دراسات تاريخيةدراسات سوسيولوجية

اختلاف الرؤية في تحديد العلاقة بين الشرق والغرب

بقلم : بدر أمال ، باحثة في كلية الدراسات الشرقية ، السربون باريس.

بين شرق الإسلام وغرب المسيحية لوحاتٌ أخرى رسمها خيال كل من الإنسان الشرقي والإنسان الغربي تعبر عن الأنا و الآخر فتقوم بالفصل بينهما تارة و خلق علاقة من التوتر والاختلاف و التنافر تارة أخرى، فيما نتج عنه فكرة التفوق ونقيضها وهي فكرة الدونيّة. ثم إن الالتقاء بين الشرق والغرب تجسّد أول الأمر فيما صوره الغرب عن الآخر من خلال كتاباته ومن أهمها كتاب ألف ليلة وليلة والذي صور الشرق عن طريق نافذة الأدب في أواسط القرن الثامن عشر، كعالم من الأساطير والخيال في صورة رومانسية خيالية ومن خلال كتابات المستشرقين مثل جيرار دي أولياك و سيلفستر دي ساسي، وأما عن المحطة الأهم في ترسيخ منظور الغرب إلى الشرق فهي بعد الالتقاء المباشر أو ما يعتبر صداما بين حضارة الغربيين والشرقيين إبّان الحملة الفرنسية لنابوليون بونابرت على مصر سنة 1798م حيث كان الوعي بالشرق عند بونابرت واضحا والاستشراق في أوجّه، وذلك لاهتمام نابوليون بالدراسات الاستشراقية مصطحبا معه العلماء والباحثين ليصبح الاستشراق منهجا علميا لدراسة الشرق واستجلائه، كذا الأمر بالنسبة للرسامين والفنانين الذين صوروا الشرق حسب منظورهم فأصبح هذا الالتقاء يشكل صورة صدامية ولّدت ثنائية متعددة الأوجه ببن الأنا والآخر في علاقة معقدة بين الشرق والغرب، الشرق المتخلف والمتراجع  قدّام الغرب المتفوق والمتقدم. كذلك في صورة الشرق المتفوق روحيا مقابل الغرب المادي العلماني، فعلاقة الاطّراد هنا تحكمها فكرة التفوق والهيمنة . و من هنا نرى أن صورة الشرق و صورة الغرب بُنيت في أعين العديد من المفكرين والسياسيين على رؤية مختلفة أو بالأحرى متباينة. لنطرح الإشكالية التالية: ما مقاربات كل من إدوارد سعيد و هومي بابا في دراسة العلاقة بين الشرق والغرب؟ وما المنظور الذي طرحه المفكرون المصريون في تمثيلهم للشرق من جهة والغرب من جهة أخرى منذ الحملة الفرنسية على مصر؟ .

في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، توضحت معالم الانسلاخ من النظرة الاستشراقية التي كونها الغرب عن الشرق، وذلك بعد تبني معظم البادان العربية لقضايا التحرر، وذلك بغية إحباط المشروع الاستشراقي الذي يقول بثبات الشرق على نحو واحد. وهذا ما تكيف معه الشرق في نوع من القبول والاستسلام في فترة ما قبل الاستشراق وكذا الاستشراق الحديث.  المفكر والمنظر الفلسطيني الأمريكي ادوارد سعيد (1935-2003) في كتابه الاستشراق الصادر سنة 1979م تبنى أفكار ميشال فوكو بأن الخطاب هو وسيلة للسلطة قائم على فكرة الهيمنة ويخضع لقواعد خاصة والتي تخص فترة ما من العصور فبالنسبة إليه أن للخطاب وظيفة معيارية فتطرق إلى الاستشراق من خلال توضيح العلاقة بين الشرق والغرب من منظور ديني الاسلام والمسيحية ، وهذا في كلامه عن فترة ما قبل الاستشراق أو الاستشراق البدائي والتي تعتبر كمرحلة تحضيرية للاستشراق. فالإسلام في هذه الفترة من منظور غربي هو قائم على الخطاب الاستبدادي وأما المسيحية فتبقى قائمة على خطاب الحقيقة وهو ما انتقده إدوارد سعيد حسب منظوره بأن الخداع هو أساس الرؤية الغربية للشرق وخاصة في عصر التنوير. أما عن الاستشراق الحديث يرى ادوارد سعيد بأن هذا الأخير جاء مع الحملة الفرنسية على مصر والاحتكاك أو الصدام بين الشرق والغرب في احتكاك المصريين بالفرنسيين وما ولد نوعا من الحداثة الجديدة. ومن خلال هذا الانتقال من الاستشراق الأولي إلى فترة الاستشراق شهدت العلاقة بين الشرق والغرب دراسة قائمة على الغاء للمعيار الديني في النقد فلم يصبح الدين هو المعيار الأساسي الذي يعكس المنظور على العالم أو فكرة الأنا عن الآخر بل هو العلم، ولكن ادوارد سعيد ينتقد هذا الأمر في رؤيته بأن أوروبا العلمانية لم تغير نظرتها نحو الشرق رغم دراسته بشكل تجريدي من الاسلام أو المسيحية، إنما تبقى النظرة الفوقية إلى الشرق الدوني تطبع المنظور الغربي الذي يجسد الشرق في قالب الآخر المختلف عنه في شكل هرمي ، الغرب المتفوق على الشرق المتراجع والمتخلف. ليتغير الخطاب من ديني الى خطاب شبه علمي باعتبار أن الحكم القيمي على الشرق يبقى موجودا. انتقد إدوارد سعيد النظرة الاستشراقية معتبرا أن الاستشراق قائم على كتابات ونصوص مختارة تعبر عن المشروع المراد به تصوير الشرق كما يريده الغرب وفي ذلك انتقد بشدة سيلفستر دي ساسي في اختياره للنصوص القائم على الذاتية في قالب موضوعي، وأيضا كارل ماركس الذي رأى في الاستعمار مصدر للثروات وادوارد لين في وصف مصر وغيرهم …  مشيرا منه على تورط المفكرين والسياسيين معا في بناء النظرة الاستشراقية وتوريثها للشرق اذ أصبح هذا الأخير مبنيا على المتخيل وليس على الحقيقة. كذا انعكاس التفوق الغربي على الشرق من خلال الدراسات اللغوية المقارنة بين اللغات السامية والهند وأوروبية لتجسد فكرة الاغتراب المطلق والدونية المطلقة للشرق. إن فكر إدوارد سعيد حول العلاقة بين الشرق والغرب قائم على التعارض والتنافر على اساس الخطاب كأداة للهيمنة والسلطة ، يتطرق ادوارد سعيد إلى الاستشراق الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية وتصاعد الولايات المتحدة الأمريكية في ظل تراجع القوتين الكلاسيكيتين فرنسا وإنجلترا وذلك من خلال دراسة الشرق عبر معيار النخب وبالرغم ذلك تبقى للنظرة الاستشراقية نفسها وخي أن الشرق يمثل كائنا لا يقبل التغيير.

لقد انتقد إدوارد سعيد اكتساب شرعية الاستعمار من خلال الخطاب الاستشراقي العامل على نقاط ضعف الشرق ودراسته في قالب واحد لكل البلدان  لتسهيل الاحتلال بحجة اللحاق بالركب الحضاري.

أما عن المفكر الهندي البريطاني هومي بابا في قراءته للآخر من خلال الخطاب الكولونيالي ومابعد الكولونيالية ، نظر إلى العلاقة بين الشرق والغرب من خلال فكرة المحاكاة  بين الأنا والآخر وذلك لازدواجية التكون الثقافي للشخصية الإنسانية و أكد على فكرة أن التقارب ينتج عنها التهجين والفضاء الثالث ، إذ أن التعددية الفكرية تؤدي إلى ظهور ثقافات جديدة ناجمة عن الاختلاط بين الثقافات فإذا كان الخطاب الاستشراقي قائم على مفهوم ثبات الشرق فإن هومي بابا ينتقد هذا الأمر باعتباره الفضاء الثالث منطقة للتفاعل . كما تأثر هومي بابا بأفكار ميشال فوكو وإدوارد سعيد ولكنه لا يتبنى أبدا فكرة التضاد والتناقض التام ، ففي كتابه The location of culture الصادر سنة 1994 قارن هومي بابا بين المقاربات الفرنسية والأمريكية في الدراسة معتبرا أن المقاربات الأمريكية تعتمد على العديد من مواضيع البحث وتستند في التحليل إلى مجموعة من التخصصات، الأمر الذي تختلف فيه الدراسات الفرنسية في تقسيمها التخصصات ومجالات البحث. ثم يتبنى هومي بابا في دراسته للعلاقة بين الشرق والغرب أفكار المفكر غرامشي في عدم تماثل المجالات الثقافية وعدم أحادية المجال الثقافي بل يقول بتعدده ليرفض بذلك الانغلاق في فكرة ثنائية الثقافات و يتبنى فكرة إمكانية خلق فضاء ثالث للثقافة من مزيج بين الثقافتين الملتقيتين وهو مايسمى بالثقافة الهجينة. من هنا يركز هومي بابا على العلاقة الثقافية كأداة للهيمنة متبنيا ما قدمه سابقا غرامشي بدلا للهيمنة السياسية، وفي رأي هومي بابا أن الاختلاف موجود والتشابه موجود أيضا لايمكننا إلغاء أحدهما فيعارض في هذا التوجه المفكر إدوارد سعيد بأنه لابد من وجود مجال للتفاوض.

وكمثال على العلاقة بين الشرق والغرب ، أسهم العديد من المفكرين المصريين في بلورة منظورهم وشعوبَهم عن الغرب والشرق على حد السواء، على اختلاف عصورهم و تأثيرات بيئة كل منهم إلا أن الاصطدام الحضاري بين المصريين والفرنسسين بعد حملة نابوليون على مصر، أدى إلى نمو وعيهم بالتفوق الغربي من جهة ومن خطورته على مصر من جهة أخرى، فالكتابات وإن اختلفت عصورها ، فهي تعكس المصري الرافض للغرب الآخر والمنبهر به كذلك المتقمص لشخصيته والمعتدل بينهما … ومن أهمهم عبدالرحمن الجبرتي في كتاب عجائب الآثار في التراجم والأخبار و المفكر والمصلح الاجتماعي رفاعه رافع الطهطاوي في كتابه تخليص الإبريز في تلخيص باريس كذا الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي في كتابه النظرات والمفكر سلامة موسى في كتابه اليوم والغد.

تباين في رؤية الأنا والآخر، الشرق والغرب، يجمع المفكرين المصريين للتعبيير عن وعيهم بالاختلاف الحضاري و نقدهم لفكرة التفوق والدونية.

أما عن عبدالرحمن الجبرتي،  فباعتباره ممثلا للنخبة المصرية وشاهدا على الاحتلال الفرنسي لمصر رافضا له رفضا قاطعا، منظوره للغرب يرتكز على رؤيته له كمسلم يرفض الآخر المسيحي رغم اعترافه في كتاباته بتفوق الفرنسيين في العلوم. إلا أنه يقدم صورة سلبية عن الغرب من خلال نقده لصورة النساء الغربيات واعترافه بخطورة التأثير على المصريين وفي ذلك يذكر التأثير على النساء من الطبقات السفلى في المجتمع من منظور ديني بحث لا ثقافي مقدما صورة ايجابية عن المجتمع المصري من خلال سلبيات الغرب كالاختلاط بين الرجال والنساء والمجون … فيبعث في القارئ من أمته إرادة رفض الاحتلال و الهيمنة الفرنسية من خلال تذكيره بتفوقه عن الغرب روحيا ودينيا وحثهم على عدم الانبهار بالغرب الماجن والبعيد عن الايمان. و منها فالجبرتي يرى تفوق الشرق في الجانب الروحي والأخلاقي يقابله مجون الغرب وفساده بشكل آخر تفوق المسلمين على المسيحيين.

أدرج علد الرحمن الجبرتي في كتابه خطاب نابوليون بونابرت أثناء دخوله مصر، حيث نرى من خلال خطابه نظرته إلى مصر الشرق المتشبعة من الكتب الاستشراقية في خيال شرقي أسطوري يمثل مصر من خلال ألف ليلة وليلة بحريمه وثرواته … نابوليون استخدن الخطاب الديني لمعرفته بالمصريين المسلمين فيتبنى الايمان و التوحيد ويقدم نفسه كمعجب بالاسلام غير معاد للدولة العثمانية وهذا مايتنافى تناما مع قيم الثورة الفرنسية التي تخلت عن المنظور الديني وجاءت بالقيم كالمساواة والحرية .. متبنيا خطاب الترغيب والترهيب لشرعية حملته متناقضا مع الأفكار التنويرية. خطاب يحمل في طياته الغموض مناقض ومنتمي في نفس الوقت لقيم الثورة الفرنسية.

في نظرته إلى الغرب، وعلى عكس الجبرتي ، فإن المفكر رفاعة الطهطاوي الذي لم يعاصر الاحتلال الفرنسي بل على العكس من ذلك، فقد عاصر محمد علي باشا حين كانت مصر في أوج قوتها العسكرية والاقتصادية في القرن التاسع عشر تزامنا مع ضعف الدولة العثمانية، ولدوره في المساهمة في البعثات التعليمية التي حرص عليها محمد علي باشا إلى اوروبا منذ 1926 م فإنه كتب تخليص الإبريز في تلخيص باريس والذي ينتمي إلى أدب الرحلة المناقب والمثالب، وصف فبه أوروبا و أناسها منبهرا بالحضارة الفرنسية معترفا بالتأخر الذي تشهد مصر فيدعو إلى العصرنة متبنيا مشروع محمدعلي باشا في إرادة اللحاق بالركب الحضاري، في إطار الإبقاء على هويته الإسلامية باعتباره متشبعا بعلوم الأزهر متأثرا بأستاذه حسن العطار، حيث يحث الشباب المبعوث إلى أوروبا على الحفاظ على الموروث الاسلامي رغم الانفتاح على الآخر الغربي و من السبل التي ساعدت على ذلك اطلاعه على اللغة الفرنسية ودراستها وتأسيسه لدار الألسن. في وصفه قدم أوجه لتشابه والاختلاف بين المصريين والفرنسيين من جانب أخلاقي وذلك لخلق نموذج يتبعه المصريون فكانت نظرته للغرب معتدلة  إذ رأى الغرب بمنظور أخلاقي إسلامي من جهة فأعجب بفضائلهم و تنكر لعدم ايمانهم وجانبهم الكافر في رأيه. و من هنا يؤكد الطهطاوي على فكرة التفوق الأخلاقي الروحي للمسلمين على الغرب مع اعترافه بفضل الغرب في رفض المثلية على عكس الشرق الذي أبرزها في الشعر العربي القديم في غزل الغلمان. إن انتماء الطهطاوي إلى النخبة المصرية جعل منه مصمما على حماية الموروث المصري الإسلامي وداعيا للنهوض بالأمة متأثرا، مركزا على أن المصري يسمو إلى تحقيق الرفاهية والترقي كذا الفوز في الآخرة.

أما عن العلاقة بين الشرق والغرب في إطار آخر من الهيمنة إبان الاحتلال البريطاني لمصر سنة 1914م ، فنجد الأديب المنفلوطي والذي عاصر فترة الضعف في مصر أمام المحتل فهو يناقض الشرق والغرب تماما ، من منظور أزهر مسلم متشبع بالثقافة الإسلامية رغم حبه واتجاهه للأدب فنجده يرفض التقليد الأعمى للغرب و يقدم في نصه بطريقة غير مباشرة  صورة سلبية عن المجتمع المصري من خلال اعترافه بفضائل الغرب وقيمهم الايجابية في كتاب أخلاقي تهذيبي يعتبر كموجه للأمة من خلال ذكره لسلبيات الغرب مثل الإلحاد والانتحار معلنا تفوق الشرق في هذا الأمر ومعتبرا أيضا على أن العودة إلى الماضي هي مستقبل مصر وهذا ما يعتبر الجانب الأكبر من مشروعه المجتمعي. علاقة معقدة تظهر جلية من خلال منظور المنفلوطي الى الغرب ، الوضع السياسي في وقته لا يمكنه من الاعتراف المباشر بالتفوق الغربي.

و في الجانب الآخر، نجد المتبني للغرب في قالبه الكلي ، الكاتب المصري سلامة موسى، والذي تأثر بالغرب فنادى الى تبني أفكاره والتخلي عن الدين بفرض العلمانية في مصر مناديا للفكر العلماني الراديكالي الغربي والتمثل بالغرب قلبا وقالبا والانسلاخ عن الشرق والرفض التام لكل ماهو شرقي، سلامة موسى أكد على وجوب الالتزام بالمبادئ الغربية و قيم الحضارة الغربية من أجل المعاصرة، منتقدا الأزهر معتبرا إياه مؤسسة غربية، داعيا الدولة المصرية إلى تبني أساليب الإدارة الأوروبية كذا الشعب المصري إلى تبني أسلوب الحياة الغربي في كل جوانبه، إلا أنه تحفظ على الاستعمار الانجليزي بوعيه أنه مناهض للحضارة . إن رؤية سلامة موسى للشرق تتنافى مع من قبله إذ يرى في مصر بلد لا ينتمي إلى الشرق منتقدا علومه الدينية التي ترجع مصر الى الوراء ونادى بالتعرف على العلوم الغرببة متبنيا فكرة أن الحضارة  هي غربية لا محال.

يمكن القول أن التعرف على الأنا والآخر بين الشرق والغرب لا يزال يخلق مساحة من البحث والدراسة وخاصة في ظل التغيرات السياسية العالمية، حيث ساهمت العولمة في اشتراك الأنا والآخر في معضلات مشتركة تقارب  بين الشرق والغرب سواء في علاقة من التنافرأو التعايش، إلا أن التكافؤ لا يزال بعيد المنال وخاصة أن دراسة الشرق والغرب لازالت قائمة على مبدأ التفوق العسكري والاقتصادي، وأما عن التفوق الأخلاقي فيبقى التغيير في البيئة الثقافية للشرق على مر السنوات يؤثر على ما أشاد به المفكرون في العصور السابقة.

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا [email protected]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content is protected !!