إنّ المقصد من هذا البحث بيان أنّ الحركات الاجتماعية والدينية تعبّر عن جهد اجتماعي، ومطلب مشترك بين جماعة من الناس يعملون معاً، ويمتلكون وعياً بتغيير بعضِ، أو كلّ وجوه النظام الاجتماعي السياسي القائم، وهم يمرّون، بعده، بمراحل، لكي يصلوا إلى هذا الهدف، وتكون البداية، عادةً، حالة من القلق والتوتر الجماعي غير المنظّم؛ لتنتهي بتكتّل صفوف القائمين بالحركة، وتوجيههم نحو هدف واحد محدّد هو تغيير النظام الاجتماعي، والسلطة السياسية القائمة. ومن أبرز أنواع الحركات الاجتماعية الحركات الدينية.
وسنبيّن، في هذا العمل، كيف أنّ الحركات الدينية ظاهرة لها وجودها عبر الأديان، والمكان، والزمان, والحركة الدينية لها تأثير ديني واجتماعي بالضرورة، ولها تأثير سياسي أحياناً. فالحركة الدينية، التي تُؤثِرُ الانسحاب، أو الانعزال، تخرج من دائرة السياسة، ومن ثَمَّ من دائرة الاهتمام العام، على الرغم من أنّ طابعها ووظيفتها الدينية يظلان عاملاً مهمّاً من عوامل استمرارها. ولكن عندما تخرج الحركة الدينية من عزلتها، تفتح لنفسها مجال التفاعل مع المجتمع، ومن ثَمَّ ينفتح باب الصراع. ومن المواجهة مع المجتمع يبدأ الدخول في دائرة السياسة عن قصد، أو غير قصد، إن عاجلاً أو آجلاً، وهنا يصبح الصراع حتميةً يفرضها تعارض المصالح.

وسنحاول، خلال الصفحات التالية، اكتشاف الواقع الذي تنبع منه ظاهرة الحركات الدينية، وبنظرة تحليلية، سيتضح أنّ الحركات الدينية تنبع من أزمات حضارية. فغالباً ما يرتبط انتشار الحركات الدينية بوجود أزمة حضارية عامة يعاني منها المجتمع. وفي مرحلة الأزمة والتغيّر تصعد طبقات، ويتحقّق الطموح، وتمرّ طبقات أخرى بأزمات شديدة تهدّد وجودها ومكانتها، وينشأ تلازم بين الحركات الاجتماعية والأزمات الحضارية، والفترات الانتقالية. وبذلك يتزامن ظهور الحركات الدينية مع الأزمات الحضارية، والمراحل الانتقالية. وتؤكّد التحليلات العملية عدم ارتباط الحركات الدينية بطبيعة شعب، أو دين، بقدر ما ترتبط بمراحل تكوّن المجتمعات، وانتقالها مـن حضـارة إلــى أخرى.

وفي بداية القرن العشرين، كانت الحركات الدينية تعبيراً عن صراع الاتجاهات المحافظة القديمة، مع الاتجاهات التحديثية الحديثة؛ أي بين حضارة وأخرى تالية لها. كما اتّضح، أيضاً، أنّ الحركات الدينية تمرّ بمراحل ثلاث: مرحلة الجماعات الأولية غير الرسمية، التي تبدأ بتأثير مؤسس الحركة في مجموعة من الأفراد، الذين يتبعونه، وفي المرحلة الثانية تتحوّل الحركة إلى ما يسمّى التنظيم الرسمي. وفي المرحلة الثالثة تتميز بالتوسع والانتشار، وتتخذ أشكالاً متعددة من التنظيم، ثمّ سننهي الفصل بالكلام على حركة الإخوان المسلمين أنموذجاً للحركات الدينية في مصر. وبناءً على كلّ ما تقدّم، ارتأينا إنجاز بحثنا، وفق المخطّط الآتي:

ـ مقدّمة.
ـ مفهوم الحركات الاجتماعيّة والدينيّة.
ـ نشأة الحركة الدينيّة ومراحل تطويرها.
ـ الاتجاهات الاجتماعيّة المفسّرة للحركات الدينيّة.
ـ الإخوان المسلمون أنموذجاً للحركة الدينيّة في مصر.
ـ خاتمة.

تحميل الدراسة

Print Friendly, PDF & Email