من اعداد الطالبة اسماء بعزي

جامعة محمد الخامس الرباط

كلية العلوم القانونية والاقتصادية -سلا

الحماية الدولية لحقوق الانسان ومبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول

تعود جدور مفهوم حقوق الانسان الى الأديان السماوية وعلى الخصوص الدين الإسلامي الذي كرم الانسان لقوله تعالى في سورة الاسراء “لقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”[1] تعكس هذه الآية مفهوم حقوق الانسان في الدين الإسلامي، وتبين ان قوام حقوق الانسان هو الكرامة الإنسانية دون تمييز بين مسلم او غير مسلم، رجل او امرأة، عربي او أعجمي…

وقد اخذت فكرة حقوق الانسان طريقها الى دائرة القانون ودخلت مجال التقنين على المستوى الدولي في اعقاب الحرب العالمية الأولى عندما نادى الرئيس الأمريكي ويلسون بإدخال المساواة العقائدية في القانون التأسيسي لعصبة الأمم. كما ساعد انشاء منظمة العمل الدولية سنة 1919 في ارتقاء حقوق الانسان الى العالمية وذلك باعتماد اول وثيقة في هذا المجال وهي الاتفاقية الخاصة بالرق سنة 1926 ودخلت حيز النفاذ سنة 1927

وفي اعقاب الحرب العالمية الثانية وانشاء منظمة الأمم المتحدة سنة1945، اعتمدت الجمعية العامة الإعلان العالمي لحقوق الانسان سنة 1998 ويعتبر بذلك اول قاعدة قانونية ملزمة على المستوى الدولي. كما تبنت أيضا العهدين الدوليين سنة1966 الأول خاص بالحقوق المدنية والسياسية والثاني خاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واللذان دخلا حيز النفاذ سن 1976

وكإشكالية للموضوع: ما مدى توافق الحماية الدولية لحقوق الانسان مع مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؟

سنتناول في الفصل الأول الحماية الدولية لحقوق الانسان

وفي الفصل الثاني الجدلية بين الحماية الدولية لحقوق الانسان ومبدأ عدم التدخل

الفصل الأول: الحماية الدولية لحقوق الانسان

المبحث الأول: حقوق الانسان وفق الإعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948

بعد التجربة المريرة للحرب العالمية الثانية وما شهده العالم من ماسي وانتهاكات جسيمة لحقوق الانسان والإنسانية شرع المجتمع الدولي في وضع معايير دولية لحقوق الانسان والبحث عن إطار قانوني يهدف الى حماية هذه الحقوق بواسطة صكوك دولية تنشئ التزامات قانونية من طرف الدول الأعضاء

وقد ارتكزت جل اهتمامات المجتمع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية على تعزيز احترام حقوق الانسان كسبيل للحد من المعاناة التي عرفتها الإنسانية، وانعكس ذلك في صياغة ميثاق الأمم المتحدة الذي كان الأساس لإنشاء منظمة دولية. ولتعزيز حماية حقوق الانسان أصدرت الأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الانسان بعد اقراره من طرف الجمعية العامة في العاشر من ديسمبر 1948، ليكون ثمرة الجهود الدولية في تحديد معايير احترام حقوق الانسان. واعتبرته الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة اول وثيقة دولية في مجال حقوق الانسان تعود لها كمرجعية أساسية لدساتيرها الوطنية وقوانينها الداخلية. ومنه يمكن اعتبار الإعلان العالمي الأساس الجوهري لحماية حقوق الانسان القائم على الميثاق

وقد حرص الإعلان العالمي لحقوق الانسان، على كفالة واحترام الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، كمجموعة غير متجزأة ومترابطة مع الحقوق الطبيعية التي تتعهد الدول بضمانها بموجب دساتيرها الوطنية. واستكملت الشرعة الدولية مقتضياتها بعدد من الصكوك والاتفاقيات الأكثر تحديدا، ويشار اليها عادة باسم الاتفاقيات الرئيسية لحقوق الانسان[2]

يتضمن الإعلان العالمي لحقوق الانسان 30 مادة تحتوي على قائمة من الحقوق يمكن تقسيمها الى ثلاث أصناف [3]

  • الحقوق الطبيعية والتي جاء ذكرها في المواد من 1 الى 5 مثلا: حق الحياة والأمان الشخصي وعدم الخضوع للتعذيب او العقوبة القاسية او اللاإنسانية او الحاطة بالكرامة
  • الحقوق المدنية والسياسة والتي تم التنصيص عليها في المواد من 6 الى 21 مثل: المساواة امام القانون وحرية الراي والتعبير
  • الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المواد 22 الى 30 كالحق في الضمان الاجتماعي وحق التعليم وحق انشاء النقابات والانضمام اليها

ان اهم ملاحظة يمكن تقديمها بشأن الإعلان العالمي لحقوق الانسان انه نص على مجموعة من الحقوق بشكل عام وشمولي واغفل وضع معايير واليات اعمال هذه الحقوق، وهو ما تم التنصيص عليه في العهدين الدوليين لحقوق الانسان

المطلب الثاني: حقوق الانسان وفق العهدين الدوليين لسنة 1966

شكل العهدان الدوليين لعام 1966 اهم خطوة للجمعية العامة والدول كافة في تعزيز حماية حقوق الانسان واحترام حقوق الكائن البشري. فيتضمن العهد الأول الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي دخل حيز النفاذ سنة 1976 مجموعة من الحريات الفردية التي يتمتع بها او يمارسها الافراد بصفتهم مواطنين داخل المجتمع، ويتعلق الامر هنا بالحق في الحياة والحرية والسلامة البدنية وحرية النقل والراي والتعبير والحق في الزواج وتكوين اسرة وغيرها من الحقوق

اما فيما يخص العهد الدولي الثاني الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والذي دخل حيز النفاذ أيضا سنة 1976 فيتناول مجموعة من الحقوق التي تدخل في خانة الحقوق الجماعية كحق تقرير المصير والذي يمنح للشعوب الحق في اختيار الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بحرية. بالإضافة الى مجموعة من الحقوق الجماعية التي نص عليها العهد سواء فيما يخص الحقوق الاقتصادية او الاجتماعية او الثقافية

ويقوم هذان العهدان على فكرة كونية الحقوق المنصوص عليها وقد عبرا على هذه الفكرة في ديباجتهما، وذلك بالإشارة الى التزام الدول الناشئ عن ميثاق الأمم المتحدة وتعزيز حقوق الانسان

المبحث الثاني: الجدلية بين الحماية الدولية لحقوق الانسان ومبدأ عدم التدخل

المطلب الاول: الاساس القانوني لمبدأ عدم التدخل:

بداية يجب الفصل بين مفهوم مبدأ عدم التدخل وحق التدخل

  • مبدأ عدم التدخل: نجد هناك نوعين لعدم التدخل؛ اولهما عدم تدخل الدول في الشؤون الداخلية للدول الاخرى، وثانيهما عدم تدخل الامم المتحدة في الشؤون التي تعد من صميم السلطان الداخلي للدول

هذان النوعان نجد أساسهما القانوني في ميثاق الامم المتحدة

النوع الاول لعدم التدخل نجد اساسة القانوني في الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة: والتي تنص على “ان يمتنع اعضاء المنظمة جميعا في علاقتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة او باستخدامها ضد سلامة الاراضي والاستقلال السياسي لأية دولة او على اي وجه اخر لا يتفق ومقاصد الامم المتحدة” [4]في هذا الصدد نجد ايضا عدة اعلانات وتوصيات صادرة عن الجمعية العامة نذكر على سبيل المثال:

اعلان عدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول الصادر بالقرار 2131 سنة 1965

اعلان خاص بعدم جواز التدخل في الشؤون الداخلية للدول الصادر بالقرار 103.36 سنة 1991

اما النوع الثاني: نجد اساسه القانوني في الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة؛ والتي تنص على “انه ليس في هذا الميثاق ما يسوغ للأمم المتحدة ان تتدخل في الشؤون التي تكون من صميم السلطان الداخلي لدولة ما، وليس فيه ما يقضي الاعضاء ان يعرضوا مثل هذه المسائل لان تحل بحكم هذا الميثاق، على ان هذا المبدأ لا يخل بتطبيق تدابير القمع الواردة في الفصل السابع”

ان مبدأ عدم التدخل بنوعيه له اهمية كبيرة في ميثاق منظمة الامم المتحدة، كونه أحد المبادئ الاساسية التي توجه نشاط المنظمة وتحكم العلاقات الدولية [5]

  • حق التدخل او واجب التدخل الانساني او مسؤولية الحماية: مع حق التدخل الانساني دشن عهد جديد تقوم فيه الدول المتنورة بالتدخل للدفاع عن حقوق الانسان.

ونجد الاساس القانوني لحق التدخل الانساني في التوصية الصادرة عن الجمعية العامة 131/43 سنة 1988 والتي تدعو فيها الدول الى تسهيل عمل المنظمات الانسانية والتأكيد على اهمية خدمات هذه المنظمات من الجانب الانساني

وجاءت التوصية 100/45، ووضعت اسس مبدأ حرية الوصول الى الضحايا وقد طبق هذا المبدأ في السودان في يونيو 1991، بعد حصول اتفاق مع الحكومة السودانية لضمان وصول المؤون لسكان جنوب السودان.

الا ان الواقع بيبين مظهر اخر من مظاهر التدخل الانساني حيث انه وبالنظر الى العمليات الاممية التي تمت في كل من العراق والبوسنة والهرسك والصومال، تبين ان هذه العمليات الانسانية اصبحت شيئا فشيئا عسكرية، اذ تم اللجوء الى القوات العسكرية تحت غطاء المساعدات الانسانية، وضدا عن ارادة الدول المعنية، وهو ما سيتم التطرق له في القرة الموالية

المطلب الثاني: الجدلية بين حماية حقوق الانسان ومبدأ عدم التدخل

خلال القرن التاسع عشر تمت عدة عمليات للتدخل كرد فعل ضد الاضطهاد الديني حيث شيدت سياسة التدخل لأسباب انسانية بإقامة الحلف المقدس سنة 1915 والذي تمت في اطاره عملية مسلحة ضد الامبراطورية العثمانية في سوريا، واتهامها باضطهاد المسيحيين المارونيين. كذلك الاجتياح الامريكي لجمهورية الدومنيك سنة 1965 وتبريره بضرورة حماية الامريكيين وكذا الرعايا الاجانب. وبالتالي فالتدخل الانساني ليس بالجديد على العلاقات الدولية، الا ان الاعتبارات الانسانية في كل الحلات كانت بعيدة عن ان تكون وحدها وراء كل هذه الحالات. ونلاحظ ان جلها يختلف مع ما جاء في المادة 2 الفقرة 7 من ميثاق الامم المتحدة، كذلك ما نصت عليه التوصية الصادرة عن الجمعية العامة رقم 103/46 سنة 1981 والتي تنص على ” واجب الدول الامتناع عن استغلال او تشوبه المسائل المتعلقة بحقوق الانسان بغاية التدخل في الشؤون الداخلية للدول اخرى”

فجل العمليات التي تتم باسم الانسانية نجد اهم دافع وراءها هو مصالح الدول سواء تعلق الامر بالمصالح الاقتصادية او السياسية او غيرها. وليس حماية حقوق الانسان كما يدعون ، والدليل على ذلك فالدول تتدخل عندما ترى الامر مناسب ، وترفض ذلك عندما لا يكون في مصلحتها ، خير مثال على ذلك رفض الدول التدخل لحماية حقوق الانسان وما يعيشه مسلمي الروهينغا في بورما ، كذلك الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على يد قوات الاحتلال الاسرائيلي ، على العكس تماما نجد الولايات المتحدة الامريكية تتدخل باسم حقوق الانسان وحماية المدنيين في سوريا ردا على الهجوم الكيماوي  الذي قام به النظام السوري في خان شيخون وذلك بناء على مصلحة امريكا في هذا الشأن .

وبالتالي فان حقوق الانسان والتدخل الانساني يبقيان خاضعين للانتقائية بتطبيق سياسة الكيل بمكيالين تبعا لمصالح البلدان العظمى

ان كل العمليات التي تتم باسم واجب التدخل او حق التدخل الانساني، يمكن اعتبارها مشروعة بالنظر الى الاهداف المتوخاة منها، خاصة إذا كانت تهم انقاذ سكان ابرياء وكذا انقاذ اطفال من المجاعة والموت. الا انها نظريا تبقى غير مشروعة في كل الحالات التي تغيب فيها موافقة ورضى البلدان المعنية، لأنه خارج هذا الإطار، فإنها تكون على حساب مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بمقتضى المادة الثانية الفقرة السابعة من ميثاق الامم المتحدة [6]

نستخلص مما سبق ان حق التدخل الانساني او واجب التدخل لحماية حقوق الانسان لا يمكن اعتباره استثناء على مبدأ التدخل، فالاستثناءات الواردة على هذا المبدأ تنحصر في تدابير الامن الجماعي وحق الدفاع الشرعي. ويبقى حق التدخل الانساني مبدأ خلقته الدول لشرعنة تدخلاتها في الشؤون الداخلية لدول اخرى

المراجع:

محمد نشطاوي “العلاقات الدولية مقترب في دراسات النظريات، الفاعلين وانماط التفاعل” الطبعة الاولى 2002، المطبعة والوراقة الوطنية. مراكش

يوسف البحيري ” حقوق الانسان والحريات العامة جدلية الكونية والخصوصية” الطبعة الاولى 2015، المطبعة والوراقة الوطنية. مراكش

ماجد عمران ” السيادة في ظل الحماية الدولية لحقوق الانسان” مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية-المجلد 27 -العدد الاول-2001

الاعلان العالمي لحوق الانسان 1948

العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية سنة 1966

ميثاق الامم المتحدة سنة 1945

[1] سورة الاسراء، الآية 69

[2]    يوسف البحيري “حقوق الانسان والحريات العامة، جدلية الكونية والخصوصية” المطبعة والوراقة الوطنية، 2015 ص 36

[3]  الإعلان العالمي لحقوق الانسان سنة 1948

[4] ماجد عمران ” السيادة في ظل الحماية الدولية لحقوق الانسان” 2011 ص 467،468

[5]  ماجد عمران مرجع سابق ص 470

[6] محمد نشطاوي “العلاقات الدولية مقترب في دراسات النظريات الفاعلين وانماط التفاعل” 2002 ص:192

 

Print Friendly, PDF & Email