د.محمد عبدالرحمن عريف

هي حلقة ضمن حلقات معركة تحرير السويس فيها كان القتال يومي (24-25 أكتوبر عام 1973) بين الجيش الإسرائيلي والجيش المصري في مدينة السويس المصرية. والتي كانت آخر معركة كبرى في حرب أكتوبر، قبل سريان وقف إطلاق النار. في 23 أكتوبر مع وصول وشيك لمراقبي الأمم المتحدة، قررت إسرائيل اقتحام السويس، على افتراض أنها ستكون ضعيفة الدفاعات. أوكلت المهمة إلى لواء مدرع وكتيبة مشاة من لواء المظليين، ودخلت المدينة دون وجود خطة للمعركة. ولكن تعرض اللواء لكمين وتعرض لخسائر كبيرة، كما تعرضت قوات المظليين لنيران كثيفة والعديد منهم أصبحوا محاصرين داخل المبانى المحلية. فماذا عن دور الجيش الجزائري بين “الأدبية والزيتية”؟.. لنتابع ذلك من واقع الرواية الإسرائيلية.

كتاب “حرب يوم كيبور.. اللحظة الحقيقية”

هو من تأليف “رونين برجمان” و”جيل مالتسر”، وهو كتاب هام وفيه يكشف الكاتبان عن وثائق سرية من أرشيف هيئة الأركان العامة والحكومة الصهيونية تفضح جزءاً مما حدث في معركة “الزيتية”، ومنها شهادة لأحد قادة العدو الصهيوني الذين إشتركوا في هذه المعركة ،وهو الجنرال “أهارون ياريف”، مدير جهاز الاستخبارات العسكرية الصهيونية الأسبق…

يقول “ياريف”: “حرب الغفران تكشف بجلاء عن خبث وخداع العرب، إنهم كالحرباء المتلونة، لم نتمكن من قراءة نواياهم قبيل الحرب وأثناءها، وفشلنا في ترجمة خططهم القتالية ـوبعد سرده لعدة مواقع يدلل فيها على “خبث” العرب، يصل “ياريف” لمعركة الزيتية، فيقول: “لقد نجحت مخابرات العدو في كشف خطتنا، وبسرعة فائقة استعدوا لإفشالها، كانت أعداد دباباتنا وجنودنا تفوق عددهم وعتادهم، فشرعوا في تحصين الميناء وحركوا الكتائب المدرعة الجزائرية من الأديبة للزيتية، ووصلتني إشارة عاجلة تفيد بأن العدو يعلن حالة التأهب العسكري في الميناء، وفي تلك اللحظات أدركت أن العدو يعرف وجهتنا وأن “الأديبة” غير محصنة بالمرة، فأرسلت للقيادة إشارة أبلغهم فيها بحقيقة الموقف مرفقة باقتراح معاودة مهاجمة الأديبة، فعدلت القيادة على وجه السرعة الخطة، وقررت مهاجمة الزيتية والأديبة معًا، على أن ينشطر جزء من القوات عند “مفرق عتاقة” ـ على بعد 12 كيلومترا من الميناءينـ ويتجه للسيطرة على الأديبة ثم يلتف من الخلف على الزيتية لدعم القوات الرئيسية وتطهيرها والاستيلاء عليها.

يقول الجنرال “حاييم بارليف” الذي خلف الجنرال “جونين” في قيادة المنطقة الجنوبية، أتذكر ضحكته العالية التي لا تزال تتردد في أذني ومقولته “لقد ابتلع العرب الأغبياءالطعم”، هكذا وتحت مظلة هذه المعلومات تحركت قواتنا، وانتظرنا بفارغ الصبر والثقة أول الأنباء عن سقوط الميناءين، لكن طال الانتظار ولم يصل هذا الخبر، بل وصلتنا أنباء السوء التي لم نكن نسمع سواها في تلك الأيام العجاف. ويواصل ياريف قائلا: اكتشفنا أن العدو وضع خطة مغايرة، فقد أدرك مسبقًا أن تحصين ميناء الزيتية وإمداده لن تحول دون سقوطه في يدنا، لقد اخترقوا عقولنا بطريقة لا تفسير لها سوى انهم استخدموا نوعًا من “السحر الأسود” فسخروا شياطينهم لتخبرهم بكل كبيرة وصغيرة، وحتى لو كان هذا الاحتمال صحيحًا، فكيف تمكنوا من نقل قواتهم بسرعة وسرية إلى موقع المعركة؟.

يتساءل “ياريف” ثم يقول: لقد نقل العدو قواته الخاصة وكانت مشكلة من الكتيبتين 145 صاعقة مصرية وكتيبة صاعقة جزائرية إلى مفرق عتاقة، وهي نفس النقطة التي قررنا استخدامها لقسم القوات المتجهة للأديبة والزيتية، وعوضًا عن تدعيم هذه القوات بالآليات والدبابات، قام بتزويدها بعدد كبير من مضادات الدروع والصواريخ والرشاشات الثقيلة، وأمر هذه القوات بحفر الأرض والاختباء بها، نظرًا لأن المنطقة مكشوفة، وهو ما أوحى لقواتنا التحرك باطمئنان، وبهذا أنقذ العدو آلياته من دمار محقق في معركة محسومة لنا سلفا، وأمن الميناءين المستهدفين، لكن ما يثير الدهشة أن قيادة العدو وضعت جميع أوراقها في تلك الحفر، فبالنسبة لي وللقيادات الإسرائيلية عمومًا لا يمكن أن نعتمد على مثل هكذا خطة لمواجهة عملية بهذا الحجم، لكن ثقة العدو في قواته الخاصة والأسلوب الذي استحدثه في القتال جعلته يقدم على هذه الخطوة دون تردد. لقد نشر الكتيبة الجزائرية في الخطوط الأمامية لتضرب قواتنا من الخلف، ونشر الكتيبتين المصريتين في القلب والميمنة والميسرة، فوقعت عملية التطويق الخطيرة”.

يقول “قدر لخطة العدو أن تنجح، لتصبح صفحة سوداء في تاريخ العسكرية الإسرائيلية، فلم يسبق أن خسرنا قرابة اللواءين مدرعين ومئات القتلى و300 أسير في معركة واحدة، كما لم يسبق للعرب النجاح في التنسيق القتالي لهذا الحد، وبلغت الخسائر الحد الذي “ركعت فيه إسرائيل” وامتثلت لأوامر العرب، ففي مفاوضات تبادل الأسرى، كان هناك 80 أسيرًا إسرائيليًا لدى القوات الجزائرية، ورفضت القيادات الجزائرية تسليمهم، بالنظر إلى أننا ليس لدينا أسرى منهم، وبعد مفاوضات استمرت ليومين أصر الجزائريون على مقايضة الأسير بعشرة أسرى على نفس الرتبة العسكرية، فلم يكن أمامنا خيار آخر”.

يواصل المؤلفان الصهيونيان “رونين برجمان” و”جيل مالتسر” سردهما لشهادات من إشتركوا في تلك المعركة من ضباط وجنود، ففي الفصل الثالث من هذا الكتاب وتحت عنوان “الزيتية.. بئر الموت” ينشر الكاتبان اعترافات الجنود والضباط الناجين من معركة الزيتية أمام لجنة الاستماع التي أمرت بإنشائها رئاسة الكنسيت الإسرائيلي عقب الهزيمة، وبالاطلاع على شهادات المشاركين في معركة الزيتية أمام لجنة الاستماع يتضح أن إسرائيل لم تنهزم فقط عسكريًا، بل انكسرت انكسارًا لا تكفي السنون لإصلاحه.

يواصل الكاتبان قائلين: “أحد الجنود المشاركين في هجوم الزيتية الفاشل يقول: لم نكن نحارب بشرًا بل شياطين تظهر وتختفي.. قذائفنا لا تصل إليهم ونيرانهم تحرق كل شيء… جندي آخر يقول: لم تكن هناك جبال ولا أحراش ولا حتى أحجار يختفون وراءها.. لم تكن هناك سوى الصحراء والرمال.. حتى السماء كانت صافية ومبشرة بالنصر.. لم نر عدونا، لكنه كان يرانا بوضوح.. يراقب تحركاتنا في صمت حتى أطبق علينا.. ظننت أن النيران تطلق علينا من السماء، أو من المدفعية بعيدة المدى.. تخبطنا وارتبكت صفوفنا.. ولم يكن لدينا الوقت الكافي لإعادة تنظيمها.. وفجأة وجدناهم في كل مكان.. يقفزون كالقردة لا تسترهم سوى سحب الدخان المتصاعد من آلياتنا، فوجدناهم فوق أسطح دباباتنا.. وفوق أعناقنا.. يطعنون ويذبحون بلا رحمة.. لقد كانوا متوحشين فوق الوصف.. وملامحهم مخيفة تزرع الرعب في القلب.. وحتى الآن لا أعرف من أين هبطوا لنا.. لا تفسير لديّ حتى الآن.!!”.

يواصل الكاتبان في مؤلفهما الهام سرد اعترافات القادة الصهاينة في معركة الزيتية فيقولان: يقول الملازم أول “حنان تسائيف”: في مساء يوم التاسع من أكتوبر وبعد فقدان جيش المنطقة الجنوبية لعدد كبير من آلياته وجنوده في معركة الأديبة، بدأت عملية الدعم العسكري للقوات الجنوبية، وشمل الدعم لواء جولاني بكامل تجهيزاته، وكتيبتي مشاه ميكانيكا، ولواءين مدرعين أحدهما أمريكي، والآخرتم تجميعه من فلول قوات المنطقة الوسطى بسيناء، وكانت الدلائل تشير إلى أننا مقبلين على عملية كبيرة، فصدرت الأوامر في فجر العاشر من أكتوبر للاستعداد لتلقي الأوامر، وفي الثامنة صباحًا تحركت كل القوات بقيادة الجنرال شارون باتجاه ميناء الزيتية، استغرق المسير قرابة الساعتين، وقبيل الزيتية بحوالي 12 كيلومترًا اندلعت المعركة بشكل مفاجئ، حيث باغتتنا القوات الخاصة للعدو بطريقة لم نتوقعها أبدًا، فالطريق كان سالكًا والمنطقة مكشوفة من كل الجهات، ولم تكن هناك أية إشارة توحي بالخطر، لكن هذه القوات قامت بالاختفاء في حفر برميلية على شكل مربع ناقص ضلع، وما أن ولجت قواتنا فيه، حتى خرجوا من جحورهم ليقذفوا آلياتنا بمئات القذائف المضادة للدروع وصواريخ “ماليتيكا”، استمر القصف الصاروخي قرابة الساعة وكنا نرد على مواقع إطلاق الصواريخ لكن الغلبة كانت لهم، فتراجعت الدبابات بعدما تمكن جنود العدو من اختراق صفوفنا ومهاجمتنا عن قرب، لقد كانوا يتسلقون الدبابات ويفتحون أغطيتها العلوية ليفجروا أطقمها بالقنابل اليدوية، حتى أن بعض الدبابات وسط هذه الفوضى أطلقت النيران على بعضها البعض، فوقعت خسائر كبيرة، إضافة إلى أن قوات المشاة وجولاني كانت عاجزة عن التعامل معالعدو في ظل هذا الارتباك، فصدرت الأوامر بالانسحاب لإفساح المجال للقتال الفردي بين قواتنا وقوات العدو، في الوقت الذي اتصلنا بالقيادة نطلب الدعم الجوي.

يورد الكاتبان شهادة أخرى لأحد ضباط قوات “جولاني” -نخبة الجيش الصهيوني-، وللإشارة فإنه يهودي من أصل مغاربي، وهو المقدم ” فايز كوكبي”، الذي يقول: للأسف تأهلنا في معاهدنا العسكرية على نظريات خاطئة دفعنا ثمنها في الزيتية، لقد أوهمنا قادتنا وأساتذتنا أن عدونا ضعيف وجبان ولا يجرؤ على مواجهتنا بشكل مباشر، لكنني اكتشفت في الزيتية مدى همجية ووحشية هذا العدو.. لقد كانوا دمويين لأبعد مدى.. كانوا يجتزون رؤوس الجنود ويتسابقون للالتحام بنا، لكنهم كانوا على درجة عالية من الكفاءة والتدريب، وكانوا يمتلكون مهارات عالية في مجال القتال الفردي، يجيدون استخدام السلاح الأبيض والاشتباك، وأيضًا كانت لياقتهم البدنية عالية، وكان واضحًا أن قادتهم لقنوهم أساليب كسر العنق والعمود الفقري، مما يدل على أنهم نالوا قسطًا من التدريب على الرياضات القتالية، وكل تلك الأشياء لم تتوافر في معاهدنا ولم نتدرب عليها.

يضيف الكاتبان: نتيجة معركة الزيتية تمثل أكبر فشل تعرض له الجيش الإسرائيلي، لكن المؤسف أن صانعي القرار في “إسرائيل” لم يكتفوا بإخفاء ما حدث فيها، بل قدموها للشعب على أنها واحدة من إنجازات حرب الغفران، وربما استندوا في رأيهم هذا إلى عودة قرابة الخمسين في المئة من قواتنا سالمة، وهو ما لم يحدث في معركة “الأديبة” التي سبقتها بيوم واحد بنسبة خسائر مئة في المئة، هكذا إذن بلغ الطموح العسكري الإسرائيلي في القتال مع العرب.. التغني بالنجاة والتهليل للتقهقر والفرح لوقف إطلاق النار.

مذكرات الجنرال “اسحق حوفي”

هو الذي كتب في صدرها قائلا: “إن المعلومات المتعلقة بنتائج المعارك مع الوحدات الجزائرية تحجبها دائرة التأريخ في الجيش الإسرائيلي كما تحجب معلومات كثيرة أخرى عن حرب أكتوبر”. حوفي يقول أيضًا أنه طلب الإطلاع على البروتوكولات التي كان قد كتبها أحد ضباطه في الفترة التي كان فيها قائدًا لأحد الألوية المدرعة بالمنطقة الجنوبية، والتي تحدث فيها عن المواجهات مع القوات الجزائرية، فحجبوها عنه ولم يوافقوا على منحه حق قراءتها، قائلًا :” برروا هذا بأن ثمة معاهدات تحتم إبقاء هذه المعلومات طي الكتمان، وأن سوريا ومصر لم يسمحا حتى الآن بفتح ملفات تلك الحرب ولذلك فليس من العدل أن تفتحها إسرائيل وحدها”. وفي فقرات أخرى يقول حوفي: “ما شاهدته بعيني يؤكد لي وللشعب الإسرائيلي أن قواتنا تكبدت في معركة الزيتية خسائر فادحة، ولم يكتف العدو بما حققه من مكاسب، فشن هجومًا معاكسًا لم يحاول الجنرال شارون إيقافه أو التصدي له، فقد كانت قوات العدو مترجلة ولا تمتلك عربة واحدة، في حين كانت قواتنا لا تزال بحوزتها أكثر من 160 دبابة و50 مدرعة نصف جنزير، وظلت قوات العدو التي لم يتجاوز تعدادها الـ “400 فرد” معظمهم من القوات الخاصة الجزائرية تتعقب قواتنا موقعة فيها عدد من الخسائر، وليت الأمور انتهت عند هذا الحد، بل استطاعت هذه القوات الوصول إلى مركز قيادة القوات الإسرائيلية في منطقة “كاتب الخيل”، فاستولت عليها، وقتلت كل جنودنا بالمنطقة، ومرة أخرى يفر شارون من المواجهة.

يضيف حوفي: “لا أفهم لماذا تخفي المؤسسة العسكرية هذه المعلومات الخطيرة عن الشعب؟، إننا نتحدث عن فرار بالآليات الثقيلة أمام حفنة من المشاة، إن الاستمرار في التعتيم على هذه الحقائق من شأنه أن يجرفنا جميعًا إلى الهلاك، فيجب أن يعرف كل إسرائيلي أن تفوقنا العسكري لن يجعل إسرائيل في منأى عن يد العرب، إنهم لديهم الاستعداد لمواجهتنا بالسكين والعصا واثقين أنهم أقوى من سلاحنا، فهل تجدي سياسة إخفاء الفضائح نفعًا مع اناس يرمون بأجسادهم للموت.

كتاب “إخوتي أبطال المجد” للصحفي الصهيوني “ايلان كفير”

هو الذي يقول فيه: “أثناء فرار القوات الإسرائيلية من الزيتية، ومع حالة الإرباك الكبيرة التي وقعت فيها تلك القوات جراء مطاردة عدد من عناصر القوات الخاصة المصرية والجزائرية لها، قمت كتيبة دبابات إسرائيلية بفتح النيران عن قرب على مجموعة من الجنود الإسرائيليين وقتل بعضهم وجرح الآخرين بدم بارد كما قال أحد الناجين، لمجرد اعتقاد جنود الكتيبة بأن الجنود المقابلين لهم عناصر من قوات العدو، فقد كانت حالات الذعر وهواجس الحصار تطارد القوات المنسحبة بشكل فاق الوصف، وينقل الكتاب عن أحد الناجين وهو “موشيه ليفي” قوله: “إنه لم يشفع للجنود الإسرائيليين كونهم عزل لا يحملون أي سلاح ويتحدثون العبرية بطلاقة، ويعرفون أسماء قادة الكتائب الإسرائيلية، فقد فتح رفاقهم عليهم النار، فقط لأنهم اعتقدوا بأنهم عرب”.

يسرد الكاتب شهادة أحد قادة الدبابات الفارة، وهو العريف أول “شلومو أرمان”، الذي قال: “أصيب دبابتي بنيران العدو، فانتقلت مع جنودي إلى دبابة أخرى إلا أن صاروخ ار بي جي أصاب الدبابة، فقفز ركابها محاولين الهرب، لكن زملائنا بدأوا يطلقون علينا النار، لقد كانت الفوضى عارمة والرعب تملك من قلوب الجميع، كان جنود العدو كالأشباح تظهر وتختفي في كل مكان.

كتاب “إلى أين تمضى إسرائيل” لـ”ناحوم جولدمان”

هو رئيس الوكالة اليهودية الأسبق يقول: “لقد أيقن القادة السياسيون والميدانيين في الأيام الأربعة الأولى من حرب أكتوبر أن اختراق القوات العربية وإحداث ثغرة على القناة عبر مواقع القوات الجزائرية أمر مستحيل، وبالرغم من أن هذا العجز كان بالامكان تفاديه والتغلب عليه، إلا أن من وضعت في أيديهم المسؤولية كانوا ضعافًا وقليلي الخبرة، بينما كان العدو المستهدف متمرس على القتال ومن فئة مجرمي الحرب، وكانت النتيجة صدور قرارات عمياء تعبر عن الجهل العسكري وسرعة قبول فكرة الهزيمة، وكان أخطر تلك القرارات تغيير الاستراتيجية العسكرية، لتفادي مواجهة القوات الجزائرية، والبحث عن منفذ آخر، فتركت أهم منطقة استراتيجية على قناة السويس، ليستخدمها العدو بحنكة في عملية تطوير الهجوم وتأمين العمق المصري.

يواصل جولدمان: انسحب الجيش “الإسرائيلي” بعد معركة الزيتية لمسافة 15 كيلومتر للوراء تاركًا قواعده وأسلحته للعدو، وتواصل التقهقر أمام ضربات العدو، وفي ليلة 14 أكتوبر وضعت خطة الثغرة الثالثة، في محاولة من شارون وحاييم بارليف لقطع القوات المصرية عن حليفتها الجزائرية والوصول للضفة الشرقية للقناة، وفي صباح 14 أكتوبر شنت قوات شارون أكثر من خمس هجمات انتهت كلها بالفشل، وبتدمير القوات الإسرائيلية بدرجة لم تشهدها “إسرائيل” من قبل، وأيضًا بأسر عددًا كبيرًا من ضباط وجنود “إسرائيل”، وبناءًا على ذلك أمر شارون بالتوقف واتخاذ المواقف الدفاعية بدلًا من سلسلة الهجمات الفاشلة.

المؤرخ الصهيوني (شفتاي تيبت)

يروي تفاصيل فرار شارون من القوات الجزائرية بعد هزيمته في الأديبة، تيبت أدلى بشهادته تلك أمام لجنة التحقيق “أجرنات”، فقال: أعترف أنني انسحبت من ميدان القتال في أشد اللحظات حرجًا في تاريخ دولة “إسرائيل”.. لم تكن مبررات انسحابي بالهينة.. بل كنت أحاول أن أوصل صوتي من ميدان المعركة لقادتي في تل أبيب.. إنهم لا يرون ما أرى ولم يعايشوا ما عايشت.. لقد خدمت مع الجنرال شارون خمس سنوات فلم أر سوى شخص مجنون مصاب بعدة أمراض نفسية خطيرة.. ولم أره أكثر وضوحًا إلا أثناء القتال.. إنه لا يفقه شيئًا عن القيادة العسكرية.. في معركة الأديبة دفع زملائي حياتهم بسببه وسجل التاريخ هزيمة نكراء لـ”إسرائيل” كنا في غنى عنها.. كدت بل كاد هو أيضًا أن يفقد حياته بسبب سوء تصرفه وعجزه عن القيام بواجبه العسكري.. وحينما علمت أن القيادة كلفته من جديد بقيادة هجوم الزيتية أدركت أن ثمة خطأ ما حاصل في غرفة القيادة، وأنه لا سبيل لتصحيح الخطأ إلا بإعلان التذمر ليفتح ملف التحقيق قبل فوات الأوان.. في الواقع لم أكن أريد أن أسجل اسمي في قائمة صانعي هزائم “إسرائيل”، لكنني أيضًا لم أكن أريد أن تسير “إسرائيل” إلى حتفها على يد شارون.

يضيف تيبت: في طريق انسحابنا من الأديبة كان شارون ينزف بشدة من رأسه.. كان قد أصيب بجرح بالغ وعميق، وخلال رحلة العودة الشاقة عرفته على حقيقته.. لقد تحول القائد الشجاع الشرس المقدام إلى طفل وديع.. أخبرني أنه سيطلق الحياة العسكرية ولن يعود مطلقًا للقتال، وأنه تعلم أشياء كثيرة في الأديبة، حتى أنه أثنى على العدو.. وطلب مني ومن الجنود الثلاثة الذين نجوا من المذبحة أن نزيف حقيقة ما جرى لنا في المعركة، أمرنا بلطف أن نتحدث عن آلاف من العرب ومئات الدبابات والصواريخ المتطورة، وأننا قاتلنا بشجاعة وشراسة لكن العدو كان أكثر عددًا وعتادًا، وأخبرنا أن ما جرى لنا نستحق عليه التكريم وليس العقاب، ظننت أنه على حق وامتثلنا لأوامره، لكنني اكتشفت من بعد أنه كان يهذي وأن إصابته أثرت على مخه.. فبمجرد وصولنا لمقر قيادة المنطقة الجنوبية حاول التغلب على إعيائه وهزيمته وأخذ يرفع رأسه بشموخ لا يجرؤ المنتصر الحقيقي عليه، ولم تمر ساعات حتى عرفت أنه كلف من جديد لمعاودة الهجوم على نفس الموقع الذي هزمنا فيه، وعندما واجهته بما قاله لي أثناء عودتنا من الأديبة هددني بالقضاء على مستقبلي العسكري أو قتلي إذا أخبرت أحدًا بما جرى.. لكنني كنت أشجع من تهديداته.. اعترفت بالحقيقة للجنرال “جونين” لكنه هو الآخر كان قد استقال، ليحل محله الجنرال “حاييم بارليف” الذي كان متعاطفًا مع شارون في جنونه وغبائه ونفاقه.

يبقى في النهاية أنه.. لماذا تم التعتيم على هذا الدور الجزائري والذي تم تسجيل فصوله بدماء أشقائنا الأبطال من الجزائريين في مقابل التضخيم المتعمد والإبراز الواضح لدور غيرهم؟..و في النهاية.. تحية لأرواح أشقائنا الجزائريين الأبطال والذين روت دمائهم الطاهرة ثرى مصرنا الحبيبة.. والذين سطروا أروع ملاحم البطولة والشجاعة وكانوا معنا يدًا بيد وكتفًا بكتف ودما بدم في مواجهة قوات العدو الصهيوني الغاصب.

 

Print Friendly, PDF & Email