دراسات استشرافية

اشكالية التنبؤات السياسية الدينية وعلم الدراسات المستقبلية

بقلم وليد عبد الحي

لعل الاتكاء على النصوص الدينية “للتنبؤ بالمستقبل” غير مقتصر على الديانات الابراهيمية فقط، فحتى الديانات الآسيوية ننطوي على نبوءات وإن كانت تتميز بأنها مشروطة (إذا –فإن) كما انها اقل عناية بالتنبؤات الخاصة بالنصر والهزيمة والتطور والتراجع، الى جانب أنها اقرب للتنبؤات الخاصة بالوحدات الاجتماعية الصغيرة(الفرد الاسرة).
وبحكم عنايتي بالدراسات المستقبلية حاولت تتبع ” تقنيات التنبؤ ” في الاديان ، من حيث كيفية وضع الفرضية ثم كيف يتم برهانها وصولا لبناء تطورها على اساس فهم حركية الظاهرة موضوع البحث، واخيرا التنبؤ بها.
وما لاحظته في التنبؤات الدينية السياسية (عند اليهود والمسلمين والمسيحيين) أن كلا منهم يطوع النص لرغباته وميوله، وهو بهذا يظلم النص الديني، وسأعطي بعض الامثلة من الاديان الابراهيمية على التحايل المعرفي والمصالحات الذهنية.
ففي قضية التنبؤ بانهيار اسرائيل عام 2022، والتي وجدت صدى كبيرا في مجتمعات جوعى للنصر، تتبعت تقنية التنبؤ وجدت ان الامر مرتبط بما يطلق عليه ” بالإعجاز العددي” ، ويرى صاحب الفكرة انه- على سبيل المثال – وجد تطابقا بين عدد الكروموسومات للنحل وترتيب سورة النحل في القران( كلاهما 16)، فبحثت من جانبي –بالمقابل- عن عدد كروموسومات البقرة فوجدتها 60، وترتيب البقرة في القرآن رقم 2، ولا يتطابق ترتيبها ولا عدد آياتها ولا حروفها ولا كلماتها مع الرقم 60 ..وهنا المشكلة ليست في النص ، بل في منهجية تطويع النص لمصادفات رقمية ،ولكننا اذا نقلنا هذه المصادفات الرقمية لجعلها قاعدة منهجية لا نجد الامر قابلا للتطبيق، وهو ما أراه تشويشا على النص، ثم ان العدد لا دلالة له مفصولا عن السياق، فالنبي موسى تم ذكره 136 مرة في القرآن وهو الاكثر ذكرا مقارنة بالانبياء الآخرين، وهنا يمكنك ان تترك لخيالك المجال ليركب استنتاجات كثيرة، فنقول انه ذكر 136 مرة في 34 سورة.،ولو قسمنا 136 على 34 يكون الجواب 4 مرات وهو عدد احرف اسم موسى..ولو اضفنا 4 الى عدد الاسباط وهم 12 يكون المجموع 16،ولو جمعنا من 1-2-3-4-5-6..الى رقم 16 سيكون المجموع 136 وهو يشمل النبي موسى وكل اليهود….وهكذا يمكن توليد نتائج رقمية لا تنتهي ثم البحث عن وقائع ولصقها بما وصلنا له.
وبالمقابل نجد الامر كذلك عند اليهود والمسيحيين ، ففي سفر حزقيال نبوءة مزدوجة لشعب إسرائيل. ففي الجزء الأول ، يخبر الله الشعب اليهودي أن الأرض المخصصة لهم ستبقى مقفرة ما دام يحتلها الغرباء وما دام اليهود في المنفى. وهكذا يصفها النص بانها كانت – أرض قاتمة وقاحلة وغير مطورة – لأكثر من 2000 عام، وفي النصف الثاني من النبوءة ، يصف الله علامات الفداء الأولي – بان مظهر الارض سيختلف قبيل عودة الشعب اليهودي ، بدأ هذا الجزء من الوعد يتحقق أيضًا خلال العقود التي سبقت قيام الدولة اليهودية في أرض إسرائيل. ويضيف االتنبؤ هذه هي دولة إسرائيل ، المشار إليها في صلاة يهودية على أنها “أول ازدهار لخلاصنا”. من سبات النسيان العميق في غياب أبنائها وبناتها ، استيقظت الأرض أخيرًا، فالنص هنا يعني أن النبوءة تحققت..
وفي الرؤيا رقم 12 نجد الاشارة الى : ” آية عظيمة في السماء، وهي امرأة متسربلة بالشمس والقمر تحت قدميها وعلى رأسها إكليل من 12 نجمة”، وقد فسرها الكاثوليك والعديد من اللاهوتيين أن المرأة في هذا المقطع هي الكنيسة ، بينما فسرها الحاخامات وبعض الانجليكان المسيحيين بأنها إشارة إلى إسرائيل، ووافق ذلك آخرون لكنهم رأوا أن ذلك كان في الماضي وليس المستقبل ، وان الشمس تشير هنا إلى يعقوب والقمر الى زوجته راحيل والنجوم الاثني عشر هي اشارة الى أبناء يعقوب ال 12 والى ال 12 قبيلة من قبائلهم ، وبالتالي هي وصف واقع وليس تنبؤا.
ويذهب كتاب ديفيد ريغان (David Reagan) وعنوانه (Israel in Bible Prophecy) الى تقسيم كتابه(255 صفحة) الى سرد التنبؤات الواردة في التوراة حسب التسلسل الزمني والتي يرى انها تحققت او في طريق التحقق وهي:
اولا: تنبؤات اشارت لها التوراة قبل وقوعها لكنها تحققت بعد ذلك( في الماضي ).
أ- تشتت اليهود في جميع أنحاء العالم
ب- اضطهاد اليهود بلا هوادة
ج- الحفظ الإعجازي لليهود
د- خراب أرض إسرائيل
ثانيا: تنبؤات واردة في التوراة وتحققت حاليا( خلال العصور الحالية)
أ- – لم شمل الشعب اليهودي
ب- – إعادة قيام دولة إسرائيل
ج– إحياء اللغة العبرية
د- – استصلاح أرض إسرائيل
هـ – انبعاث الجيش الإسرائيلي
و- إعادة احتلال مدينة القدس
ز- إعادة تركيز السياسة العالمية على أمة إسرائيل
ثالثا: تنبؤات في التوراة ستتحقق في المستقبل
وتتركز هذه على ظهور المسيح المنتظر( او الماشيح او المسيا) ليملا الأرض عدلا ويلم شتات اليهود ويعيدهم لارض الميعاد..
ولن اناقش تنبؤات الماضي والحاضر، ولكني اتساءل مع الكسندر دوغين كيف سيأتي” المسيا” ليعيد اليهود الى “ارض الميعاد” وهم الان فيها…اي أنهم تجمعوا فيها قبل ظهوره، وهو ما يخالف النص التوراتي، فالحدث وقع قبل وصول صاحب الحدث، فهم رجعوا قبل ارجاعهم( حسب نصوصهم)؟؟ فهل هذا تنبؤ غير دقيق؟؟
ارى ضرورة الابتعاد عن النصوص الدينية للتنبؤ في الشأن اليومي السياسي(أو غيره من الشؤون الدنيوية العامة) لان في ذلك توريط للنص،ولا يصلحه “عبارة آسف”…
فالدراسات المستقبلية بمعناها العلمي يجري تدريسها في جامعات ومعاهد جميع الدول الصناعية دون استثناء الى جانب 43 دولة نامية( ليست الجامعات العربية ضمنها ) ، بل ان بعض الدول الغربية احدثت دوائر وزارية للدراسات المستقبلية…هذا العلم له اصوله وصعوباته وتقنياته الكمية والكيفية، وتشير الدراسات المتتبعة لهذا العلم ان نتائجه تعرف تحسنا ملحوظا ومتزايدا مع تطور تقنياته وتزايد خبرة العاملين فيه، ومن خلال اطلاعي على الخطط الدراسية لهذا التخصص في عدد من الجامعات المرموقة ، يتم تدريسه استنادا الى فروع اربعة هي تقنياته الخاصة(وهي الآن 28 تقنية والبعص يفرعها الى اكثر او يدمج بعض التقنيات ببعضها) ثم ثانيا علم الاحصاء( ليس كله بل ما يخدم التنبؤ) وثالثا علم المنطق بأشكاله الستة( الرمزي والمشروط والرسمي وغير الرسمي والرياضي او المعاصر) ثم رابعا نظريات الميدان الذي يريد الدارس ان يتخصص فيه( العلاقات الدولية، علم الاجتماع، العلوم الطبيعية…الخ).
5/5 - (1 صوت واحد)
Print Friendly, PDF & Email

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى