أکثر من اهتمامه بالنظرية الوصفية، وأن النظرية المعيارية -التي تتبني قيمة معينة مثل تفضيل النظم الديمقراطية والتعامل معها علي أنها بؤرة الترکيز- تقودنا إلي نظريات جزئية في علم السياسة، وذلک بسبب تضييق نطاق الترکيز، والاهتمام بدراسة ظاهرة معينة أو طبقة معينة داخل النظم السياسية. بدلا من الترکيز علي بناء نظرية عامة لعلم السياسة، کتلک الموجودة في علوم أخري مثل علم البيولوجيا والفيزياء.  ومن ثم فإن “إيستون” وضع سؤالا عاما في مجال تحليل النظم من أجل بناء نظرية عامة، وهذا السؤال هو ” کيف يستطيع أي نظام سياسي أن يستمر بغض النظر عن استقرار أو تغير العالم حوله ؟ ” وهذا السؤال ينقلنا من نطاق التحليل الضيق الذي يرکز علي دراسة النظم الديمقراطية فقط إلي نطاق تحليل أوسع يستطيع دراسة جميع أنواع النظم.

ولعل کتاب “النظام السياسي” The Political System لايزال محتفظا بموقعه بعدّه عمل “إيستون” الأساسي بشأن منهجية علم السياسة. وإذا ما أعاد “إيستون” -في منتصف عقد الستينيات من القرن العشرين- النظر إلى هذا العمل، فإنه يمکن وصفه بأنه المجلد الأول/الافتتاحي من ثلاثية في النظرية الإمبريقية. ويمکن فهم کتاب “النظام السياسي”، الذي صدر في عام 1953، بأفضل شکل ممکن، في ضوء بحث “إيستون”، في أواخر عقد الأربعينيات من القرن العشرين وأوائل عقد الخمسينيات التالي له، لمشاکل المنهجية الکبرى. ويمکن تتبع تطور تفکيره فيما يتعلق بالمنهجية بالنظر في کتاب “النظام السياسي” بالتوازي مع مقالاته الرئيسية في السنوات السابقة على عام 1953.

 وفي بحثين عن “والتر بيجهوت”[iv]  Walter Bagehot و”هارولد لاسويل”[v]  Harold Lasswel، انتقد “إيستون” الطريقة التي تعاطى بها علماء الاجتماع الآخرين مع قضايا المنهجية الکبرى. وفي بحثين لاحقين، “تراجع النظرية السياسية الحديثة”[vi]The Decline of Modern Political Theory و”مشکلات المنهج في علم السياسة

الأمريکي” Problems of Method in American Political Science، بدأ “إيستون” يطور موقفا منهجيا خاص به.

کانت الفکرة المهيمنة في کتابات “إيستون” المنهجية تتمثل في الحاجة إلى نظرية سياسية. ووجد أنه من الضروري معارضة عدد من التيارات الفکرية التي تنکر، بشکل أو بآخر، إمکانية الوصول إلى نظرية سياسية أو أهمية الوصول إلى مثل تلک النظرية. ويعود جزء من اللوم على ضعف طريقة التحليل النظري السائدة، التي يصفها “إيستون” بـ “النزعة التاريخية” Historicism. والتى ترى أن المهمة الوحيدة التي تهدف لها النظرية السياسية هي دراسة النظريات الأقدم وعلاقتها بالبيئة التاريخية التي نشأت فيها، خاصة مع “التقيد المفرط بالحقائق/الوقائع” Hyper factualism، بحسب ما يصف “إيستون” اصطلاحيا هذا التفسير غير المقبول للعلم. خاصة وأن غاية البحث العلمي هي جمع بناء ضخم من الحقائق، وتصنيفها، والربط فيما بينها في تعميمات منفردة[vii]. وأخيرا، هناک تلک الرؤية لعلم السياسة بعدّها أساسا علما تطبيقيا أو فرعا معرفيا اصلاحيا. ويلفت “إيستون” الانتباه، بخاصة، إلى حُجة “تالکوت بارسونز” Talcott Parsons التي تقول إن “علم السياسة لا يمکنه أن يکون حقلا نظريا متمايزا، لکن يتعين أن يکرس الجهود التي تبذل في إطاره لتطبيق المعرفة الأساسية التي يتم الوصول إليها من قِبل العلوم الاجتماعية الأخرى”[viii].

  •  فى هذا السياق، يمکن الإشارة إلى المحطات الأساسية التي مرت بها نظرية النظم عند “إيستون”:

المرحلة الأولى هي مرحلة التحضير، والتي اشتبک فيها “إيستون” مع مناهج البحث في العلوم السياسية وسعى من خلالها إلى تطوير موقفه، واتسمت فيها کتاباته بعدد من السمات على النحو التالي:

  1. عمد “إيستون” إلى استخدام اللغة التي تؤکد دائما على وجود أزمة اجتماعية ومعرفية ينبغي التصدي لها رابطًا بين أزمات العلم وأزمة الحداثة والمجتمعات الليبرالية التي تواجه تناقضا بين افتراضات الليبرالية وواقعها.
  2. کان “إيستون” على درجة عالية من الثقة في قدرة الإنسان- مسلحا بالعلم- على تجاوز هذه الأزمة.
  3. أما السمة المنهاجية، فتکمن في البحث المستمر عن نظرية سياسية کبرى، بحيث اختلف مع معاصريه في البحث في إمکانية تطوير نظرية سياسية، ورأى أن “التاريخانية” Historicism هي حجر العثرة أمام تقدم علم السياسة، وأنها هي السبب الأساسي في ظهور Hyperfacutalism في النظرية السياسية.
  4. أما بالنظر إلى طبيعة علم السياسة: هل هو علم تطبيقي- أي يقوم على تطبيق ما وصلت إليه العلوم الأخرى؟ أم أنه حقل اصلاحي؟ ومن هنا السؤال هل هو علم يقوم على انتاج النظرية المعيارية أم السببية؟ ومبتدأ موقف “إيستون” أن کلاهما لا يمکن فصله، على الرغم من أنه غير هذا الموقف لاحقا، وهو ما نجم عنه إخفاقان، أولهما الفشل في بيان کيف يمکن للنظرية السببية أن تندمج مع نظيرتها المعيارية، والثاني أن “إيستون” نفسه تجاهل المعيارية في أعماله.

المرحلة الثانية: مرحلة البناء، التي قدم فيها بناءه النظري الذي عرف باسم “تحليل النظم”، وهنا رکزت أعمال “إيستون” على التحولات التي شهدها علم السياسة واختفاء الحديث عن “الأزمة الاجتماعية”، وتراجعه عن موقفه المعادي للنظرية المعيارية.

حدد “إيستون” أربعة أرکان في البناء المفاهيمي تتلخص فيما يلي:

  1. مفهوم النظام  حيث يتم تعريف الحياة السياسية باعتبارها نظاما سلوکيا.
  2. مفهوم البيئة، حيث ينفصل النظام عن البيئة التي يأتي فيها؛ ولکنه في الوقت ذاته يظل متأثرا بها.
  3. مفهوم الاستجابة، حيث يتم تفسير التغيرات في البنى والعمليات باعتبارها استجابة من النظام للضغوط التي تتدفق من البيئة الخارجية ومن المصادر الداخلية.
  4. مفهوم التغذية الرجعية، حيث يتم تفسير قدرة النظام على البقاء والاستمرار باعتبارها دالة في وجود وطبيعة المعلومات التي تعود لصانعي القرار.

    صحيح أن “إيستون” اعتبر النظام وحدة التحليل الأساسية، ولکنه عرّف النظام باعتباره التفاعلات التي تتم بين مکونات النظام. بعبارة أخرى، يمکن اعتبار “التفاعلات” هي وحدة التحليل الأساسية في نظرية “إيستون”، والتي يمکن الاستدلال عليها من السلوک الملاحظ للأفراد. ونظرا لأن “إيستون” اعتبر أن “کل شيء يرتبط بکل شيء” وأن الظاهرة السياسية ما هي إلا نمط من الاتساق والتشابک بين المکونات، فإن نظرية النظم هي أحد مشتقات الفلسفة الهيجلية کما ظهرت في کتاب The political System (1953)، إلا أن “إيستون” قد تحول من الهيجلية إلى فلسفة “ديفيد هيوم” Humean Philosophy في کتاب “إطار لتحليل الحياة السياسية”، حيث ارتبطت عنده الظاهرة السياسية بما يدرکه العقل لا بالعناصر المکونة[ix].

المرحلة الثالثة: مرحلة إعادة التقييم عند “إيستون”: وهي المرحلة التي قدم فيها تقييمه للحرکة السلوکية في العلوم السياسية، والتي دشنها خطابه الرئاسي أمام الجمعية الأمريکية للعلوم السياسية 1969[x]. ولعل السمة الأساسية التي تتسم بها هذه المرحلة هي عودة “إيستون” إلى مواقفه التي کان يؤمن بها في مرحلة التحضير، وعدوله عن بعض ما طوره في مرحلة البناء؛ لاسيما في علاقة القيم بالنظرية السياسية. کما عادت مفردات “الأزمة” إلى قاموس “إيستون”، حيث ذکر أن الأزمة التي تعاني منها العلوم السياسية ويعاني منها المجتمع هي ما أدت إلى ظهور “ما بعد السلوکية”. لقد حاول “إيستون” في خطابه الرئاسي أن يقدم خطوات لمواطبة الثورة ما بعد السلوکية في العلوم السياسية من خلال ثلاث خطوات: أ) الترکيز على الأبحاث التطبيقية، ب)الاهتمام بالقيم التي يتأسس عليها البحث العلمي ؛ لأن غياب مثل هذه القيم هو ما جعل علم السياسة عاجزًا عن التنبؤ بالأزمات التي مر بها المجتمع، وأخيرًا ج) البحث في أشکال النظم السياسية المثلي للتعامل مع المجتمعات في مرحلة ما بعد الثورة الصناعية والثورة السيبرانية.

ثانيا: السياق الفکرى لکتاب “إيستون” الثالث “تحليل نظمي للحياة السياسية”  Systems Analysis of Political Life

بمنأى عن أوجه النقد العديدة التى تم توجيهها إلى “إيستون”[xi]، والتى لا مجال لذکرها أو تکرارها هنا، هناک حاجة لعرض أولا السياق الفکرى لکتابه الثالث الصادر عام 1965، ثم ثانيا، أبرز المفاهيم التى ذکرها فى تحليله النظمى، وذلک حتى تنجلى الأرضية التى تنطلق منها الانتقادات الموجهة إلى النظرية من جانب، ولمعرفة أسباب المراجعات التى قدمها “إيستون” نفسه بعد مرور قرابة الثلاثة أعوام على صدور کتابه الثالث.

 قدم “إيستون” في کتابه الأخير خريطة للمفاهيم والتعريفات الأساسية التي استخدمها في بناء نظرية النظم والتي ظهرت کبناء معماري في هذا الکتاب، الذى سعى فى مقدمته إلى تحقيق هدفين:

الأول: أن يضع بناءه النظري في سياق مسيرته العلمية والأکاديمية التي اهتم فيها بحال علم السياسة والوضع الرث الذي آلت إليه النظرية السياسية بشکل عام[xii]؛ وهو ما کان مثار نقد “إيستون” وعبر عنه مرارًا وتکرارًا في مقالات منفردة سابقة على تاريخ نشر الکتاب.  ويرى أن ما شجعه على الإقدام على تطوير أفکاره هو الرواج الذي لاقاه مقاله الذي نشر بعنوان “مدخل لتحليل النسق السياسي”[xiii]، وکيف استقبل مجتمع الباحثين فکرة النظم وتفاعلوا معها بالتطبيق أو النقد في بحوثهم العلمية.

وفي محاولة لوضع حدود للنقل والتلاقح بين الحقول المعرفية في مجال العلوم الاجتماعية، أشار “إيستون” إلى أن مفهوم “النظم” هو مفهوم متجذر في علمي الاجتماع والاقتصاد، وقد شکل الحقلان أساسا لتطوير هذا المفهوم؛ غير أن استخدام المصطلح ذاته في سياق علم السياسة قد يفرض تغييرات في المعاني والدلالات التي يتحمل بها المصطلح ويجعل مفهوم “النظام السياسي” مختلفا عن نظيره الاجتماعي أو الاقتصادي. وإجمالا، فإن مفهوم النظم الذي يتبناه “إيستون” قد تطور في قلب “العلوم النظمية”، التي هي أقرب ما يکون إلى علوم الاتصالات عما عداها (بما في ذلک علمي الاجتماع والاقتصاد)، وعلى سبيل المثال، يؤکد “إيستون” على أن مفهوم المدخلات والمخرجات الذي يتبناه يختلف عن المدخلات والمخرجات التي يقصدها دارسو الاقتصاد[xiv].

الثاني: أن يوضح کيف أثر السياق المؤسسي الذي عمل فيه وتطورت فيه أفکار نظريته على هيکل وبناء هذه الأفکار، حيث أسهب “إيستون” في شرح أثر الطبيعة البينية التي اتسمت بها “لجنة العلوم السلوکية” بجامعة شيکاغو  عام 1951 على تشکيل روافد نظريته وتعميق فهمه بأبعاد مفهوم النظام کما تقدمه العلوم الطبيعية بحقولها الفرعية المختلفة، وکذلک کما تقدمه العلوم الاجتماعية بحقولها الفرعية المختلفة. والجدير بالذکر هنا أن وجود حوار بين أفرع العلم بشکل عام يتطلب عملية توحيد واستقرار المفاهيم التي تشکل اللبنة الأساسية في لغة العلم، وهو ما يعني ضمنا تجاوز ثلاثة عقبات:

1. المصطلحات المختلفة التي تطلق على نفس الظاهرة.

2. المفاهيم والمعاني المختلفة التي قد يُحمّل بها المصطلح الواحد.

3. أدوات الاقتراب من موضوع الظاهرة ومنهاجية الدراسة(لاسيما الاختلاف حول أولوية التکمية Quantification على الاقتراب.

لقد خلص “إيستون” إلى أن مفهوم النظام هو المفهوم القادر على تحقيق حالة الانسجام بين العلوم الاجتماعية والطبيعية، وهو المفهوم الذي يمکن أن يمهد لوجود أرض مشترکة لحوار بين أفرع العلم الإنساني، ومن ثم تمثل (نظريته) أحد استراتيجيات تأسيس نظرية عامة في علم السياسة، فى إطار الحرکة السلوکية التي شهدتها العلوم الاجتماعية بشکل عام وعلم السياسة بشکل خاص کاتجاه فکري وحرکة أکاديمية في نفس الوقت. وفيما يلي الأسس التي قدمها “إيستون” للتدليل على هذه المقولة:

الثورة السلوکية حرکة أکاديمية Academic Movement: حيث أن هذه الثورة لها مؤيدين ومعارضين، وإن کان من المتعذر تحديد شروط عضوية هذه  الحرکة، ومن هو الباحث السلوکي[xv]. ويقصد “إيستون” بالعضوية في الحرکة الأکاديمية، تحديد من لديه انتماء لمقولات هذه الحرکة ويساهم في تحمل عبء الزود عنها وتطوير أفکارها. وعلى الرغم من الصعوبة التي تکتنف محاولة تصنيف الباحثين، إلا أنه رصد عددًا من المؤشرات التي يمکن من خلالها الاستدلال على عضوية هذه الحرکة، منها على سبيل المثال: أنصار الحرکة السلوکية ينشرون أبحاثهم في عدد محدود من الدوريات والمجلات الأکاديمية التي تتبنى الحرکة أو أنشئت خصيصا من أجل دعمها، وهو الأمر ذاته الذي ينطبق على دور نشر الکتب.  علاوة على ذلک، هناک بعض الأطر المؤسسية التي تبنت هذه الحرکة مثل: لجنة السلوک السياسي واللجنة المتفرعة عنها في النظم المقارنة وکلاهما تابعين إلى مرکز بحوث العلوم الاجتماعية، وکذلک الجمعية الأمريکية للعلوم الاجتماعية التي کانت من المرونة بما يسمح لها استيعاب هذه الحرکة.

بيد أن تفسير صعوبة تمييز المتعاطف مع الحرکة السلوکية عما عداه قد يرجع في جزء کبير منه إلى صعوبة تحديد الالتزام البحثي لمن يوصف بأنه “باحث سلوکي”، حيث أن هذا الأخير يحق له استخدام أدوات البحث التقليدية/ الوصفية/ المعيارية. کما أن المدرسة السلوکية أثبتت تقدما منهاجيا في دراسة “الفرد” کوحدة تحليل، من خلال المقابلات المتعمقة، والاستبيانات والجماعات المرکزة؛ إلا أنها لا تستطيع أن تحقق النجاح ذاته عندما يتعلق الأمر بتحليل العلاقات بين المؤسسات (مثل النظم الانتخابية أو النظم الحزبية). وفي المحصلة يصبح الباحث السلوکي عبارة عن بوتقة تنصهر فيها المدرستين التقليدية والسلوکية.

الثورة السلوکية اتجاه فکري: هل تمثل الثورة السلوکية اتجاها فکريا، بمعنى أن لها مقولات فلسفية مختلفة عن نظيراتها في المدرسة التقليدية؟ أم أنها ثورة على مستوى الأدوات فحسب؟ هنا يضع “إيستون” قائمة بثمان رکائز للمدرسة السلوکية على النحو التالي:

1. الانتظامات Regularities، في السلوک السياسي بما يجعل من الممکن الوصول لتعميمات بشأنه ومن ثم تطوير نظرية کبرى.

2. التحقق Verification، أي أن هذه التعميمات قابلة للاختبار والتحقق.

 3. التقنية Techniques، أي أن أدوات جمع البيانات ليست من المسلمات، بل يجب استخدامها بحرص ووعي بحيث يتم تسجيل الملاحظات والسلوک وتحليلها بشکل رصين ومحکم.

4. التکمية Quantification أي أن عملية تسجيل البيانات وتحليل النتائج يجب أن تکون على درجة عالية من الدقة، وهو ما يتحقق فقط مع إمکانية إخضاع الظاهرة للقياس الکمي.

5. القيم Values،حيث يجب الفصل بين التقييم الأخلاقي لموضوع الظاهرة وبين التحليل والتفسير.

6. النظمية Systemization،ويعني أن تنسجم مفردات البحث مع النظرية وتتضافران معا، بما يسهم في تقديم بناء معرفي متکامل.

7. العلم النقي/ المحض Pure Science،أي ألا يختلط البناء النظري بالممارسات السياسية، لأن فهم السلوک وتطوير النظرية الشارحة له مقدم على حل مشکلات السياسة العملية.

8. التکامل Integration،أي ضرورة أن تتکامل نتائج البحث في علم السياسة مع ما وصلت إليه العلوم الاجتماعية الأخرى.

إن تعريف علم السياسة السلوکي عند “إيستون” يمکن أن يتخلص في کونه “تفسير الظاهرة السياسية من خلال نماذج منهاجية مستعارة من العلوم الطبيعية”. وبالنسبة لإيستون فإن السلوکية في علم السياسة- کما هو موضح من لفظتها- تضع “السلوک السياسي” Political Behavior في القلب من تحليل الظاهرة والواقع السياسي، وهنا يثور سؤال: ما الجديد الذي تقدمه دراسة السلوک السياسي؟ وبدلا من أن يجيب “إيستون” على هذا السؤال بشکل مباشر، فقد قرر أن يجيب عليه من خلال بيان “مدى عدم ملاءمة -وربما اختزالية- وقصور الانتقاد المنهاجي الذي يقول بأن الثورة السلوکية هي ثورة في أدوات المنهج لا في فلسفة التفکير[xvi].

ويتلخص الانتقاد المنهاجي في:

– أولوية الأداة على الموضوع: الباحث السلوکي يختار الموضوع الذي يمکن دراسته من خلال الأدوات المنهاجية السلوکية. أما الموضوعات التي لا يمکن الاقتراب منها بالأدوات السلوکية فلا يمکن دراستها.

 – يترتب على ما سبق قلة الموضوعات المتاحة على أجندة البحث السلوکي، وعدم إمکانية تقديم جديد على هذه الأجندة.

وردا على هذه الانتقادات، يرى “إيستون”، أن هناک إسهاما نوعيا Substantive  قدمته السلوکية لعلم السياسة وسهلت عملية تجسير الفجوة بينه وبين الحقول المعرفية في العلوم الاجتماعية من خلال أنماط مختلفة لتحقيق التکامل بينها، مثل: تشکيل فريق بحثي من کل العلوم لدراسة ظاهرة معينة من مختلف جوانبها السياسية/ الاقتصادية/ الاجتماعية، أوتشکيل برامج تدريب بحثية يکرس فيها الباحثون مجهودهم لدراسة ظاهرة واحدة من مختلف جوانبها دون التزام بحقل معرفي معين، أو أن يتم تدريب کل باحث على الدمج بين تخصصين أو أکثر بحيث يکون التدريب مبنيا على الحقل المعرفي، وإن کان المخرج النهائي قوامه دمج حقلين أو ثلاثة في العقل الباحث.

 وتتجسد سمات هذا الإسهام النوعي للثورة السلوکية[xvii] Substantive Contribution فى: التأکيد على أن الوعي التنظيري- على مستوى النظريات المتوسطة والکبرى- يمکن تحقيقه من خلال تبسيطه في شکل مقولات قابلة للاختبار.

وکذلک أنها جعلت من اللازم إيجاد وحدات دراسة مستقرة لعلم السياسة (والعلوم الاجتماعية) تقوم مقام الجزيئات في العلوم الطبيعية.

 وعليه فإن “إيستون” انتهى إلى أن علم السياسة شهد ثورة ثنائية الأبعاد Dual Revolution، فهي ثورة على مستوى المنهج والتکنيک technical revolution، وثورة نظرية theoretical revolution، في وقت تخطت فيه بقية العلوم الاجتماعية مرحلة الثورة المنهاجية، ودخلت في مرحلة الاشتباک النظري. إن سرعة وحجم التغيرات التي يشهدها علم السياسة قد تؤثر على درجة نضجه وجودة الإنتاج العلمي ما لم يکن هناک رکيزة أساسية للتحليل السياسي والذي يرى “إيستون” أن “السلوک السياسي” هو المفهوم القادر على تقديم تلک الرکيزة[xviii].

ثالثا: قراءة جديدة للنظام السياسى: مفاهيم “إيستون” کما طرحها[xix]:

يطرح “إيستون” في الفصل الأول من کتابه الثالث سؤالا أساسيا، “ما الذي يمنع من القول أن کل شئ في العالم مرتبط ببعضه يمکن جمعه في نظام واحد کبير؟” . ويوضح أن جميع أنواع السلوک السياسي في العالم أينما وجدت يمکن وضعها في نظام عالمي شامل، ويهدف من هذا، وضع النظام تحت الملاحظة والدراسة أو اختيار عناصر سياسية يمکن أن تُشکل نظام بسهولة على أساس بنية نظرية. ويرى “إيستون” أن هناک بعض المتغيرات التي لها دور في فهم الأنشطة السياسية للسلوک الإنساني، وأنه يجب وضع معايير لاختيار هذه المتغيرات، إلا أنه وجد صعوبة في ضمان اختيار وتحديد أفضل هذه المتغيرات بشکل عادل وغير انحيازي على نحو يسهم في بناء نظرية سلوکية.

وتتمثل صعوبات اختيار المتغيرات –بشکل عادل- في: التداخل بين الأنشطة السياسية الرسمية وغير الرسمية: فالأنشطة السياسية في النظام السياسي کانت تتسم بأنها شرعية ورسمية، ثم أصبح النظام السياسي يتضمن أنشطة غير رسمية تتمدد داخل البناء الرسمي، مثل جماعات المصالح والأبعاد والعوامل الشخصية، وأن الأنشطة غير الرسمية عادة ما تتغير مواقفها، وبالتالي يصبح من الصعب تحديد العناصر الأساسية.

فتبنى فکرة النظام في الحياة السياسية يفرض بعض القيود على عملية التحليل، وهو ما يتطلب التعامل مع الحياة السياسية بأنها “نظام مفتوح” بکل ما فيها من تفاعلات فيما بينها ومع البيئة المحيطة بشکل يجعل أعضاء النظام يتجاوبون مع تلک التفاعلات.

ويوضح إيستون فکرة “عالمية النظام”، بمعنى أن أي شئ وجميع الأشياء سواء کانت منعزلة أو مجتمعة، فإنها تندرج تحت نطاق مصطلح “النظام”، فإذا وجدت متغيرات أصبح هناک نظام، وإذا لم تکن هناک متغيرات لا يکون هناک نظام، فمثلما وصلت العلوم الطبيعية إلى العالمية، فالعلوم الاجتماعية وصلت إليها أيضاً، وهنا شبه “إيستون” مصطلح “النظام” بمصطلح الکتلة في الفيزياء فکلاهما لابد من وجودهما. فإذا کانت العلوم الطبيعية تسعى لفهم العمليات الجوهرية وراء الحياة العضوية، فإن وظيفة العلوم السلوکية فى السياسة هى طرح بعض أنواع الأسئلة التى تمکننا من التعرف على الطريقة اللازمة لحماية العمليات الحياتية أو وظائف النظم السياسية[xx].

 وبالتالي فإن الحالة النظرية للنظام السياسي هي بالضرورة نظام تحليلي قابل للدراسة الإمبريقية بعد فصل السلوک الذي نرکز عليه عن السلوکيات الأخرى. وأي حزمة من التفاعلات السلوکية يمکن وصفها بالنظام، وبالتالي سوف يتم تعريف النظام السياسي بأنه عبارة عن مجموعة من التفاعلات المجردة من السلوک الاجتماعي العام، والذي من خلاله يتم تخصيص القيم بشکل ملزم على المجتمع، وبالتالي فإن الأشخاص المنخرطين في عملية الاندماج في تلک التفاعلات هم من يقومون بأدوار سياسية، وتتم الإشارة إليهم باسم أعضاء النظام.

وفي حالة إذا کان التنظير للحياة السياسية کنظام، فإن هذا يدفعنا نحو تحديد العناصر الأساسية والعامة لهذا النظام:

يبدو من قراءة إسهام “أيستون” الأصيل أن المفاهيم وعملية استمرار النظم ليست بهذا التبسيط الذى ورد سواء فى الانتقادات التى وجهت إلى نظريته، أو فى محاولات عشرات الباحثين فى توظيف مقولات نظريته فى أبحاثهم ودراساتهم، کما أنه على الرغم من أن “إيستون” يعتبر أحد أهم الآباء المؤسسين لعلم السياسة، لما له من تأثير کبير على تطور التحليل السياسى الحديث، إلا أن النقد المتعلق سواء بتشبيه النظام السياسى بالنظام البيولوجى، أو الاضطراب المفاهيمى أو الفراغ القيمى يحتاج إلى مراجعة[xxi]. وهذا ما سيتعرض له الجزء التالى بشىء من التفصيل بعد قراءة ومراجعة متأنية لکتاب “تحليل نظمى للحياة السياسية” الصادر عام 1965.

 ينقسم الکتاب إلى ست أقسام: الأول بعنوان “طريقة التحليل” The mode of Analysis، والذى يعرض فيه “إيستون” –کما سبق ذکره- أشکال وخصائص التحليل النظرى، ومشکلة غياب نظرية عامة فى العلوم السياسية تضاهى العلوم الطبيعية، ثم يبدأ فى تسمية مستويات التحليل تمهيدا لشرحها التفصيلى. ثم يبدأ فى تسمية کل قسم من الأقسام التالية بحسب المتغير الذى سيرکز عليه تحليل النظام، فيأتى القسم الثانى بعنوان “مدخلات المطالب” The input of demands، ثم الثالث بعنوان “مدخلات التأييد” The input of support، ثم القسم الرابع بعنوان “الاستجابات للضغوط على التأييد” Responses to stress on support، ثم القسم الخامس بعنوان “المخرجات کمنظم للتأييد” Outputs as regulators of specific support، وصولا إلى القسم الأخير المتعلق بالنتائج، والذى يطرح فيه أهداف تحليل النظام The goals of system analysis.

  1. مدخلات المطالب[xxii]

 تعتبر المطالب الداخلة إلى النظام السياسى واحدة من أبرز مصادر الضغط عليه، حيث أنه من الممکن أن تمثل المطالب خطرا محتملا على بقاء أى نوع من أنواع الأنظمة. وتؤثر المطالب بشکل مباشر على قدرة النظام على توزيعه السلطوى للقيم، وفى هذا الإطار هناک نقطتان أساسيتان: أولا: يتوقف حجم الضغط المتولد عن المطالب على نوع النظام. حيث تتفاوت قدرة النظم على مقاومة الضغط والاستجابة للمطالب، وثانيا: طريقة استجابة النظام للمطالب تحدد طبيعة المخرجات اعتمادا على حجم الضغط المتولد عن المطالب.

 ويعرف “إيستون” المطالب کالآتى:

المطالب هى “تعبير عن الرأى من قبل الموجودين فى النظام تجاه القائمين بالتخصيص السلطوى بشأن قضية ما، قد يتم اتخاذ اللازم أو عدم اتخاذ اللازم من قبل المسئولين عنها”. وقد تکون المطالب ضيقة، ومحددة، وبسيطة، وموجهة بشکل مباشر. کالمطالبة ببناء مثلا مدرسة أو سد. وقد تکون مطالب معقدة، وغامضة، وعامة. مثل المطالبة بأداء حکومى أفضل، أو تطبيق العدالة الاجتماعية،… ولا يمکن أن تتم الاستجابة لکافة المطالب الداخلة إلى النظام السياسى، ولکن فى البداية يتم التفاوض بشأنها عبر الوسائل والقنوات السياسية[xxiii].

أ-وضوح المطالب[xxiv]:

قد تکون المطالب واضحة أو ضمنية Expressed or implied   . وفى أغلب الأحوال تکون المطالب ضمنية فى أفعال، کالتصويت لصالح مرشح ما مثلا. وتعبر المطالب عن الاختلافات الموجودة داخل النظام السياسى، وتعکس مدى الشعبية التى تحظى بها الحکومة.

ولاتشمل المطالب کلا من:

–          التوقعات: ليس بالضرورة تتحول التوقعات إلى مطالب تجاه النظام. کما أن التوقعات تخرج من دائرة المطالب، حتى وإن تحققت فهى لا يمکن حسابها ضمن المطالب التى استجاب لها النظام السياسى.

–          الرأى العام: لايعبر الرأى العام عن المطالب. فهو يمثل مجموعة من المواقف تجاه قضايا ذات شأن عام واهتمام، لکنها ليست بالضرورة مهمة للمسئولين داخل النظام السياسى. وقد يؤثر الرأى العام على تشکيل المطالب وعلى طبيعتها، لکنه لايتوحد مع هذه المطالب.

–          الدوافع: هناک محددات للمطالب،منها الدوافع، کالرغبة فى الوصول لمنصب أو ثورة أو الانتماء لطبقة اجتماعية. ولکن لا تتطابق تلک الدوافع مع المطالب.

–          الأيديولوجية: الأيديولوجية أو المجموعة المتسقة من الأفکار کالتوجهات الاقتصادية أو حدود الحريات داخل المجتمع، هى أوسع من المطالب، وقد تلعب دورا فى تشکيل المطالب، أو تنظيم نمط من الأهداف يتطلب أفعالا فى المستقبل وفقا لبرنامج سياسى تسعى السلطة لتحقيقه. وبالتالى تکون الأيديولوجية أکثر شمولا من المطالب التى تتشکل فى إطار الأيديولوجية وتکون على قدر من التناغم معها.

–          المصالح: يعتبر مفهوم المصالح مفهوما غامضا فى البحث السياسى. وقد يقصد به منظومة القيم الأساسية لفرد أو جماعة ما لتحقيق أهدافه، ومن ثم تکون القيم ذاتية التعريف. وعلى أية حال لا يمکن أن تتحول مصلحة لأى فرد أو جماعة إلى مطلب. ولکن إدراک الفرد أو الجماعة لمصلحته، قد يساعد على تحويل المصلحة إلى مطلب.

–          التفضيلات: يفضل أعضاء النظام السياسى رؤية القادة السياسين أکثر إخلاصا. لکن کما أشرنا فى الرأى العام، هناک فرق بين الأمنيات والواقع، وأن التعبير عن التفضيلات والأمنيات لا يتحول إلى مطلب على النظام أن يتعامل معه ويحوله إلى قرار للاستجابة له.

 بينما تتشکل المطالب اعتمادا على جل هذه المتغيرات، وفى نفس الوقت عند صياغة المطالب، يتم تعديل التفضيلات، والآراء والمصالح التى شکلت تلک المطالب. ولکن السؤال الأهم هو: لماذا نختار بعض المطالب ونتجاهل مطالب أخرى؟

 تتجسد وظيفة المطالب الداخلة إلى النظام السياسى فى الربط بين الأحداث الواقعة فى بيئة النظام،وتحويلها لعمليات داخله. وعند اختيار مطالب دون أخرى، تبرز الصراعات حول أهمية مطالب وعدم جدوى مطالب أخرى. بعبارة أخرى، بدون المطالب، ستختفى قدرة النظام على التوزيع السلطوى للقيم أو القدرة على إصدار أية قرارات لصالح المجتمع. مثلا: إذا وجدنا مجتمعا تقلصت فيه المطالب إلى صفر، لن تکون هناک جدوى من بقائه، ويجب أن نثق أن فى هذه الحالة يواجه النظام حالة من التفکک. وعليه، يجب توافر شرارة  لصدور قرار أو فعل، هذه الشرارة هى المطالب. وبغض النظر عن نوع النظام، يجب أن يوجد فرد أو جماعة مسئول عن تحديد الفعل أو القرار الذى سيتم اتخاذه، والمطلب الذى سيتم التعامل معه.

ب-رشادة المطالب:

يعبر المطلب عن استجابة عاطفية تجاه مشکلة ما. وقد ينتج عن فحص شامل لموقف ما فى فترة محددة. وبالتالى يمکن اعتبار المطالب مصدرا من مصادر التأييد للنظام وليس مصدرا للضغط عليه. ففکرة المطالب السياسية تتصاعد نتيجة خبرات الأشخاص فى قطاعات مختلفة من المجتمع، ليست مهتمة بشکل مباشر بالسياسة. ومن ثم تکثل المطالب “مدخلا” وهمزة وصل بين ما يجرى فى الحياة الاجتماعية بشکل عام، وبين السياسة. إذا، تمثل المطالب جسرا للفجوة بين القطاعات السياسية وغير السياسية، وتوضح مدى قدرة النظم على القيام بعمليتى الاستيعاب والتحويل.

ج-المطالب کمصدر من مصادر الضغط:

 قد تمثل المطالب مصادر للضغط على النظام من خلال العلاقة الناشئة بين المطالب والاستجابة لها. ففى حالة عدم تحويل المطالب إلى قرارات ومخرجات، لأسباب تتعلق بندرة الموارد مثلا، سيحدث عدم توازن بين مدخلات ومخرجات النظام السياسى، وستتصاعد المعارضة التى ستهدد السلطات القائمة، بل ستهدد بقاء النظام ذاته. وتتعدد الأسباب وراء عدم الاستجابة بغض النظر عن طبيعة النظام، مثل التوجهات الأيديولوجية، الوضع القبلى وهيمنة جماعة ما،… کما أن لکل نظام قدرة capacity على استيعاب عدد معين من المطالب يمکن التعامل معها وتحويلها. يشير “إيستون” إلى Demand Input overload أو مدخلات المطالب المنهِکة أو الزائدة، والتى تشير إلى عدد مطالب زائد عن الحد الموضوع تجريبيا خلال فترة زمنية معينة. فى هذه الحالة عندما يواجه النظام مجموعة من المطالب أکبر من قدرة الأعضاء المسئولين عن تحويل هذه المطالب إلى قرارات، يواجه النظام خطر الانهيار. ولکن يؤخذ فى الاعتبار، أن حجم المطالب ليس هو المعيار الوحيد، ولکن نوعية المطالب ومحتواها هى المعيار الأهم کمصدر من مصادر الضغط.

فى حالة عدم الاستجابة للمطالب، قد ينشأ ما أسماه “إيستون” بفشل المخرجات[xxv]. وهى حالة عدم کفاية المخرجات المطلوبة لتوفير الحد الأدنى من الدعم المطلوب للنظام. ومن ثم، هناک حاجة دائمة للربط بين الأنشطة والهياکل داخل النظم السياسية، وبين المطالب کمصادر محتملة للضغط على النظام.

د-تحويل الحاجات إلىمطالب    Conversion of wants to demands

يعتبر “إيستون” الضغط على النظام السياسى هو نتاج العلاقة بين حجم ومحتوى المطالب من جهة، والاستجابات المتاحة لتلک المطالب من جهة أخرى. وليس المهم هو دراسة الکيفية التى تتعامل بها مختلف أنواع النظم مع الضغوط المحتملة، ولکن المهم هو طبيعة العمليات التى تُمکّن النظام من التعامل مع الضغوط. فمنذ نشأة المطالب، يتم تشکيل شبکة من المطالب فى شکل حاجات غامضة ومرغوبة على النظام أن يواجهها

ويوفر العمليات والآليات اللازمة لتحويلها إلى قرارات سياسية قابلة للتنفيذ. ولعل العوامل التى تؤثر فى المطالب، کما سبقت الإشارة، مثل الأيديولوجية والرأى العام والتفضيلات، هى ما يمکن تسميتها بالحاجات. أما المطالب، فهى الحاجات التى يتمنى أصحابها تحقيقها فى هيئة مخرجات.

السؤال الآن هو: کيفية تحويل الحاجات إلى مخرجات؟

ينظر “إيستون” إلى النظام السياسى باعتباره “مصنعا” تتحول فيه المواد الخام (الحاجات) إلى منتجات أولية (المطالب)، حتى يتم التعامل معها فى شکل منتج نهائى (مخرجات) عبر قرارات ملزمة. هذه القرارات الملزمة تطبق على المجتمع ککل، تمهيدا لمعرفة آثارها والاستعداد لاستقبال حاجات جديدة لاحقا. کى تتحول الحاجات إلى مطالب، على الفرد أو الجماعة إعطاء صوت للحاجة فى مواجهة المسئولين عن إصدار قرارات ملزمة (سواء من قبل مثلا جماعة مصلحة أو حزب سياسى)، وفى هذه الحالة يتم تحويل الحاجة إلى مطلب داخل النظام السياسى. The want has become politicized، ويصبح أحد مدخلات النظام السياسى. إن حاجات جميع الأفراد فى مختلف الأوقات والأماکن لا تتوفر لها الإمکانية المتساوية کى تتحول إلى مطالب. على سبيل المثال، فى الثقافة الغربية، توفرت مجموعة من العوامل مثل التقدم التکنولوجى، الثورة الصناعية،… والتى أثرت على طبيعة الحاجات داخل المجتمعات الغربية، والتى قدمت توقعات للمسئولين داخل الأنظمة المختلفة عن احتمالية المطالب الجديدة المناسبة للمرحلة الجديدة مثل نظام الضرائب ومعونات الفقراء، وغيرها،…..کما تتشکل الحاجات وفقا لاعتبارات أيديولوجية جديدة مثل المساواة بين المختلفين عرقيا، نظام الرفاهة،…. ومن ثم تتولد حالة حتمية من المعدلات الزائدة لتحويل الحاجات إلى مطالب .

ولکن يؤخذ فى الاعتبار أنه من المحال تحويل کل الحاجات إلى مطالب حتى فى فترات التغيير الأساسية التى يمر بها أى نظام سياسى، ومن ثم لا يمکن أن تصل کل الحاجات إلى المجال السياسى. کما أن أى نظام سياسى، مهما بلغ من درجة الضعف، فإنه لا يفتقد کلية إلى وجود آليات تحميه من زيادة أحمال المدخلات  Input overload . وفى هذا الإطار، يوجد آليتان لتنظيم تدفق المطالب إلى النظام السياسى، الأولى: طبيعة الهيکل السياسى داخل النظام، بمعنى مَن who المسئول عن تحويل الحاجات إلى مطالب، ومن ثم عدد ومحتوى المطالب، بينما الثانية هى المبادىء الثقافية التى تمثل ماذا What  الذى سيتم تحويله وفقا لقواعد السلوک المعمول بها داخل النظام.

ه-تنظيم تدفق المطالب إلى النظام السياسى:

بعد تحويل الحاجات إلى مطالب، ودخول المطالب إلى النظام، هناک حاجة إلى تنظيم المطالب للحيلولة دون الوصول لحالة الحمل الزائد على النظام. فبعض المطالب تذاع بسبب قيمتها من حيث التوقيت والمحتوى. ومن ثم هناک حاجة لتشکيل شبکة من القنوات والتى من خلالها يتم تجميع ومناقشة المطالب عبر أعضاء النظام. هى عملية لجدولة وتنقية المطالب وفقا لمبدأ التوزيع السلطوى. إن شبکة القنوات هذه تختلف من نظام لآخر اعتمادا على طبيعة المجتمع، سواء کان بدائيا أو متقدما. فهناک فهناک المجتمعات القبلية، وهناک المجتمعات التى تنشط فيها جماعات المصالح والأجهزة النيابية. هذه القنوات إما أن تفشل فى توصيل المطالب إلى النظام أو أنها تنجح تماما فى توصيل المطالب بقدر أکبر من قدرة النظام على المعالجة، وبالتالى عبء زائد على مراکز صنع القرار.

عمليات التخفيض أو التقليص Reduction Processes
يمکن الجمع بين المطالب أو الدمج فيما بينها، وذلک فيما يتعلق بالمطالب المتشابهة کتلک المطالب المتعلقة مثلا بالتأمين الاجتماعى أو تنظيم عمل النقابات العمالية. أيضا المطالب التى تنتمى لنفس الموضوعات من حيث المحتوى، من الممکن دمجها فى مطلب

واحد أو تحت مظلة واحدة، مثل الرعاية الصحية، التعامل مع الأمراض المزمنة، تحسين الخدمات العلاجية،…. مثلا، من الممکن أن يدمج النظام کل هذه المطالب فى برنامج تأمين صحى شامل.

ملامحأساسية لهذا القسم من الکتاب:

– تعتبر المطالب هى همزة الوصل بين النظام السياسى والبيئة التى يوجد فيها.

– کلما زاد تدفق الحاجات الناجمة عن التغير فى بيئة النظام، کلما زاد الضغط على النظام والحاجة إلى تطوير قنوات لنقل المطالب إلى النظام وتحويلها إلى برامج وسياسات وقرارات.

– لا يعنى استقبال وتحويل المطالب إلى النظام السياسى ضمانا لبقاء واستقرار النظم، إذ أن القدرة على تحويل المطالب إلى مدخلات تتوقف على عنصر أساسى وهو التأييد Support

2-مدخلات التأييد[xxvi]

“النظام السياسى ماهو إلا مجموعة من التفاعلات التى ينتج عنها توزيع الموارد سلطويا داخل المجتمع. ومن ثم ينظر إلى النظام السياسى کوسيلة للتعامل مع الاختلافات المنتجة للمطالب التى تتحول فى النهاية إلى مدخلات. ومن وجهة نظر أخرى، هو الوسيلة التى يتم من خلالها تعبئة وتوجيه الموارد فى المجتمع من أجل تحقيق الأهداف[xxvii].

هذه الوظائف لايمکن أن تتم بدون ما يسمى بالتأييد. فبدون التأييد للنظام والمسئولين داخله، سيواجه النظام مخاطر شديدة خلال عملية تحويل المطالب إلى مدخلات، أو حتى فى مرحلة تنفيذ القرارات المتخذة بشأن مطلب معين.

أ-أهمية التأييد The Significance of Support

تتعدد المدخلات المؤثرة على النظام السياسى، وتبدأ بالمطالب، وتشمل أيضا التأييد. وکل من المطالب والتأييد يجسد طبيعة التغييرات الناشئة فى بيئة النظام السياسى، والتى تؤثر فيه تأثيرا مباشرا. مثل انتشار دين جديد مثلا، أو معطيات جديدة للثورة التکنولوجية،…. هذه المستجدات لا تؤثر فقط فى طبيعة الحاجات التى تشکل المطالب فيما بعد، ولکنها تؤثر فى حجم التأييد الذى يحظى به النظام بکافة مؤسساته وقادته. لذا يجسد التأييد فکرة همزة الوصل بين النظام وبيئته، کما أنه قد يکون مصدرا من مصادر الضغط على النظام فى حالة وصوله لحد أدنى يهدد بقاء النظام.

ويؤثر التأييد على النظام من خلال ثلاثة مداخل:

§ دون تأييد أصحاب السلطة Authorities داخل النظام، لن يتم تحويل المطالب إلى مخرجات.
§ بدون التأييد لن تتوافر الدرجة المقبولة من الاستقرار للقواعد والهياکل التى من خلالها يتم تحويل المطالب إلى مخرجات، وهى المهمة المخولة إلى النظام Regime .
§ التأييد مطلوب لتحقيق الحد الأدنى من التماسک بين أعضاء النظام .
إذا يتکون التأييد من ثلاثة مکونات Political Objects هى أصحاب السلطة، النظام، والمجتمع السياسى.

ب-نطاق التأييد The Domain of Support

بغض النظر عن قدرة النظام على استيعاب المطالب وتحويلها إلى مخرجات، فإن نطاق التأييد يتسع ليشمل السلوک التصويتى، الأحزاب السياسية، جماعات المصالح،.. التى تؤيد النظام، أو أعضاء النظام المسئولين عن عملية التحويل وتوجيه الموارد سلطويا. کما لا تتوقف أهمية التأييد عند هذا الأمر؛ ولکنها تمتد إلى مرحلة المخرجات والقرارات، حيث تُمکِن السلطات من تنفيذ القرارات بدون اللجوء إلى استخدام القمع، ومن ثم توفير قدر ما من التضامن داخل النظام.

وبغض النظر عن نوع النظام الموجود، فإن قدرته على تحويل المطالب، تعتمد فى المقام الأول على الأعضاء المؤثرين سياسياPolitically influential members، أو ما يقصد بهم “إيستون” أصحاب السلطة Authorities، ومدى تأثيرهم فى ضمان الوحدة بين أعضاء النظام،من خلال الهياکل والقواعد المتاحة لتحقيق التوزيع السلطوى للقيم. لذا عند تراجع التأييد عن حد معين، لا عجب من الانهيار التام للنظام.

وهنا تبرز التساؤلات المتعلقة بالتأييد مثل: ما هى طبيعة مکونات التأييد الثلاثة التى يجب أن تتوافر حتى يستمر النظام؟ کيف تؤثر المتغيرات البيئية على مستوى التأييد؟ ما هى ردود أفعال النظم المختلفة والتى نجحت فى التعامل مع الضغوط الناجمة عن تراجع التأييد؟

ج-معنى التأييد:

نظريا، يمکن القول أن أ يؤيد ب، إذا کان يعمل أ نيابة عن ب، أو إذا کان أ يوجه نفسه بشکل إيجابى تجاه ب. قد يکون ب فردا أو جماعة،أو هدفا، أو فکرة، أو مؤسسة. وهناک نوعان من التأييد:

التأييد العلنى Overt Support:
يکون التأييد علنيا عندما يتضمن سلوکا يمکن ملاحظته، مثل دفع الضرائب طوعا، أو الانضمام إلى القوات المسلحة طواعية،… کما أن هناک سلوک واضح يعکس عدم تأييد النظام کالهجرة لبلد أخرى،أو رفض دفع الضرائب. مثلا من الممکن التصويت لمرشح، لا لتأييده ولکن رفضا للمرشح المنافس له، هنا أيضا يعتبر أنه تأييدا، رغم أنه تأييد ضعيف، ولکنه موجود.

التأييد الخفى Covert Support :
يتوقف التأييد على السلوک المعلن فقط، ولکن هناک أنماط للسلوک داخلية، وهى التوجهات التى تأخذ شکل أنماط مختلفة من المواقف. على سبيل المثال: إذا قام فرد بالتصويت لصالح مرشح حزب ما، يمکن القول أنه يدعم هذا الحزب فى تلک الفترة ؛ ولکن إذا استمر يصوت لنفس الحزب عبر السنوات، من الممکن أن نَصِف سلوکه بالولاء الحزبى. هذه التوجهات الخفية تعکس أفعالا تجسد إما التأييد أو العداء. وفى حالة أن تکون الأفعال غير معبرة عن التوجهات والسلوک، نعتبر أن الملاحظة لم تکن دقيقة، أو أن هناک مستجدات قد طرأت، ومن ثم فنحن فى حاجة لقياس حجم التأييد لأنه بغض النظر عن طبيعة التأييد سواء کان علنيا أم خفيا، فإن طبيعة التأييد لا تعکس لنا الأبعاد المتباينة له کمدخل من مدخلات النظام.

د-مؤشرات التأييد:

يعتبر “إيستون” التأييد ظاهرة يمکن قياسها. ومن ثم فلها مؤشرات مثل: انفصال أقلية عن النظام، حجم الإنفاق على الأمن، الهجرة خارج البلاد،… کمؤشرات واضحة تعکس التأييد/ عدم التأييد المعلن. وهناک أيضا مؤشرات تعکس التأييد الخفى[xxviii] .

وضع “إيستون” Continuum لدرجة التأييد بين إيجابى وسلبى ومحايد.

تأييد متزايد محايد تأييد منخفض

تأييد متزايد تأييد منخفض

إذا، فالتأييد لا يعنى المعنى الإيجابى فقط، خاصة مع وجود مؤشرات کالمعارضة التى تجسد التأييد السلبى. کما يؤخذ فى الاعتبار أن مصدر التأييد عامل مهم مثل الطبقة الحاکمة، أو دعم المؤسسة العسکرية، أو الأجهزة المخابراتية، والتى تؤثر إلى حد کبير فى حجم التأييد سواء الإيجابى أو السلبى.

ه-محتويات التأييد

لقياس التأييد، يجب قياس درجته فى کل من هذه المکونات الثلاثة، أو فى التفاعل بين تلک المکونات.

المجتمع السياسى أو الجماعة السياسية Political Community
لايمکن أن يستمر النظام السياسى فى العمل إلا بوجود حد أدنى من استعداد أعضاءه للعمل معا من أجل حل مشکلاتهم السياسية، وإلا لا يمکن توقع أى قدرة على أن يقوم النظام بوظيفته الرئيسية وهى التوزيع السلطوى للقيم. من هنا تتجسد وظيفة المجتمع السياسى الذى يمثل السند من قبل الفرد للنظام أو المجتمع الذى يشکل جزءا منه، حيث يشتمل النظام السياسى على مجموعة من العلاقات السياسية التى تربط بين أعضاء النظام، والتى من خلالها يتم تحقيق الأهداف السياسية لهذا النظام. وبالتالى، يشترک أعضاء النظام فى مجموعة مشترکة من العمليات والهياکل التى من شأنها إما إضعاف أو تقوية الروابط بين الأفراد والنظام. ولايهم هنا الأساس الذى يقوم عليه المجتمع، بمعنى هل يربط بينهم مجموعة من التقاليد المتوارثة أو ثقافات متباينة، أو قوميات مختلفة، ولکن يربط بين هؤلاء العضوية فى النظام السياسى والتى تفرض عليهم قدرا من التقسيم السياسى للعمل Division of political labor، وهى تلک التى تضمن لهم حدا أدنى من النشاط السياسى.

من هذا المدخل، يأتى التأييد،عندما يقوم الأفراد داخل المجتمع السياسى بلعب أدوارهم من أجل الوصول إلى قرارات ملزمة وإدخالها حيز النفاذ والاستمرار. کما أنه باستمرار دعم الأعضاء للمجتمع السياسى، فإن هذا يعنى تأييدا ضمنيا لعملية التحويل وآلية التعامل مع المطالب الداخلة للنظام. ويطرح “إيستون” مؤشرات مختلفة لعضوية الأفراد للمجتمع السياسى مثل الحضور داخل الإقليم Territorial Presence،الاعتراف القانونىLegal definition،القرابة Kinship .الدين، …….

وتتسم المجتمعات السياسية بالثبات مقارنة بباقى مکونات التأييد (النظام، السلطات)، ولکن لا يعنى هذا جمودها. فقد تتغير طبيعة المجتمع السياسى وتصبح عرضة للتفکک والانقسام فى إشارة إلى تغير بيئة النظام السياسى، ومن ثم حجم التأييد الداخل إلى النظام. مثلا قيام حرب أهلية أو الهجرة، قد يؤدى إلى الانسحاب من المجتمع السياسى .

ويفرق “إيستون” بين المجتمع السياسى کما سبق تعريفه وبين الجماعة بالمعنى الاجتماعى Social Community ، والتى تجسد الإحساس أو الشعور بالمجتمع أو ما أسماه ب”الحس المجتمعى” Sense of community،وهو أحد أبعاد المجتمع السياسى، وقد يکون موجودا أو غائبا، وله درجات متفاوتة، ولکنه يؤثر تأثيرا مباشرا على مدى التماسک الذى يتمتع به المجتمع السياسى.

النظام أو العهد The Regime
يقصد “إيستون” بالعهد هنا النظام الدستورىConstitutional order السائد داخل النظام، والذى يتم تعديله من فترة لأخرى مع الحفاظ على النظام الأکبر. وعليه، فى حالة فقدان التأييد لهذا النظام، ستتوقف قدرة النظام على التشغيل ؛ لأن النظام کى يعمل بکفاءة، يجب أن تتوافر لديه الإجراءات والقواعد الأساسية التى تمکنه من استقبال وتحويل المطالب إلى مخرجات أو تسويتها بالشکل اللائق الذى يحافظ على التأييد. وهذا ما تعانيه معظم الدول حديثة النشأة أو الحاصلة على الاستقلال من المستعمر، حيث يتم الاعتراف بالنظام، بدون وضع تصور لمختلف الإجراءات أو الهياکل اللازمة للتعامل مع المطالب المتباينة. هذه الهياکل ضرورية لأنها تقوم بتحديد من الذى سيقوم بممارسة القوة، حدود سلطاته، من هم الذين سيمتثلون له، الظروف التى فى ظلها تبرز الالتزامات والحقوق،….. وعليه تبرز أهمية النظام بهذا المعنى فى الحيلولة دون الوصول لمرحلة الفوضى حتى مع تغير الأشخاص أو تبدل الظروف.

مکونات العهد Components of the Regime

√ القيم Values، وتشير إلى مجموعة الحدود التى يجب أخذها فى الاعتبار والتى يتم الاسترشاد بها مراعاة لمشاعر القطاعات المختلفة فى المجتمع. Who

√ المعاييرNorms، وتشير إلى مجموعة الإجراءات المتوقعة والمتوافق عليها خلال عملية تحويل وتنفيذ المطالب.Who

√هياکل السلطة Structures of Authority ، فتشمل الأنماط الرسمية وغير الرسمية والتى من خلالها يتم توزيع القوة بالنظر إلى الموارد المتاحة، والقرارات الصادرة. What

ولا يمکن أن يقوم أى نظام سياسى بمهامه، وباستقبال المطالب الداخلة إليه دون وجود “عهد” بمکوناته الثلاثة والتى تحظى جميعها بقدر من التأييد.

· أصحاب السلطة أو المسئولون عن إدارة النظام Authorities
يقصد بأصحاب السلطة، شاغلى السلطةAuthority Occupants، ويتغير المفهوم من نظام لآخر، ولکنه يحمل نفس المعنى، کالحکومة مثلا. إن شاغلى السلطة يجب أن يتم تمييزهم عن المهام نفسها، فالرئاسة ورئاسة الوزراء ثابتة کمناصب، ولکن ما يتغير هو شاغلى هذه المناصب. وبالتالى إن کنا نقصد شاغلى المناصب، فيجب خضوعهم لمجموعة من المعايير کالاعتراف بمسئوليتهم من قبل أعضاء النظام، أن قراراتهم يجب أن تکون ملزمة.

وعلى متواصلة Continuumيمکن تقسيم أصحاب السلطة إلى مستويين: الأول هو المسئولون عن إصدار القرارات الإلزامية على المستوى الأشمل للنظام. والثانى يشمل شاغلى المناصب الأقل تقديرا وتميزا، وتکون مهام سلطاتهم أکثر ضيقا. على سبيل المثال، الولايات المتحدة الأمريکية، الإدارةAdministration، والتى تشمل کل المسئولين المنتخبين على المستوى القومى، ثم الخدمة العامة Public service .

يجب على هؤلاء ضمان حد أدنى من التأييد اللازم لضمان قدرتهم على تنفيذ القرارات والسياسات. وبالتالى إذا شعر أعضاء النظام أن شخصا ما أو مجموعة من الأشخاص لم يعد بإمکانه التعامل مع مهام منصبه، يفتقد إلى الثقة، ومن ثم يفقد قدرا کبيرا من التأييد، مما يهدد النظام کله. وقد يحظى أصحاب السلطة بالتأييد عبر ما أسماه “إيستون” بالامتثال القسرى Forcible compliance عبر استخدام القمع. ولکن تراجع التأييد لشاغلى المناصب فى أى نظام من شأنه تدمير النظام ککيان، وهذا من أبرز النقاط التى تميز تراجع التأييد لهم مقارنة بتأييد المجتمع السياسى أو العهد.

و- الضغط الناتج عن تآکل التأييد:

السؤال هنا: متى يمکن القول أن النظام يعانى انخفاضا أو تراجعا فى التأييد أو فى واحد من مکوناته الثلاثة؟

يطرح “إيستون” الإجابة فى ما أسماه بفشل المخرجات، والذى يحدث فى ثلاثة حالات: الأولى عندما يفشل أصحاب السلطة فى اتخاذ اللازم بشأن المطالب. ومن ثم حالة عدم توازن بين المطالب والمخرجات، وبين التوقعات والواقع. الثانية عندما تتم إدانة أصحاب السلطة بافتقاد الرؤية أو الحکمة لمواجهة أى احتمال. مثلا: کان الأمريکيون يلقون باللوم على “هوفر” إثر الکساد الکبير رغم أنه لم يکن مسئولا عنه. الثالثة من الممکن أن يتخذ أصحاب السلطة ردود أفعال تجاه المطالب، ولکن قد يتم تقييمها أنها جاءت فى غير صالح تلک المطالب ولم تستجب لها، ومن ثم يکمن الفشل فى نوعية المخرجات. فى أى حال من الأحوال الثلاثة، سيتراجع التأييد. ورغم کون التراجع موجها إلى أصحاب السلطة، قد يتم فيما بعد امتداده إلى المجتمع السياسى والعهد وصولا إلى مراحل التحولات الثورية التى تعکس هذا النوع من التراجع للمکونات الثلاثة من التأييد.

3-الاستجابات للضغوط على التأييد[xxix]

أ-التنظيم الهيکلى للتأييد Structural regulation of Support

لعل حالة ما أسميناه ب”تآکل التأييد” حتمية فى مختلف أنواع النظم، خاصة وأن فشل المخرجات لا يمکن تجنبها فى کل الأحوال. ففى ظل حالة ندرة الموارد والتنافس بين الجماعات والأفراد عليها، يکون النظام دائما عرضة لخطر الفوضى الدائم. کيف يمکن تفادى هذا الخطر؟ عندما نقول أن النظام يستجيب بطريقة ما، السؤال مَن نحن لنقول أنه يستجيب أو لا؟ هذا يتوقف على طبيعة النظام والتوقيت. فالاستجابة للمدخلات تعتمد على طبيعة الأفعال المتخذة من القيادة السياسية أو بعض من أعضاء “السلطات” لمواجهة الضغوط. ولکن هذا الأفعال من المرجح جدا أن تکون متنوعة حسب نوع النظام. کما أن أعضاء النظام لهم ردود أفعال تتعلق بتنظيم التأييد قد تصل إلى المطالبة ب”عهد” جديد لضمان نظام جديد أکثر استجابة للمطالب. إذا الاستجابة لا تتوقف على القيادة، ولکن أيضا يشارک أعضاء النظام فى تحديدها.

اتجاه الآثار The direction of effects

تتوقف الاستجابة على اتجاه الآثار، هل فى صالح زيادة درجة التأييد أو أي من مکوناته الثلاثة؟ کما أن هناک ما يمکن تسميته بالاستجابة السلبية، بمعنى أنها استجابة

تسعى لإلغاء نتائج غير مواتية لظروف سابقة، من خلال تعزيز العلاقات مع العهد القائم. وقد تکون الاستجابة إيجابية، بمعنى أنها تتحرک فى نفس اتجاه الضغوط، وبالتالى تساهم فى عملية تآکل التأييد.، وفى النهاية قد يکون الأمر ظهور “عهد” جديد new regime.

· توقيت الاستجابة
إن مسألة التوقيت مسألة حيوية، سواء کان الهدف هو ضمان التأييد أو إحداث تغيير فى أى من مکوناته الثلاثة. يجب أن يحتوى النظام على “المؤسسات” اللازمة للتعامل مع أى تهديدات للتأييد. کما أن النظام عليه أن يمتلک من الآليات التى تُمکَنه من تأجيل أو اتخاذ ردود أفعال ما تربط بين استجابته وعنصر التوقيت. ودائما ما تسعى القيادة السياسية إلى تمييز نفسها من خلال قدرتها على استشعار اللحظة المناسبة للحصول على أقصى قدر من النتائج من أي فعل.

ب-الأنواع المختلفة من الاستجابات

ترتبط الاستجابات مباشرة بمحاولة تقليل الانقسامات داخل النظام لمجابهة ما أسماه “إيستون” ب “التغيرات الهيکلية” structural changes التى تطال العهد. وأطلق عليها الدعم الدعم المخصص أو المحدد Specific support من خلال ما يلجأ إليه النظام بطرح مکافآت لدعم أصحاب السلطة مثلا دون تقديم دعم بالضرورة للجماعة أو العهد.

التجانس Homogenization
لعل واحدة من أبرز آليات النظم للتعامل مع الضغوط الناتجة عن الانقسامات الناتجة عن الانقسام الاجتماعى هى العمل على تشجيع التجانس بين الأعضاء وتقليص الاختلافات على أسس الدين أو اللغة أو الثقافة. ولتحقيق هذا، تکون الاستجابة نوعا من تعديل القواعد (أو المعايير norms) المتفق عليها من أجل التقريب بين الجماعات المختلفة.

ولکن وفقا لخبرة التاريخ، لم تثبت تلک الآلية نجاحها، بل قد تؤدى إلى النقيض من أهدافها، وتبرز المزيد من الشعور بعدم التکامل وضعف الانتماء السياسى.

· الهياکل التعبيرية expressive structures
من أجل السعى فى إنجاح سياسات کالتذويب، من الممکن أن تلجأ النظم إلى تبنى أشکال من النظم الفيدرالية Systems لضمان التنوع الثقافى داخل النظام الأشمل دون رفض أو إجهاض لهذا التنوع، الأمر الذى سينعکس فى النهاية على مجتمع أکثر تعقيدا، يشهد حالة أساسية من التداخل والتکامل والاعتماد المتبادل بين أعضائه، ومن ثم تقليص لحجم الانقسامات السياسية المنتجة للضغوط. کل هذا يأتى فى إطار العهد،لأنه فى حالة فشل النظام فى إدارة هذا التنوع،سيکون عرضة لمواجهة هيکل سياسى فضفاض loose political structure يجمع تحت لوائه الجماعة السياسية أحد مکونات التأييد وأکثرها استقرارا.

يمکن ضمان تمثيل مصالح الجماعات المختلفة فى إطار الجماعة السياسية عبر ما أسماه “إيستون” بالهياکل التمثيلية Representative structures والموجودة فى أى نوع من الأنظمة والتى ليست حکرا على النظم الديمقراطية، لتطرح قنوات للتفاوض والمصالحة بين المختلفين داخل النظام.

  • ·              تعديلات فى معايير العهد modifications in regime norms

بالإضافة إلى تعديل هياکل النظام کى يکون أکثر استيعابا للاختلافات،هناک أنوع أخرى من الاستجابة ترتبط بتعديل المعايير المتفق عليها داخل النظام. وتلعب المعايير دورا أساسيا فى تقليص حجم الخلافات disputes، والانجراف فى أشکال العنف وأعمال الشغب riots، والاغتيالات assassinations، والانقلابات العسکرية،… الناتجة عن الرغبة فى تسوية الخلافات والإحباطات من تراجع قدرة النظام على تسوية الانقسامات.

 کما تلعب المعايير دورا هاما فى طرح آليات المصالحة والتأکيد على اتفاق الجماعة السياسية على حتمية العيش معا کأعضاء داخل نفس النظام السياسى . فى حالة الاتفاق على معايير عامة لمواجهة الانقسامات الناتجة عن الاستجابات تجاه ضغوط التأييد، تکون احتمالية الصراع، ومن ثم تهديد انهيار النظام السياسى ضعيفة. تلک المعايير تنظم عملية الجدل حول قضايا الاختلاف، ومن ثم تحقيق تماسک النظام السياسى.

√کما ابتکرت النظم السياسية أنواعا متباينة من الاستجابات:

  • الإدماج ضمن القيود الدستورية  Incorporation into constitutional restraints

من الممکن أن يلجا أصحاب السلطة إلى سحب بعض المسائل المختلف عليها من الساحة السياسية حتى لا تظل إحدى مجالات الصراع المحتمل،والتى قد تهدد استقرار العهد أو الجماعة السياسية. بل ويمکن أن يقوم أصحاب السلطة بخطوة أشمل من ذلک وهى الاتفاق على أن هذه القضية المفجرة للصراع المحتمل هى خارج نطاق السياسة  consider it outside of politics، وذلک لاستبعادها من دائرة النزاع. بهذا يکون الاتفاق على استبعاد قضية ما هو نوع من التسوية السياسية المتفق عليها وليست مجرد فهم ضمنى. على سبيل المثال، تحظر الدساتير على الحکومات التجاوز فى موضوعات تتعلق بالدين، وبالتالى اتفاق على استبعاده من المجال السياسى حتى لا يکون مجالا للجدل اليومى.

أکد “إيستون” على أن کل انواع النظم سواء ديمقراطية أو سلطوية، حديثة أو تقليدية، لديها نظام من الثقافة السياسية political culture of system والذى يستبعد بعض القضايا من المجال السياسي.

  • الاتفاق الضمنى Tacit agreement

   والتى تتحقق من خلال المعايير التي تحکم اللجوء إلى التقاضى، بتخفيف وطأة الانقسامات من خلال توقعات منظمة حول الطريقة التي من خلالها يتم التعامل مع الاختلافات وتسويتها[xxx]. ويطرح تدخل القضاء قواعد متفق عليها مستقبلا لإدارة الانقسامات ومن ثم تقليل احتمالية الصراع لحد أدنى. ورغم أن القضاء يتطلب محاذاة رسمية formal alignment  من قبل الأعضاء المختلفين –سلطات أو أفراد- إلا أن الاتفاق الناتج عن حکم القضاء يشمل فعليا أطراف الانقسام من أعضاء الجماعة السياسية. وفى تلک الحالة يکون الحکم القضائى منشئا لاتفاق ضمنى بموجبه يتم تحييد بعض المسائل عن المجال السياسى، ومن ثم تمکين النظام من صناعة المخرجات manufacturing outputs.

تبرز معضلة أساسية هنا، وهى أن الحکم القضائى فى حد ذاته هو مخرج، وبالتالى لايمکن اعتبار العمليات القضائية آلية من آليات عدم تسييس بعض المسائل. ولکن يتعامل “إيستون” مع القضاء هنا باعتباره أحد الآليات التى من الممکن من خلالها تقليص الانقسامات بتقليل حجم الداخلين أو المشارکين فى الانقسام من جانب، وبإضفاء الطابع الرسمى على تلک المسائل من جانب آخر.

 بشکل عام، النظم السياسية أمامها خياران، إما قمع الانقسامات والاختلافات ومن ثم تفتيت المجتمع أو محاولة إيجاد صيغة للتجانس بين أفراد المجتمع سواء من خلال ابتکار هياکل أو عهود تتيح للاختلافات التعبير عن ذاتها مثل النظام الفيدرالى، أو من خلال عدم تسييس بعض القضايا ووضع معايير ما للاتفاق حول طبيعة تلک القضايا غير المسيسة، أو ضمان وجود بعض الهياکل التمثيلية والتى من خلالها يضمن تمثيل کافة الاختلافات فى العملية السياسية. تلک الآليات جميعا يمتلکها النظام کمحاولة لتقليل حجم الضغوط على التأييد أو أحد مکوناته.

ج-توليد الدعم   The generation of support

 لعل توفير الدعم لأى من مکونات التأييد يعتمد أساسا على شعور أعضاء النظام بأن المخرجات استطاعت سد المطالب خلال فترة زمنية ما. وبالعکس، فإن فشل المخرجات، هو فشل القرارات أو السياسات فى مواجهة المطالب الداخلة إلى النظام السياسى؛ ولذلک يتولد التأييد عن حالة الرضا تجاه سياسات أو مخرجات النظام.

اعتمادا على خبرة بقاء النظم السياسية عبر التاريخ، يمکن القول أن يتحمل أعضاء النظام حالة الإحباط المتولد عن عدم تحقيق المطالب دون انخفاض الدعم عن الحد الأدنى.  ولعل فکرة إرجاء المنافع والتى تتعلق بطلب النظام من أعضائه التخلى عن بعض المطالب فى ضوء ندرة الموارد المتاحة لصالح الأجيال القادمة. کما أن أيضا آلية التحقيق الجزئى للمطالب، بمعنى تحقيق جزء من المطالب فى فترة ما أو تحقيق مطالب جماعات ما وعدم التعامل مع مطالب جماعات أخرى، تعتبر إحدى الآليات الهامة للحفاظ على التأييد. إلى جانب آلية استثمار الدعم الموروث من خلال ما قد يحظى به أصحاب السلطة أو العهد أو الجماعة السياسية من ولاء أعمى، والتى تعطى أى من مکونات التأييد قدرا من الحصانة حتى ولو فى حالة فشل أى منها فى تحقيق أو إرضاء المطالب. أطلق “إيستون” على تلک الآلية مخزن المشاعر الجيدة store of good sentiments.

د-أنواع الاستجابة للضغوط

هناک 3 أنواع من الاستجابات للضغوط:

√ المخرجات: صدور سياسات أو تشريعات أو قرارات تتعلق بالمطالب الداخلة إلى النظام السياسى، ومن ثم توليد حد أدنى من التأييد، وحالة من حالات الرضا وضمان لاستمرار وبقاء النظام. ولکن هناک تحديات تتعلق بهذا النوع من الاستجابات مثل ندرة الموارد، الصراع من أجل الاستقلال، انهيار النظام وتأسيس نظام جديد إثر ثورة، .. کلها عوامل لا تضمن مستوى معين من المخرجات ليجابه المطالب.

√ القمع: Coercion وهى حالة استجابية من قبل النظام من خلال ما يوفره القمع من مکافآت سلبية negative rewards أو عقوبات ناتجة عن الفشل فى الامتثالفى حالة عدم رغبة الأفراد فى تقديم تأييدهم طواعية، ولکن باستخدام آلية القمع، يمکن أن يحظى النظام بحد أدنى من التأييد.

√ حسن النية: Good will وذلک فى حالة عدم استخدام القمع أو إنتاج مخرجات، ولکن بغرس حالة من الشرعية فى نفوس أعضاء النظام تجاه کل من العهد وشاغلى السلطة، أو من خلال التأکيد على أواصر الروابط بين الجماعة السياسية. ولعل تراجع أو تآکل التأييد فى تلک الحالة سيضرب مباشرة فى “شرعية” النظام، ومن ثم يدفعه إلى اللجوء إلى استخدام القمع أو إنتاج مخرجات لتوفير الدعم اللازم.

ه-تأييد أصحاب السلطة والعهد: عقيدة الشرعية

     الشرعية هى الأداة الأکثر فاعلية لضمان تأييد کل من العهد وأصحاب السلطة. ويقوم الأفراد داخل النظام بالامتثال لأصحاب السلطة واحترام العهد لأسباب مختلفة. فعلى سبيل المثال قد يحظى العهد وأصحاب السلطة بالشرعية نتيجة تطابقهما مع المبادىء الأخلاقية للأفراد داخل النظام، حتى ولو کان ذلک مع وجود حالة من الحرمان وفقا للعلاقة بين المطالب والمخرجات.  إن الحاجة إلى الشرعية حاجة حتمية، فلا يمکن لأى نظام سياسى أن يضمن الاستمرارية لفترة طويلة بدون درجة من الشرعية. تلک الشرعية هى المحرک الأساسى لعملية التحويل من خلال توزيع وتکريس الموارد اللازمة لتحقيق الأهداف. وبعيدا عما قد تحظى به السلطات من شعبية، فإن طاعة تلک السلطات، وعملها وفقا لهياکل وقواعد النظام “العهد” تتوقف على مدى شرعيتها. فالشرعية هى مصدر تأييد أصحاب السلطة والعهد، وهى عقيدة الربط بين الأفراد ومکونات التأييد الثلاثة.

ولهذا يوافق “إيستون” على فکرة تعريف النظام السياسى على أساس درجة الشرعية التى توفر الأساس الأخلاقى moral basis لقبول إجراءات عملية التحويل. ولکن هذا لا يعنى إطلاقا أن تستند النظم فى بقائها على الشرعية فقط، فکل النظم تقوم بالاعتماد على خليط من الشرعية والقمع والنفعية، وذلک ليس فقط لتحويل المدخلات إلى مخرجات، ولکن لضمان إلزامية هذه المخرجات  . هذا الخليط يختلف من نظام لآخر، ومن فترة زمنية لأخرى.

ولا تقتصر الشرعية على ما يحظى به أصحاب السلطة ؛ لکنها تمتد إلى معايير وهياکل العهد. ومن ثم يمکن التفرقة بين نوعين من الشرعية تجاه مکونى التأييد (أصحاب السلطة والعهد) . ولکل من هذين النوعين مصادره، فقد تنبع الشرعية من مبادىء أيديولوجية ما، أو من إخلاص devotion أصحاب السلطة (لم يذکر کلمة أداء). هذا بطبيعة الحال ينتج مصادر متنوعة للشرعية، منها الأيديولوجية، أو الهيکلية structural (تلک النابعة من احترام القواعد)، أو الشخصية personal (الذاتية). وأيا کان مصدر الشرعية، فإنها –الشرعية- لاشک تعمل على تحفيز التأييد من خلال إرساء قاعدة حق السلطات فى الحکم والأفراد فى الطاعة.

√ المصادر الأيديولوجية للشرعية:

   فيما يتعلق بالعهد، سبق وأن ذکرنا أنه يتکون من القيم والمعايير والأدوار المنظمة للقوة داخل النظام، وهذا المکونات الثلاثة تتطلب ابتداء نظام معتقدات belief system ؛ للتعرف على مدى تأثير القيم والمعايير داخل العهد على شرعية النظام ککل. فالقيم تشمل تحديد الغايات السياسية، والتفضيلات لأعضاء النظام السياسى شاملة تفضيلات وغايات شاغلى السلطة. وبالتالى تحدد تلک القيم ردود أفعال الأفراد، وطبيعة الهيکل السياسى المعمول به، ونوعية السياسات المرجوة. کما تتحکم تلک القيم فى تفسير الأعضاء لخبرات الماضى ومعطيات الحاضر ورؤي المستقبل، ومن ثم تعکس الهدف الأساسى لنظرة الأفراد تجاه القوة وکيفية استخدامها. ومن ثم، لأن القيم تحدد حدود الحياة السياسية، التفسيرات لمعطيات النظام، فهى تجسد ما يمکن تسميته بالأيديولوجيات.

   √المصادر الهيکلية للشرعية:

   بمجرد وصول شاغلى المناصب إلى السلطة وفقا للقواعد والهياکل المتفق عليها، فإن هذا ضمانة کافية لشرعية تلک السلطات. ولعل تلک القواعد تختلف من نظام لآخر (وراثة- انتخاب-…) لکن مجرد الاتفاق عليها يضمن شرعية السلطة الموجودة. وتمتد الشرعية الهيکلية فيما بعد لتشمل مدى التزام هذه السلطات بالقواعد الدستورية، وعملها وفقا لحدود الحقوق والواجبات المنصوص أو المتعارف عليها.

√ المصادر الشخصية للشرعية:

    لا تنبنى شرعية النظام على مدى الالتزام بالهياکل والقواعد فقط، ولکن أيضا على کيفية رؤية الأفراد لشاغلى المناصب، وسلوکهم الشخصى، ورمزية مناصبهم. فعوامل کالکاريزما والجاذبية قد توفر غطاء شرعيا کافيا، قد يصل لحد أن يتجرأ شاغل المنصب فى عدم التقيد بمعايير وقيم العهد، بل وخلق معايير وقيم جديدة.

و- تأييد الجماعة السياسية

   تحدث “إيستون” فى الجزء السابق عن استقرار الجماعة السياسية النسبى مقارنة بالعهد وأصحاب السلطة فى حالة تراجع أو تآکل التأييد. قد ينتج تراجع التأييد عن الجماعة السياسية إلى تغيير العهد أو إبدال أصحاب السلطة. ومن الطبيعى أن توافر التأييد للعهد يحتوى ضمنيا على تأييد الجماعة السياسية أيضا. وفى حالة تراجع الرضا عن عملية التحويل، يتراجع التأييد الموجه إلى السلطات، ثم إلى العهد. وباستمرار حالة عدم الرضا تلک، يتراجع التأييد أکثر وينفرط عقد الجماعة السياسية. على سبيل المثال، فى کندا بعض الکنديين المتحدثين بالفرنسية انضموا للحرکة الانفصالية نتيجة عدم تضمين حقوقهم فى الدستور. العهد هنا هو الدستور وانفراط الجماعة السياسية هو الانضمام إلى حرکة انفصالية.

إذا، حالة التناغم بين المطالب والمخرجات تنعکس على درجة ارتباط الجماعة بالنظام. ولکن لا يعنى هذا أن وحدة وتضامن الجماعة السياسية يتوقف على القواعد والهياکل، لأنها بطبيعتها متغيرة، فتغيير العهد لايعنى بالضرورة تغيير فى بنية الجماعة السياسية.

4-المخرجات کمنظم للتأييد[xxxi]

المخرجات هى کل أنواع الاستجابات التى يقوم بها النظام السياسى لمواجهة الضغوط المتباينة على التأييد. المخرج هو رد فعل النظام من خلال لجوئه إلى التغيير، التکيف، الصيانة الذاتية self maintenance  للتعامل مع الضغوط المهددة لبقائه. ولعل الاستجابات تهدف فى النهاية لتحقيق التأييد بشکل عام لکل مکونات التأييد الثلاثة، ولکن الأهم فى حالة المخرجات هو الحصول على التأييد بشکل متوازن لکل من المکونات الثلاثة، والتى يأتى على رأسها أصحاب السلطة.

 وبإنتاج المخرجات، يقوم النظام بمواجهة عملية تآکل التأييد، من خلال الرد على المطالب الداخلة إليه، ثم انتظار عملية تغذية عکسية حول هذه المخرجات التى إما تضيف أو تنتقص من حالة التأييد. وتباعا، تتأثر “شرعية” النظام، وإدراک “المصلحة العامة”. ولا يمکن أن ننظر إلى تلک العملية کونها عملية ميکانيکية بسيطة تحدث بهذا الشکل، فتأثر أى مکون من مکونات التأييد سلبا أو إيجابا، ينتج عنه تأثير فى المکونات الأخرى.

  تجسد المخرجات عملية تفاعل النظام مع بيئته، من خلال تحويل المطالب والتأييد إلى مجموعة من القرارات والأفعال. وکما نظر “إيستون” من قبل إلى النظام باعتباره مصنعا، تصبح المخرجات هى نتاج عملية تحويل خليط المدخلات (المطالب والتأييد). ولکن لا تقوم النظم بتلک الوظيفة بهذا القدر من البساطة، ولکنها تعکس إلى حد کبير مدى قدرة النظم على التفاعل والتکيف مع بيئاتها. فالمخرجات فى وظيفتها، تشابه وظيفة التأييد والمطالب فى المدخلات[xxxii].

   المدخلات تعبر عن تغييرات حادثة فى بيئة النظام السياسى، وبالتالى تتجسد فى مطالب أعلى وتأييد أقل أو العکس، کذلک المخرجات، فهى تعبر عن تصور للطرق التى يتفاعل بها النظام مع بيئته . ولذلک، تصبح مرحلة المخرجات مرحلة أو جزء من عملية متکاملة، متداخلة بين المدخلات والمخرجات تدخل فى تحديد قدرة النظام على الاستمرار والتکيف. المخرجات فى حد ذاتها ليست هى هدف النظام.

 على سبيل المثال، لو نظرنا إلى المخرجات باعتبارها آلية شاغلى السلطات داخل النظام لمواجهة المشاکل الناتجة عن تغيرات فى البيئة أثرت على حجم کل من المطالب والتأييد، سندرک مکانة وديناميکية عملية المخرجات. بمعنى آخر، المخرجات ليست المجموع السلبى للمطالب، ولکن المخرجات هى دور السلطات فى موازنة المطالب مع بعضها البعض، وإلغاء بعضها، أو تعديل بعضها، ودمج البعض الآخر وفقا للقواعد والهياکل المعمول بها داخل النظام، للوصول لقرارات مرضية تحد من تحتمالات الصراع بين أعضاء النظام. هذه العمليات جميعا تعکس إلى أى مدى تکون النظم متکيفة وموجهة نحو الهدف. فإصدار المخرجات يکون دائما محکوما بمجموعة من الأهداف يحددها النظام فى فترة زمنية معينة.

من وجهة نظر ذاتية، قد تکون المخرجات الصادرة عن شاغلى السلطات داخل النظام السياسى موجهة لتحقيق مصالحهم وضمان بقائهم فى السلطة، لأن المخرجات –بالإضافة إلى ما سبق ذکره- تمثل عنصرا أساسيا في الصراع على السلطة بين السياسيين، ولکنها فى نفس الوقت تعبر عن الاختيار الرشيد للسلطات لتحقيق الأفضل للنظام السياسى، لتحقيق حد أدنى من التأييد بمختلف مکوناته، وهذا ما يرکز عليه “إيستون”. وبالتالى، تعکس المخرجات عملية التخصيص السلطوى للقيم، وبذلک تظهر على مستوى داخلى فى شکل قرارات أو سياسات تتعلق حصرا ببعض جوانب النظام السياسى، مثل تعديل بعض القواعد المعمول بها، أو تبنى برنامج رعاية صحية شامل،… وهناک مخرجات تتعلق بأمور خارج دائرة النظام السياسى کالتوقيع على اتفاقية تجارة دولية، أو المشارکة فى منتدى دولى يتطلب تسخير عدد من الهيئات داخل النظام والمعنية بالشئون الخارجية للمشارکة فى تحقيق الهدف الخارجى، وبذلک تتضافر المخرجات ذات الطابع الداخلى لتحقيق هذا الهدف الخارجى.

أ-أصحاب السلطة کمنتج للمخرجات  The authorities as producers of outputs

بداية، ما يميز المخرجات هو صدورها عن أصحاب السلطة. وفى أى نظام سياسى –أيا کان نوعه- يحتکر أصحاب السلطة صناعة القرار. فکون وجود هؤلاء کأعضاء مؤثرين سياسيا هو الأمر الذى يميزهم عن باقى أعضاء النظام السياسى، وبالتالى يميز ما ينتجونه کونه مخرجات ملزمة للکافة.  يتعين هنا الإشارة إلى أن ليس کل الأنشطة السياسية داخل النظام تمثل مخرجات. لکى نطلق على سلوک ما مخرجا يجب أن يتسم بالتأثير فى الآخرين، بغض النظر عن حجم الموارد المتاحة،وبغض النظر عما يتمتع به أصحاب السلطة من استقلالية أو حتى کونها دمى فى أيادى بعض القوى الخفية puppets in the hands of some secret cabals . المحک هنا هو صدور

المخرج عن أصحاب السلطة. على سبيل المثال، هناک عدد من الأنشطة السياسية کالإضرابات العمالية فى المصانع، والتى قد تؤثر تأثيرا سلبيا على الاقتصاد، لکن تلک لا تنتج مخرجات، لکنها تعکس تراجعا فى حجم التأييد المتاح للنظام. وبالتالى تصبح المخرجات حکرا على أصحاب السلطة التى تتحکم فى طبيعة وتوجه المخرجات فى لحظة ما اعتمادا على حجم المعلومات المتاحة، والتى بدورها تتحول إلى عملية تخصيص وفقا للموارد.

هنا يجب الإشارة إلى أن عملية توافر المعلومات بشأن المطالب والتأييد فى أى نظام سياسى يجب أن تکون حکرا على أصحاب السلطة، ولا يمکن أن تکون متوفرة لباقى الأعضاء، لأن هذا يتيح فرصا من تکوين هياکل غير مستقرة لازدواجية السلطة، ومن ثم احتمالية لحرب أهلية قد تندلع. ولهذا أطلق “إيستون” على المخرجات عملية التخصيص السلطوى للقيم کونها صادرة عن شاغلى المناصب داخل النظام السياسى والمتحکمين فى توجيه الموارد بالقدر الذى يتيح حدا أدنى من الرد على المطالب وضمان التأييد.

ب-أنواع المخرجات

  • ·     المخرجات السلطوية Authoritative وهى تلک التى أشار إليها “إيستون” حالا والمتعلقة بالقرارات أو السياسات الملزمة.
  • ·     المخرجات المرتبطة associated outputs أو غير السلطوية non –authoritative وهى تمثل المبررات والتعهدات rationales and commitments التى يطلقها النظام السياسى بشأن مطالب ما. هى غير ملزمة فى طبيعتها، ولکن بدون القدرة على إنتاج المخرجات المرتبطة، يصعب على المخرجات السلطوية وحدها تحمل عبء تلبية المطالب ودعم التأييد.
  • ·    المخرجات السلطوية:

   تأخذ کل من المخرجات السلطوية والمرتبطة شکلين: إما بيانات لفظية verbal statements  أو أداء performance، والفرق بينهما کالفرق بين القرارات الملزمة binding decisions والأفعال actions. ومن المنطقى أن يکون البيان أو التصريح مدعوما بحد أدنى من الأداء وإلا سيکون دون جدوى. فتنفيذ القانون هو المحک وليس مجرد إصداره، وذلک للقدرة على قياس حجم التأييد أو عدم التأييد الفعلى له. ولکن هذا لا ينفى أهمية البيانات والتصريحات الشفهية خاصة فى المجتمعات الجماهيرية الحديثة .

تأخذ البيانات السلطوية شکل مؤشرات لفظية  verbal indications حول القواعد الملزمة والحاکمة للأداء. وتلک تظهر فى صورة قوانين، مراسيم، تعليمات، فى إشارة أو تمهيد إلى أن شاغلى السلطات ستقوم بأداء معين وفقا لدورها فى عملية التوزيع السلطوى للقيم. تلک البيانات تلعب دورا مهما فى خفض حدة الضغوط على التأييد الناتج هن فشل المخرجات. فعلى سبيل المثال، قد لاتتحقق الوعود أو التوقعات لأسباب متباينة، وبالتالى تأتى البيانات للتخفيف من وطأة هذا الفشل وللتقليل من حجم الإحباطات الناتجة عنه. ولکن لا يمکن أن يتوقف التأييد على مجرد الکلمة الناتجة عن السلطات، ولکن يجب أن يعوضها أو يوازيها أداء فعلى.

أما الأداء السلطوى، فقد يشمل إقناع الآخرين بفعل شىء کدفع الضرائب أو الخدمة العسکرية، أو معاقبة الآخرين کإلقاء القبض على الخارجين عن القانون. وفى هذه الحالات تصبح عملية التخصيص السلطوى للقيم تنفيذا مباشرا للبيانات اللفظية الصادرة عن السلطات.

وتشمل المخرجات السلطوية نوعين من المخرجات: أشياء ملموسة tangible objects کإنشاء الکبارى، السدود، طرق جديدة، وهذه تدخل مباشرة فى رفع حجم التأييد الذى يحظى به النظام. وخدمات غير ملموسة intangible services کالدفاع والتعليم والخدمة الصحية والتى ترتبط بالمخرجات الملموسة کالمستشفيات والمدارس.

  • ·        المخرجات المرتبطة associated

   وهى تلک البيانات وذلک الأداء المرتبط إلى حد ما بالمخرجات السلطوية، والتى لا يکون لها تأثير على حجم التأييد إلا بکونها ترتبط بالأداء السلطوى للنظام. وتشمل البيانات –کما سبق- الممهدة لقبول أداء السلطات الماضى أو المستقبلى. کما تشمل الأداء المرتبط associated performances بعض المکافآت الخاصة التى تتعارض مع القواعد المعمول بها داخل النظام مثل الفساد، وهو خارج الإطار المعمول به illegal، لکنه طالما يسهم فى توفير الخدمات لأعضاء النظام، يجب أن نُضّمنه مع الأداء المرتبط، لتحقيق التأييد للنظام. لکن يتعين الإشارة إلى أن هذا النوع من الأداء مع طول الوقت يصبح أکثر ضغطا وليس حفاظا على النظام. ولا يستثنى أى نوع من الأنظمة فى اللجوء إلى مثل تلک الوسيلة.

بوجه عام، تعبر المخرجات عن التفاعل بين النظام والبيئة، وتأخذ أشکالا مختلفة تعود على حجم التأييد العام، والتأييد الذى يحظى به شاغلو السلطات تحديدا.

ج- دائرة التغذية العکسية The feedback loop

   بعد إنتاج المخرجات، يأتى مردودها على حجم التأييد الداحل إلى النظام السياسى، سواء کان بشکل مباشر أو غير مباشر. فى حالة التأييد المباشر، فإن ذلک يعنى مواجهة مطالب بعينها لبعض أعضاء النظام. أما التأييد غير المباشر فيعنى خلق حالة من الشروط التى تحول دون حدوث عدم رضا فى المستقبل. ما هى تلک الشروط المؤثرة على حجم التأييد؟ لعل هنا يأتى دور ومحورية المعلومات المتاحة لدى النظام نتيجة التغذية العکسية الناتجة عن القرارات والأفعال لمواجهة المطالب.

  • ·                وظيفة المعلومات

هناک أربع افتراضات أساسية:

√ التکامل والتداخل بين المطالب والتأييد والمخرجات، بمعنى إدراک الأعضاء أن مطالبهم قد تمت الاستجابة لها، وبالتالى تأييد أعلى للنظام.

√ استجابة أصحاب السلطة الدائمة للمعلومات المتعلقة بحجم التأييد المتاح لها ومحاولاتها الدائمة لزيادة هذا التأييد.

√ اختصاص أصحاب السلطة competence of authorities بمعنى توافر الحد الأدنى اللازم من المهارات للسلطات کى تقوم بوظيفتها.

√ توافر الموارد بمعنى افتراض وفرة الحد الأدنى من الموارد المادية وغير المادية للرد على المطالب وتوليد الدعم.

وفقا للفروض الأربعة السابقة، تتوافر لدى النظم الحالة المثلى للحصول على الحد الأقصى من التأييد. ويتوقف ذلک على حجم المعلومات المتعلقة بطبيعة ووضع النظام السياسى داخل البيئة وحجم المطالب، وأبرز المستجدات الطارئة أو المتوقعة والمؤثرة على البيئة. وکذلک المعلومات حول مردود مخرجات النظام على البيئة. وبالطبع، هذه العملية هى عملية تصورية أو افتراضية، فلا يمکن مهما بلغت کفاءة النظام السياسى أن يجمع کافة المعلومات المتعلقة ببيئة النظام أو بمردود سياساته على تلک البيئة. ولکن بدون حد أدنى من المعلومات، يتحول النظام إلى کيان يعمل فى الظلام لايستطيع أن يتعامل مع المطالب الداخلة إليه، وفاشلا فى إنتاج مخرجات توفر له حدا أدنى من التأييد. وبالتالى يفشل أيضا فى اتخاذ قرارات تتعلق بالمضى قدما فى إصدار نفس القرارات أو إلغائها وإصدار قرارات جديدة.

هنا، يشير “إيستون” إلى نقطة غاية فى الأهمية، وهى أن ديمومة الحصول على المعلومات ليست لتحقيق التأييد ومن ثم بقاء النظام، ففى عام 1958، قام “شارل ديجول” فى فرنسا بتدمير حجم التأييد المتوفر للنظام القديم وإنشاء نظام جديد، رغم توافر المعلومات العاکسة لحد ما من التأييد الموجود. يطرح هذا المثال للتأکيد على أن توافر المعلومة ليس ضمانة لاستقرار النظم، فالمعلومات ليست کافية لتحقيق البقاء، ولکن الأهم هو أداء السلطات داخل النظام لتحقيق حد أدنى من المطالب بشکل حکيم. کما فرّق “إيستون” بين ما أسماه التغذية العکسية (المعلومة)، وقنوات المعلومة feedback loop، وعملية تدفق المعلومات feedback processes. وتشمل عملية التغذية العکسية فى مجملها استقبال السلطات لمردود الأفعال والقرارات ومدى قدرتهم على التفاعل وتصحيح الأداء، کما تشمل المعلومة ذاتها الداخلة مرة أخرى إلى النظام کرد فعل لتفاعل المخرجات مع المدخلات.

وکما أن للتغذية العکسية وظيفة أساسية تتجسد فى التصحيح الذاتى للنظام، ومتابعة أفعاله فى المستقبل، إلا أن المعلومة الناتجة عن التغذية العکسية من الممکن أن يتجاهلها النظام السياسى تماما، وذلک من خلال استحداث النظام لمصادر جديدة للتأييد new bases for support، أو ببناء نوع جديد تماما من العهد أو الجماعة السياسية (لا يشترط أن تکون المعلومة ضمانة للحفاظ على الوضع الراهن)

  • ·        الاستجابة على التغذية العکسية The feedback response

    إذا کانت مرحلة إنتاج المخرجات هى المحفز لعملية التغذية العکسية، فإن المرحلة الثانية لتلک العملية تتجسد فى استجابة الأفراد أو الأعضاء للمخرجات. وهنا يذکر “إيستون” بما أشار إليه “مدخلات التأييد” أنواع ونطاق التأييد للتعرف على الاستجابات التأييدية supportive responses ودرجاتها.

السؤال هنا: من الذى يستجيب لعملية التغذية العکسية، وتجاه من؟

هنا يجيب “إيستون” على وجوب التأکيد على أنه لا يوجد فرق هيکلى بين أصحاب المطالب وهؤلاء من يتفاعلون مع المخرجات، فى الحالتين هم أعضاء النظام المشارکين فى العمليات السياسية ومنتجى المطالب والتأييد. المهم هنا أن مردودهم على المخرجات وطريقة استجابتهم تحدد مدى کفاءة تلک المخرجات، ودرجة التأييد المتاحة، ومن ثم استحداث مطالب جديدة أو المطالبة بنفس المطالب.

کيف يمکن تحديد إلى أى مدى کانت درجة الاستجابة للمخرجات مؤيدة للنظام سلبا أو إيجابا؟

يتوقف ذلک على مدى إدراک أعضاء النظام لتلک المخرجات کمقابل لحاجات حالية، أو مستقبلية. کما يتوقف على الظروف البيئية الموجودة فى تلک الفترة، فمثلا التراجع الاقتصادى يطرح مطالب جديدة، وحالة من حالات عدم الرضا عن الأداء العام للنظام بغض النظر عما إذا کان کفء أم لا، خاصة إذا کان هذا التراجع ليس للسلطات الموجودة دخلا فيه.

د- نجاح /فشل المخرجات:

 يمکن تعريف مدى نجاح أو فشل المخرجات بمدى قدرة المخرجات على إشباع المطالب الحالية، أو تقليل حدة المطالب المستقبلية من خلال الحد من نشأة المظالم. وتقوم التغذية العکسية بتوضيح مدى نجاح أو فشل کل من مدخلات المطالب والتأييد من جهة ونجاح أيضا المخرجات من جهة أخرى. إذا تلک العملية المعقدة هى عملية تفاعلية ثلاثية threefold interactional process، فنجاح المخرجات فى الوفاء بالحد من

المطالب يؤدى إلى ظهور مطالب جديدة وظهور التأييد تجاه النظام ککل diffuse أو تجاه السلطات، الأمر الذى يحافظ على استقرار النظام فى النهاية ويضع حدا أدنى لاحتمالات العداء تجاه العهد أو الجماعة السياسية (مکونات التأييد الباقية)، وبالطبع فى حالة الفشل سيحدث العکس تماما.

عملية نقل المعلومات فى إطار التغذية العکسية استخدم فيها “إيستون” مفردات هى ذاتها تلک التى قام باستخدامها کارل دويتش فيما بعد فى اقتراب الاتصال ووضع تقريبا ذات الافتراضات المتعلقة بمصدر المعلومة- تشوهات المعلومات- الوقت المتاح بين استقبال المعلومة والرد عليها- قنوات الاتصال- ذاکرة النظام-…..

المهم هنا هو درجة استجابة النظم المختلفة لعملية التغذية العکسية، لأنه کما يختلف الأفراد فى إدراک المخرجات، تختلف النظم فى إدراکها أيضا. فهناک نظم شديدة الحساسية لعملية العکسية، وهناک نظم شديدة الجمود. الأولى بمجرد شعورها بحالة عدم الرضا تجاه المخرجات، تقوم بتعديل تلک المخرجات بطريقة مرنة، والثانية ترفض تعديل المخرجات ولا تعبأ بالمردود الناتج عن عملية التغذية العکسية. وتتوقف درجة الاستجابة هذه على الظرف السياسى، اللحظة الزمنية أو التوقيت، والموارد المتاحة. فمثلا عوامل تتعلق ببيئة ضاغطة على النظام السياسى کحالة حرب مثلا، تدفعه إلى إرجاء التفاعل أو الاستجابة مع معلومات التغذية العکسية، کذلک عوامل غير مادية تتعلق بالمهارات المتاحة لدى شاغلى المناصب (شخصية أو هيکلية) والثقافة السائدة، کلها أمور تؤثر فى مدى الاستجابة.

رابعا: شجرة المفاهيم (الجديدة) لإيستون”: هل ترد على انتقادات النظرية؟

1-حتمية بقاء النظم:

تعتبر نظرية تحليل النظم أحد المحاولات الرائدة التي تمدنا بإطار نظري لحقل النظم السياسية[xxxiii]. ويعتبر “إيستون” مشکلة بقاء النظم وتغيرها مشکلة أساسية في حقل السياسة. إلا أن فحصنا لمفهوم (البقاء) کشف أن منتقدى النظريةقد تجاهلوا بعض المفاهيم الأخري التي طرحها “إيستون”، والتي تعتبر من الأهمية بمکان لفهم نظريته ککل مثل فکرة أن المطالب هامة للحصول علي التأييد، وأن النظم السياسية لا تموت ولا تزول، وهي الفکرة التي طرحها “إيستون” في خاتمة کتابه، عندما فرّق بين الکائن البيولوجي الذي يموت والنظم السياسية التي لا تزول، فحتي تغير النظام لا يعني انهيار المجتمع أو انتهاء الحياة السياسية، وإنما يعني ميلاد نظام سياسي جديد.

ولعل من أوجه النقد الأخرى الموجهة إلى النظرية هى سيطرة بقاء السلطة، إلا أن “إيستون” لم يهتم بالسلطة السياسية Political authority وحدها، وإنما اهتم بالنظام ککل ومکوناته السلطة والعهد والجماعة السياسية، کما سبقت الإشارة. ناهيک عن النقد المبنى على فکرة أن الضغط يتولد فقط من التأييد غير الکاف، وليس من المطالب الزائدة، متجاهلا ما أکد عليه “إيستون”، وهو فکرة أن المطالب بحد ذاتها ضرورية وقد تکون مصدرا للضغط وقد تکون أيضا هامة لحماية النظام من الانهيار.

کما أن حالة التماهى التى وجهها منتقدو نظرية “إيستون” بين التوازن البيولوجى وبقاء النظام السياسى، لا مکان لها فى رؤية “إيستون”،خاصة وأنه أکد على أن النظام السياسى من الممکن أن يغير قواعده وهياکله الاجتماعية والاقتصادية بالکامل کى يثابر، خاصة مع وجود حدود لتطور علم الجينات والتغييرات الجينية التى توقعها “إيستون” قبل حدوثها بخمسين عام. ولذلک ينظر إلى النظام السياسى فى درجة أعلى من النظم البيولوجية ؛ لأنه قادر على إحداث تغيير کامل، ومن ثم جاء التشبيه للتوضيح وليس للمساواة، خاصة وأن النظام البيولوجى يفنى، ولکن النظام السياسى يتحول إلى أشکال جديدة، فمثلا انهيار يوغوسلافيا السابقة هو نموذج لفشل النظام السياسى فى البقاء والمثابرة، ومع ذلک لا يعنى هذا موتها بيولوجيا، بل تحولت إلى أنظمة سياسية جديدة.

2- استبعاد القيم:

 باستعراض شجرة المفاهيم الأساسية التى طرحها “إيستون” فى کتابه الثالث، يبدو لنا أن صندوقه (الأسود) الذى يجتزىء المدخلات فى مطالب والمخرجات فى مجرد قرارات وأفعال سلطوية، تغير فى إدراکنا للنظرية النظمية الذى اعتراه قدر من التبسيط المُخل، فبالرجوع إلى المرجع الأصلى يبدو لنا: أن مفاهيم کشاغلى المناصب والمطالب الخفية والتأييد السلبى هى مصطلحات ليست فقط جديدة بتفنيد النظرية وأصولها، ولکنها لن تکون مفصلة بهذا الوضوح قبل نظرية النظم. کما ان اتهام النظرية بکونها تتخذ موقفا غير قيميا من وحدات التحليل التى تقوم عليها، وأنها تختزل وظيفة النظرية السياسية إلى وظيفة تقنية، هى أمر يمکن دحضه،خاصة مع تأکيد “إيستون” على محورية القيم ضمن العهد کمکون أساسي من مکونات مدخلات التأييد.

إن السبب الرئيس وراء عدم فهم نموذج “إيستون” أنه شکّل قطيعة مع ما کان قائما آنذاک من افتراضات تقيد علم السياسة من حيث فکرة الاستقرار التى يتم تفسيرها بشکل خطى وسببى دون التعرض لجملة العوامل والمتغيرات التى عرضها “إيستون” فى تحليله. خاصة وأن “إيستون” نفسه انتقد البقاء کهدف للنظام السياسى، واعتبره غير قابل للقياس کميا، وغير قابل للتحديد الإجرائى، کما أنه من الممکن أن يخضع للانحياز القيمى، رغم أنه ذکره فى کتابه عام 1965 من خلال التعبير البيولوجى “التوازن البيولوجى” Homoestasis کما سبقت الإشارة. کما أن ادعاء أن “إيستون” تعمّد فصل التحليل القيمى عن التحليل القائم على وقائع factual analysis vs. value analysis،هو نقد ليس فى محله، خاصة وأن “إيستون” نادى بالمزاوجة بين التحليلين وليس الفصل بينهما. ف(کونية) النظام السياسى بمعنى قابليته للتطبيق فى أى مکان، تعنى قبول الحياة السياسة کحالة مفتوحة وتفاعلية واتصالية ومتحولة باستمرار، ومن ثم محورية القيم فى تحليلها لضمان دقة التحليل الإمبريقى. کما أن “إيستون” الميکانيکى والعضوى،لم يمنع من ظهور “إيستون” ثالث وهو “إيستون” القيمى[xxxiv].

کما وجه لنظرية “إيستون” نقدا يتلخص فى إغفال طبيعة ودور الثقافة السياسية داخل النظام، خاصة وأن عددا من الانتقادات وجهت لنظريته إغفال الجانب القيمى، إلا أن کلا من المدخلات والمخرجات هى معاملات تتم بين النظام وبيئته المحيطة، حتى تتم عملية “التحويل” داخل النظام السياسى، وتشمل وظائف المدخلات التى يتعامل معها النظام من خلال بيئته[xxxv]: التنشئة الاجتماعية السياسية، والتوظيف، والتعبير عن المصالح، وتعظيم المصالح، والاتصال السياسى. بينما تکون المخرجات إما استخلاصية کالخدمات الضريبية مثلا، أو ضبطية،کالأشکال المتعلقة بالمشارکة، أو توزيعية مثل منح البضائع، أو رمزية مثل تأکيد القيم، وکل تلک المخرجات لا يمکن فهمها دون تقدير لطبيعة ودور الثقافة السياسية السائدة.

3-التحيز:

ولعل من أبرز أوجه النقد الموجهة إلى نظرية النظم هى انحيازها الغربى من منطلق أن جمعية العلوم السياسية هى أمريکية المنشأ، کما أن “إيستون” رکز فقط على التطور الاجتماعى فى الولايات المتحدة الأمريکية،وبريطانيا بما يمنعه من إمکانية تطبيق نظريته خارج السياق الغربى الديمقراطى. وبقراءة النظرية ومفاهيمها من مصدرها، يتبين أن صاحبها لم يدعى مرکزية غربية أو قيم مرکزية تتسم بصوابية مطلقة. أضف إلى ذلک اعتبار “إيستون” متغيرات مثل الثورات والتدخلات الخارجية مکونات داخلة إلى النظام السياسى تدفعه للتغيير من أجل البقاء أو النجاح فى البقاء، فى إشارة إلى أن نظرية تحليل النظم رکزت على النظام من الداخل والخارج. کما أن منظرى العلاقات الدولية يتهمون “إيستون” باعتباره يفترض وجود “حکومة” کفئة للنظام،وهذا لا ينطبق على النظام الدولى. وهذه الانتقادات يمکن إعادة النظر فيها فى ظل تعريف “إيستون” للنظام الذى لايراه مجرد نظام يسعى خلف هدف محدد، وهو البقاء من أجل تحقيق المطالب الداخلة إليه، بل إن “إيستون” يقصد ب”النظام” التفاعلات الحادثة داخل حدود ما، مما تجعله متميزا عن المفهوم ذاته فى العلوم الأخرى. کما أن المتغير الأهم فى النظرية “النظمية” هى (السياسى) باعتباره بعدا من أبعاد المجتمع، الذى قد ينطبق على أى فرد أو جماعة سواء فى مجتمع محلى أو دولى.

وبجملة الانتقادات التى وجهت إلى نظرية النظم، رغم الحماس الفکرى الجدير بالاعتبار الذى خلفته تلک النظرية فى ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، إلا أنه وجدت بعض العيوب داخل هذا النموذج تتعلق بتنافره مع التطورات السياسية الدولية التى أبرزت أهمية نظرية “إيستون” بعد الحرب الباردة، إلا أن ظهور عمليات التحديث والتحرر فى دول العالم الثالث قد حوّلت البوصلة من الترکيز على الدولة إلى الترکيز على المجتمع[xxxvi]، الأمر الذى أضاف إلى انتقاد نظرية تحليل النظم کونها ولدت من رحم مرحلة اتسم فيها النظام الدولى بأولوية الدولة على المجتمع. إلا أن هذا النقد قد تنقصه بعض الدقة بعد توضيح المقصود ب”النظام السياسى” بتفاعلاته وسياساته وبيئاته التى تؤخذ فى الاعتبار، مما جعل إمکانية تطبيق المنهج النظمى ليست حکرا على مرحلة زمنية محددة، خاصة أنه فى أواخر الثمانينيات، ألزمت “بلقنة” العديد من الدول ضمان السيادة النسبية لدور الدولة وطبيعتها فى تحديد الشخصية السياسية للدول الجديدة الناشئة. وبالتالى يسعى منهج النظم إلى وضع نظرية نظامية يمکن من خلالها تفسير أوجه التفاوت بين الدول المتقدمة والدول النامية.

4-الاستقرار هو الهدف الأسمى للنظام:

 إن تحليل النظم (الإيستونى) لم يفرض نموذجا لتفسير سلوک النظام السياسى فى ظرف محدد واحد کالاستقرار أو عدم الاستقرار، بل إن نموذجه صالح لتفسير الفعل السياسى فى الحالتين. فلم يعتبر “إيستون” أن هناک وضع طبيعى من المفترض أن يعمل نموذجه فيه، فهو لم يدعى أن الاستقرار هو القاعدة ولا أن التغيير هو الاستثناء، ولکنه جعل هدفه الأساسى هو القدرة على التعامل مع التغيير غير الطبيعى، وليس قيام أعضاء النظام السياسى بتدجين النظام وتعديل المدخلات بشکل مستمر لحماية استقراره. إن “إيستون” بنفسه نفى بشدة فکرة أن يصل النظام السياسى إلى الاستقرار ويهدأ کما نفى أنه قد يکون فى عدم استقرار دائم، ولکنه ذکر حرفيا “إن هناک اتجاهات داخل النظام تسعى إلى الاستقرار، ولکن التغييرات التى يواجهها النظام السياسى تجهض هذه الاتجاهات، وهو حالة عدم استقرار طبيعية وحتمية”.

کما لم يستبعد “إيستون” فکرة اختفاء النظم أو عدم استمرارها، فقد أشار إلى احتمالية ذلک بفعل کارثة طبيعية کزلزال أو وباء، أو حينما تندلع حرباً يکون الجميع فيها أضداد، ويصير التقدم والتعاون مستحيلاً حتي من أجل تحقيق أدنى متطلبات القانون والنظام العام. وبالتالي، اختفت بعض النظم السياسية في أوقات الکوارث الاجتماعية، کنتيجة حرب أهلية أو ثورة أو هزيمة عسکرية، وتساقطت الوحدات السياسية التي تواجدت في السابق ليتم استبدالها مؤقتاً بالمراکز المستقلة التي تلتزم بالقوانين أو بالعصابات الخارجة عن القانون.

وهنا عرف “إيستون” الاستمرار بأنه استمرار النظام دون أي تغير على الإطلاق، وأن يکون في حالة استقرار تام، وإذا سعينا لنظام مثل هذا فإننا سوف نجده فقط حيثما يظل النظام السياسي سوياً على مدى فترة زمنية محددة[xxxvii]. وقد ينشأ نظام مثل هذا بشرطين: الأول قد يظهر إذا لم تتغير البيئة في حد ذاتها. وعلى المدى القصير قد يکون ذلک ممکناً ولکن بالتأکيد لا يکون ممکناً على المدى الطويل. وبالتجربة، يمکننا الإشارة إلى أنه لا يوجد نظام ظلت فيه البيئة غير متغيرة بشکل مثالي حتى النظم التقليدية والقبلية الثابتة نسبياً التي کانت موجودة بالأمس تمر اليوم بتغيرات عميقة تعزى إلى التحولات في معاملات مثل الثقافة والاقتصاد[xxxviii]. أما الثانى، قد يتمکن النظام من البقاء صالحاً إذا تمکن من حماية نفسه من أي اضطرابات في بيئته المحيطة فضلاً عن الضغوط التي تتولد داخلياً على هيکله أو عملياته. وإما قد يجب على أنماط السلوک التي تشکل النظام السياسي أن تکون محصنة ضد التغير، أو قد يضطر أفراد النظام أن يتمکنوا من التعامل مع التغيير بطريقة ما لصد آثاره والذي يؤدي إلى نفس الأمر.

إن تعريف (السياسى) عند “إيستون” ينبع مما يفعله النظام السياسى، وهو التخصيص السلطوى للقيم، وهو ما يميز علم السياسة عن العلوم الأخرى لأنه يواجه تحديات أکبر من أى علم آخر، فهو علم قائم بذاته، سواء فى مشکلاته أو فى أغراضه المفاهيمية. ولعل الاعتراف بخطأ قراءة تراث “إيستون” ومقاربته للنظام السياسى تفتح

المجال لاستخدام نظرية النظم على عدة مستويات دون (سجن) النظرية فى قراءة خطية سببية تسعى إلى الاستقرار فقط فى تجسيد لفشل قراءة المتغيرات المتباينة أو بافتراض تحييد القيم تحول دون استحضار النظرية الإيستونية فى سياقات مختلفة أو ربما معاکسة للسياق الثقافى الغربى.

التهميش


[i]  يستخدم فى اللغة العربية تعبيرى “النظام” و”النسق” کمقابل لتعبير system. وتستخدم الباحثة التعبيرين کمترادفين، ويستخدم کل منهما وفقا للسياق.

[ii]  قام “إيستون” بتأليف ثلاثة کتب رئيسة تعکس تطور فکره فى تفنيد نظريته النظمية، وهى:

The Political System: An Inquiry into the State of Political ScienceNew York: Alfred A. Knopf, 1953.

A Framework for Political Analysis, Englewood Cliffs: N.J. Prentice Hall, 1965.

A Systems Analysis of Political Life, NewYork: Wiley and Son, 1965.

[iii] أحيانا يتم استخدام لفظ العلوم السياسية أسوة بالعلوم الطبيعية، وأحيانا يستخدم لفظ علم السياسة على اعتبار أنه علم منفرد قائم بذاته.

[iv] Walter Bagehot and Liberal Realism, American Political Science Review, Vol. XLIII, No. 1 ,February, 1949,  pp. 17-37.
[v] Harold Lasswell, “Policy Scientist for a Democratic Society,” Journal of Politics, Vol. 12,  No. 3 ,August, 1950, pp. 450-477.

   ربما کان الملمح الأول الذي يترک انطباعا لدى القارئ في کتابات “إيستون” المبکرة هو نبرتها الانتقادية التشاؤمية. تفترض هذه الکتابات أن العصر يشهد أزمة اجتماعية وفکرية. وبدأ بحثه عن بيجهوت بفکرة أن الجيل الأصغر من علماء السياسة سيعودون خلال عقد الستينيات من القرن العشرين إلى دراسة “خطر أفول الليبرالية” في العالم الحديث. ويحاج “إيستون” بأن الليبرالية تنحسر بسبب التناقض الفاضح بين مبادئها الخاصة بالحرية والمساواة وحکم الشعب، من جانب وبين حقائق الحياة في المجتمعات الليبرالية، من الجانب الآخر. وفي دراسته عن “لاسويل”، تحدث “إيستون” عن خطر التدمير الذاتي الذي يجسم على العالم. وانطلق إيستون في دراسته “تراجع النظرية السياسية الحديثة” The Decline of Modern Political Theory، التي نشرها في فبراير 1951، من المشکلة الخاصة بأسباب فشل القرن العشرين، خلافا لفترات الصراع والتغيير الاجتماعيين السابقة، في إنتاج تصورات خلاقة حول السياسة. وفي کتاب “النظام السياسي” أعلن “إيستون” أنه “بأي مقياس، فإن أي حضارة لم تواجه إلا نادرا أزمة تهدد بتداعيات أخطر من تلک التي نواجهها”. ويرصد الأزمة الاجتماعية والفکرية لينتهي إلى تشاؤم متزايد بشأن فوائد التفکير العلمي السائد في تلک المرحلة.

صاحب الشعور البادي بالأزمة في کتابات “إيستون” المبکرة، وعادله بدرجة ما، ثقة راسخة في قدرة الإنسان، بمساعدة العلم، على تجاوز الأزمة المعاصرة. ويرى أنه يمکن علماء السياسة، بخاصة، المساعدة في الوفاء بالحاجة إلى معرفة يمکن الوثوق بها ومفيدة في شأن الحياة السياسية إذا قاموا بما هو أکثر من مجرد رفض مزاج خيبة الأمل السائد في العلم، وأدرکوا جدوى المنهج العلمي وما يعد به. وأطرى “إيستون” الواقعيين الليبرالين مثل بيجهوت Bighot وموسکا Mosca، وباريتو Pareto، لالتزامهم بدراسة السياسة علميا کوسيلة لتعزيز الليبرالية؛ لکنه بالرغم من ذلک خلص إلى أن علم السياسة الذي طوروه کان في التحليل الأخير مشوها بسبب انحيازهم المحافظ. وفي دراسته “تراجع النظرية السياسية الحديثة”، ومرة أخرى في کتابه “النظام السياسي”، حض “إيستون” علماء السياسة على الالتزام من دون تحفظ أو انحياز بمنهج علمي يقوم على الاستقصاء السياسي.

[vi] David Easton, “The Decline of Modern Political Theory“, The Journal of Politics ,13, no. 1 (Feb., 1951),Pp. 36-58.

7 David Easton, Op.Cit, pp. 233-254.

[viii]David Easton (Editor), Sociological analysis and Politics: The theories of Talcott Parsons, The Journal of Politics , 30, no. 2 ,May, 1968, Pp. 584-585

[ix]Eugene F. Miller. 1971, “David Easton’s Political Theory”, The Political Science Reviewer, Pp 184- 235.

[x]Congressional Record, Proceedings and debates of the 91st congress, Vol.115, Part 12, June 1969,

https://books.google.com.eg/books?id=Y17LWOI19EwC&pg=PA15475&lpg=PA15475&dq=Easton+speech+1969&source=bl&ots=o__gu3IZL8&sig=ACfU3U0rXWI0hliaVauZA3HSAKIwEjHxQ&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwiD7PSc4PzoAhWOMBQKHbr9AQ4Q6AEwDnoECAYQAQ#v=onepage&q=Easton%20speech%201969&f=false

[xi] تم توجيه النقد إلى نظرية “إيستون” من عدة جوانب، مثل مفهوم الضغط والاستجابة، مفهوم بقاء النظم، المتغيرات التى تحل محل مفهوم بقاء النظم،مستويات النظرية المختلفة وأهميتها….. غير أن اللجوء إلى المصطلحات المتخصصة قد دفع عدد من الباحثين والمراجعين إلى التشکيک فى المنهج على أسس موضوعية، واعتباره “إعادة صياغة للموضوعات القديمة والعقيمة والمربکة”، حيث کان أسهل لإيستون أن يقتنى مفردات وتعريفات بطريقة أوضح، خاصة مع تغير ترکيز السياسة المقارنة من کونها علوم وصفية ترکز على المؤسسات إلى الترکيز على الدولة، ثم المجتمع، ثم الدولة مجددا. ومن ثم تعزز عدم الرضا عن الفرضية النظرية الخاصة بمنهج النظم من خلال تنافره مع عدد من التطورات السياسية العالمية فى سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين، ومع عودة الدولة وأهميتها کمحور للدراسة، بعد أن أحدثت الستينيات وما شهده العالم من ثورات اجتماعية، حاجة ملحة إلى الترکيز على السياسات غير الغربية فى أمريکا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. فظواهر مثل “التحديث”، و”التحرر”، أبرزت الحاجة لأطر تحليلية جديدة دفعت بثورة “سلوکية” داخل حقل السياسة المقارنة، وأدت بدورها إلى الترکيز على العمليات الديناميکية داخل النظم السياسية،ودعت إلى اکتشاف أثر القرارات السياسية على العمليات، مما أمکن تسميته ب”إعادة التوجيه النظرى للمجال بأکمله” بحيث تم وضع النظام السياسى وعملياته وسياساته وبيئاته فى الاعتبار إلى جانب وظائفه وهياکله.

[xii] David Easton, in: Monroe Kristen R. , Contemporary Political Theory , L.A, University of California Press, 1966, Pp. 219-231.
[xiii] David Easton, “An approach to the analysis of Political systems”, Series in Social Sciences, 1993. Pp.189-223.
[xiv] Easton, Op.Cit, 1969.
[xv]Tracy strong, “David Easton: Reflections on an American scholar”, Political Theory, Vol.26, no.3, June 1998, Pp. 267-280.
[xvi]Tracy strong, Op.Cit, Pp. 267-280.
[xvii] Michael Evans, “Notes on David Easton’s of the Political System”, Journal of Commonwealth Political Studies , no. 8, 1972, Pp.117-133.
[xviii]Tracy strong, Op.Cit, Pp. 279.

[xix] يعتمد هذا الجزء بشکل أساسى على قراءة کتاب “تحليل نظمى للحياة السياسية” الصادر عام 1965. ويطرح کل المفاهيم المتعلقة بمتغيرات المدخلات والمخرجات والبيئة والاستجابة والتغذية العکسية کما طرحها “إيستون”، مع عرض بعض الأمثلة کى تصل الفکرة إلى القارىء. وبذلک يعبر هذا الجزء عن الأفکار التى تم طرحها من مصدرها دون تأويل أو تفسير کمحاولة لتفنيد الفکرة واستيعاب مداخل النقد وأوجه القوة والضعف.

[xx]Henrik P.Bang, “The political system revisited: The ironical fate of a legend in political science, University of Copenhagen, Political Science department, https://pdfs.semanticscholar.org/1b0c/aaac8df009bab4eef1d5c08b5406dfb0c389.pdf?_ga=2.18781177.1734113893.1587574304-1439346363.1587574304
[xxi] Henrik P. Bang, “Easton I and Easton II”, The Western Political quarterly, vol. 25, No. 4Dec., 1972 ,Pp.726-733.

[xxii]  The Input of Demands  من ص 37 إلى ص 152 من الکتاب.

[xxiii]“A demand may be defined as an expression of opinion that an authoritative allocation with regard to a particular subject matter should or should not be made by those responsible for doing so”.
[xxiv]The Explicitness of Demands
[xxv]Output Failure
[xxvi]  Inputs of Support  من ص 153 إلى ص 246 من الکتاب.
[xxvii] A political system may be viewed as a means for resolving differences or a set of interactions through which the resources and energies of a society are mobilized and oriented to the pursuit of goals.
[xxviii]  “Those who feel the deepest hostility to a system or those motivated by blind faith to the system”.
[xxix] Responses to stress on Support، من ص247 إلى ص 340 من الکتاب.
[xxx]The norms that govern the resort to adjudication serve to reduce the stress of cleavage through the fact that they establish regularized expectations about the way in which differences of the kind the system declares to be appropriate for this process, will be settled.
[xxxi] Outputs as regulators of support، من ص 343 إلى ص 470 من الکتاب.
[xxxii]Outputs are analogous in function to demands and support on the input side.

[xxxiii]Peter Leslie, (1972, Apr.), “General theory in political science: A critique of Easton’s systems analysis”, British journal of political science, Vol.2, No.2, pp. 155-172.

[xxxiv] Henrik P. Bang, Op.Cit ,Pp.726-733.

 

[xxxv]Andreas Pickel, “Rethinking System Theory A Programmatic Introduction”, Philosophy of the Social Science, Vol. 37, No. 4, December 2007, PP 391-407.

[xxxvi] Bertrand Badie and  Pierre Birnbaum, The Sociology of the State, Chicago: University of Chicago Press, 1983.
[xxxvii]David Easton, Op.Cit, P.22.

[xxxviii]Mehran Kemrava, Understanding comparative politics: A framework for analysis, 2nd Edition, Georgetown university press, January 2012, Introduction.

المراجع [1]  يستخدم فى اللغة العربية تعبيرى “النظام” و”النسق” کمقابل لتعبير system. وتستخدم الباحثة التعبيرين کمترادفين، ويستخدم کل منهما وفقا للسياق. [1]  قام “إيستون” بتأليف ثلاثة کتب رئيسة تعکس تطور فکره فى تفنيد نظريته النظمية، وهى:

The Political System: An Inquiry into the State of Political Science, New York: Alfred A. Knopf, 1953.

A Framework for Political Analysis, Englewood Cliffs: N.J. Prentice Hall, 1965.

A Systems Analysis of Political Life, NewYork: Wiley and Son, 1965. [1] أحيانا يتم استخدام لفظ العلوم السياسية أسوة بالعلوم الطبيعية، وأحيانا يستخدم لفظ علم السياسة على اعتبار أنه علم منفرد قائم بذاته. [1] Walter Bagehot and Liberal Realism, American Political Science Review, Vol. XLIII, No. 1 ,February, 1949,  pp. 17-37. [1] Harold Lasswell, “Policy Scientist for a Democratic Society,” Journal of Politics, Vol. 12,  No. 3 ,August, 1950, pp. 450-477. [1] David Easton, “The Decline of Modern Political Theory”, The Journal of Politics ,13, no. 1 (Feb., 1951),Pp. 36-58.

7 David Easton, Op.Cit, pp. 233-254. [1]David Easton (Editor), Sociological analysis and Politics: The theories of Talcott Parsons, The Journal of Politics , 30, no. 2 ,May, 1968, Pp. 584-585 [1]Eugene F. Miller. 1971, “David Easton’s Political Theory”, The Political Science Reviewer, Pp 184- 235. [1]Congressional Record, Proceedings and debates of the 91st congress, Vol.115, Part 12, June 1969,

https://books.google.com.eg/books?id=Y17LWOI19EwC&pg=PA15475&lpg=PA15475&dq=Easton+speech+1969&source=bl&ots=o__gu3IZL8&sig=ACfU3U0rXWI0hliaVauZA3HSAKIwEjHxQ&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwiD7PSc4PzoAhWOMBQKHbr9AQ4Q6AEwDnoECAYQAQ#v=onepage&q=Easton%20speech%201969&f=false [1] تم توجيه النقد إلى نظرية “إيستون” من عدة جوانب، مثل مفهوم الضغط والاستجابة، مفهوم بقاء النظم، المتغيرات التى تحل محل مفهوم بقاء النظم،مستويات النظرية المختلفة وأهميتها….. غير أن اللجوء إلى المصطلحات المتخصصة قد دفع عدد من الباحثين والمراجعين إلى التشکيک فى المنهج على أسس موضوعية، واعتباره “إعادة صياغة للموضوعات القديمة والعقيمة والمربکة”، حيث کان أسهل لإيستون أن يقتنى مفردات وتعريفات بطريقة أوضح، خاصة مع تغير ترکيز السياسة المقارنة من کونها علوم وصفية ترکز على المؤسسات إلى الترکيز على الدولة، ثم المجتمع، ثم الدولة مجددا. ومن ثم تعزز عدم الرضا عن الفرضية النظرية الخاصة بمنهج النظم من خلال تنافره مع عدد من التطورات السياسية العالمية فى سبعينيات وأوائل ثمانينيات القرن العشرين، ومع عودة الدولة وأهميتها کمحور للدراسة، بعد أن أحدثت الستينيات وما شهده العالم من ثورات اجتماعية، حاجة ملحة إلى الترکيز على السياسات غير الغربية فى أمريکا اللاتينية وآسيا وأفريقيا. فظواهر مثل “التحديث”، و”التحرر”، أبرزت الحاجة لأطر تحليلية جديدة دفعت بثورة “سلوکية” داخل حقل السياسة المقارنة، وأدت بدورها إلى الترکيز على العمليات الديناميکية داخل النظم السياسية،ودعت إلى اکتشاف أثر القرارات السياسية على العمليات، مما أمکن تسميته ب”إعادة التوجيه النظرى للمجال بأکمله” بحيث تم وضع النظام السياسى وعملياته وسياساته وبيئاته فى الاعتبار إلى جانب وظائفه وهياکله. [1] David Easton, in: Monroe Kristen R. , Contemporary Political Theory , L.A, University of California Press, 1966, Pp. 219-231. [1] David Easton, “An approach to the analysis of Political systems”, Series in Social Sciences, 1993. Pp.189-223. [1] Easton, Op.Cit, 1969. [1]Tracy strong, “David Easton: Reflections on an American scholar”, Political Theory, Vol.26, no.3, June 1998, Pp. 267-280. [1]Tracy strong, Op.Cit, Pp. 267-280. [1] Michael Evans, “Notes on David Easton’s of the Political System”, Journal of Commonwealth Political Studies , no. 8, 1972, Pp.117-133. [1]Tracy strong, Op.Cit, Pp. 279. [1] يعتمد هذا الجزء بشکل أساسى على قراءة کتاب “تحليل نظمى للحياة السياسية” الصادر عام 1965. ويطرح کل المفاهيم المتعلقة بمتغيرات المدخلات والمخرجات والبيئة والاستجابة والتغذية العکسية کما طرحها “إيستون”، مع عرض بعض الأمثلة کى تصل الفکرة إلى القارىء. وبذلک يعبر هذا الجزء عن الأفکار التى تم طرحها من مصدرها دون تأويل أو تفسير کمحاولة لتفنيد الفکرة واستيعاب مداخل النقد وأوجه القوة والضعف. [1]Henrik P.Bang, “The political system revisited: The ironical fate of a legend in political science, University of Copenhagen, Political Science department, https://pdfs.semanticscholar.org/1b0c/aaac8df009bab4eef1d5c08b5406dfb0c389.pdf?_ga=2.18781177.1734113893.1587574304-1439346363.1587574304 [1] Henrik P. Bang, “Easton I and Easton II”, The Western Political quarterly, vol. 25, No. 4, Dec., 1972 ,Pp.726-733. [1]  The Input of Demands  من ص 37 إلى ص 152 من الکتاب. [1]“A demand may be defined as an expression of opinion that an authoritative allocation with regard to a particular subject matter should or should not be made by those responsible for doing so”. [1]The Explicitness of Demands [1]Output Failure [1]  Inputs of Support  من ص 153 إلى ص 246 من الکتاب. [1] A political system may be viewed as a means for resolving differences or a set of interactions through which the resources and energies of a society are mobilized and oriented to the pursuit of goals. [1]  “Those who feel the deepest hostility to a system or those motivated by blind faith to the system”. [1] Responses to stress on Support، من ص247 إلى ص 340 من الکتاب. [1]The norms that govern the resort to adjudication serve to reduce the stress of cleavage through the fact that they establish regularized expectations about the way in which differences of the kind the system declares to be appropriate for this process, will be settled. [1] Outputs as regulators of support، من ص 343 إلى ص 470 من الکتاب. [1]Outputs are analogous in function to demands and support on the input side. [1]Peter Leslie, (1972, Apr.), “General theory in political science: A critique of Easton’s systems analysis”, British journal of political science, Vol.2, No.2, pp. 155-172. [1] Henrik P. Bang, Op.Cit ,Pp.726-733. [1]Andreas Pickel, “Rethinking System Theory A Programmatic Introduction”, Philosophy of the Social Science, Vol. 37, No. 4, December 2007, PP 391-407. [1] Bertrand Badie and  Pierre Birnbaum, The Sociology of the State, Chicago: University of Chicago Press, 1983. [1]David Easton, Op.Cit, P.22. [1]Mehran Kemrava, Understanding comparative politics: A framework for analysis, 2nd Edition, Georgetown university press, January 2012, Introduction.