دراسات افريقيةدراسات سياسية

الانتقال التفاوضي في السودان ..الظروف والملابسات وتحديات المستقبل 2019-2020

مجلة السياسة والاقتصاد، المقالة 4، المجلد 9، العدد ( 8 ) اکتوبر 2020، الخريف 2020، الصفحة 1-40

من اعداد أحمد الشورى أبوزيد – قسم العلوم السياسية -کلية التجارة-جامعة أسيوط.

تسعى الدراسة إلى التعرف على طبيعة ونمط الانتقال الديمقراطي في السودان والذي بدأ بإسقاط الرئيس السابق عمر البشير في ابريل 2019 ، مروراً بتولي المجلس العسکري الانتقالي ادارة البلاد، حتى التوقيع على اتفاق تقاسم السلطة مع قوى الحرية والتغيير في منتصف أغسطس 2019. کما تهدف إلي الوقوف على الشروط التي من شأنها أن تيسر عملية الانتقال التفاوضي بين النخبة الحاکمة والمعارضة. ومن ثم تهدف تلک الدراسة إلى الإجابة على التساؤل الرئيسي هو: تحت أي شرط من الشروط ، يحدث انتقال تفاوضي من الحکم السلطوي نحو الحکم الديمقراطي؟ وبالأحرى ما هي الظروف والملابسات التي دفعت قادة المجلس العسکري الانتقالي وقوى اعلان الحرية والتغيير للدخول في العملية التفاوضية والتوقيع على الوثيقة الدستورية؟ وما هي تحديات عملية الانتقال الديمقراطي في السودان؟
وفي هذا الإطار، تنقسم الدراسة إلى ثلاثة محاور رئيسية، الأول يناقش ويعرض الاتجاهات النظرية لأنماط الانتقال الديمقراطي. بينما يهتم المحور الثاني بدراسة مسارات و ملابسات الانتقال في السودان، بينما يتناول المحور الثالث، تحديات المرحلة الانتقالية في السودان.

مقدمة:

        بعد قرابة أربعة أشهر على الإطاحة بالرئیس عمر البشیر فی 11 أبریل 2019 ، وما تبعها خوض مفاوضات صعبة بدعم من أطراف إقلیمیة ودولیة، تخللها فض اعتصام القیادة العامة فی 3 یونیو 2019 ، توصلت قوى إعلان الحریة والتغییر التی قادت الحراک الثوری، إلى توافق مع المجلس العسکری الانتقالی على اتفاق تقاسم السلطة، والتوقیع على الوثیقة الدستوریة، التی سوف تُدار المرحلة الانتقالیة .کما أصدر الفریق عبد الفتاح البرهان رئیس المجلس العسکری الانتقالی مرسومًا بتعیین أعضاء مجلس السیادة برئاسته، قبل أن یؤدی وأعضاؤه الیمین الدستوریة فی 21 أغسطس 2019. عزز هذا الاتفاق الآمال فی إمکانیة تسهیل عملیة التحول الدیمقراطی فی السودان ودفعها إلی الأمام، بینما ما زالت هناک تحدیات تحوم حول مستقبلها ؛ بسبب وجود عراقیل قد تحول دون استکمال تلک التجربة الدیمقراطیة الولیدة.

     وفی هذا السیاق، تسعى تلک الدراسة إلى التعرف على طبیعة ونمط الانتقال الدیمقراطی فی السودان والذی بدأ بإسقاط الرئیس السابق عمر البشیر ، مروراً بتولی المجلس العسکری الانتقالی ادارة البلاد، حتى التوقیع على اتفاق تقاسم السلطة مع قوى الحریة والتغییر فی منتصف أغسطس 2019. کما تهدف إلی الوقوف على الشروط التی من شأنها أن تیسر عملیة الانتقال التفاوضی بین النخبة الحاکمة والمعارضة. ومن ثم تهدف تلک الدراسة إلى الإجابة على التساؤل الرئیسی هو: تحت أی شرط من الشروط ، یحدث انتقال تفاوضی من الحکم السلطوی نحو الحکم الدیمقراطی؟ وبالأحرى ما هی الظروف والملابسات التی دفعت قادة المجلس العسکری الانتقالی وقوى اعلان الحریة والتغییر للدخول فی العملیة التفاوضیة والتوقیع على الوثیقة الدستوریة؟ وما هی تحدیات عملیة الانتقال الدیمقراطی فی السودان؟

وفی هذا الإطار، تنقسم الدراسة إلى ثلاثة محاور رئیسیة، الأول یناقش ویعرض الاتجاهات النظریة لأنماط الانتقال الدیمقراطی. بینما یهتم المحور الثانی بدراسة مسارات و ملابسات الانتقال فی السودان، بینما یتناول المحور الثالث، تحدیات المرحلة الانتقالیة فی السودان.

المحور الأول أنماط الانتقال الدیمقراطی:

       یسلط مفهوم نمط الانتقال الضوء على من یقوم بالانتقال وکیفیة إجراؤه. فیرکز نمط الانتقال على التفاعلات والخیارات المختلفة التی تتخذها النخبة (الحاکمة والمعارضة) للانتقال من نظام سلطوی قائم إلى نظام أخر دیمقراطی. وتتفق الدراسة مع ما طرحه هنتنجتون فی التمییز بین المسببات والمسببین لعملیة الانتقال الدیمقراطی، فالانتقالات الدیمقراطیة لا تقوم بالمسببات بل عن طریق من یتسببون فیها. فتوافر الظروف الاجتماعیة والاقتصادیة الملائمة لقیام الدیمقراطیة لا تعد کافیة للانتقال الدیمقراطی، ففی ظل حالة عدم الیقین بشأن قواعد اللُعبة السیاسیة خلال فترة الانتقال ، فإن النخب َهی التی تتخذ ُ القرارات النهائیة التی تؤدی مباشرة إلى عملیة الانتقال.

ومن ثم ینبع الاهتمام بتحدید أنماط الانتقال من الاعتقاد بأن فترات الانتقال تمثل لحظات مؤسسیة وتکوینیة ، یتم من خلالها وضع ملامح الإطار المؤسسی الذی تدار التفاعلات السیاسیة فی کنفه. علاوة على أن دراسة التفاعلات والاستراتیجیات والأسباب التی تدفع فی اتجاه تبنى نمط انتقال بعینه دون آخر یمکن الباحثین من إمکانیة التنبؤ بمسارات ومآلات النظم السیاسیة نتیجة تبنیها نمط بعینه، واحتمالات حدوث رسوخ أو انتکاسات خلال عملیة التحول الدیمقراطی .

ومن ثم سوف تستند هذه الدراسة إلى تصنیف نمط الانتقال وفقا” لهویة الفاعلین التی تقود عملیة الانتقال، والخیارات والاستراتیجیات التی یتم توظیفها.” یقوم هذا المعیار على تحدید ما إذا کانت عملیة الانتقال تتم من قبل النخبة داخل بنیة السلطة الحاکمة، أو من قبل المعارضة التی تنجح فی الإطاحة بالنخبة الحاکمة ، أو عن طریق مزیج من الاثنین. وفقا لهذا المعیار تم تقسیم أنماط الانتقال إلی ثلاث أنواع:

أ-النمط الإصلاحی (الانتقال من أعلى) أو (التحولی)

Transition from Above or Conversion

     یحدث هذا عندما تتولی النخبة الحاکمة قیادة عملیة الانتقال الدیمقراطی، یشهد هذا النمط من الانتقال تحول تدریجی لطبیعة النظام السیاسی یمر من خلاله بمراحل متشابکة ومعقدة ، تبدأ بالتحرک نحو الانفتاح والتحرر السیاسی، یکون ذلک مقدمة لتدشین عملیة التحول الدیمقراطی. “فالإصلاح الذی یقوده النظام” أو “التحریر الذی بدأه النظام” أو “التغییر من الأعلى” أو “الانتقال التحولی” کلها تعبر عن مصطلحات تصف السمة الرئیسیة لهذا النمط من الانتقال. وفی کثیر من الحالات، تقع مسؤولیة هذا النمط من الانتقال على النخبة الحاکمة المعتدلة الراغبة فی التغییر ، مع مساهمة محدودة من قبل المعارضة، فمیزان القوى یکون لصالح النخبة الحاکمة المعتدلة، بینما تتسم قوى المعارضة بالضعف مما یقوض من قدرتها على التأثیر فی إدارة عملیة الانتقال ، وتعد إسبانیا والبرازیل من أبرز الحالات التی شهدت انتقالًا دیمقراطیًا من أعلى.

ب- نمط الانتقال التعاونی ” التفاوضی”

 Cooperative Transition or Negotiated Transition

یحدث الانتقال نتیجة لعمل مشترک یتجسد فی صورة اتفاق أو تعاقد یتم التوصل إلیه عبر المفاوضات والمساومات بین النخبة الحاکمة المعتدلة وجزء أو کل من المعارضة . وأُطلق على هذا النمط مسمیات عدیدة ” التوافق” و ” الانتقال التفاوضی” ، ” التسویة” ، “الانتقال التعاونی” ، “الاحلال التحولی”. وفی هذا الاطار، یعرف أودنیل وشمیتر “الاتفاقPact ” بین النخبة المعتدلة فی النظام السلطوی ونظیراتها المعارضة بأنه ” اتفاق صریح بین مجموعة مختارة من الجهات الفاعلة التی تسعى إلى تحدید -أو ، إعادة تحدید- القواعد التی تحکم ممارسة السلطة على أساس الضمانات المتبادلة للمصالح الحیویة للأطراف الداخلة فیه.” کما تمر عملیة الانتقال وفقا لهذا النمط بأربع مراحل: أولاً: بدء ضعف أسس شرعیة النظام القدیم وتبنیه بعض الخطوات الإصلاحیة. ثانیًا، استغلال قوى المعارضة لهامش الإصلاح وقیامها بتوسیع قاعدتها الشعبیة وتکثیف ضغوطها سعیًا نحو تغییر النظام، حیث تقوم المعارضة بإرهاق الحکومة من أجل تغییر میزان القوة إلی صالحها قدر المستطاع . ثالثًا، یقوم النظام برد فعل سواء بالقمع أو الاحتواء ضد خطوات القوى المعارضة. رابعًا، یصل الطرفین إلى استحالة انتصار أحدهما على الأخر، فیبدأ الطرفان فی الدخول فی التفاوض حول إمکانیة الانتقال.

      ومن ثم تتسم الانتقالات التعاونیة بقدر من الشد والجذب ، والتصعید المتبادل بین النخبة الحاکمة والمعارضة ، والتی تدعو إلى مظاهرات والاحتجاجات لکسب المزید من أوراق التفاوض دون أن ترغب أو تقدر على الإطاحة الکاملة بالنظام، وفی نفس الوقت تشهد تجاوزات وأعمال عنف من الطرف الأخر. ویُلاحظ أن دورات الاحتجاج والقمع ،أدت فی نهایة المطاف إلى اتفاقات تفاوضیة بین الحکومة والمعارضة فی بولندا وتشیکوسلوفاکیا ومنغولیا ونیکاراجوا وأوروجوای وبولیفیا وهندوراس والسلفادور وکوریا الجنوبیة وجنوب إفریقیا.

   ووفقا لأدبیات الانتقال الدیمقراطی ، یمکن تحدید الظروف الملائمة للانتقال التفاوضی فما یلی:

الأول وصول نخبة إصلاحیة أو معتدلة إلى سدة الحکم:

           یؤکد منظرو الموجة الثالثة من التحول الدیمقراطی على أن بدء عملیة الانتقال الدیمقراطی التفاوضی مرتبط بصفة أساسیة بتصعید النخبة الراغبة فی الاصلاح والتغییر محل المحافظة فی السلطة. ما أن یصل المعتدلون إلی السلطة فإنهم عادة یتحرکون على وجه السرعة للبدء فی عملیة التحول الدیمقراطی. وعادة ما یشمل ذلک إجراء مشاورات ومفاوضات مع قادة المعارضة والأحزاب السیاسیة ذات الثقل. ومن أبرز الأمثلة اسبانیا والمجر والبرازیل. وقد تنوعت طرق وصول الاصلاحیین للحکم إلی أربع طرائق:

– موت مؤسسی الأنظمة القدیمة وتصعید الإصلاحیین، کما حدث مع فرانکو وخوان کارلوس فی اسبانیا 1975.

– الصراع والانقسام بین المعتدلین والمتشددین داخل المؤسسة العسکریة، فقام النظام القدیم فی کل من البرازیل والمکسیک بإجراء تغییرات روتینیة فی القیادة، مما جعل وصول الإصلاحیین إلى السلطة ممکنا.

– وصول اصلاحیین عسکریین إلى السلطة من خلال انقلابات عسکریة کما حدث فی بیرو 1975، والاکوادور 1976.

– القیام بعزل الحکام المحافظین کما حدث فی عدد من الدول فی أوروبا الشرقیة فی المجر 1988 وبلغاریا 1989.

الثانی اعتدال النخبة الحاکمة :

            أن تمتلک النخبة المعتدلة الرغبة والمهارة والجرأة فی الدخول فی عملیة تفاوضیة مع النخبة المعارضة من أجل تدشین عملیة الانتقال. وتدرک فی الوقت ذاته أن تلک الخطوات التی تتخذها قد تؤدى إلى إنهاء وجودها فی السلطة ، کما حدث فی البرازیل سنة 1973، المجر 1989، واسبانیا 1976. ویتمثل دور القیادة المعتدلة فی عملیة الانتقال فی تحدید أربعة عناصر : تحدید أسلوب الانتقال، تحدید التوقیت، تحدید المسار المناسب لبدئه، محاولة خلق اجماع حوله. کما تختلف دوافع القیادة الإصلاحیة فی الأخذ بعملیة الانتقال ، فبعض القیادات لدیها إیمان بقیم الدیمقراطیة وضرورة الإصلاح السیاسی، والبعض الأخر ینتهج هذا المسلک وفقا لاعتبارات براجماتیة والتی قد تساهم فی اعتدال النخبة الحاکمة وجعلها تتبنى مواقف أکثر مرونة فی سبیل البدء فی عملیة الانتقال.

       ویؤکد البعض أن ادراک النخبة الحاکمة لدعم عملیة التحول الدیمقراطی یمکن فهمه فی ضوء حسابات تکلفة وفوائد استمرار الحکم القدیم. ففی هذا الاطار ، تدرک النخبة الحاکمة أن تکلفة القمع ، وعدم التسامح مع المعارضة، ورفض التفاوض ستکون باهظة، بسبب الضغوط الداخلیة والخارجیة، مما قد یؤدى إلى فقدان شرعیتها، ویضعف من التماسک الداخلی للنخبة الحاکمة ، ویزید من احتمالیة تخلى الجیش عن مساندة النظام السلطوی، علاوة على أنها تفقد الکثیر من الشرعیة الدولیة.

    وفی الوقت نفسه تدرک النخبة الحاکمة أن کلفة الانفتاح والانتقال إلى صیغة ما لنظام دیمقراطی وفقا لعقد اتفاق مع المعارضة یحافظ على بعض مصالحها عند الانتقال إلی هذا النظام الجدید، تکون أقل من کلفة الاستمرار فی السیاسات غیر الدیمقراطیة . خاصة و أن هذا الانتقال الدیمقراطی یستبعه زیادة الشرعیة الدولیة للنظام. وعلاوة على ذلک، قد تزید الأزمات الاقتصادیة من کلفة استمرار النخبة الحاکمة فی الممارسات السلطویة لما لها من تبعات زیادة السخط الشعبی ، واحداث انقسام داخل النخبة الحاکمة حول السیاسات العامة للنظام السیاسی، مما قد یدفع البعض منها إلى اتخاذ مواقف إصلاحیة .فعندما یسقط النظام السیاسی بسبب فشله الاقتصادی ویتراجع الحلفاء عن مساندته وتتفاقم الانقسامات فی صفوفه، یصبح لدى القادة فی النخبة الحاکمة قابلیة للحدیث عن الإصلاح السیاسی، وذلک فی محاولة منها لامتصاص ما قد یترتب على العوامل السابقة من مخاطر قد تهدد شرعیة وجودها. ومن أبرز الأمثلة بولندا والمجر واسبانیا.

الثالث السیطرة واستبعاد المتشددین داخل الائتلاف الحاکم:

       إن الوصول إلى السلطة یمکن الإصلاحیین من البدء فی التحول إلی الدیمقراطیة ، لکنه لا یعوق قدرة المتشددین على تحدى الإصلاحیین. فالعناصر المتشددة داخل ائتلاف النخبة الحاکمة قد یبذلوا جهودًا لإیقاف عملیة التغییر أو إبطائها. ففی البرازیل وبیرو وإکوادور وجواتیمالا وإسبانیا-سعى المتشددون فی الجیش إلى القیام بانقلابات عسکریة، وبذلوا جهودًا فی إقصاء العناصر الإصلاحیة عن السلطة. ومن ثم یؤکد منظرو الموجة الثالثة على ضرورة تهمیش أو تحیید العناصر المتشددة، والتی تتحکم بصورة أساسیة فی الأجهزة القسریة للدولة والتی لدیها القدرة على عرقلة عملیة التحول الدیمقراطی . فقد قامت القیادات الإصلاحیة فی حکومات البرازیل وبیرو واسبانیا بتحیید العناصر المتشددة عن طریق اضعافها او ادخال الطمأنینة فی قلوب أنصارها أو إقناعهم بفکرة الإصلاح. کما سعوا إلى إحداث تغییرات فی البیروقراطیات الحکومیة والعسکریة والحزبیة ، وتغییر المتشددین فی المناصب العلیا بأخرین من أنصار الإصلاح. کما أن السیطرة على الرادیکالیین غالبا ما یتطلب تعاون الطرفین(النخبة الحاکمة المعتدلة ونظیرتها فی المعارضة). ففی أثناء المفاوضات تکون لکل طرف مصلحة فی دعم الطرف الأخر حتى یتعامل بصورة فعالة مع المتشددین فی صفوفه. ففی فترة الانتقال فی البرازیل یقال أن الجنرال جولبیرى قال لزعیم المعارضة “علیک أن تسیطر على الرادیکالیین من أتباعک حتى نسیطر نحن على الرادیکالیین من أتباعنا.”

الرابع اعتدال المعارضة:

       یعد الاعتدال والتعاون من جانب المعارضة من الأمور الهامة التی تسهل نجاح عملیة الانتقال. تتسم المعارضة المعتدلة، بأن لدیها استعداد للتفاوض بل لتقدیم تنازلات. ویؤکد منظرو الموجة الثالثة على أنه من ضمن معوقات الانتقال هو وجود قادة متشددین یعارضوا عملیة الانتقال أو یسعوا إلى تقییدها بشکل کبیر، کما أن هناک عدداً من القادة فی المعارضة المتشددین یرفضون تحقیق الانتقال عبر التفاوض مع النخبة الحاکمة ، وهذا ما أکده دال على “أن الدیمقراطیة یمکن أن یتم تقویضها من قبل قوى داخل النظام والمعارضة أیضًا.” ویری هنتنجتون أن کثیراً من الدیمقراطیات ما کان لها أن تنشأ لولا أن قیادات سیاسیة اختارت أن تخون أتباعها من أجل أن تتم التفاوض بنجاح مع ممثلی السلطة السیاسیة.” فالانتقال یتطلب اعتدال المعارضة، بأن تقبل بعض من القیود والقواعد التی وضعها من قبل النظام، فمن الممکن أن تکون المعارضة قادرة على تحدی النظام ولکنها لا تمتلک القوة الکافیة للإطاحة به. ومن ثم فإنه من الرشادة أن تتجنب استراتیجیة المواجهة. فلو انجرفت المعارضة إلى المواجهة وسعت نحو تغییر جذری فإن ذلک سوف یؤدی إلی مخاطر وصدام مع النخبة الحاکمة. وإذا کان للتفاوض أن یتم کان على کل من الطرفین أن یضفی على الطرف الأخر قدراً من الشرعیة. فکان على المعارضة أن تعترف بالنخبة الحاکمة کشریک له قیمته فی عملیة التغییر، وأن تُسلم ضمنًا أو صراحة بحقها فی الاستمرار فی الحکم. فی المقابل کان على النخبة الحاکمة أن تتقبل جماعات المعارضة کممثلین شرعیین لقطاعات عریضة عن المجتمع.

الخامس توازن القوى بین الاصلاحین فی النخبة الحاکمة والمعارضة:

      غالبا ما یأتی الانتقال التفاوضی کمحصلة لوجود نوع من التوازن النسبی فی میزان القوى بین المعارضة والنخبة الحاکمة . فیزداد احتمال الانتقال التفاوضی، عندما لا یمکن لأی طرف أن یکون متأکداً من النصر وازاحة الطرف الأخر. فإذا کانت المعارضة أقوى من النخبة الحاکمة، فإنها ستسعى إلى اتباع نمط الانتقال الإحلالی لتعظیم مکاسبها ، وترفض تقدیم تنازلات لصالح النخبة الحاکمة. وغالبا ما یتسم هذا التحول بالعنف. ومن ناحیة أخرى، لابد أن تدرک النخبة فی السلطة مدى جدیة ومصداقیة المعارضة فی التأثیر وتعبئة الجماهیر، ویفسر البعض سبب خضوع عدد من الأنظمة السلطویة وقبولها التفاوض مع المعارضة فی أوروبا الشرقیة وبالأخص فی تشیکوسلوفاکیا وبولندة ، إلى مصداقیة المعارضة وقدرتها على التعبئة والحشد بشکل هدد تلک الأنظمة. ومن ثم فإن هذا التوازن یدفع إلى شبه توافق على امتناع کلا الطرفین عن استخدام القوة واقصاء الطرف الأخر ، وإیذاء بعضهم البعض وضمان عدم تهدید المصالح الحیویة لبعضهم البعض.

ج-الانتقال الإحلالی أو من أسفل

Replacement or Transition from Below

         عندما تقود المعارضة منفردة زمام المبادرة فی تحقیق الدیمقراطیة ، وذلک فی أعقاب انهیار النظام الاستبدادی أو الإطاحة به، وبالتالی لا تهیمن النخبة الحاکمة على عملیة الانتقال. ویطلق على هذا النمط “الإطاحة بقیادة المعارضة” أو “التغییر من الأسفل” أو “الانهیار”. فی هذا النمط ، یصبح تأثیر الإصلاحیین والمعتدلین داخل النظام والمعارضة ضعیفاً أو غیر موجود ، بینما المهیمنین فی الحکومة هم رافضو التغییر ویعارضوا بشدة تغییر النظام. ویرتبط نمط الانتقال الإحلالی (من أسفل) بتصاعد الاضطرابات والاحتجاجات الشعبیة المطالبة بالتغییر، بشکل قد یدفعها إلى اللجوء إلى العنف للإطاحة بالحکومة. وبالتالی تصبح لقوى المعارضة ذات القواعد الاجتماعیة الید الطولى فی الدفع نحو عملیة الاصلاح السیاسی بصفة عامة .

        ویمر هذا الانتقال بدوره بعدة خطوات أولها تشهد ضغط المعارضة المستمر على النخبة الحاکمة کمحاولة لإسقاط النظام السیاسی ودفعه الی الانهیار والتفکک. وفی الخطوة الثانیة، ینهار النظام بالفعل وفی الخطوة الأخیرة ، وقد تتولی قوى المعارضة المبادرة بإرساء أسس وقواعد الدیمقراطیة الولیدة. فی هذه المرحلة قد تتوافق قوى وأحزاب المعارضة على خطوات وإجراءات لتأسیس نظام دیمقراطی على أنقاض النظام القدیم. مثلما حدث فی بلدان عدیدة من بینها: البرتغال والیونان والأرجنتین. وفی حالات أخرى قد یترتب على هذا النمط انتکاسات أثناء عملیة بناء النظام الجدید، فإذا لم یصاحب عملیة انهیار النظام القائم عملیة توافق ،فسیزداد احتمالات حدوث انتکاس للتجربة الدیمقراطیة الولیدة وتحل محلها أشکال جدیدة من النظم التسلطیة أو صراعات وحروب أهلیة.

       ویمکن القول أن تلک التصنیفات لیست حدیة، بمعنى أخر قد تجمع بعض حالات الانتقالات سمات مشترکة من نمطین أو أکثر من أنماط الانتقال ، فحدوث نمط الانتقال من أعلى من خلال “النخبة الحاکمة” على سبیل المثال لا یعنى غیاب الضغوط الشعبیة أو عدم وجود مفاوضات بین النخبة الحاکمة والمعارضة. ولکن العنصر الفاعل فی هذا النمط هو دور النخبة الحاکمة، وهکذا فی باقی الأنماط. ومن ثم من أجل تفسیر التغییر ونمط الانتقال الذی ساد فی السودان، فإن هذه الدراسة تهتم بملابسات توافق المعتدلین فی کل من النخبة الحاکمة والمعارضة و مدى تأثیر ذلک على المسار الذی اتخذه الانتقال وما یمکن أن یفضی إلیه، علاوة على التحدیات التی تواجه العملیة الانتقالیة.

المحور الثانی : مسارات وملابسات الانتقال التفاوضی فی السودان

        على الرغم من تمکن الرئیس السابق عمر البشیر من تجاوز عدوى الانتفاضات العربیة والتی بدأت منذ قرابة 9 أعوام ، إلا أنه لم یتحمل موجة الاحتجاجات التی اندلعت فی 18 دیسمبر 2018. بدأ الحراک الشعبی باحتجاجات عفویة فی ظل الأزمة الاقتصادیة العمیقة التی تعانى منها السودان منذ انفصال جنوب السودان عام 2011 ، والذی کان یوفر أکثر من ثلاثة أرباع من موارد العملة الصعبة والتی کانت تأتی من موارد النفط، دفع ذلک الی اتباع الحکومة السودانیة سیاسات تقشفیة. وفی منتصف دیسمبر 2018 ، تصاعدت الأزمة الاقتصادیة إلى منحى خطیر تزامناً مع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاکیة وزیادة سعر الدولار إلى 18 جنیهًا، مقابل 6.9 جنیه فی موازنة عام 2017، ،علاوة على ارتفاع أسعار القمح بسبب توقف الحکومة عن استیراده . وقد اندلعت شرارة الحراک الشعبی من بلدة عطبرة ،الواقعة على بعد حوالی 350 کیلومترًا شمال الخرطوم ، کما أضرم المحتجون النار فی مقرات حزب المؤتمر الوطنی الحاکم. وقد تخطت الحرکة الاحتجاجیة الفجوات الاجتماعیة والجغرافیة والطبقیة ، فلم یشارک فیها الطلاب والطبقات الحضریة المتوسطة فحسب ، بل انجذب إلیها أیضا قطاعات أخرى من التجار والمزارعین والرعاة وموظفی الخدمة المدنیة فی جمیع أنحاء البلاد. کما بدأ المحتجون یلقون باللوم على السیاسات الاقتصادیة لحکومة البشیر ، والمطالبة برحیله. علاوة على تزاید الاحتقان من رغبة البشیر فی تعدیل الدستور لتمکینه من الترشح مجددًا فی عام 2020.

      وفی الأول من ینایر 2019، بدأت مجموعه واسعة من تحالفات قوى مدنیة بما فی ذلک تجمع المهنیین السودانیین، الذی یضم أطباء ومهندسین ومعلمین وأساتذة جامعات ، والجبهة الثوریة السودانیة، وتحالف قوى الإجماع الوطنی، ونداء السودان والتجمع الاتحادی بصیاغة ما سُمّی بـ “إعلان الحریة والتغییر” ، وأبرز ما دعوا فیه إلى إقالة عمر البشیر من السلطة، و تشکیل حکومة انتقالیة قومیة من کفاءات وطنیة بتوافق جمیع أطیاف الشعب السودانی تحکم لأربع سنوات.

بدایة الانشقاق داخل نظام البشیر وتصعید نخبة عسکریة إصلاحیة:

      أحدث الحراک هزة عنیفة فی بنیة النظام السودانی، وبدأت هناک مؤشرات لوجود عدم توافق داخل النخبة الحاکمة، عندما بدأ مدیر جهاز الأمن والمخابرات السودانیة الفریق صلاح قوش فی توجیه انتقاد لاذع لحکام الولایات ، وإعطاء قدر من المشروعیة على اندلاع الاحتجاجات ، جاء هذا فی اطار حدیثه بالمؤتمر الصحفی فی 21 دیسمبر 2018 ، بقوله “إن جهاز الأمن قام بأدوارٍ کبیرة لمعالجة الوضع، وعندما ترک الأمر للجهاز التنفیذی عادت الأزمة من جدید.” ولم یتوقف الأمر عن تلک التصریحات ، بل تحرک قوش للتحاور مع الشباب المحتجین ، وبعد الحوار أطلق جهاز الأمن والمخابرات الوطنی سراح 186 شابًا تم اعتقالهم فی الاحتجاجات المطالبة بتنحی البشیر.

    کما بدت إشارات إعلامیة باحتمالیة انسحاب البشیر من المشهد السیاسی، حیث نقلت تقاریر صحفیة على أن الرئیس السودانی عمر البشیر سیوقف إجراءات تعدیل الدستور الخاصة بترشحه لدورة رئاسیة جدیدة.” واستمرارًا لحالة الارتباک والتخبط الذی مر بها الرئیس السابق عمر البشیر نتیجة کثافة الاحتجاجات، أصدر مجموعة من القرارات المتضاربة. فقد أعلن فرض حالة الطوارئ لمدة عام واحد وحل حکومة الوفاق الوطنی وحل حکومات الولایات، وتشکیل حکومة جدیدة ، واختیار ضباط جیش فی مناصب الولاة. وفی الوقت نفسه دعا المحتجین للحوار، کما دعا البرلمان إلى تأجیل النظر فی التعدیلات الدستوریة المطروحة التی تمهد له الترشح للرئاسة . بید أن هذا الخطاب لم یلب تطلعات المعارضة، حیث رفضت خطاب البشیر وأعلنت مواصلة التظاهرات لحین رحیله.

     تصاعدت الاحتجاجات فی 6 أبریل، الذکرى السنویة للاحتجاجات السلمیة التی أطاحت بجعفر النمیری، حیث تجمع الآلاف بالقرب من مقر القیادة العامة للجیش فی الخرطوم، فی محاولة اختبار مدى ولاء القوات المسلحة للبشیر. وأشارت شبکة سی إن إن الإخباریة إلی تداول ناشطین سودانیین لعدد من مقاطع فیدیو نشرت عبر منصات التواصل الاجتماعی تغطی المظاهرات أمام مقر القیادة العامة، والتی أشارت بعضها لنزول عدد من مرکبات عسکریة تابعة للقوات المسلحة السودانیة إلى أماکن احتشاد المحتجین، فی مشهد فسره البعض أنه یمثل وقوف الجیش إلى جانب الحراک. کما أفادت تقاریر صحفیة إلى تدخل الجنود المکلفین بحراسة مقر القیادة العامة للدفاع عن المتظاهرین إثر محاولة قوات الأمن فض الاعتصام. ومن ناحیة أخرى ، وفی إشارة إلی رغبة عدد من قیادات المعارضة المعتدلة فی التفاوض مع المؤسسة العسکریة ، طالب زعیم حزب الأمة المعارض، الصادق المهدی، بتسلیم السلطة إلى قیادة عسکریة مختارة للتفاوض على الانتقال الدیمقراطی.

      وضعت الاضطرابات العامة تماسک لجنة المؤسسة الأمنیة على المحک. بحلول أبریل 2019، استنفدت الاحتجاجات أموال الدولة، وکان على الخزانة تغطیة أربعة أشهر من تکالیف العمل الإضافی للشرطة والأجهزة الأمنیة الأخرى. وفی الوقت نفسه ، ارتفع معدل التضخم إلى 70 فی المائة. کما تدهورت العملة الوطنیة حیث سجل الجنیه السودانی تراجعاً ملحوظاً خلال أمام الدولار، لیصل إلى 72 جنیهاً،وهو تقریبا ضعف السعر الذی حددته الحکومة بنحو 47 جنیها، کما بلغت الازمة من قیام النظام بمنع مواطنیه من اخذ حقوقهم المالیة من البنوک.

        ومن ناحیة أخرى، کانت هناک مخاوف من حدوث انقسام بل اقتتال بین الأجهزة الأمنیة، فقد تخوف عدد من المراقبین من إمکانیة انزلاق السودان إلی حرب أهلیة، خاصة مع بوادر انشقاق داخل المؤسسة العسکریة بین جیل من القیادات المُنتمی لنظام الإنقاذ الإسلامی، وأخر منحاز للحراک الشعبی، وبالتالی یمکن أن تقع احتکاکات تؤدی لمواجهات مسلحة وفوضى. ولعل موقف القوات المسلحة من حمایة المتظاهرین أمام مقر القیادة ، بل والصدام مع عناصر أمنیة أعطى إشارة قویة تهدد لحمة الأجهزة الأمنیة. و قبیل عزل البشیر، أصدرت قوات الشرطة السودانیة، توجیهات لجمیع منسوبیها فی المرکز والولایات بعدم التعرض للمواطنین والتجمعات السلمیة. ومن ناحیة أخرى، مارست العواصم الغربیة ضغوطا على السلطات السودانیة من أجل دفع البشیر الی التنحی. وقد تجلى ذلک ، قبل یوم واحد من الإطاحة بالبشیر، فقد دعت سفارات الولایات المتحدة، وبریطانیا، والنرویج السلطات السودانیة للتقدم بـ”خطة انتقال سیاسی شاملة وذات مصداقیة، استجابة للحراک الشعبی.”

        أمام تلک التحدیات الاقتصادیة، والضغوط الخارجیة، والخوف على لحمة الأجهزة الأمنیة مما یؤدی إلى الانزلاق فی الفوضى وحرب أهلیة، استجابت المؤسسة العسکریة والأمنیة لمطالب الحراک فی 11 أبریل 2019، وقامت بعزل “البشیر” الذی تم إیداعه سجن کوبر بعد ذلک. جاء هذا على لسان وزیر الدفاع السودانی ورئیس اللجنة الأمنیة العلیا، الفریق أول عوض بن عوف-ذو جذور إسلامیة .کما قرر وزیر الدفاع تشکیل مجلس عسکری انتقالی لإدارة البلاد لمدة عامین. وأعلن فرض حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر وحظر التجوال ، علاوة على حل مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء والمجلس الوطنی وحکام الولایات ومجالسها التشریعیة.

        وعلى الرغم من أهمیة تلک الخطوة بعزل البشیر إلا أنها قوبلت برفض من قوى الحراک. یعزی هذا إلی إعلان الفریق أول بن عوف تعلیق العمل بالدستور، وفرضه حظر التجوال؛ ما أثار شکوک المعارضة بأنه تمهید لفض الاعتصام بالقوة. لذا أجمعت قیادات المعارضة السودانیة على وصف ما حدث ” انقلاب قصر” ، وأعلنوا عزمهم على استمرار احتجاجاتهم واعتصاماتهم حتى إسقاط النظام بالکامل.

         وفیما یبدو بوادر اعلان علنی لانقسام داخل الجهاز الأمنی السودانی بین تیار إصلاحی مؤید للتغییر والتیار المحافظ، أعلن قائد قوات الدعم السریع، الفریق محمد حمدان دقلو”حمیدتی” ، اعتذاره عن المشارکة فی المجلس العسکری الانتقالی ، کما طالب الحکومة بالاستجابة لرغبات المواطنین، ووجه نداءه للقوى السیاسیة بأن تحافظ على مطالبها، وأن تفتح بابًا للحوار والتفاوض. استغرقت فترة ابن عوف فی السلطة یوم واحد فقط. ففی 12 أبریل، قدم الفریق أول عوض بن عوف استقالته من رئاسة المجلس العسکری الانتقالی، رفقة الفریق کمال عبد المعروف رئیس هیئة الارکان ، لیخلفهما الفریق أول عبد الفتاح البرهان رئیسا للمجلس العسکری الانتقالی، ومحمد حمدان حمیدتى، نائبا لرئیس المجلس العسکری الانتقالی. کما أعلن المجلس العسکری الانتقالی أن رئیس جهاز الأمن والمخابرات الوطنی صلاح قوش استقال من منصبه، فی خطوة لاقت ترحیبا کبیرا من جانب المعارضة. کما أمر عبد الفتاح البرهان بإطلاق سراح جمیع من حوکموا بتهمة المشارکة فی الاحتجاجات الشعبیة. علاوة على أنه تم إلغاء قرارات حظر التجوال ، ورفع حالة الطوارئ ، واستبعاد حزب المؤتمر الوطنی الحاکم من المشارکة فی إدارة المرحلة الانتقالیة، والتعهد بعدم فض اعتصام القیادة العامة بالقوة .

      انطلاقًا من خطاب الرئیس الجدید للمجلس العسکری والتصریحات المتتالیة لنائبه، بدا الأمر وکأن المجلس العسکری متفهم ومتفاعل لدرجة کبیرة لمطالب الحراک. وعلى الرغم من تلک الخطوات الجادة وبوادر حسن النیة إلا أنها لم تکن کافیة ما لم تبدى المعارضة مرونة ورغبة فی التفاوض مع النخبة المعتدلة فی المجلس العسکری. وهذا ما حدث حین قررت قوى إعلان الحریة والتغییر فی السودان، تلبیة دعوة الجیش بالجلوس إلى طاولة الحوار. وقد لُوحظ وجود اعتدال واضح فی الخطاب بین ممثلی المجلس العسکری الانتقال وقوى الحریة والتغییر، فقد أکد المتحدث باسم المجلس العسکری الانتقالی فی السودان، شمس الدین الکباشی، أن “المجلس العسکری وقوى الحریة والتغبیر یکملان بعضهما.وشدد على سعیه لتأسیس نظام دیمقراطی فی السودان خالٍ من العیوب.” من جهة أخرى، قالت قوى الحریة والتغییر: “لبینا دعوة المجلس العسکری لموقفه الإیجابی”. وثمنت دور القوات المسلحة السودانیة فی حمایة المدنیین”. وعبر جلسات من المفاوضات، اتفقوا على معالم الفترة الانتقالیة وفقا لمرجعیة إعلان الحریة والتغییر. وتوافقوا أیضًا على تشکیل مجلس سیادی مشترک یضم ممثلین عن العسکریین ومدنیین. وعلى فترة انتقالیة لمدة ثلاث سنوات یتم بعدها تسلیم السلطة بشکل کامل إلى مسؤولین مدنیین منتخبین. کما اتفقوا على حصول قوى الحریة والتغییر على ثلثی مقاعد المجلس التشریعی على أن تذهب البقیة للأحزاب غیر المنضویة تحت مظلة قوى الحریة والتغییر. وعلى الرغم من احزار هذا التقدم، إلا أنه فی أواخر مایو 2019، لم تتمکن الأطراف المتفاوضة على التوافق على تسمیة الشخصیة التی تتولى رئاسة المجلس السیادی ، ونسبة التمثیل بین المدنیین والعسکریین فی المجلس. وقد تم تعلیق المفاوضات بین المجلس العسکری والمعارضة فی 21 مایو بسبب عدم التوصل إلى اتفاق حول تلک النقاط. وأرجع عدد من المراقبین هذا الفشل بسبب حالة التذمر لدى التیار المحافظ داخل المؤسسة الأمنیة والعسکریة بسبب اعتقاده بقیام الجناح الإصلاحی بتقدیم عدد من التنازلات دون منح المؤسسة الأمنیة حمایة کافیة من المجلس التشریعی الذی سوف تسیطر علیه المعارضة، الأمر الذی تسبب فی حالة من التخبط فی قرارات المجلس العسکری. وتصاعد هذا الأمر فی أحداث3 من یونیو ، عندما فرقت قوات أمنیة الاعتصام الذی استمر قرابة عشرة أسابیع والذی تشکل خارج مقر القیادة العامة للجیش فی 6 أبریل، والذی أسفر عن مقتل وجرح العشرات من المعتصمین. وأعلن المجلس الانتقالی الاحتکام إلى الانتخابات بعد تسعة أشهر.

        أثارت أحداث 3 یونیو ردود أفعال غاضبة على المستوى الإقلیمی والدولی. أصدرت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبی والاتحاد الإفریقی ، وکذلک الحکومات المختلفة – بما فی ذلک الولایات المتحدة والمملکة المتحدة وألمانیا – دعوات على الفور للانتقال إلى الحکم المدنی. کما علق مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفریقی عضویة السودان فی کل أنشطة الاتحاد الافریقی إلى حین إقامة سلطة مدنیة انتقالیة. وفی خطوة نادرة ، فی 4 یونیو ، أصدرت وزارة الخارجیة الأمریکیة قراءةً لمکالمة هاتفیة من وکیل وزارة الخارجیة للشؤون السیاسیة دیفید هیل ونائب وزیر الدفاع السعودی خالد بن سلمان لمناقشة “أحداث فض الاعتصام القیادة العامة”، و نقلت فحوى المکالمة على تأکید هیل على ضرورة الانتقال إلى حکومة یقودها مدنیون وفقًا لإرادة الشعب السودانی”

     فی الوقت ذاته، أکدت قوى إعلان الحریة والتغییر فی بیان لها أنهم مستمرون فی الاعتصام أمام مقر القیادة العامة ، مشددین على وقف کافة الاتصالات مع المجلس العسکری الانتقالی. ویرى البعض أن هدف فض الاعتصام من قبل العناصر المحافظة داخل المؤسسة الأمنیة ، اختبار مدى القوة الحقیقیة التی تملکها المعارضة (الحریة والتغییر) ، ومدى قدرتها على التأثیر فی الشارع، واستمرار التعبئة. أدرک المجلس العسکری الانتقالی أن لدى قوى الحریة والتغییر ثقل ووزن داخل الشارع السودانی یمکنها من تحریک وقیادة وضبط الشارع، وهو ما دفعه إلى إعادة النظر فی فتح قنوات الحوار والتفاوض مع تحالف المعارضة. تجلى هذا فی التظاهرات الحاشدة التی شهدتها الخرطوم فیما عرف اعلامیاً ” ملیونیه 30 من یونیو”، وکانت هذه أکبر مسیرة احتجاج یقودها المتظاهرون، ودعوا إلی الانتقال الفوری إلى الحکم المدنی وإجراء تحقیق فی أحداث فض اعتصام القیادة العامة.

      وقد أثبت هذا المزیج من الضغط الدبلوماسی والاحتجاج الداخلی – وخاصة مسیرة 30 یونیو – أهمیة حاسمة فی إعادة قیادات المجلس العسکری الانتقالی إلى طاولة المفاوضات. ففی الأول من یولیو ، استأنف المجلس العسکری المحادثات المباشرة مع المعارضة تحت رعایة الاتحاد الإفریقی والمبعوث الخاص الذی عینه رئیس الوزراء الإثیوبی ، أبی أحمد. وبحلول 17 یولیو 2019، أید الجانبان ما وصفوه بـ “اتفاق سیاسی” تبعه “إعلان دستوری” رسمی تم توقیعه بعد شهر فی 17 أغسطس. وقد تمخض الاتفاق عن تدشین مجلس انتقالی مکون من ستة مدنیین وخمسة قادة عسکریین سیتناوبون على قیادة المجلس خلال المرحلة الانتقالیة(39 شهراً). وعلیه، تتولى المؤسسة العسکریة (برئاسة عبدالفتاح البرهان) إدارة المجلس الانتقالی لفترة 21 شهراً على أن یدیره تحالف المعارضة خلال الأشهر الثمانیة عشر التالیة. ومنح هذا الاتفاق قوى إعلان الحریة والتغییر السیطرة على الحکومة الانتقالیة – باستثناء وزارتی الداخلیة والدفاع، کما سیحظى التحالف بأغلبیة الثلثین فی البرلمان، إضافة إلى التوافق على تعیین الخبیر الاقتصادی البارز عبد الله حمدوک رئیسا للحکومة الانتقالیة وأول رئیس وزراء مدنى منذ تولى البشیر الحکم 1989 .

وفقا لما سبق تشیر الدراسة إلی أن هناک عدداً من الظروف التی سهلت عملیة الانتقال التفاوضی فی السودان تتضمن:

أولاً صعود نخبة إصلاحیة من داخل النظام الحاکم :

            وفقا للأدبیات الانتقال الدیمقراطی والتی تؤکد على حتمیة صعود نخبة إصلاحیة من داخل النخبة الحاکمة تشرع فی عملیة الانتقال الدیمقراطی، سواء بصورة منفردة (انتقال من أعلى)، أو من خلال التفاوض مع النخبة المعتدلة فی المعارضة ( انتقال تفاوضی-تعاونی). من بین الطرق التی قد تدفع الی تصعید النخبة المعتدلة، هو الانقلاب العسکری. وهذا ما تم فی السودان. فقد تم تصعید الفریق الأول بن عوف من خلال قیامه بانقلاب عسکری أطاح بالرئیس السابق عمر البشیر، وتحت ضغوط من المعارضة، تم الإطاحة به، وحل محله قیادات إصلاحیة تحظى بدرجة کبیرة على قبول شعبی، و تسعى نحو التفاوض والحوار مع المعارضة تمثل فی الفریق الأول عبد الفتاح برهان. والذی صرح لاحقًا بدوافع قیام المؤسسة العسکریة بانقلاب على البشیر قائلا: ” فی لیلة 11 أبریل، اجتمعت القیادة العسکریة وقررت وضع حدّ للحکم السائد قبل ذلک التاریخ، مراعاة للحالة التی وصلت إلیها البلاد من ضائقة اقتصادیة، وضبابیة سیاسیة وقتامة فی المشهد السیاسی کله، جعلت الوضع لا یتحمل الاستمرار کما هو علیه، وحینها قررت القیادة العسکریة استشراف مستقبل سودانی مشرق، کان ظاهراً فی مطالبات وهتافات الشعب، بحتمیة وضروریة التغییر، لذلک قررت القیادة إنهاء الأمر بیسر وسهولة، ودون إراقة دماء.”

     ولعل أولى الخطوات التی قام بها الفریق برهان هو دعوته للمعارضة للتفاوض والحوار ، وتأکیده فی خطابه على رغبته فی تشکیل حکومة مدنیة متفق علیها مع المعارضة، وسعى إلى ابراز انقطاعه عن نظام البشیر، وآمر بإطلاق سراح جمیع من تمت محاکمتهم بموجب قانون الطوارئ أو أی قانون آخر بسبب المشارکة فی المظاهرات، ومحاسبة کل من تورط فی قتل المتظاهرین.

ثانیًا توازن النسبی للقوى بین الطرفین:

            یجمع الکثیر من المراقبین أن اتفاق تقاسم السلطة والتوقیع على الوثیقة الدستوریة، ما کان لیحدث لولا ادراک الطرفین لصعوبة اقصاء الطرف الأخر، ففی البدایة لم یکن لدى المجلس الانتقالی النیة لعقد اتفاق تقاسم السلطة مع قوى الحریة والتغییر، بل کانت لدیه رؤیة خاصة تتمثل فی تحدید فترة انتقالیة مدتها سنتان، ثم الإسراع لعقد الانتخابات، وقد عبر عن هذا رئیس المجلس العسکری، عبد الفتاح البرهان فی حوار صحفی، قائلاً :” کنا نأمل فی إدارة فترة انتقالیة عسکریة من دون أی مشارکات أخرى،…… کنا نریدها فترة انتقالیة قصیرة، یتم الترتیب فیها للسلام والأمن، وإعادة ترتیب البیت السودانی من الداخل، والتحضیر للانتخابات التی یشارک فیها الجمیع.”

    ویمکن القول، أن هذا التوازن مرتبط بعاملین بارزین، الأول نجاح المعارضة السودانیة فی تشکیل جبهة موحدة ” عرف بإعلان الحریة والتغییر” یتألف من منظمات وحرکات وأحزاب من مختلف التیارات والاتجاهات ، أبرزها تجمع المهنین السودانیین، وقوى نداء السودان والذی یضم عدة أحزاب وحرکات سیاسیة وتنظیمات مدنیة معارضة مختلفة أبرزها حزب الأمة بزعامة الصادق المهدی، کما ضمت تنظیمات مسلحة مثل الجبهة الثوریة المسلحة المکونة من “حرکة تحریر السودان فصیل منی أرکو مناوی” و”حرکة تحریر السودان فصیل عبدالواحد نور” و”حرکة العدل والمساواة” بقیادة جبریل إبراهیم و”الحرکة الشعبیة لتحریر السودان قطاع الشمال” ، وأیضاً “قوى أحزاب الإجماع الوطنی” التی تضم مجموعة من القوى المدنیة المعارضة أبرزها “الحزب الشیوعی السودانی” و”المؤتمر السودانی المعارض” وحزبا “البعث” و”الناصریین” و”مبادرة المجتمع المدنی” والعشرات من منظمات المجتمع المدنی. هذا الائتلاف نجح أیضا فی تکوین رؤیة موحدة وأجندة بدیلة لخریطة الانتقال الدیمقراطی فی السودان. من ناحیة أخرى، نجح هذا الائتلاف فی الحفاظ على تأثیره والسیطرة بل وتوجیه الحراک الشعبی، خاصة بعد عزل الرئیس السابق عمر البشیر، وتجلى هذا التأثیر فی احتجاجات 30 من یونیو ، فی أعقاب فض اعتصام القیادة العامة، والتی أرسلت رسالة قویة بمدى تمتع قوى الحریة والتغییر بنفوذ وتأثیر یمکنها من التأثیر فی مسار الانتقال. وفی نفس السیاق، أدرک قادة المجلس الانتقالی بمحدودیة قدرتهم على الانفراد بتولی دفة إدارة المرحلة الانتقالیة بالسلطة، خاصة وأن تظاهرات 30 یونیو صاحبها ضغط من المجتمع الدولی. ومن ناحیة أخری، أدرکت أیضًا قوى الحریة والتغییر، محدودیة قدرتها على إحداث تغییر کامل وتحقیق انتقال “إحلالی”، وبالتالی تجنب طرفی الصراع الدخول فی مواجهة صفریة . وفضلوا التوصل إلى حل وسط.

       وقد عکس الاتفاق میزان القوى بین الطرفین، فکلا منهما قدم تنازلات معقولة ، نجد حصول قیادات المجلس العسکری الانتقالی على حصانة إجرائیة. علاوة على اشراف الفریق برهان رئیس المجلس العسکری على الفترة الأولى للمجلس السیادی والتی سوف تستمر عامین. بینما تمکن حمدوک وقوى الحریة والتغییر من تعیین غالبیة أعضاء مجلس الوزراء باستثناء الدفاع والداخلیة . کما باتت قوى الحریة والتغییر، فاعلاً فی المشهد السیاسی ومشارکاً فی المجلس السیادی ویضمن حصوله على 65% من مقاعد البرلمان.

ثالثًا اعتدال المعارضة:

      نجد أن من العوامل التی یسرت عملیة الانتقال التفاوضی هو اعتدال المعارضة وانتهاجها لمبدأ الحوار والتفاوض مع النخبة الإصلاحیة العسکریة. وهذا ما قامت به قوى الحریة والتغییر، فقد لبت دعوة الفریق البرهان للحوار والتفاوض فی أعقاب تولیه رئاسة المجلس العسکری. کما أنها اعترفت بشرعیة ودور المجلس العسکری فی حمایة المدنیین. بل وصل الأمر، إلی ترحیب السیاسی البارز الصادق المهدی ، زعیم حزب الأمة القومی السودانی بـ”انضمام” أعضاء المجلس العسکری إلى حزبه، إذا رغبوا فی ممارسة السیاسة بعد التخلی عن الجیش، مؤکدا على دورهم السیاسی فی عزل الرئیس السابق عمر البشیر.

      استمر هذا الاعتدال حتى بعد التوقیع على الوثیقة الدستوریة، فقد أکد أحمد الربیع القیادی فی قوى الحریة والتغییر، وأحد الموقعین على الوثیقة الدستوریة مع المجلس العسکری الانتقالی: “على استمراریة التعاون الایجابی مع المجلس العسکری الانتقالی”، مشدداً على أن هذا التعاون تجسد فی التوقیع على الوثیقة الدستوریة، وقد أعترف أیضا بشرعیة المجلس العسکری ودوره فی الانحیاز للحراک الشعبی. قائلا : “فقوى الحریة والتغییر والمجلس العسکری هما طرفان أنجزا ثورة. “

        من ناحیة أخرى، نجح التیار المعتدل فی تحالف الحریة والتغییر فی السیطرة أو الابتعاد عن التیار الثوری والذى کان من الممکن أن یؤثر على مسار التفاوض والتسویة مع المجلس العسکری. فقد تحملت قوى الحریة والتغییر انتقادات کبیرة من جانب القیادات التی تحمل أجندة ثوریة داخل التحالف. وقد تجلى هذا الأمر، فی مقاطعة الحرکات المسلحة جمیعًا حفل توقیع الاتفاق. کما وقف الحزب الشیوعی السودانی أیضًا، موقفًا معارضًا للاتفاق، واعتبر الحزب أن مضمون الوثیقة “لا یساعد فی قیام حکم مدنی دیمقراطی”.

رابعًا سیطرة الإصلاحیین فی النخبة الحاکمة على التیار المحافظ:

         نجد أول الخطوات التی اتخذتها النخبة الإصلاحیة فی المجلس العسکری هی ابعاد عدد من الشخصیات والأفراد المحسوبین على نظام الإنقاذ، والذی یحتمل أن یکون لهم تأثیر سلبی فی تقویض عملیة المسار التفاوضی. فقد تم عزل رئیس جهاز الأمن و المخابرات صلاح قوش، کما تم إعفاء عدد من قیادات الشرطة فی أکبر حرکة إعفاءات تشهده تلک المؤسسة الأمنیة، على رأس القائمة جاء إعفاء الفریق أول بابکر أحمد الحسین مدیر عام القوات الشرطة السودانیة، ونائبه ، بجانب إقالة کل هیئة قیادة الشرطة، برتبة الفریق وإعفاء 49 من رتبة اللواء و14 من رتبة العمید، ومقدمین اثنین و255 ملازماً أول و143 من رتبة الملازم. علاوة على القاء القبض على عدد من رموز النظام السابق. من ناحیة أخرى نجاحه فی وأد أکثر من أربع انقلابات عسکریة خلال المرحلة الانتقالیة دبرها ضباط متقاعدون وآخرون فی الخدمة، یتبعون الحرکة الإسلامیة وتنظیم الأخوان. فتم القبض على رئیس الأرکان الفریق هاشم عبد المطلب أحمد وعدد من ضباط الجیش والمخابرات ومجموعة من قیادات الحرکة الإسلامیة بتهمة التخطیط والمشارکة فی محاولة انقلاب أحبطتها السلطات فی 11 یولیو2019 . وقد صرح الفریق أول رکن محمد عثمان الحسین رئیس الأرکان المشترکة أن “المحاولة الفاشلة تهدف إلى إجهاض ثورتکم(السودانیین) المجیدة وعودة نظام المؤتمر الوطنی البائد للحکم وقطع الطریق أمام الحل السیاسی المرتقب الذی یرمی إلى تأسیس الدولة المدنیة “.

خامسًا دعم العامل الخارجی للمسار التفاوضی:

         لعب العامل الخارجی دورا بارزًا فی تیسیر الانتقال التفاوضی، فمن دون ضغوط خارجیة کبیرة ، من غیر المرجح أن یقدم المجلس العسکری وقوى الحریة والتغییر على تقدیم التنازلات اللازمة للتوصل إلى الاتفاق الذی تم تبنیه فی 17 أغسطس.

فعلى مستوى الإقلیمی، کان للاتحاد الأفریقی دور بارز فی تسویة الأزمة السودانیة، فقد کان وسیطاً محایداً ، یهدف بشکل أساسی منع انزلاق السودان إلی الفوضى والحرب الأهلیة. فمنذ الإطاحة بالرئیس السابق عمر البشیر، أوفد الاتحاد الأفریقی الدبلوماسی الموریتانی محمد الحسن ولد لبات، مبعوثاً خاصاً من رئیس مفوضیة الاتحاد الأفریقی، بهدف التوسط وتقریب وجهات النظر بین المجلس العسکری وقوى الحریة والتغییر. کما أعطى الاتحاد الأفریقی مهلة للمجلس العسکری السودانی أسبوعین ، مددت فی ابریل إلی 6 أشهر لتسلیم السلطة إلی حکومة مدنیة.

وفی أعقاب فض اعتصام القیادة العامة ، علق مجلس السلم والامن عضویة السودان فی جمیع نشاطات الاتحاد حتى إقامة سلطة مدنیة انتقالیة. وفی نفس الوقت، طلب مجلس السلم والأمن الإفریقی، من الهیئة الحکومیة للتنمیة (إیجاد)، والتی تترأسها إثیوبیا، بالتواصل مع الفرقاء السودانیین وبذل جهود من أجل نزع فتیل الأزمة. ففی 6 من یونیو ، قام رئیس الوراء الاثیوبی أبی أحمد بزیارة إلی السودان من أجل التوسط بین قوى المعارضة والمجلس العسکری الانتقالی وکمحاولة منه لإعادة الأطراف إلی طاولة التفاوض ، وخلال زیارته التقى برئیس المجلس العسکری الفریق أول عبدالفتاح البرهان إلى جانب عدد من أعضاء المجلس، ثم التقى قادة تحالف قوى الحریة والتغییر. اقترح أبی أحمد تشکیل مجلس سیادی -نقطة الخلاف الرئیسیة بین المجلس العسکری والحریة والتغییر قبل أحداث فض اعتصام القیادة العامة – من 8 مدنیین و7 عسکریین وأن تکون رئاسته دوریة. وفی الوقت نفسه، حدث تنسیق بین المبعوث الاثیوبی للسودان ووسیط الاتحاد الافریقی فی السودان ، وأثمر هذا عن تقدیم مبادرة مشترکة من الوسیطین وتقدیم الخطوط العریضة للمرحلة الانتقالیة. وبعد مناقشات فی أدیس أبابا ، أعلن مبعوثا الاتحاد الأفریقی والإثیوبیین انتهاء جولة المفاوضات فی 26 یونیو ، وقدموا للجانبین اقتراحًا مشترکًا ، والذی أصبح أساسًا لاتفاق 17 یولیو السیاسی والإعلان الدستوری الذی تم تبنیه فی 17 أغسطس.

        على صعید أخر، لعبت کل من مصر والسعودیة والامارات دورًا بارزًا فی تیسیر عملیة التفاوض بین المدنیین والعسکریین. ونتیجة لما تمتلکه تلک الدول من نفوذ وتأثیر على المجلس العسکری، کان من الممکن الا تدفع قیادات المجلس العسکری إلى تقدیم تنازلات والجنوح نحو التفاوض مع قوى المعارضة. وظهر هذا فی الترحیب والاشادة من قبل ممثلی قوى الحریة والتغییر والمجلس العسکری بالدور المصری والإماراتی والسعودی فی تقریب وجهات النظر، وتسهیل الوصول إلى اتفاق تقاسم السلطة.

          من ناحیة أخرى، وجدت الإدارة الامریکیة فی الإطاحة بالبشیر وما تبعها من أزمة فض اعتصام القیادة العامة، وتصاعد الخلافات بین المجلس العسکری وقوى الحریة والتغییر ، فرصة مثالیة لاستعادة نفوذها بعد حوالی 23 سنة من انقطاع العلاقات بین نظام الإنقاذ وواشنطن. فقد أوفدت الإدارة الامریکیة مساعد وزیر الخارجیة الأمریکیة للشؤون الافریقیة تیبور ناجی إلى الخرطوم لحث ممثلی تحالف المعارضة والمجلس العسکری على التوصل إلى اتفاق بشأن الانتقال الدیمقراطی. کما عینت مبعوثاً جدیداً إلى السودان دونالد بوث، والذی بدوره قام بإجراء عدة لقاءات مع المدنیین والعسکریین لاستئناف عملیة التفاوض.

      وفی هذا المناخ الإقلیمی والدولی الداعم للانتقال التفاوضی، أبرمت قوى إعلان الحریة والتغییر والمجلس العسکری بالسودان نهائیا وثائق الفترة الانتقالیة، فی حضور شخصیات إقلیمیة ودولیة بارزة ؛ تمثل فی حضور رئیسی وزراء اثیوبیا ومصر (ممثلا للاتحاد الأفریقی)، وعدد من وزراء خارجیة دول من أبرزها عادل الجبیر وزیر الدولة للشؤون الخارجیة وعضو مجلس الوزراء، وممثلی المنظمات الإقلیمیة والدولیة .

المحور الثالث: تحدیات الانتقال الدیمقراطی فی السودان

على الرغم من توصل المجلس العسکری الانتقالی وقوى اعلان الحریة والتغییر إلى اتفاق تقاسم السلطة والتوقیع على الوثیقة الدستوریة، بعد مخاض عسیر ، بیدا أنه مازالت هناک تحدیات جسام یجب أخذها فی الاعتبار قد تهدد العملیة الانتقالیة .

 التحدی الأهم هو مدى التزام الأطراف ببنود الاتفاق ، وأن تکون الطبیعة التفاوضیة السمة الحاکمة بین النخبة المدنیة والعسکریة دون التصعید من أحد الجانین. فضمان حسن سیر المؤسسات الانتقالیة، واحترام الإطار الزمنی المتفق علیها، علاوة على استمرار ثقافة الحوار والتسامح یعزز الثقة بین قادة المؤسسة العسکریة وقوى الحریة والتغییر، الأمر الذی ینعکس إیجابًا على مسار الانتقال الدیمقراطی فی السودان.

التحدی الثانی یتمثل فی إحلال و بناء السلام فی کل أنحاء السودان والتعاطی مع الحرکات المسلحة، فینبغی أن تکون المرحلة الانتقالیة مرحلة تصالحیة، وأن تتضمن استیعاب العناصر والحرکات التی لم یشملها الاتفاق ، کما یجب التطرق إلى حل عدد من القضایا الأمنیة الشائکة ، ومن بینها، إحلال السلام فی مناطق دارفور ومنطقتی النیل الأزرق وجنوب کردفان. ولا یقتصر حل تلک القضایا العالقة على مجرد حصول زعماء الحرکات المسلحة على تمثیل سیاسی فحسب، ولکنها یجب أن تمتد لتشمل إعادة هیکلة الدولة السودانیة ذاتها. فالتحدی الرئیسی هو القدرة على تشکیل هویة وطنیة سودانیة جامعة لا تستند الی السیاسات القسریة للأسلمة والتعریب. أضف إلی ذلک ضرورة معالجة ارث الأنظمة السابقة القائم على هیمنة نخبة المرکز واشکالیة توزیع الثروة، والتی أدت إلى انفصال الجنوب واشتعال الحرب فی مناطق الأطراف والهوامش . فالسعی نحو بناء بیروقراطیات فعالة ، ومؤسسات دولة محایدة یحصن التجربة الدیمقراطیة الولیدة.

     وبالفعل کانت هناک خطوات بارزة فی الفترة الأخیرة من قبل الحکومة الانتقالیة السودانیة لاحتواء الحرکات المسلحة، تجلی ذلک فی توقیع اتفاق السلام النهائی بین الحکومة السودانیة و مسار الوسط التابع “للجبهة الثوریة” فی عاصمة جنوب السودان “جوبا” نهایة دیسمبر 2019. کما شهدت جوبا أیضًا فی أواخر ینایر 2020، توقیع نائب رئیس مجلس السیادة الانتقالی الفریق أول محمد حمدان دقلو “حمیدتی” و الفریق أحمد العمدة بادی ممثلا عن الحرکة الشعبیة– قطاع الشمال ، على اتفاق إطاری للسلام بین الطرفین. من ثم یجب أن تکون مثل هذه الاتفاقات نواه لتحقیق السلام الشامل فی السودان وحل إشکالیة العلاقة بین المرکز والأطراف، بید أن یظل التزام الأطراف بتنفیذ بنود تلک الاتفاقیات هو الاختبار الحقیقی.

       کما لا یمکن اغفال التحدی الاقتصادی، فقد کان الدافع الأساسی للحراک الشعبی والاطاحة بالبشیر هو تدهور الأوضاع الاقتصادیة . ومن ثم تواجه حکومة حمدوک تحدیات لإصلاح الوضع الاقتصادی المتردی، وتلبیة تطلعات الشعب السودانی. لذلک تصبح قضایا محاربة الفساد، و مدى النجاعة فی احداث إصلاحات هیکلیة فی الاقتصاد السودانی، والتطلع نحو القیام بإصلاحات إداریة وتوفیر ترسانة تشریعیة تحفز الاستثمار یمثل التحدی الأبرز الذی سیواجه السودان فی المرحلة الانتقالیة. کما یقع على حکومة حمدوک تحدى أخر ، فی مدى قدرتها على الحصول على دعم مالی إقلیمی ودولی ، وتمکنها من جذب استثمارات أجنبیة، وکذلک مدى قدرتها فی التواصل مع المانحین من أجل الإعفاء من الدیون.

     کما یمثل تفکیک الدولة الإسلامیة العمیقة تحدیا أخر لاستکمال عملیة الانتقال الدیمقراطی. فعبر سیاسة تمکین امتدت ثلاثین عاماً من تولى الإسلامیین الحکم، حیث قاموا بفصل العدید من الموظفین والعاملین من وظائفهم الحکومیة، وإحلالهم بموظفین موالین من الإسلامیین فی الجهاز البیروقراطی للدولة. وقد ساهمت تلک السیاسة من سیطرة الإسلامیین على مفاصل الدولة ومؤسساتها، بل تعدى هذا، إلى تمکنهم من تأسیس دولة موازیة ، لها أجنحة أمنیة تکونت من ملیشیات غیر رسمیة. ومن أجل مواجهة هذا التحدی، فلابد من السیر نحو عملیة انتقال سلمی تدرجی بالتشارک مع قادة المؤسسة العسکریة أثناء إدارة المرحلة الانتقالیة للحفاظ على الأمن والاستقرار. کما یجب السعی نحو إعادة تأسیس المؤسسة العسکریة السودانیة بصورة تجعلها أکثر وطنیة واحترافیة ،وإخضاع قوات الدعم السریع تحت قیادة القائد الأعلى للقوات المسلحة وفقاً لبنود “الإعلان الدستور ” .

     وأخیرًا، یمکن القول أن صعود النخبة الإصلاحیة من داخل الائتلاف الحاکم السودانی عبر الانقلاب العسکری ، وتغییر قیادات المجلس العسکری نتیجة لاستمرار الاحتجاجات ، وتوازن القوى النسبی بین تحالف المعارضة والمجلس العسکری، علاوة على اعتدال خطاب قوى الحریة والتغییر ورغبتها فی التفاوض مع المجلس العسکری الانتقالی، وادراک الطرفین صعوبة اقصاء الطرف الأخر، أضف إلی ذلک نجاح المجلس العسکری الانتقالی فی ابعاد العناصر المحافظة من القوى الإسلامیة التی کانت ترغب فی احداث ردة وعودة نظام الإنقاذ، ووأدها عدد من المحاولات الانقلابیة ، إلی جانب الدور الإیجابی للعامل الخارجی، فی دفع وتشجیع الأطراف على تقدیم مزید من التنازلات، کل هذه العوامل سهلت بقدر کبیر التوصل إلی صیغة توافقیة انتهت بتوقیع اتفاق تقاسم السلطة فی منتصف یولیو 2019، والوثیقة الدستوریة فی 18 أغسطس 2019.

      بیدا أن عملیة التحول الدیمقراطی لا یمکن أن تقع بین لیلة وضحاها، بل هی مرحلة وسیطة ومستمرة، بموجبها یقدم الجیش بعض الضمانات إلى قوى المعارضة، مقابل مشارکة الأخیر فی العملیة السیاسیة. کما یجب أن یحافظ تحالف المعارضة على نهج الاعتدال وأن یسعى نحو طمأنة قادة الجیش بعد انسحابهم من الحیاة السیاسیة، بمعنى یجب ألا یشعر قادة المجلس العسکری بالتهدید لأن هذا سوف یعرقل عملیة الانتقال، و کذلک الالتزام ببنود اتفاق تقاسم السلطة. کما یجب تجاوز الخلافات والنزعات القبلیة والاثنیة والدینیة والمناطقیة. وأن تستمر المجموعات المسلحة فی هدنتها. علاوة على ضرورة استمرار الدعم الإقلیمی والدولی، ومطالبة الولایات المتحدة برفع اسم السودان من قائمة الدول الراعیة للإرهاب، مما یدعم موقف النخبة المعتدلة والاصلاحیة فی المؤسسة العسکریة والمعارضة فی الحفاظ على الصیغة التوافقیة ،الأمر الذی یحول حدوث انتکاسات أثناء المرحلة الانتقالیة.

تحميل الدراسة كاملة

(Read more)  ماذا فعل الشعب السوداني بوطنه السودان ؟

SAKHRI Mohamed

لنشر النسخ الالكترونية من بحوثكم ومؤلفاتكم القيمة في الموسوعة وايصالها الى أكثر من 300.000 قارئ، تواصلوا معنا عبر بريدنا contact@politics-dz.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Alert: Content is protected !!