جاء في تقديم المؤلف لكتابه ما يلي:
… حاول الإنسان عبر التاريخ أن يتعرّف على البيئة المحيطة به، وأن يكتشف الكثير من أسرارها؛ فهو و منذ وجد على وجه المعمورة، محب للإستطلاع شغوف بالمعرفة؛ إذ لم يستطع أن يحيا وسط الظواهر دون أن يكوّن حولها أفكار ويرسم لها تصورات، وذلك بما يعينه على تحسين سلوكه تجاه هذه الظواهر و مواجهة المشكلات المرتبطة بها، وقد ترتّب على هذه المحاولات زيادة حصائل الإنسان من المعرفة بكل أنواعها.
ومع مرور الوقت وتراكم الجهود استطاع الإنسان أن ينظّم علاقته مع المعرفة التي بدأ في تحصيلها، وذلك عن طريق ابتكار مناهج واتباع أساليب تساعده في الوصول الى المعرفة الصحيحة، فيما بات يعرف اليوم بالبحث العلمي.
ولأن الأمر قد أخذ وقتا فقد تكوّنت لدى الأفراد الذين أصبحوا يمارسون هذا النشاط باعتبارهم متخصصين فيه، معتقدات وتوجّهات علمية سيطرت على سير عملية البحث العلمي بشكل كامل؛ وتناقلتها الكتب والمؤلفات كما لو أنها نصوص مقدسة لا تقبل الطعن،و بالتالي فقد احتاج الأمر في كل مرة الى جهود جديدة تحاول مراجعة تلك المعتقدات من أجل تصفيتها وإحلال بدائل تتلائم مع فلسفة البحث العلمي إنطلاقا من فكرة اعادة تحديد علاقة الباحث بالبحث، من خلال الإجابة على أسئلة من قبيل: هل يمكن للباحث أن يؤثر على البحث؟ أم أنه ملزم بالبقاء بعيدا عن أي تأثير فيه؟… وذلك بتحديد الأطر السيكولوجية التي من المفترض أنها تحكم العملية البحثية.
إذ أن الاستعداد النفسي والتهيؤ الذهني من شأنهما أن يمهّدا لعلمية الإقلاع نحو سماء البحث العلمي، حيث أن توفر الربان والطائرة والمدرج أمور لا تكفي للإقلاع بل لا بد من توفر شغف ورغبة يحدوان نفس الربان لشق الأفق وركوب السماء؛ لكن هذه الإعتبارت النفسية وفي ذات الحين الذي تمنح فيه للباحث طاقة و إرادة الإنطلاق تضعه أمام تحديات الإلتزام بالموضوعية وقد تحرمه أيضا من استثمار تفكيره العلمي. الموضوعية والتفكير العلمي اللذين من المفترض أنهما يقومان على الدقة والمنطق لا على التحيّزات والرغبات الشخصية.
وبهذا فالإطار السيكولوجي (Psychological frameworks) للعملية البحثية لم يأخذ حقّه من النقاش العلمي رغم أهميته في تحديد مسارات البحث العلمي؛ وقد انعكست قلة الإهتمام هذه على الباحثين الممارسين فلم يولوه إهتمام كافيا أثناء قيامهم بالبحوث؛ والحال أن أي بحث علمي جاد يستلزم أن يهيئ الباحث فيه نفسه قبل أن ينطلق من خلال مراعاة وضعه الذهني والنفسي، ومن خلال التدرّب على امتلاك المهارات السيكولوجية والأدبية اللازمة للعمل البحثي.
وكما أن معرفة الأطباء لفيسيولوجيا الجسد يجب أن تسبق معرفتهم لطبائع الأمراض وتشخيصها وعلاجها، يتوجب على الباحث العلمي أيضا أن يستوعب مكونات ذلك الإطار المتعلق بمفاهيم العلم والمعرفة اللذين يعتبران بمثابة الجسد الذي سيشتغل عليه الباحث؛ حيث ان المعرفة العلمية تمثل العنصر الأساس في مختلف محطات وإجراءات البحث العلمي، فهي هدفه الأسمى وغايته الأقصى؛ وقد أصبحت المعرفة التي شكلها الإنسان عن العالم هي نفسها محل عرفان و حوار متوازي في العديد من محطاته ومتقاطع في القليل منها، وبصيغة أخرى أصبحت المعرفة ذاتها مادة لنفس الفضول المعرفي الذي شكّلها سابقا وتحوّلت إلى موضوع للفهم و دافعا إلى تأسيس معرفة حول المعرفة، و قد رُكِّزت النقاشات بصفة عامة حول دور الطرح (العقل) والمشاهدة (التجربة) في تأسيس العلم, وحدود كل منهما.
ومن هنا فإن الباحث ملزم بأن يعيش حالة من التهيّء المعرفي فيمهّد لعمله العلمي من خلال إطلاعه على المعايير والأطر الابستمولوجية (Epistemological frameworks) التي يجب أن تضبطه حتى لا يقع في فخ الشعبوية ويخرج من ساحة العلم الى ساحات أخرى لا علاقة لها بأهداف العلم ولا بغاياته، وأن يدرك الخصائص الإبستيمية التي تحكم التخصص الذي ينتمي اليه. مع التأكيد على أن التمهيد والإنطلاق في العملية البحثية يتطلبان من الباحث أن يختار التزاما نظريا (Theoretical commitment) يعمل في إطاره حتى لا يضيع جهده بين تيارات ومقاربات مختلفة.
بعد أن يستوعب الباحث الأطر السيكولوجية والإبستمولوجية وقبل أن يصل الى الممارسة البحثية الحقلية، يكون مطالبا أيضا بتوفير حالة تمهيدية أخرى تتعلق بتنظيم التصورات الأولية للبحث، بدءً من التصور الخاص بموضوع هذا البحث مرورا بطرح إشكالية هذا الموضوع وصولا الى تحديد المفاهيم و ببناء الفرضيات التي سيتأسس عليها البحث الميداني، وعادة ما يشار الى هذه العناصر التمهيدية باعتبارها مقدمة عامة، وتعرض كما لو كانت تعريفا خاصا بالدراسة، يضمها فصل واحد يسمى عند كثير من الباحثين بالفصل التمهيدي أو الإطار التقديمي.
ويعمل بناء هذا الإطار التقديمي (Introductory framework) على تهيئة الباحث لنفسه ولقارئه من خلال تقديم عرض شامل لطبيعة اشكالية الموضوع، مع بيان صلته بمختلف النظريات والدراسات العلمية السابقة التي أنجزت في ذات الإطار، وتتعزز هذه التهيئة بتحديد الباحث للمفاهيم التي ترتبط بالظاهرة محل الدراسة وببناء الفرضيات باعتبارها حلولا مؤقتة تضبط ذهن الباحث ريثما تم جمع المعلومات واستنتاج النتائج.
وبهذا نكون قد قدّمنا لكم قصّة كتابنا التي تكونت من ثلاث فصول كل فصل فيها شكّل إطارا من أطر العملية التمهيدية، والتي تنطلق كلها من فكرة أن البحث الجاد هو الذي يرتكز على إنطلاقة جادة، يأخذ فيها صاحبها بعين الإعتبار إحترام الأطر التمهيدية التالية:
الإطار السيكولوجي/ الإطار الابستمولوجي/ الإطار التقديمي.

تحميل الكتاب ( المصدر archive.org)

Print Friendly, PDF & Email