السيادة هي الركن المعنوي للدولة ، ولا تسمى الدولة دولة بالمعنى القانوني الدقيق إلا بإقتران الاقليم والشعب والحكومة بها .وهي اساس وجود القانون الدولي ، لأنه ينظم العلاقات الدولية ، والدولة اهم اشخاصه ، ولا يكفي الوجود المادي للكيانات السياسية لتنظيم تلك العلاقات ما لم تكن من حيث الاصل قائمة على مبدأ المساواة في السيادة .

    ولئن كان التمسك المقيت بالسيادة مما يعطل تطوير القانون الدولي ويبطيْ نموه ، فأنه لا ينشأ مجتمع دولي بالمعنى الصحيح دون الاعتراف بسيادة الدول وما يترتب عليها وما يتفرع منها ، بل لا وجود للقانون الدولي إلا بها ، لأنه قانون توافقي من حيث الاصل اتفاقي من حيث المصدر .

    وفي هذا الاطار يأتي هذا الفصل بوصفه فصلا تأسيسيا لموضوعنا ، ولأنه كذلك فهو يتطلب عرض موضوع السيادة ومتابعة مفهومها في الفقه الدولي التقليدي اولا ، وهو ما سأتناوله في ثلاثة مباحث :-

اولهـا يعرض اقتران السيادة بالدولة .

والثاني يبين صلتها بالقانون الدولي .

والثالث يبحث في طبيعة السيادة والاختصاصات الناشئة عنها .

المبحث الأول السيادة قرين الدولة

     لاشك ان السيادة كانت إحدى المقومات الأساسية ، ولا زالت ،   في شخصية الدولة وتشكل عنصرا لصيقا بهذه الشخصية التصاقا لا يقبل الانفصام .       وهذا يعني ان أي محاولة للاعتداء على السيادة هي اعتداء على شخصية     الدولة . ان هذا التحديد للسيادة يتصف بالحداثة النسبية التي تتصف بها فكرة الدولة القانونية . لان فكرة السيادة باطارها القانوني المحدد هي في الواقع فكرة حديثة نسبيا لم تعرف النور قبل القرن السادس عشر حتى ان استعمالها وادخالها في القاموس السياسي والقانوني قد تم منذ وقت ليس ببعيد يعود الفضل فيه الى العلامة بودان صاحب السبق في استعمالها باطارها المعروف حاليا حينما عرضها في مؤلفه الكتب الستة للجمهورية عام 1577.

Six Livres de la Republique

معرفا السيادة بانها (( السلطة العليا على المواطنين والرعايا والتي لا تخضع للقوانين )) مؤكدا على العلاقة القوية بين مفهوم السيادة ومفهوم الدولة وانها عنصر جوهري لها ، اذ لا دولة بدون سيادة [1] . ولعل بعض الكتاب اعتبر السيادة من اهم المميزات السياسية للدولة ، [2]

    إلا ان ذلك لا يعني ، بالطبع ، ان الفكرة ذاتها كانت بعيدة عن نظر الفقه القديم مع اختلاف في التعابير والصيغ [3] ما دامت وفقا للتعريف السابق تشكل عنصرا لصيقاً بشخصية الدولة حيث عرفها الرومان تحت اسم الاستقلال فقالوا  ( ان الشعب حر إذا لم يكن خاضعا لحكومة أي شعب آخر غير حكومته ) [4] .وهذا التعريف هو التركة التي ورثها العالم المتحضر عن النظام الروماني فيما يتعلق بالسيادة  [5] .

   ان ذلك لابد ان يقودنا الى مرحلة العصور الوسطى التي تشكل أساس نشوء الدولة القومية بمظهرها وشكلها المعروف . حيث ان النظام السياسي في الغرب كان يقوم في تلك الفترة على ركيزتين أساسيتين : السلطة الدينية ويتولاها البابا والسلطة الدنيوية ” الزمنية” ويتولاها الامبراطور ، ولقد نشأ عن ذلك صراع مرير بين سلطان الإمبراطور وسلطان البابا استغرق العصور الوسطى حيث يعتبر تاريخ هذا الصراع هو في حقيقته تاريخ العصور الوسطى . ولقد نتج عن هذا الصراع ان الإمبراطورية الرومانية بدأت تفقد سيطرتها تدريجيا على بعض شعوب اوربا الغربية مع مرور الزمن . فعلى الرغم من ان الإمبراطور          ( كونراد ) الثالث كان يصف إمبراطوريته بأنها تشمل فرنسا وإنكلترا وأسبانيا والدانمارك ، فان انكلترا قد تحررت من رابطة الإمبراطورية منذ عام 925 للميلاد وبدت في صورة الدولة المستقلة والأمر كذلك في ما يتعلق بفرنسا التي تحررت من تبعيتها للإمبراطورية بعد موت الإمبراطور ( اوتو الكبير ) عام 973 للميلاد ،اما أسبانيا فلم تعترف قط برابطة التبعية لا للبابا ولا للإمبراطور ، بل ظلت دائما (لا تعترف بقيام سلطان فوق سلطانها
Non  habemos  mayor  sobre  nosenel  temponal ) و كما قال ملكها الفونسو العاشر الحكيم في سنة 1284.

    ثم تحررت مملكة صقلية وكذلك ممالك اسكندنافيا وبدت جميعها في مظهر الدولة المستقلة غير التابعة لسلطان البابا او لسلطان الإمبراطور [6] . وقد ترتب على بدء ظهور هذه الدول المتحررة من السيطرة الخارجية ان تكونت في العصور الوسطى حركة فكرية أدركت مفهوم السيادة وحاولت تحديد معناها وتعيين مدلول ما يدخل فيها او يتفرع عنها من حقوق . الا ان هذه الحركة لم تستعمل اصطلاح السيادة كما نتداوله اليوم ، بل ان هذه الحركة كانت تذهب الى ان السيادة لها وجهان ، وجه ينظر الى الخارج أي الى العالم الخارجي او بمعنى اخر الى نطاق العلاقات الخارجية ، ووجه آخر الى الداخل في تناول سلطة الأمة في تنظيم شؤونها الداخلية الخاصة [7] .

   ولعل أول معالم الحركة الفكرية التي عنيت بمبدأ السيادة في القرون الوسطى هي تلك التي بدأت في كتابات القرن الثاني عشر وما تلاها ، حيث كانت عنايتها منصرفة الى إبراز زاويتين [8] ، فأما الزاوية الأولى فهي تأكيد استقلال الملوك عن الإمبراطورية وهذه هي الناحية الدولية ( او الناحية الخارجية ) ، واما الثانية فهي التأكيد بان الملوك لهم على شعوبهم سلطات تمثل سلطات الإمبراطور ذاته . وكان حجر الأساس في بناء استقلال الملوك هو فقدان الرياسة عليهم . فمن ليس له رئيس فهو ملك مستقل ، له من السلطات ما للإمبراطور ذاته من سلطات ، واما سلطانه في داخل مملكته فهو السلطان الكامل في التشريع والسلطان الكامل في التنفيذ والسلطان الكامل في القضاء [9] .

   تلك هي البدايات الفكرية لنشوء مبدأ السيادة في العصور الحديثة حين كانت مرتبطة بشكل وثيق مع ظهور الدول القومية ونموها واستقلالها لا بل انها كانت تمثل دروع الملوك في الحفاظ على ممالكهم الحديثة النشوء وكلما قويت الممالك والملوك كلما ازدادت اهمية السيادة وعلا شأنها وكثر منظروها [10] . فما ان حل القرن الثالث عشر حتى كادت نظرية السيادة ان تكون شاملة كما هي عليه الآن على يد القديس ( توما الاكويني ) وهو لم يستعمل لفظ السيادة بل استعمل لفظ     ( الإمارة ) . ويمكن إجمال نظرية الاكويني في ان الدول جميعا تعد من الأجزاء في جماعة البشرية العالمية ولها جميعا هدف مشترك وقانون طبيعي مشترك يجب ان تتفق التشريعات الداخلية مع مبادئه واحكامه وفي هذه الحدود فان الدولة تبدو في مظهر ( الجماعة الفاضلة ) التي تخلو من التحكم ومن الشهوة الذاتية . وللأمير في داخل دولته حق التشريع وحق فرض الضرائب وحق فرض العقاب على المجرمين وحق إعلان الحرب ، وللدولة في النطاق الخارجي حق الاستقلال من حيث المبدأ وحق المساواة مع غيرها من الدول بقصد الوصول الى الخير المشترك من غير ما تحكم ولا سيطرة ولا اضطهاد . ويلاحظ هنا مقدار تأثر القديس توما بأفكار واراء ارسطو في مدينته الفاضلة [11] .

   لقد كانت لنظرية القديس ( توما ) اهمية بالغة في تطور الاوضاع الدولية ذلك انها كانت تتفق مع واقع الحياة وظهور ( الأمراء ) المستقلين وقد أطاحت بالمركز الرياسي الذي كان يدعيه الإمبراطور لنفسه وبذلك فتحت الطريق امام استقلال الشعوب وقضت على فكرة الإقطاع الديني من خلال إطاحتها بالمركز الرياسي الذي كان يدعيه البابا لنفسه وللكنيسة الكاثوليكية وعلى السلطة التي كان يدعيها البابا في نطاق السيطرة الروحية وآثارها في نطاق الشؤون الدنيوية . ولعله كان من اثار نظرية الاكويني ظهور حركة الإصلاح الديني الكبرى في المدة ما بين سنة 1378 – 1429 . ولما تم اكتشاف أمريكا وحاول ( البابا ) ان يصدر المراسيم في شان اقتطاعها لبعض الملوك قام  ( فرنسيسكو فيتوريا ) العالم اليسوعي الأسباني بالقضاء على ادعاءات ( الكرسي البابوي المقدس ) قضاءا مبرما ، ولعل من آثار نظريته ايضا فتح الطريق امام ظهور عصر النهضة [12].

    أشرنا الى ان من اثار نظرية القديس توما الاكويني انها فتحت الطريق أمام ظهور عصر النهضة ، حيث بدأت فيه الجماعة الأوربية الغربية في صورة الجموع المتحررة من السلطتين الإمبراطورية والبابوية وذلك نتيجة لقيام الملوك والامراء المستقلين من جهة وتقسيم الإمبراطورية الجرمانية الرومانية المقدسة من جهة ثانية وقيام حركة الإصلاح الديني من جهة ثالثة ، وقد استقرت هذه الصورة التحريرية استقرارا ثابتا بعد معاهدة ( وستفاليا ) في سنة 1648 ، التي تعد نقطة البداية في ظهور القانون الدولي العام الحديث والنهضة الأوربية وميلاد الشعور القومي ومبادئ السيادة المطلقة ومصلحة الدولة والتوازن الاوربي .

    فلقد كانت السيادة من اهم الوسائل التي استعان بها ملوك اوربا في الفترة ما بين أواخر القرن السادس عشر ومنتصف القرن الثامن عشر( وهي فترة اكتمال نشوء الدولة القومية ) لتثبيت مركزهم والقضاء على نفوذ الكنيسة والإقطاع والإمبراطورية الجرمانية وتدعيم سلطة الدولة المركزية ولذا نراهم قد تمسكوا بالسلطة المطلقة للدولة وحرية تصرفها في الشؤون الداخلية والدولية دون خضوعها لاي سلطان خارجي [13] .

    فالأزمة التي أثارها الانشقاق الديني في اوربا الغربية والفوضى التي أحدثها كانت توجب فرض سيادة الدولة في الداخل . ولكن هذه السيادة التي بدأت داخلية ( للملك على رعاياه ) انتقلت الى نطاق العلاقات الدولية [14] .  فبعد ان خرجت الدولة الحديثة قوية مركزية مكتملة التنظيم داخل الحدود القومية واصبحت الحياة الدولية علاقات ما بين دول فلم يعد هناك سلطة اعلى من سلطة الدولة على المسرح الدولي . حيث تبقى الدولة وحدها القائمة على النطاق الدولي بمواجهة مثيلاتها من الدول متمتعة بالسيادة في الداخل والخارج [15] .

ان النضج الذي آل اليه المجتمع الدولي بقبوله فكرة السيادة بوصفها فكرة قانونية ، ادى الى حصول تطورات وتحولات اساسية في مفهوم السيادة سواء ما تعلق منها بالمفهوم او بالغاية ، وكان من اسباب تلك التطورات والتحولات الجوهرية ، هو ظهور الدولة الحديثة التي اصبح معها مفهوم السيادة عنصراً اساسياً من عناصر الدولة وجزءاً من شخصيتها يتعذر التفريط به . ان السيادة بهذا المعنى هي التي تمنح الدولة اختصاصاتها الداخلية والخارجية وبمقتضاها تتحدد حريتها في نطاق المبادئ العامة للقانون الدولي[16].

غير ان تحديد اختصاصات الدولة الداخلية والخارجية بمقتضى مفهوم السيادة وتكريس ما بعد من النطاق الوطني والنطاق الدولي لا يعني بحال من الاحوال تشكيل مناطق محرمة في العلاقات الدولية تفرض العزلة وتحول دون التعاون بين الدول او تجاهل نقاط التماس مع مصالح الدول الاخرى والا انتهى بنا الامر الى الاقرار بمذهب السيادة المطلقة ، ذلك المبدأ الذي ساد في العصر الوسيط وبداية العصر الحديث [17] . حيث امكن للفقه القانوني في تلك الفترة تثبيت السيادة بمعناها المتقدم عن طريق صياغتها في صورة نظرية قانونية عندما ادخلها بودان في مؤلفه المعروف والمشار إليه ، الكتب الستة للجمهورية [18] ، مدخلا اصطلاح السيادة في الفقه الدولي لاول مرة مدافعا عنها ومحددا أساسها وأوصافها القانونية وعدم خضوعها لاي سلطان خارجي لا بل ان  هوبز قد ذهب ابعد مما قاله بودان عندما قال ان من بيده السيادة لا يتقيد بشيء حتى بالدين [19] .

   لقد عرف بودان السيادة كما قلنا بانها السلطة العليا على المواطنين والرعايا والتي لا تخضع للقوانين ، ويمكن إجمال نظريته في المبادئ التالية [20] :-

  1. العنصر الرئيس في تكوين الدولة هو وجود السلطة العليا التي تتركز فيها كل السلطات الأخرى . فالمركزية في السلطات هي عماد الدولة .
  2. السلطة العليا المركزية في الدولة لا ترأسها سلطة أخرى تسمو عليها . وهي تباشر سلطانها على المواطنين من غير قيد يحدها .
  3. السلطة صاحبة السيادة داخل الدولة لا تخضع للقوانين التي تصدرها هي لتنظيم شؤون الأفراد ، وذلك لأنها سلطة مطلقة تختص بإصدار التشريع ولكنها لا تخضع لاحكامه .
  4. السلطة صاحبة السيادة في الدولة تخضع للقانون الطبيعي ولقانون الأمم وذلك لانه لا توجد سلطة في الدنيا تستطيع ان تحيا مع غيرها او ان يستمر التعايش بينهما اذا لم يحد من سلطانها في التصرف احكام القانون الذي تفرضه الطبيعة او يفرضه قانون الأمم .

   فالسيادة عند بودان مطلقة ولا تتجزأ والقانون الصادر عنها هو اقوى من الإنصاف ، ولكن من جهة اخرى ان السيادة المطلقة المعطاة للأمراء والملوك لا تمتد إطلاقا الى شرائع الله ولا الى القوانين          الطبيعية وينتج عن ذلك ان أوامر الملوك والأمراء القاضيةبتصرفات مناقضة لشرائع الله وللقانون الطبيعي هي جديرة بالمخالفة شرعا وهنا نرى ان بودان لا يخلو من قليل من التناقض بين اطلاقية السيادة ومحدوديتها [21] .

     فبودان لم يشك ابدا في ان الحاكم مقيد بقانون الرب وقانون الطبيعة وان هذه القوانين تقف دائما فوق قانون البشر [22] . وقال ان الحاكم يخضع لهذه القوانين لكنه لا يسال عنها إلا أمام الله وهو بهذا قد أعطى الحاكم سلطة مطلقة في جميع التشريعات [23] .

   وكان فيما أبرمته دول اوربا من معاهدات وستفاليا عام 1648 تدعيم لهذه الفكرة وتثبيت لأوصافها بالنص عليها في هذه المعاهدات كأداة لتنظيم العلاقات بين الدول في ذلك الوقت . فبعد مفاوضات دامت اربع سنوات ، توصل الفرقاء المتحاربون ( الإمبراطورية المقدسة وحلفاؤها من جهة وفرنسا وحلفاؤها والأمراء البروتستانت من جهة اخرى ) الى التوقيع بتاريخ 14 تشرين الاول عام 1648 على معاهدات وستفاليا فتمت بمقتضاها تجزئة اوربا وانقضى التفكير بعالم مسيحي موحد يخضع لرئاستي البابا والإمبراطور [24] . حيث قام النظام الدولي الجديد على اساس استقلال الدول ذات السيادة ومساواتها بغض النظر عن نظام الحكم المتبع او الدين السائد فيها . ويلاحظ ان سيادة الدول الحديثة النشأة في تلك العصور كانت سيادة مطلقة لا حد لها في النظام الداخلي للدولة . وقد سعى الملوك دون هوادة لتقوية سلطانهم الداخلي والربط بين سلطة الدولة الداخلية وبين حرياتها المطلقة في التصرف بالشؤون الخارجية . فكانت الحكومات تتمسك بمبدأ السيادة المطلقة للدولة لأنها كانت ترى في الاستقلال المطلق في الخارج مبررا لممارسة السلطان المطلق لها في الداخل [25] .

     إلا ان فكرة السيادة المطلقة لم يقدر لها ان تدوم وان تستمر لان العلاقات الدولية النابعة من حاجات المجتمع الدولي قد فرضت وجودها وألزمت أعضاء الجماعة الدولية بتنظيم نفسها تنظيما يحفظ استقلالها ويصون سيادتها من الاعتداء . وكان على السيادة انطلاقا من هذا التطور في الحياة الدولية ان تتفرغ لاداء هذه المهمة الجديدة . وكانت البدايات الأولى لهذا التطور في السيادة على يد الهولندي ( غروشيوس ) [26] المسمى بابي القانون الدولي حيث كان هو الذي وضع اللبنات الأولى لتطوير فكرة السيادة باتجاه مفهوم جديد يتلاءم مع التطورات الجديدة للمجتمع الدولي [27] .

     لقد استطاع ( غروشيوس ) ان يظهر السيادة بمظهر جيد يتلاءم مع حاجات العصر وان يخلصها من بعض آثارها القديمة ، التي منها ، أنها لصيقه بشخصية الحاكم والى أداء دور سلبي مفهومه الامتناع عن التعاون في الحقل الدولي واستطاع ايضا ان يحررها من بعض رواسب الاطلاقية وإخضاعها الى مبادئ جديدة هي قواعد القانون [28] . هذه المعطيات الجديدة كانت وراء مفهوم ومضمون جديد للسيادة يقوم على اعتبارها نشاطا وظيفيا وغائيا ومن هنا جاء الدور الإيجابي الذي يتنافى مع موقف اللامبالاة امام مشاكل البشرية واحداثها ، وتتحد هذه الوظيفة والغائية للسيادة بأنها النشاط الذي يتحرك في داخل الدولة والجماعة لاداء واجبها على المسرح الدولي مدفوعة بإحساس المسؤولية للإسهام في تحقيق الرفاهية والسلام [29] .

   ان هذا المفهوم المتجدد للسيادة قد كرس المبدأ القائل بان الخير العام الدولي له الأولوية على الخير الوطني ومن هنا وجوب تقيد المصلحة الوطنية عند تعارضها مع المصلحة الدولية تعارضا لا يسمح بالموائمة والتفاهم وان الخير العام الدولي بما ينطبق عليه من قواعد وما يستند إليه من مبادئ يشكل القاعدة الأساسية السامية ذات الإلزام الحقيقي في وجه التشريعات الوطنية ، لذلك كانت القيود الشديدة المتطورة مع تطور الحاجات على سيادة الوحدات السياسية للجماعة الدولية في كلا المجالين الخارجي والداخلي وهذا ما يبين ان السيادة قد ولدت ولادة جديدة لانطوائها على مضمون جديد ومتطور مع تطور الحاجات والمصالح الدولية المشتركة النابعة من الالتزام بقواعد القانون الدولي العام [30] ، الذي شهد تطورا كبيرا بفضل جهود العلماء الذين بفضل دراساتهم الدقيقة دفعوا القانون أشواطا في طريق النضج والكمال [31] .

   وكان من الطبيعي لفكرة السيادة ان تعايش هذا التطور وتشاهد ازمة العلاقات القائمة بين القانون الداخلي والقانون الدولي وترافق الجهود الحثيثة لوضع معيار دقيق بين الحقلين تتجلى الغاية منه في تعيين مناطق الاختصاص والصلاحيات والمحافظة على سيادة الدولة واستقلالها وتجنب المساس بها حيث كانت تتسم بالقداسة والتنزية لذا فان تاريخ السيادة في هذه المرحلة على الاقل هو تاريخ تطور القانون الدولي ذاته [32] .وما ان اطل القرن الثامن عشر حتى واجهت السيادة قيدا جديدا منبعه ليس من القواعد الطبيعية والإلهية بل وجد ضالته في منبع جديد اشد التصاقا بالشخصية الإنسانية والحرية واعني بذلك الإرادة العامة للشعب كما جرت على لسان بعض المفكرين ، واهمهم المفكر الفرنسي جان جاك رسو في كتابه ( العقد الاجتماعي ) [33] .

     فلم تجدد الثورة الفرنسية لسنة 1789 في القانون الدستوري فحسب وانما تناولت بمبادئها القانون الدولي ايضا . لقد أحلت الثورة الفرنسية مبدأ ( دولة الأمة ) محل مبدأ ( دولة الأمير ) وبذلك نقلت السيادة من الأمير الى الأمة بفضل فكرة الشخصية المعنوية للامة ، فالأمة بوصفها شخصا قانونيا ورثت عن الأمير السيادة التي كان يملكها في المجالين الداخلي والدولي معا [34] . والامة هي التي تمثل السلطة العامة التي تتألف بصورة رئيسة من سلطة من القوانين التي هي سلطة آمرة ، ولها مطلق السيادة فبفضل حرية الأفراد التي هي خصوصية كل فرد فان السيادة تعود الى كل الناس وليس لفرد بعينه [35] . فالسيادة تنسب فقط للشخص الجماعي الذي يتالف من مجموعة الأفراد ومن ثم فلا يتصور إلا ان يكون لها صاحب واحد ألا وهو الأمة [36] . وعلى هذا الأساس قيل ان السيادة تكون وحدة واحدة غير قابلة للتجزئة او للتنازل عنها او للتملك ، فهي تكون مملوكة للامة دون سواها وهذا ما نص عليه دستور 1791 في فرنسا [37] .

   حيث قرر هذا الدستور ان السيادة واحدة لا تقبل التجزئة ولا تقبل التصرف فيها ، ولا تخضع للتقادم المكسب او التقادم المسقط وهي ملك للامة ، فالسيادة واحدة بمعنى انها بحكم الضرورة ، ولاية الدولة في حدود إقليمها ولاية انفرادية ومطلقة [38] . وقد قررت محكمة العدل الدولية في الدعاوى التي أقامتها بريطانيا ضد ألبانيا في 22 / ايار / 1947 في قضية قناة كورفو والتي صدر الحكم فيها عام 1949 ما يلي (( ان احترام السيادة الإقليمية فيما بين الدول المستقلة يعد أساسا جوهريا من أسس العلاقات الدولية )) [39] .

والسيادة لا تقبل التجزئة بمعنى انها لايمكن تقسيمها في الدولة الواحدة ، فالدولة لا يمكن ان تقوم فيها اكثر من سلطة واحدة تمارس السيادة فيها فالسلطة المركزية هي التي تتمثل فيها جميع خصائص السيادة دون غيرها من السلطات الأخرى [40] .

   والسيادة لا تقبل التصرف فيها لان الدولة التي تتنازل عن سيادتها تفقد ركنا من اركان قيامها ، ولكن من الامور المتفق عليها ان عقد الاتفاقيات والمعاهدات الدولية يمثل قيدا على السيادة [41] ، ولكن هذا القيد قد تم بموافقة ورضا الدولة ذاتها ، هذا من جهة ومن جهة اخرى فان المعاهدات والاتفاقيات بما تنطوي عليه من قيود اتفاقية لا تعد – وفق ما قررته المحكمة الدائمة للعدل الدولي – تنازلا عن السيادة.  [42] 

   الا ان تلك القيود في حقيقة الأمر كانت مخرجا ناجحا لإيجاد صيغة مقبولة تبرر خضوع الدولة لارادة المجتمع الدولي وقوانينه الإلزامية رغم ان تلك القيود قد قامت بموافقة الدولة المعنية ورضاها ، فمن طبيعة العهود والمواثيق انها تؤدي الى خلق كيان قانوني مستقل له إرادة ذاتية لا يمكن هدرها في كل وقت وبصورة تحكمية بإرادة الدولة المنفردة لاسباب وطنية كانت ام سياسية .

   ان تقييد سيادة الدولة لا يعني وضع القيود على حقوق الدول في السيادة ، وانما يعني وضع القيود على كيفية ممارسة الدول لهذه الحقوق بما يضمن مصلحة المجتمع الدولي . وعليه فان تقييد السيادة يؤثر على حقوق الدول السيادية من حيث الكم ولكنه لا يمس بها من حيث النوع [43] .

   ان تلك الآراء في موضوع تقييد السيادة مردها يعود الى النظرية القائلة بالتحديد الذاتي او التقيد الذاتي [44] لفكرة السيادة المطلقة التي نادى بها جيلنك ومن قبله فاتيل [45] ، حيث نادى بان السيادة المقيدة هي نتيجة لواقع فرضته الطبيعة على الدول ذات السيادة حيث لم تنحصر تلك القيود على السيادة في النصوص العقدية التي وافقت عليها الدول بمطلق رضاها فهناك قيودا اخرى مصدرها خارج الإرادة وتنبع من المقتضيات الطبيعية التي فرضها واقع التعايش المشترك بين الدول وبالتالي فان السيادة تخضع للقيود التي تستمد قوتها الإلزامية من مصدرين هما الاتفاقيات التي دخلت فيها الدولة طائعة مختارة وبمطلق أرادتها ورضاها وقواعد القانون الدولي .

   فالمعاهدات والاتفاقيات الدولية ، انما يعتبرها شراح القانون الدولي ، مظهرا من مظاهر سيادة الدولة وفي ذات الوقت ، فهي قيد ( إرادي ) فرضته الدولة على سيادتها [46] .

     ولو استعرضنا كل ما قيل بشان تقييد السيادة لطال بنا المقال في غير مقام، ولكن مما لا شك فيه ولا ريب ان فكرة السيادة هي فكرة قانونية في الأصل وتتطور مع تطور القواعد القانونية نفسها . فهي تبقى منفتحة على كافة العوامل ومتقبلة لمختلف المؤثرات ذات الأصول السياسية والاجتماعية ، وهذا دليل على أصالة الفكرة وعمق جذورها ، لذا فالتباين في الراي بين دعاة السيادة المطلقة وبين دعاة السيادة المقيدة ليس تباينا فقط في وجهات المنطق القانوني بل هو تباين في المعطيات السياسية . لذلك فان من بديهيات الأمور ان الدعوة الى هذا الاتجاه اوذاك هي دعوة قانونية الطابع سياسية المضمون متغيرة طبقا للقيم السياسية السائدة . وان المحافظة على أي من الاتجاهين والعمل على انتصاره يفترض اللجوء الى وسائل دفاع قانونية ، الغاية منها تبرير هذه النظرية او  تلك ، رغم ان السيادة في حقيقتها بدأت كعنصر هام في بناء الدولة قبل ان تتحول الى إحدى خصائص السلطة العامة . كما ان عملية الانتقال من السيادة المطلقة الى السيادة المقيدة لم تتم دفعة واحدة حيث شهد الفكر الإنساني انتقالا هاما من التطرف الإيجابي بوجود السيادة كحقيقة قانونية مطلقة الى التطرف السلبي القائم على نكران الفكرة كإحدى المعطيات القانونية والسياسية في بناء الدولة ، حيث يمثل هذا الرأي ردة فعل عنيفة              في وجه السلطان المطلق للسيادة حين نادى أصحابه من امثال الفرنسي دوكي وجورج سيل بنفي سيادة الدولة وبإنكار فكرة وجود الدولة من أساسه حيث يقوم هذا الرأي على إنكار الشخصية القانونية للدولة وإنكار شخصيتها الاعتبارية باعتبار  ان تلك الشخصية القانونية والاعتبارية ليست إلا عملا افتراضيا لا قيمة له تم اللجوء إليها في بعض مراحل التطور السياسي والاجتماعي لتفسير السلطة وسيطرة الأقوياء على الضعفاء [47] . ولا بد من الإشارة الى ان دوكي الذي تزّعم نظرية التطرف السلبي في موضوع الدولة والسيادة كان مدفوعا بالآثار السيئة التي تركها الحكم المطلق من استبداد وطغيان ولهذا فانه لا يثق كثيرا في فكرة السلطة معتبرا انها تخلي الطريق امام الوظيفة الاجتماعية [48] .

   ورغم ما كتب في هذا الموضوع إلا ان هنالك حقيقة لا بد من التعرف عليها وهي ان الدول الاوربية وفي طليعتها الغربية منها قد أنشأت بإحدى يديها قانونا دوليا اوربيا قائما على مبدأ السيادة تتعامل فيما بينها على  اساسه ، وتنشيء باليد الأخرى قانونا آخر قائما على نفي هذا المبدأ تتعامل فيه مع العالم غير الأوربي . فأوربا الحديثة فرضت على العالم قانونين للعلاقات الدولية أحدهما لها والآخر لباقي العالم [49] .

     ورغم تلك التحولات والتطورات فقد ظلت السيادة في مظهرها الدولي محتفظة بمعناها التقليدي الى حد كبير ، اذ تعهدها الفقه الألماني منذ القرن التاسع عشر مؤكدا أوصافها المطلقة تحت تأثير نظريات هيكل في الدولة والقانون والتي تنادي ، بان ليس الدولة والقانون سوى مظاهر لارادة الحاكمين المطلقة وأداة تحقيق هذه الإرادة [50] .

   وقد ظلت هذه الأفكار سائدة حتى في الفقه الألماني المعاصر وخصوصا في ايام الحكم النازي اذ ظهرت نظرية اختصاص الدولة  والقائلة بان السيادة ان هي الا قدرة الدولة المطلقة في تحديد اختصاصاتها بما في ذلك الاختصاصات الدولية .

     كما وان الأمانة العلمية تقتضي منا التعرف ولو بإيجاز شديد الى رأي المذهب ( السوفيتي ) حيث ظهرت فكرة السيادة المطلقة في هذا المذهب بثوب جديد باعتبارها أداة لحماية الدولة ( السوفيتية ) وحماية نظامها من أعداء الداخل والخارج [51] . وما زال فقهاء القانون الدولي العام وحتى فقهاء القانون الداخلي على وجه العموم متفقين على ان الدولة ان هي الا اجتماع عناصر ثلاث أساسية هي السكان والإقليم وعنصر ثالث لا يثور الخلاف حول مضمونه بقدر ما يثور حول التعبير عنه ، فهو عند البعض السيادة وعند اخرين الاستقلال وعند فريق ثالث السلطة المنظمة [52] .

     وهذه السلطة المنظمة تقوم بالإشراف على شؤون السكان وتنظيم العلاقات بينهم ورعاية مصالحهم والعمل على بناء الوحدة التي تجمعهم وتحقيق الغرض المشترك الذي تجمعوا من اجله ، كما تقوم بإدارة الإقليم واستغلال موارده والدفاع عن كيانه . ولا يهم الشكل السياسي الذي تتخذه هذه السلطة ما دام لها من القوة والنفوذ ما يمكنها من فرض سلطانها على الإقليم وعلى الأشخاص الموجودين فيه ، ويعبر عن هذا السلطان في لغة القانون الدولي بلفظ السيادة [53].

   فان الذي يميز الدولة عن غيرها من الجماعات الأخرى هو خاصية السيادة التي تتصف بها سلطتها العامة وقد اريد بذلك الوصف تأكيد ان سلطة الدولة العامة على خلاف غيرها من سلطات الجماعات الأخرى ، سلطة قاهرة قادرة على تنظيم نفسها وعلى فرض توجيهاتها دون ان تكون خاضعة داخليا او خارجيا لغيرها بل دون ان تصادفها جماعة اخرى تستطيع مواجهتها بسلطة أعلى من سلطتها [54] .

   وعلى الرغم من التيارات الحديثة التي هاجمت ، ولا تزال تهاجم ، نظرية السيادة ومهما اجتهد الفقهاء في تفنيدها والقول بأنها لا تتناسب مع تنظيم المجتمع الدولي فان الاتفاقيات والمواثيق الدولية العالمية والإقليمية لا تزال تجعل من احترام السيادة الوطنية قاعدة أساسية . فميثاق الأمم المتحدة قد جاء مؤكدا وحاميا لسيادات الدول الأعضاء بقوله ( تقوم الهيئة على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع الأعضاء ) [55] .

     ولعل من المفارقات ان نلاحظ ان ما بدأت به فكرة السيادة في القرن السادس عشر حينما استعان بها ملوك اوربا لتثبيت مراكزهم وتدعيم سلطانهم وصيانة استقلال إماراتهم وممالكهم ضد الكنيسة والإقطاع والإمبراطورية الجرمانية [56] ، قد انتهت اليه ونحن في القرن الحادي والعشرين حيث اضحت الدول شمال العالم او جنوبه تعلن تمسكها بسيادتها وخصوصا دول الجنوب التي تخشى ان يؤدي تنازلها عن سيادتها الى وقوعها في براثن استعمار جديد لعل العولمة مظهر من مظاهره . فهي أي دول الجنوب حالها الان كحال الدول والممالك في القرن السادس عشر متمسكة بسيادتها للحفاظ على استقلالها ووحدة أراضيها ضد العولمة والنظام الدولي الجديد وخضوع المنظمات الدولية لهيمنة قطب دولي اوحد.

المبحث الثاني السيادة قرين القانون الدولي

   كنا قد تناولنا في المبحث الأول علاقة السيادة بالدولة واستعرضنا آراء الفقهاء في هذا الموضوع . وفي هذا المبحث سوف نستعرض علاقة السيادة بالقانون الدولي الذي كان من دون ادنى شك ثمرة لتجارب الدول الأوربية دون سواها [57] . مما لا شك فيه ان عوامل عدة قد أدت الى القضاء على النظم السياسية التي سادت اوربا خلال القرون الوسطى واحلت محلها نظما اخرى مهدت السبيل الى نشوء القانون الدولي الحديث ومن تلك العوامل : النهضة الاوربية والاكتشافات الجغرافية الكبرى وميلاد الشعور القومي وحركة الإصلاح الديني ومعاهدات وستفاليا ومبادئ السيادة المطلقة ومصلحة الدولة والتوازن الاوربي [58] . وان دراسة نشأة القانون الدولي وعلاقة ذلك بموضوع السيادة يحتم استعراض مقومات القانون الدولي الثلاث وهي الجماعة الدولية والعلاقات الدولية والسيادة الدولية [59] ، التي تشكل منابع القانون الدولي واساس وجوده واستمراره . فالحديث عن الجماعة الدولية باعتبارها الاشخاص الرئيسية المخاطبة باحكام القانون الدولي هو حديث واسع ومتشعب ذلك ان فكرة الجماعة الدولية لا يمكن اجتزاؤها ولا يمكن فصلها عن العلاقات الدولية وعن السيادة الدولية بصورة عضوية قاطعة لانها جميعا تؤلف كلا لا يقبل التجزئة . فالجماعة الدولية هي في هذا المنظار متكونه او يجب ان تتكون من دول ذات سيادة [60] تؤدي بالنتيجة الى استبعاد فكرة الانعزالية المطلقة للامم بدليل ان الاعتراف بالسيادة قد اصبح عنصرا رئيسا من عناصر الدولة الحديثة ، كما ان ظهور إرادة جديدة في ميدان الحياة الدولية استطاعت ان تتخطى الحدود الوطنية ، واتخذت لنفسها نوعا من الاستقلال الثابت عن الرغبات الوطنية ، كانت إشارة لميلاد كائن جديد هو الجماعة الدولية [61] .

    كما ان العلاقات الدولية التي هي وليدة التغير الأساسي في مفهوم الدولة والسيادة وتطور طرق المواصلات تحولت الى حصن منيع يدفع عن الدول أخطار الاعتداء وصمام أمان يخفف من حدة الصراع ووسيلة لضمان مستقبل هذه الجماعة وصون سيادة أعضائها . فلقد واجهت فكرة الدولة تحولات أساسية سياسية واقتصادية وقانونية أدت الى مفهوم جديد للدولة من أنها مجموعة من المرافق العامة غايتها تحقيق الرفاهية والخير للمواطنين ، لقد صاحب هذا المفهوم ظاهرة جديدة وهي وضع قيود على سلطة الحاكم من حيث خضوعه للمحاسبة والمراقبة ويكون مسؤولا عن تصرفاته ، وربما أمام القضاء [62] . ان هذا المفهوم الجديد للدولة لا شك انه حرر السيادة من جزء من طابعها التقليدي القائم على الإطلاق الى بنية دستورية جديدة مسؤولة ومحدودة وقانونية وبزوغ مرحلة جديدة في العلاقات الدولية هي مرحلة سيادة القانون . وبذلك باتت السيادة مؤهلة لتقوم بدور إيجابي في صيانة السلام بعد ان أصبحت قاعدة قانونية لإنشاء علاقات دولية سليمة بين الدول المستقلة تحكمها مبادئ القانون الدولي [63] . فالعلاقات الدولية هي سمة من سمات تطور الجماعة الدولية حيث يعود تاريخ نشوء تلك العلاقات لدى بعض شراح القانون الدولي الى عام 1278 ق . م [64] والذي هو تاريخ عقد المعاهدة بين رمسيس الثاني وملك الحثيين ( خانوسيس الثالث ) والرامية الى تنظيم حق اللجوء في إقليم الدولة الأخرى . ان بذور القانون الدولي قد بدأت تنبت تقليديا في القرن السادس عشر بعد ظهور الدولة القومية الحديثة ذات السيادة في كل من إنكلترا وأسبانيا وفرنسا [65] حيث بلغ تطور مفهوم الجماعة الدولية مرحلة متقدمة من النضج والقبول في الحياة الدولية في القرن السابع عشر انعكست اثاره من خلال معاهدة وستفاليا المعقودة عام 1648 .

    ان هذه المعاهدة كانت أساسا دستوريا لانطلاق القانون الدولي العام قي تطوره المتسارع في مبادئه واحكامه حيث انها أنهت الحروب الدينية التي استمرت ثلاثين عاما ( 1618 – 1648 ) اذ توصلت الدول المتحاربة ( الإمبراطورية الجرمانية المقدسة من جهة وفرنسا وحليفاتها والأمراء البروتستانت من جهة أخرى ) الى التوقيع على معاهدة الصلح ، بعد مفاوضات دامت أربع سنوات في مدينة وستفاليا بألمانيا [66] . ان الحقبة السابقة للقرن التاسع عشر قد تميزت ببعض السمات التي ساعدت على سرعة نمو وازدهار قواعد القانون الدولي ، واهمها :-

أولا – ازدياد الوحدات السياسية المستقلة وذات السيادة وتشابك علاقاتها .

ثانيا – ولادة الوعي التنظيمي المشترك [67] .

أما أهم هذه المؤتمرات التي ساهمت في تطور القانون الدولي فهي :-

أولا مؤتمر منستير .

    أشرنا سابقا الى ان معاهدة وستفاليا التي تمخضت عن مؤتمر منستير قد وقعت عام 1648 لتنهي حروب الثلاثين عاما بين الإمبراطورية الجرمانية وباقي الدول الأوربية بزعامة فرنسا وانتهت باعتراف الدول المشتركة في التوقيع على المعاهدة باستقلال البلاد الواطئة Pays Bas ( هولندا ) والمناطق السويسرية وسيادة 355 دولة ألمانية والإقرار لها بحق التعاقد مع بعضها ومع الدول الأخرى شرط ألا توجه ضد الإمبراطور الذي لم يعد يتمتع بوجهها إلا بسلطة اسمية [68] .

ولمعاهدة وستفاليا أهمية خاصة تتعلق بالآثار الواسعة التي تركتها على الصعيدين السياسي و التنظيمي والتي يمكن الإشارة إليها في ما يلي :

  1. وجود الاسرة الدولية ، إذ ضمت هذه الاسرة العديد من الدول المستقلة ذات السيادة والتي بإمكانها إقامة علاقات دولية في ما بينها ، مما ساهم في وضع قواعد القانون الدولي . ولقد اقتصر تكوين الاسرة الدولية في بادي الأمر على دول غرب أوربا المسيحية ثم اتسعت بعد ذلك لتشمل العديد من الدول غير المسيحية وغير الأوربية كالصين التي انضمت عام 1844 م واليابان عام 1853 والدولة العثمانية عام 1856 [69] . ثم دخلت في هذه الاسرة بعد ذلك سائر الدول المستقلة ذات السيادة .
  2. الحد من سلطة الكنيسة ومنعها من التدخل في الشؤون الداخلية للدول وحصرها ضمن الإطار الديني . فقضت بذلك على فكرة السيادة العالية للكنيسة مما ترتب عليه الإقرار بمبدأ المساواة بين الدول ايا كان توجهها الديني سواء كان بروتستانتي ام كاثوليكي وبغض النظر عن طبيعة الحكم فيها سواء كان ملكيا ام جمهوريا ذلك ان دواعي المصلحة المشتركة هي التي دعت الى إبرام هذه المعاهدة التي ثبتت فكرة سيادة الدولة التي على أساسها بني القانون الدولي التقليدي [70] .

ثانيا / مؤتمرات الوفاق الأوربي .

  لقد كان لهذا المد الواسع من الدول المستقلة وذات السيادة للانضمام للعائلة الدولية وتشابك علاقاتها ، أثرٌ كبيرٌ على توالي عقد المؤتمرات في أوربا [71] لفترة ما بعد مؤتمر وستفاليه والتي ركزت على وحدة المصالح الأوربية واستبعاد الحرب على أساس توازن القوى وتعميق قواعد القانون الدولي المرتبطة بالدول ذات السيادة . واهم هذه المؤتمرات هي :-

  1. مؤتمر شومونت Choumont في سنة 1814 وقد حضره ممثلو النمسا وبريطانيا وبروسيا وفرنسا الذين صرحوا انهم يتكلمون باسم اوربا كلها وغايتهم المحافظة على التوازن الدولي .
  2. مؤتمر فينا / لقد انعقد مؤتمر فينا انطلاقا من الفكرة الرامية الى تنظيم اوربا على أساس من التوازن السياسي والعسكري عام 1815 بعد القضاء على نابليون في معركة واترلو (Waterlo) . ولا شك ان لهذا المؤتمر أهمية كبيرة في تطور القانون الدولي وبلورة قواعده ، واجد من المفيد الاشارة الى حدثين عالميين مهمين حدثا قبل انعقاد المؤتمر والقيا بضلالهما على قراراته . وهذان الحدثان هما استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن بريطانيا والثورة الفرنسية في قلب اوربا .

     ففي يوم 2 أيلول 1823 وجه الرئيس الأمريكي James Monroe الذي حكم الولايات المتحدة الأمريكية 1817 – 1852 رسالته المشهورة الى الكونكرس والتي تضمنت مبدءا مهما مفاده ان الولايات المتحدة الأمريكية لا تنوي التدخل في شؤون القارة الأوربية كما أنها لاتسمح لدول القارة الأوربية بان تتدخل في شؤون الأمريكيتين واي تدخل من هذا القبيل تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية عملا عدائيا . واصبح هذا المبدأ يعرف بإعلان مونرو بعدم التدخل في شؤون الدول [72] . واحد الركائز الأساسية للقانون الدولي العام .

    أما الحدث الثاني فهو قيام الثورة الفرنسية عام 1789 التي لم يعتبر قيامها تجديدا في القانون الدستوري فحسب وانما تناولت مبادؤها القانون الدولي ايضا ، رغم أنها لم تتمسك في كل الحالات بمبادئ النظام الدولي الذي بشرت به [73] . لقد أحلت الثورة الفرنسية مبدأ ( دولة الأمة ) محل مبدأ ( دولة الأمير ) وبذلك نقلت السيادة من الأمير الى الأمة . فالأمة بوصفها شخصا قانونيا ورثت عن الأمير السيادة التي كان يملكها في المجالين الداخلي والدولي معا ، كما ان فكرة سيادة الأمة تضمنت نواة مبدأ حق الشعوب في تقرير مصائرها دوليا حتى سمي القرن التاسع عشر بعصر الأمم [74].

    إلا ان الثورة الفرنسية ، كما قلنا لم تتمسك بمبادئ النظام الدولي ولم تخلص لشعاراتها وأفكارها في تحرير الشعوب والإنسان رغم فلسفتها الجديدة المعلنة في حقوق الإنسان والمواطن إذ سرعان ما تغلب على منطقها فكرة الفتوح والتحكم والسيادة القومية على القوميات الأخرى وعدم احترام مبدأ استقلال الدول الذي انتهكته فرنسا بشكل لم يسبق له مثيل [75] . ان هذا كله قد ولد رد فعل اوربي ضد هذا التوسع الفرنسي يطالب بالرجوع الى مبدأ التوازن الذي عاشت عليه اوربا بعد معاهدات وستفاليا فكان مؤتمر فينا عام 1815 [76] حيث اجتمعت الدول الكبرى بعد القضاء على نابليون وقرت إعادة الملكية الى بروسيا والنمسا وضم بلجيكا الى هولندا والحيلولة دون التوسع الفرنسي . وتتضمن اتفاقية فينا أحكاما أخرى ترمي الى إقامة اتحاد حقيقي بين السويد والنرويج ووضع سويسرا في حالة حياد دائم . وكان من اهم الإنجازات التي حققها هذا المؤتمر في تطوير القانون الدولي العام ، تكريسه لمبدأ حرية الملاحة في الأنهار الدولية وتحريم الاتجار بالرقيق [77] ( التي هي ثمرة من فلسفة الثورة الفرنسية في حماية الافراد من كل جنس ولون ) ووضع نظاما لترتيب المبعوثين الدبلوماسيين حسب أسبقيتهم في التقدم     والصدارة [78] .

لقد استطاع مؤتمر فينا من العودة الى فكرة التوازن واقامة نظام اوربي مستقر من خلال إعادة توزيع الأقاليم وتركيب الدول والحفاظ على عروش البيوت المالكة بمواجهة الثورات الداخلية .

الاتفاق الأوربي [79] :-   لقد ظهر الاتفاق الأوربي بعد زوال نظام التحالف المقدس لا سيما أثر تدخل الدول الكبرى آنذاك لمصلحة الثورتين اليونانية سنة 1827 والبلجيكية سنة 1830 وما أعقب ذلك من مؤتمرات دولية عقدت في لندن لغرض ضمان استقلال اليونان وبلجيكا (1830 – 1839) .

    ويعتبر الوفاق الأوربي شبه حكومة دولية مؤلفة من دول أوربا الكبرى التي قلدت نفسها سلطة المحافظة على النظام والسلام في القارة الأوربية ، ففرضت الحلول للمسائل السياسية على الدول الأخرى وتصرفت في اقاليم هذه الدول توزيعا وتقسيما . وعلى هذا النحو كان الاتفاق الأوربي بوجه خاص في تجزئة الإمبراطورية العثمانية : فقررت روسيا وبريطانيا وفرنسا مساندة الثورة اليونانية عام 1827 ثم ضمنت استقلال اليونان سنة  1830 وتقرر في معاهدة لندن سنة 1840استقلال مصر على شكل دولة تابعة للدولة العثمانية وكذلك الحال بالنسبة لرومانيا وصربيا والجبل الأسود وبلغاريا [80] . ويبدو واضحا أن نظام الاتفاق الأوربي كنظام التحالف المقدس من كونه تنظيم سياسي شبه حكومي للقارة الأوربية إلا أن كلا النظامين يعملان ببواعث مختلفة من حيث التنظيم والمبادئ .

فلقد كان التحالف المقدس يعمل باسم مبدأ المشروعية للمحافظة على عروش الملوك ويتدخل من اجل هذا في قمع الثورات الشعبية أما الاتفاق الأوربي فكان يعمل بوحي من مبادئ جديدة لا سيما مبدأ عدم التدخل ضد الشعوب ومبدأ حق الشعوب في أن تنظم بنفسها حياتها القومية بالانفصال أو الاتحاد وهو المبدأ الذي عرف فيما بعد باسم ” مبدأ القوميات ” [81] فمنذ هذا التاريخ ظهرت ولو بصورة غير واضحة ذهنية جديدة هي ذهنية الحس القومي في أوربا وهذا الحس مهما كان مستوى نموه واكتماله يعتبر ايذانا بان الدول المجتمعة بدأت عهدا جديدا للتنظيم الدولي وانه ذو دلالة واضحة على ان مصلحة جديدة متميزة بدأت توحد الأوربيين  وأن الحس الجديد بهذه المصلحة المتميزة في نتيجة الوعي بمشكلات التعاون الدولي الجديد قد أخذ بلفظ رواسب الماضي ويبلور ظهور عنصر القيادة بين الدول الأعضاء من خلال انبثاق مجلس تنفيذي للدول الكبرى حيث يعتبر ذلك مأثرة موفقة  في التنظيم الدولي الحديث [82] .

    وكانت مؤتمرات الوفاق الأوربي تنعقد بصورة غير دورية بناءاً على طلب إحدى الدول الكبرى ، غير أن تلك المؤتمرات تكاثر عددها بعد النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى تجاوز ذلك العدد 250 مؤتمرا قبل الحرب العالمية الثانية. كما إزداد عدد الدول المشتركة في تلك المؤتمرات وتنوعت مواضيعها ومهامها[83] كتسوية المسائل السياسية[84] وتنظيم التعاون الدولي وتقليل الالتجاء إلى الحرب وزيادة استخدام الوسائل السلمية في فض النزاعات الدولية وخصوصا التحكيم الدولي الذي نمى في هذه الفترة نموا كبيرا [85]. كما تضمن وضع قواعد للقانون الدولي في شكل اتفاقيات دولية لا تقل أهمية عن تلك التي وضعها مؤتمر فينا كتصريح باريس البحري لعام 1856 الذي تضمن قواعد الحرب البحرية حيث ألغيت القرصنة ، وأشترطت لمشروعية الحصار البحري أن يكون فعالا ، واعترف بمبدأ أن علم السفينة يحمي شحنتها واتفاقيات لاهاي سنة 1899، 1907 بشأن قواعد الحرب والحياد والتسوية السلمية للمنازعات الدولية [86] .

    كما عالج الاتفاق الأوربي في تلك المؤتمرات مختلف المسائل التي لم يرد بشأنها تنظيم قانوني في معاهدة ، مستخدما في سبيل تسوية تلك المسائل كافة الوسائل من وساطة أو ضغط دبلوماسي او عسكري ، وبهذا الأسلوب عالج الاتفاق الأوربي المسألة البلجيكية والمسألة المصرية وغيرها من المسائل والأحداث الدولية ولا شك أن تلك المؤتمرات والمعاهدات الناشئة عنها لعبت دورا كبيرا في صنع القانون الدولي وبلورة قواعده واحكامه[87].

    ورغم نجاح الوفاق الأوربي في التغلب على بعض المشاكل ولكنه فشل في    اخرى . فقد كان يقف في الغالب مكتوف الأيدي امام الامر الواقع . كما عجز مرارا عديدة عن منع الحروب والمحافظة على السلام ويعود سبب هذا الفشل إلى حقيقة أن الاتفاق الأوربي كان يعالج أكثر المسائل على اساس سياسي ، أي على أساس مصالح الدول الكبرى ورغباتها ولذلك كان من الهين التوصل إلى تسوية في القضايا التي لا تمس مباشرة مصلحة حيوية لأحدى الدول الكبرى أما في غير ذلك من القضايا فكان التوصل إلى تسوية في منتهى العسر إن لم يكن مستحيلا ولا شك إن ضعف الاتفاق الأوربي كان يعود إلى التوتر الشديد الذي نشأ في اوربا نتيجة للحركات القومية [88] .

مبدأ القوميات :

   إن فترة الوفاق الاوربي شهدت أفول مبدا المشروعية ونشاط حركة القوميات وإن النظام الذي وضعت قواعده في مؤتمر فينا ودكتاتورية دول أوربا الكبرى لم تستطيع يومئذ القضاء على الشعور القومي للشعوب الأوربية ، فثار الشعب الفرنسي ثورته الثانية سنة 1830 وخلع شارل العاشر عن العرش ، كما استطاعت بلجيكا أن تتحرر من سيطرة هولندا وأعلنت انفصالها عنها سنة 1831 ونجحت اليونان في الانفصال عن تركيا سنة 1832 كما تحققت بعد ذلك الوحدتان الإيطالية والألمانية . وشملت هذه الحركة القومية البلقان ، حيث تم تحرير رومانيا والصرب وبلغاريا والاعتراف بالاستقلال في مؤتمر برلين سنة 1878[89] .

    إن حركة القوميات قد اشتدت بصفة خاصة منذ أواسط القرن التاسع عشر وهي لما تزل منذ ذلك الحين ولحد الآن . لقد زعزعت تلك الحركة الأسس التي كانت تقوم عليها أوربا وأثارت مشاكل خطيرة كانت من جملة العوامل الأساسية لكارثة الحرب العالمية الثانية[90] . حتى أن بعض الفقهاء القوميين أراد أن يجعل من مبدأ القوميات الأساس الذي يبني عليه القانون الدولي العام وهذا ما حاوله مانشيني في اواسط القرن التاسع عشر حيث وضع نظريته المعروفة بنظرية القوميات أو نظرية مانشيني والتي تتلخص في أن لكل أمة متجانسة ، أي لكل قومية            ( حق طبيعي ) في ان تنظم نفسها على شكل دولة مستقلة . لكن الفكرة القومية لم تقنن بل ظلت مبدأ سياسيا شأنها شأن فكرة التوازن ، فهي – على ما يقول   فوشي – قد تصلح أساسا لسياسة دولية  لكنها لا تصلح للقانون الدولي[91]. وعلى الرغم من ان مبدأ القوميات لا يتعلق بتنظيم العلاقات الدولية بل ينحصر نطاقه في عنصر السكان المكون للدولة ، وعلى الرغم من أن القانون الدولي التقليدي لم يلزم الدول بأن تعدل حدودها طبقا لذلك المبدأ ، فقد كان له تاثير مهم في    القانون الدولي .   إن كثيرا من الحوادث التاريخية التي غيرت معالم الدول والشعوب منذ أكثر من قرن قد وقعت بتأثير من نظرية القوميات[92] .

    إن استعراضنا لأهم المؤتمرات والمعاهدات الدولية منذ معاهدة وتسفاليا        عام 1648 وحتى الوفاقات الأوربية وما تمخض عنها من مؤتمرات عديدة في القرن التاسع عشر وأثرها في تطور ونمو وازدهار القانون الدولي ، الذي نستطيع  ان نلخص أبرز سماته في القرن التاسع عشر قبل الانتقال للحديث عن مؤتمرات لاهاي حيث  كان مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها الذي أصبح مبدأ أساسيا من مبادئ القانون الدولي . وحق المساواة القانونية بين الدول كبيرها وصغيرها وعلى مختلف دياناتها وطوائفها ومذاهبها وذلك بعد قبول اليابان والدولة العثمانية في الجماعة الدولية وفتح باب الاشتراك في هذه الجماعة . لجميع دول العالم   المتمدن . وهناك ايضا مبدأ حرية الملاحة في الممرات الدولية وفي الانهار الدولية وهناك مبدأ مكافحة الرق وتجارته . وهناك اخيرا مبدا التعاون الدولي في منظمات دولية فنية[93] والشيء الهام الذي  حمله القرن التاسع عشر وثورته التكنلوجية هو شعور المجتمع الاوربي بوحدة المصير ومخاوفه من كوارث الحرب وظهور محاولات تجنيب العالم الحروب من خلال تنظيم المجتمع الدولي تنظيما عاما شاملا . وهذا ما سوف نناقشه باختصار في الصفحات اللاحقة . لمؤتمر لاهاي لعام 1899 و 1907 .

مؤتمرات لاهاي لعام 1899 و 1907 :-

    لاشك ان مؤتمرات لاهاي لعام 1899 و 1907 شكلت معلما من معالم تطور القانون الدولي  وهو ما انعكس على مفهوم السيادة ، فحد من اطلاقيتها ورسم بدايات تنظيمية فعلية للتدخل في ما كان يعد من الاختصاصات السيادية للدول وهو ما يتعلق بالحرب وشنها وتنظيمها بإعتبارها حقاً سيادياً للدول وعليه فان مثل هذه المؤتمرات الدولية التي هي مظهر من المظاهر المادية للتنظيم الدولي قد لعبت دورا في تطوير مفهوم السيادة من معناها المطلق السلبي الى افقها الواسع الرحب المقيد الايجابي في العلاقات الدولية . ان هذا التطور قد ظهر واضحا في مؤتمري لاهاي لسنة 1899 و 1907 كما وانه بفضل المناخ السياسي الذي هيأه المؤتمر تمكنت الارادة الجماعية الدولية من الإنتقال  وببطء من القول إلى الفعل حيث أعتبر هذان المؤتمران نواة ثابتة للتنظيم الدولي فيما بعد وحلقة متطورة لظهور الإرادة الدولية [94] .

    إن هذه الملامح التي بدت ثابتة وواضحة من مضمون الدعوة التي وجهها نيقولا الثاني قيصر روسيا لمعالجة مشاكل المجتمع الدولي الذي لم يعد مجتمعا اوربيا مغلقا بل أصبح مجتمعا عالميا مفتوحا ، ولقد تأيدت هذه الملامح في مؤتمر لاهاي سنة 1907 على لسان المؤتمرين أنفسهم بتسميتهم إياه (جمعية العالم الأولى ) .

    وفي دعوته المذكورة ضمنها القيصر نيقولا الثاني اقتراحا إلى جميع الحكومات التي لها ممثلون في البلاط الروسي بعقد مؤتمر للنظر في الوسائل لضمان السلم العام في العالم ووضع حد لإزدياد التسلح الذي اصبح عبئا على جميع الأمم [95]. لكن هذا المقترح لم يكتب له النجاح والتأييد من قبل الست وعشرين دولة التي حضرت المؤتمر . فلقد كان التسلح هو الضمان الوحيد لأمن الدول في غياب منظمات دولية فاعلة تحفظ السلم وتسهر على إقراره ، لكن المؤتمر نجح نجاحا معنويا بطرح مشكلة التسلح ووقف السباق إليه منذ وقت مبكر على الرأي العام في المجتمع الدولي [96]

لكن المؤتمر نجح في إرساء الدعائم الأولى لإقامة محكمة تحكيم دولية يتسنى بموجبها لجميع الامم الرجوع إليها لحل منازعاتهم . وبذلك أعاد مؤتمر لاهاي الأول للتحكيم شأنه القديم بعد اندثار طويل أمتد عدة قرون .

    وامام إخفاق المؤتمر في الحيلولة دون وقوع الحروب فإنه إذا ما وقعت الحرب وفشلت وسائل حل المنازعات بالطرق السلمية فلتكن حربا تحترم بعض القواعد الإنسانية حربا تنظمها أحكام القانون الدولي ، لذلك فقد صدرت عن المؤتمر تصريحات ثلاث تدخل بعض المبادئ الإنسانية في الحرب وتمنع استعمال بعض وسائل القتال الوحشية ، حيث كان الأول منها يتعلق بتحريم استخدام القذائف الناشرة للغازات الخانقة والسامة وكان التصريح الثاني يحرم لمدة خمس سنوات رمي القذائف من المناطيد أما التصريح الثالث والاخير فكان يحرم استعمال الرصاص المنتشر في الجسد (رصاص دم .دم ) . وكان التحريم الثاني رمي (القذائف من الجو ) هو الذي أخذته الإتفاقية الرابعة في مؤتمر لاهاي الثاني بحرفية [97] لقد استطاع مؤتمر لاهاي الأول أن ينظم القواعد الخاصة بالحرب ووضع القواعد الخاصة بتسوية المنازعات الدولية بالطريق السلمي حيث اوجد أول هيئة قضائية دولية هي محكمة التحكيم الدولي الدائمة في لاهاي وبذلك يكون هذا المؤتمر قد ساهم مساهمة كبيرة وفعالة في تقنين قواعد القانون الدولي العام وتطويره في محيط دولي قوائمه دول مستقلة وذات سيادة [98] .

    أما مؤتمر لاهاي الثاني المنعقد عام 1907 فإنه امتاز عن المؤتمر الأول بتوسع المشاركة الدولية فيه حيث بلغ عدد الدول التي استجابت للدعوة 44 دولة تمثل كل الدول المستقلة وذات السيادة تقريبا في ذلك الوقت بينها كثير من الدول غير الأوربية [99] . فلقد كان هذا المؤتمر الثاني عالميا بمعنى الكلمة واستطاع  أن يكمل ما بدأه المؤتمر الأول من تقنين قواعد الحرب البرية والبحرية والحياد .

    اما في  موضوع الحرب والحياد فقد توصل المؤتمر إلى تصريح وعشر اتفاقيات نذكر منها الاتفاقية الرابعة حول قوانين وعادات الحرب البرية وهي تقنين يكاد يكون كاملا لقواعد الحرب البرية ، كما نذكر منها اتفاقيات سبعاً انصبت جميعها على تدوين قواعد الحرب البحرية وواجبات المحايدين في           الحرب البحرية . كما ان المؤتمر توصل إلى اتفاقية إنشاء ( محكمة دولية    للغنائم ) تكون بمثابة القضاء الأعلى والمرجع الإستثنائي للطعن في قرارات محاكم الغنائم الوطنية [100] ولقد كان مؤملا لمؤتمر لاهاي الثاني أن يعقد المؤتمر الثالث عام 1915 لولا إن جاءت الحرب العالمية الأولى (1914 – 1918) تمنع عقده وتخيب رجاء الآملين . ولو شئنا أن نقوم مؤتمري لاهاي فلا شك إننا سوف نتحرى عن الأصول التنظيمية والإتجاهات التي سادت هذين المؤتمرين لأنها أجدى بين النتائج التي توصل إليها المؤتمرين رغم اهميتها في تطوير القانون الدولي حيث انها لم تحول دون قيام الحرب العالمية الأولى . ضمن الثابت أن القواعد والإتجاهات التي سيطرت على المؤتمرين وروح المؤتمر تشكل القاعدة الأساسية لبناء هيكل تنظيمي دولي وبعبارة أوضح إن جميع اللبنات التي تكون منها المؤتمران المذكوران اصبحت مواد صالحة لبناء مجتمع الدول العتيد في ظل عصبة الأمم سنة 1919 وللتنظيم الدولي بشكل عام في القرن العشرين وإلى يومنا هذا ، وأهم هذه الركائز الإهتمام بالسلام ومنع الحرب وفرض قيود عليها [101] كما ان هذين المؤتمرين قد تميزا بخصيصة لم تكن معروفة في المؤتمرات السابقة وهو مبدأ المساواة بين الدول الصغرى والدول الكبرى مما اتاح للدول الصغرى بشكل خاص إحساس بانها مؤهلة للعب دور في المسرح الدولي [102] وثمة حقيقة لا مجال لنكرانها وهي أن مؤتمري لاهاي بإعطائهما الأولوية لإنشاء جهاز قضائي دولي لحل المنازعات بين الدول والإتجاه إلى إقامة هيئات ووسائل دائمة على أساس الاجتماعات الدورية المنتظمة بالإضافة إلى كونها اجتماعا مفتوحا لجميع دول العالم دون تفرقة [103] ، كل ذلك خطا بالتنظيم الدولي خطوة موفقة نحو إقامة نظام دولي عالمي يرعى شؤون العائلة الدولية بأسرها وبعبارة اخرى إن المؤتمرين قد ألقيا على قواعد القانون الدولي التي أتفق عليها فيهما طابع العالمية والشمول وهذا ما يحسب للمؤتمر ولكن الذي يحسب عليهما ، انهما لم يقيما مؤسسات منبثقة عن الجماعة الدولية لتنفيذ هذه القواعد فظل اختصاص التنفيذ في يد الدول التي غالبا ما تراعي مصالحها عند تنفيذ أي إتفاق . فلم يرتقِ التنظيم الدولي حينذاك إلى الحد الذي يستطيع معه المحافظة على احترام القانون الدولي في العلاقات الدولية التي توسعت إلى حد كبير بعد مؤتمري لاهاي والمحافظة على الا من والسلم الدوليين[104]

ونستطيع أن نلخص أهمية مؤتمري لاهاي بالتالي :-

  • إن المؤتمرين عقدا في فترة السلم مما يعني ظهور نوع من الدبلوماسية الجماعية في وقت السلم وعدم اقتصارها على وقت الحرب أو تصفية المشاكل الناجمة عنها .
  • اصبحت المؤتمرات شبة دورية حيث انعقد المؤتمر الأول عام 1899 والثاني عام 1907 والثالث كان مقررا له عام 1915 .
  • أصبحت المؤتمرات أكثر اتساعا إذ لم تعد مقصورة على الدول الأوربية بل ساهمت بها دول غير أوربية مستقلة وذات سيادة كاملة .
  • محاولة إيجاد وسائل سلمية لحل المنازعات بدلا من الحروب مما ادى إلى الإهتمام بتقنين قانون الحرب والحياد كجزء من القانون الدولي العام[105] . مما وضع قيدا على سيادة الدول بالمعنى الذي كان سائدا آن ذاك وهو يعد نقلة في سبيل تطور القانون الدولي ، وجعل تنظيم العلاقات الدولية في هذا الجانب الخطر منها جزءا من التعبير عن ارادة الدول في تقييد ما كانت تحسبه من اختصاصاتها السيادية المطلقة .

    إن اخفاق جميع المؤتمرات التي عقدت في القرن التاسع عشر وخصوصا مؤتمري لاهاي ، رغم اهمية كل مؤتمر في إضافة لبنة جديدة في بناء القانون الدولي المعاصر قد ساعد على قيام الحرب العالمية الاولى ،التي حال انتهائها اجتمعت الدول الحليفة المنتصرة في مؤتمر باريس للسلام سنة 1919 لتنظيم العلاقات الدولية على اسس جديدة . وقد اسفر هذا المؤتمر عن اتفاق الدول المتحالفة على وضع عهد عصبة الامم الذي نص على قيامه في معاهدات الصلح. فجاء هذا العهد مقررا لمبدأ نبذ الحرب كوسيلة عامة لفض المنازعات الدولية ،ومبدأ لزوم اقامة العلاقات بين الدول على اسس من الصراحة والعدل والشرف ومبدأ احترام الدول لقواعد القانون الدولي[106] وبذلك يكون المجتمع الدولي قد انتقل الى مرحلة جديدة في القرن العشرين وهي مرحلة المنظمات العالمية الشاملة بدلا من صيغة المؤتمرات الدولية التي ميزت القرن التاسع عشر، ومرحلة تقنين القانون الدولي نتيجة لبلورة قواعده واستقرار احكامه حيث عملت الجمعية العمومية لعصبة الامم على انشاء لجنة من الخبراء للاعداد لهذا التدوين عن طريق اعداد قائمة بالمسائل التي تصلح للتدوين ، كما شملت العصبة برعايتها بعض المؤتمرات الدولية التي انعقدت لتحقيق هذا الهدف كمؤتمر لاهاي        عام 1930 .

    ولما نشأت منظمة الامم المتحدة تجدد سعي الدول في سبيل العمل على تدوين احكام القانون الدولي حين جعلت من بين اختصاصاتها انماء التعاون السياسي بين الدول وتطوير قواعد القانون الدولي عن طريق تدوينها في اتفاقيات جماعية وهذا ما اشار اليه الميثاق صراحة بقوله [ تنشئ الجمعية العامة دراسات وتشير بتوصيات بقصد انماء التعاون الدولي في الميدان السياسي وتشجيع التقدم المطرد للقانون الدولي وتدوينه ] [107] ان استعراض نشوء وتطور القانون الدولي الذي ناقشناه بأيجاز فيما مضى بدءاً من معاهدة وستفاليا والمراحل اللاحقة لها حتى اعمال لجان التدوين الخاصة بقواعد القانون الدولي في عهدي عصبة الامم والامم المتحدة ، يحتم علينا إلقاء الضوء على علاقة السيادة بالقانون الدولي باعتبارهما يعكسان في الوقت نفسه الغاية النهائية من وجود الدولة والسلطة. والحقيقة الثابتة ان مستقبل السيادة ، بعد ان مرت بمراحل تطور مختلفة ، وتطورها لابد ان يترك آثارا كبيرة على تطور القانون الدولي  ذاته . حيث أن تحديد رابطة التلازم ما بين السيادة والقانون الدولي يسمح لنا باستيعاب مضمون التطور لكل منهما . وخلاصته إن مجموعة العوامل التي صنعت تطور السيادة بما احدثته فيها من تغير وتحوير تناول من جهة، مضمونها ومن جهة اخرى غايتها وإمتيازاتها ، وهي نفسها قد تركت أنعكاساتها المباشرة على تطور القانون الدولي بما اجرته فيه من تغير في ماهيته وفي قوته وتحديد ابعاده ومداه [108] .

    إن التطور الحاصل في كل منهما يسمح لنا بالوصول إلى معادلة او محصلة مضمونها إن تطور القانون الدولي يقابله تطور في انتقال السيادة من مركز الإطلاقية إلى المقيدة والبعض يذهب أبعد من ذلك حيث يصل بفكرة السيادة إلى الإنعدام او الزوال . وهذا رأي مبالغ فيه  لسبب بسيط وهو إن النظام العالمي كان ولا يزال في مرحلة تطور وليس تبدل . حيث إن لكل تغير أدوات فاذا كانت عصبة الامم هي حصيلة النظام الدولي الجديد عقب مرحلة الحرب العالمية الأولى والأمم المتحدة هي حصيلة النظام الدولي الجديد عقب مرحلة الحرب العالمية الثانية فما هي اداة التغير إذا كان هناك نظام دولي جديد ؟ ثم هل استطاع القانون الدولي التقليدي والمعاصر والمنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة من مخاطبة شخص اهم من الدول لحد الان وإن تعدد الأشخاص ؟ لاشك أن الإجابة عن هذه الأسئلة ستكون بالنفي وبالتالي إن زوال أو إنعدام فكرة السيادة القومية لم يحن وقتها لا الآن ولا في المستقبل المنظور . إن اهمية هذه المعادلة او المحصلة تتضح اكثر من كونها تصلح تفسيرا قانونيا وسياسيا في آن معا لحركة الصراع القديم بين سلطة الدولة القومية من جهة وسلطات المجتمع الدولي من جهة ثانية والذي تمثل بمعنى السيادة ، حيث كانت السيادة بادئ بدء تتويجا لجهود الملوك في التحرر من وصاية الإمبراطورية المقدسة ومن تدخلات البابوية فهي تعني أن الدولة لا تعترف بمرجع رئاسي أعلى منها يملك فرض إرادته عليها أو يضع نفسه في موضع المشرف على نشاطها لكن هذا المعنى تبدل وتحول بعد ذلك فلم تقف فكرة السيادة عند حدود مفهومها الاول ( رفض وجود السلطة الأعلى) وإنما تجاوزته إلى فكرة أخطر هي أن سلطة الدولة لا يحدها حد قانوني وذلك يعني أنها تتمتع بحرية مطلقة في العمل وليس هناك قاعدة قانونية تحكم منحها الإختصاصات وطريقة مباشرتها لها[109] فالسيادة بهذا المعنى الذي سيطر طوال العصور الحديثة على القانون الدولي كانت من معوقات تقدمه وتطويره . فكان لا بد  ان      يشتعل  الصراع فيما بين الإثنين لتحديد أي منهم هو المنتصر وتحديد عناصر الغلبة ونتائجها . إن التطور الناتج عن هذا الصراع هو بروز سلطان دولي له إرادة تعلو إرادة الاطراف وله إهتمامات تتجاوز إهتمامات الدول القومية وحدودها الإقليمية ومن بوادر هذا السلطان الدولي او من آثاره ظهور مصطلح فوق الوطني في التعامل الدولي يعبر عن سلطة دولية بكل مقوماتها والتي اصبحت ظاهرة جديدة وحية في عالمنا المعاصر [110] ، إن فكرة السيادة التي انطبعت في مرحلة تاريخية معينة بطابع الخصائص المميزة للسلطان فإنها في المراحل التالية لتطور المجتمع الدولي قد انفتحت على نوع جديد من العلاقات الدولية اوجدتها فكرة التعاون الجديدة لمواجهة الأخطار العالمية الطارئة .

    وبتاثير هذه الظروف الجديدة التي انطبعت فيها التجمعات الانسانية بطابع الخضوع للقانون والالتزام بقيوده ، فان ( السيادة ) قد اخذت نصيبها من هذا الالتزام إذ لم تعد احدى الخصائص الذاتية للسلطة بقدر ما وجهتها فكرة التعاون الدولي المرتبطة بأحكام القانون وبمجموعة القيود الاخلاقية نحو غاية معينة ومرسومة هي في عهد العصبة كما في الميثاق – فكرة السلام- وبتاثير ذلك كان طبيعياً ان تحل محل فكرة السيادة بمعناها الكلاسيكي القديم جملة من المزايا والحقوق والواجبات احتوتها جميعاً عبارة ( الاختصاص الوطني او الدومين[111]) المحفوظ لمواجهة الحقائق الموضوعية للدول المستقلة في المجتمع          العالمي الجديد .

    ومن الواضح ان ربط فكرة السيادة بفكرة الاختصاص الوطني او الدومين المحفوظ وتقيدها بقيود القانون الدولي قد اخضعها لاعادة تكوين جديدة اكتسبت به نشاطاً  ربطها بالغاية النهائية من وجود القانون الدولي ومن ثم التنظيم الدولي بحيث اصبحت مرتبطة به ارتباطاً عضوياً و قوياً  يسمح لها باْداء مهامها في حدود الصالح العام [112] وهذا الالتزام والارتباط هو الذي يسبغ عليها بنظر الجماعة الدولية طابع المشروعية .

    وامام هذه الظاهرة المزدوجة النابعة من جهة ، من ارتباط السيادة بفكرة السلام الدولي التي يجب ان تعلو على كافة الاعتبارات مهما كان نوعها سواء كانت متعلقة بكافة الحقوق القومية ام بممارسة كافة التضحيات وفقاً لما جاء في المادة (1) من العهد وكما يرى بهذا الخصوص الاستاذ Charles Dupuis [113]ومن جهة اخرى من ارتباط وجود الدول ذات السيادة بالقانون الدولي وبالمجتمع الدولي وما يترتب على هذا الوجود من ضرورة الاعتراف بها من قبله كدول ذات سيادة ودول راغبة بالسلام ، كل ذلك قد قلب مضمون العلاقات الدولية واباح لهذا المجتمع التدخل في الشؤون القومية بقدر الحاجة الماسة الى حماية امنه واستقراره   وسلامته . ولم يقتصر الامر على تكريس فكرة الصالح العام في المجتمعات الراسمالية وفي المجتمع الدولي على وجه الخصوص بل نحت بعض التجمعات الدولية الاخرى ( ولغاية العقد الاخير من القرن العشرين ) هذا المنحى للقول بان هناك مصلحة عليا تؤلف قاسماً مشتركاً بين جميع الاعضاء وتستحق بالتالي التضحية بجزء من حقوقها السيادية .

    ومن هذا المنطلق ذهب الكتاب السوفيت (آنذاك) إلى أن السيادة القومية ضمن المجموعة الاشتراكية قد دخلت  في عالم جديد اضطرت معه إلى التخلص من رواسبها القديمة بتاثير (المصلحة العامة للجماعة الاشتراكية) والتي كان من اهم آثارها أنها أحدثت تغيرا عميقا في ماهية الحدود ، من حدود ثابتة إلى حدود متحركة وواهية تسمح للكيان الدولي بتجاوزه كلما دعت الحاجة إلى ذلك [114] .

    وخلاصة القول في كل ما ذكرناه هو ان السيادة قرين للقانون الدولي من وجهتين الأولى كونها عنصرا معنويا من عناصر الدولة التي كانت وما زالت أهم اشخاص القانون الدولي والثانية من حيث وظيفتها في الوقت الراهن حيث تسعى لتكون عنصرا ايجابيا في محيط العلاقات الدولية والتعاون فيما بين الدول من أجل المحافظة على السلم والامن الدوليين الذي يسعى اليه القانون الدولي بكل فروعه وانشطته فهي أي السيادة والحال هذه على علاقة وثيقة وصلة لا ينفصم عراها مع القانون الدولي ، وهي تدور معه وجودا او عدما ما دام المجتمع الدولي قائما على تعدد وحداته فان تلك الوحدات لا بد لها ان تتحصن بالسيادة لكي تحافظ على ذاتها وارادتها واستقلالها وهو ما لا يتم إلا في ظل سيادة الدول بل والمساواة في السيادة .

المبحث الثالث:طبيعة السيادة والاختصاصات الناشئة عنها 

    كنا قد تناولنا في المبحثين الأول والثاني من هذا الفصل ، السيادة وعلاقتها بالدولة من جهة وعلاقتها بالقانون الدولي من جهة أخرى . ولاشك ونحن نبحث في هذين الموضوعين كنا قد مسسنا طبيعة السيادة والاختصاصات الناشئة عنها بايجاز وفي هذا المبحث سنحاول تحديد طبيعة السيادة والاختصاصات الناشئة عنا بشيء من التفصيل .

    لقد تمت الاشارة في المبحث الأول إلى ان الملوك الذين ظهروا في أوربا ما بين أواخر القرن السادس عشر ومنتصف القرن الثامن عشر قد استندوا إلى مفهوم السيادة لتثبيت مراكزهم والإجهاز على سلطات الكنيسة والإمبراطور وبما يعزز سلطتهم المركزية داخل دولهم[115]. رغم انها بقيت فكرة غير محددة المعالم بشكل دقيق وغامضة وينتابها كثير من الشك [116] . ولقد انعكس هذا الشك والغموض على تعريف فكرة السيادة ، فجانب من الفقة أنكرها وجانب آخر قال بوجودها رغم عدم الإتفاق على تعريف جامع مانع لها . ومن الذين لا يعترفون بفكرة السيادة Basdevant حيث يرى أن سيادة الدولة مبدأ هدام للقانون الدولي على الإطلاق [117] .

    ويذهب الاستاذ Morelli  إلى ان السيادة تجر المجتمع الدولي إلى الفوضى وتؤدي إلى تمزيق اساس القانون الدولي نفسه . ويعتقد العميد دوكي أن السيادة لا تلبي متطلبات القانون الدولي المعاصر وذلك لأنها لا تتفق واتجاهاته [118] أما الأستاذ (George scelle ) وبعد انتقاده لفكرة السيادة فقد استخلص آن الذي يمكن أن يقوم مقامها هي فكرة الاختصاصات وأن المهمة الرئيسة للقانون الدولي تتجه نحو إعطاء الإختصاص  لأشخاص وتقسيمها فيما بينهم .

    وللأستاذ مورجنثاو نظرته الخاصة حول مفهوم السيادة ومدى انعكاسها على فاعلية القانون الدولي العام . إذ أنه يرى أن من الإستحالة المنطقية أن يتم التوفيق بين ظاهرتين تعدان لباب القانون الدولي وجوهره . الفرضية الأولى تتجلى في أن القانون الدولي يفرض قيوده على الدول فرادى أما الفرضية الثانية فهي أن هذه الدول نفسها ذات سيادة أي ان لها القدرة والسلطان في فرض القوانين وتنفيذها من غير أن تكون خاضعة لأية قيود قانونية ، فالسيادة لا تتفق مع النظام القوي والمركز الفعال للقانون الدولي ، وبهذا فهي لا تتضارب مع النسق القانوني الدولي إذا كان مفتقرا إلى التركيز والفاعلية فالسيادة في نظر مورجنثاو هي مصدر اللاتركيز والافتقار الى الفاعلية  بالنسبة للقانون الدولي [119] .

     أما الذين يقرون بوجود فكرة السيادة ” ستارك ” حيث يعرفها بانها البقية التي تملكها الدولة في نطاق الحدود التي يرسمها القانون الدولي[120] أما لدى فنويك فالسيادة تعني عنده الشخصية المستقلة التي تتمتع بها الدولة ضمن إطار العلاقات الدولية ، أي عدم خضوعها في علاقاتها مع الدول  لأية دولة أخرى[121]كما أن الأستاذ Oppenhim  عرفها بانها السلطة العليا التي تكون مستقلة وغير خاضعة لأية سلطة أخرى[122]. كما ويعرفها الأستاذ Reuter من انها تحدد بخاصية واحدة ، هي عدم الخضوع لسلطة أخرى من الطبيعة نفسها[123] أما الأستاذSchwar Zenberger  فقد أورد بعض الحالات التي تستمد السيادة مضمونها منها وهي :

1- التزام الدول بالقواعد العرفية والمبادئ المسلم بها لدى الأمم المتمدنة

2- لا يمكن فرض أي التزام على الدول إلا بارادتها .

3- تتمتع الدول باختصاص شامل على إقليمها ، ما لم يتقيد هذا الاختصاص بقواعد دولية

4- يشمل اختصاص الدولة على ما يوجد على اقليمها من اشخاص واشياء

5- أي تدخل أو عدوان غير مشروع من احد اشخاص القانون الدولي العام يعد انتهاكا للقانون الدولي [124] .

    كما أن فقهاء القانون الدولي في الإتحاد السوفيتي السابق كانوا ينظرون إلى فكرة السيادة من أنها مظهر سياسي وقانوني لا غنى عنه لكل دولة ولا ينفصل عن صيغتها الخاصة [125] .

    من خلال استعراضنا لهذا الكم من التعاريف لمبدأ السيادة والتي انقسمت ما بين مناهض ومؤيد لهذا المبدأ المثير للجدل ، إلا ان الذي نستطيع ان نخلص إليه من هذه التعاريف وكما اسلفنا سابقا أن السيادة كانت ولا زالت تمثل مبدأ مهما من مبادئ القانون الدولي بقدر تناغمها معه وعدم تعارضها لاحكامه ، حيث تقيد السيادة شيء وإلغائها شيء مختلف آخر فهي لا زالت موجودة فعلا في محيط التعامل الدولي وهذا ما اكدته محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر عام 1986 والمتعلق بالانشطة العسكرية في نيكاراغوا حيث اقرت المحكمة بأن ” السيادة تشكل المبدأ الذي يستند عليه  القانون الدولي كله ” لذلك فإن انتهاكها أو المساس بها يؤدي إلى الإنتقاص منها أو إنعدامها [126] ليس بذاتها فحسب بل بالقيم المرتبطة بها كالحرية والإستقلال والكرامة الوطنية حيث أن هذا المبدأ لا يمكن أن يخرق من دون ان تصاب هذه القيم بالصميم . لذلك تم إعتبار مبدأ السيادة ركنا اساسيا من اركان أي مجتمع سياسي مستقل منظم متحرر من التبعية والخضوع فهي     ( أي السيادة ) بهذا المعنى أضحت الضالة المنشودة لجميع الأمم والشعوب في كفاحها من اجل الاستقلال وهي من اجل ذلك أكتسبت هالة من التقديس وجعلت منها مطلبا أساسيا وضروريا في بناء الأمم السياسي في القديم والحديث[127] لذلك ليس مستغربا أن يكون هنالك اتجاها اطلاقيا لمبدأ السيادة في المجال الوطني أو في المجال الدولي سيطر لفترة طويلة على فقه القانون الدولي .

    فالسيادة المطلقة التي ترعرعت في العصور الوسطى لم ينج منها العصر الحديث والمعاصر بالرغم من اتسامه بعصر التنظيم وما يعنيه ذلك من قيود على ارادات الدول في المجالين الداخلي والدولي , ولقد أحيت ألمانيا الهتلرية في اثناء الحرب العالمية الثانية هذا الاتجاه الاطلاقي للسيادة في ظل الفلسفة العرقية والتعصب القومي تحت شعار : ألمانيا فوق الجميع ، ولقد لعبت مدرسة سافيني [128] التاريخية دورا هائلا في بعث هذه الفكرة وفي اقناع الرأي العام الألماني بها استنادا إلى أسانيد فلسفية وتاريخية . فهذا الرأي العام هو نتاج تاريخي لعديد من الظروف املت على شعوب المنطقة حسا معينا بمصلحة الوطن على أساس الفهم الإقليمي الضيق ، وهذا يتعارض مع فكرة الإنسانية المشتركة وفكرة السلام .

    أما المدرسة الاخرى التي برر اطلاقية السيادة فهي المدرسة الوضعية التي أسسها دي مارتين [129] والتي تذهب إلى انه مادام القانون هو نتاج لسيادة الدولة ، فالقانون الذي يقيد الدولة لا بد أن يكون صادرا عن ارادتها القوميةالتي هي مصدر السلطات والتشربع وإذا جاز التحدث عن القيد الاختياري فإنه لا يحدث أي تغير في مفهوم السيادة المطلقة لأن القيد الحر وفقا للرأي الراجح ليس قيدا مادام وجوده وعدمه منوطا بارادة الدولة نفسها كما قامت في فرنسا مدرسة أخرى  بزعامة بيليه (Pillet) وهي تذهب إلى ان أساس القانون الدولي كله هو في الحقوق التي تتمتع بها كل دولة في نطاق علاقات التعايش بين اعضاء الاسرة الدولية والتي يلزم الإعتراف بها  ، بوصفها حقوقا اساسية لا غنى عن وجودها . وقد أختلف علماء هذه المدرسة في بيان الحقوق الاساسية للدولة  فإن لكل دولة حقوق اساسية في البقاء والاستقلال والمساواة والاحترام والتعامل مع الدول الأخرى [130] ، لقد تفاعلت هذه المدارس المختلفة التاريخية والوضعية والألمانية والفرنسية والتي كانت كل منها تمثل نظرية قانونية ، حيث كان نتيجة هذا التفاعل  تبلور نظرية تقليدية للسيادة تقوم على ان للسيادة مظهرين :-

1- مظهر داخلي مبتغاه حرية الدولة في التصرف في شؤنها الداخلية وفي تنظيم مرافقها العامة وفي فرض سلطاتها على جميع ما يوجد على اقليمها من اشخاص واشياء .

2- مظهر خارجي مبتغاه استقلال الدولة بادارة علاقتها الخارجية دون أن تخضع في ذلك لأية سلطة عليا وحقها في اعلان الحرب او التزام موقف الحياد[131]وانه لا يمكن اكراه الدولة على عرض منازعاتها أمام محكمة دولية كما ويترتب على مظهر السيادة الخارجي ما يلي :

أولا : الاستقلال [132] .

    لقد اختلف فقهاء القانون الدولي ازاء مفهومي السيادة والاستقلال فالذين ظهروا في القرن التاسع عشر قالوا باختلاف المفهومين وعدم تطابقهما لا من ناحية اللفظ ولا من ناحية المضمون . بينما العديد من فقهاء القانون الدولي  في القرن العشرين ذهبوا إلى القول بترادف السيادة والاستقلال فيذهب الفقيه Rivier  إلى ان السيادة تعني تسير الشؤون الخارجية للدولة اما ما عداها لا سيما ادارة البلاد داخليا فهو يعني الاستقلال . فالسيادة تعني الواجهة الخارجية للدولة بينما الاستقلال يمثل الواجهة الداخلية[133]ويذهب Briarly  إلى ان الاستقلال يراد به الوضع الذي تكون فيه الدولة مسيطرة على علاقتها الخارجية بمنأى عن أي تدخل او ضغط تمارسه دولة اخرى ويزيد في القول إلى ان مفهوم ” الاستقلال مصطلح سياسي ولا يمكن أن تقرر من خلاله الحقوق الإيجابية للدول لذا فهو مصطلح وصفي ولايحوي على أي مضمون معنوي[134] ويرى اللورد ماكنير ان مفهوم السيادة هو من تعابير العلوم السياسية وليس القانونية ويفضل استبداله بمصطلح الاستقلال على اعتبار أنه أكثر وصفا واكثر واقعية [135].

   اما الفقيه max hober  وفي صدد التفسير الذي اورده في قضية بالماس بين هولندا والولايات المتحدة الأمريكية فيرى ان السيادة في إطار العلاقات ما بين الدول تعني الاستقلال [136] .

    ويرى الأستاذ جورج سل إن الفكرة القانونية الوحيدة التي لها الحق في أن تحل محل السيادة هي فكرة الإستقلال [137] ويبين الأستاذ شارل روسو ، ان مفهوم الاستقلال لا يختلف في المغايرة اللفظية عن مفهوم السيادة  فحسب ، وإنما يتعداه إلى المضمون . فكلاهما يختلف عن الآخر في اللفظ والمضمون ، وبالتالي فهو يذهب إلى ان يستعمل الاستقلال بدلا من السيادة كمعيار يميز الدولة عن بقية اشخاص القانون الدولي العام ووفق رايه فإن الاستقلال يقوم على ثلاثة عناصر هي [138] :-

  • الاختصاص المانع
  • الاختصاص الجامع
  • الارادة الذاتية الحرة بممارسة الإختصاص .

    ويذهب الأستاذ روسو في نقده لنظرية السيادة إلى مايلي :- [139]

  • إن مضمون السيادة في حد ذاته مضمون غير واضح
  • إن السيادة فكرة غير قانونية بل هي تتعارض مع القول بوجود القانون .
  • إن مفهوم السيادة يتعارض مع الحقائق الواقعية للمجتمع الدولي القائم
  • إن التمسك بالسيادة يؤدي إلى أخطار تهدد السلام

    ومهما يكن في أمر الجدل في هذا الموضوع فإن أستاذنا الدكتور خليل الحديثي قد لخص ذلك الجدل بقوله ( اذا كان فقهاء المدرسة الواقعية يتهمون المدرسة التقليدية بعجزها عن تقديم تحديد دقيق لمضمون السيادة فإنهم لم يسلموا من ذات النقد فلقد صاغوا مفهوم السيادة تحت كلمة الاستقلال) [140]  .

ثانيا : المساواة .

    وهي مظهر آخر للسيادة مبناه أن جميع الدول متساوية أمام القانون الدولي وتتمتع بالحقوق التي يقررها هذا القانون وتلتزم بالتزاماته ، وذلك بصرف النظر عن مساحتها او عدد سكانها أو مقدار تقدمها [141] . ولما كان القانون الدولي على حد تعبير مور جينتاو يقوم بين كيانات متساوية متناسبة ، لا بين كيانات فيها التابع والمتبوع وإن الدول تخضع للقانون الدولي وحده ولا تخضع الواحدة منها للأخرى ، فهي إذن متساوية ومتكافئة [142] . ويذهب الأستاذHerbest Weinschel  إلى القول بما أن الدول قد أصبحت مستقلة بعضها عن البعض الآخر ونهضت في المجتمع الدولي كدول ذات سيادة فإن المساواة بينها تعتبر نتيجة لتلك السيادة [143].

وترتبت على هذه المساواة القانونية جملة نتائج منها :

1- بما أن مبدأ المساواة القانونية يطبق بين الدول تامة السيادة فهذا يعني عدم خضوعها بعضها للبعض الآخر ، إذ لها الحق في رفض أي طلب يمس استقلالها وسيادتها مادام لا تقرره  عليها التزاماتها الخاصة او تعهداتها الدولية العامة .

2- ان للدول جميعاً  وبشكل انفرادي حق التصويت في المؤتمرات والهيئات الدولية التي تكون طرفاً فيها ، فلكل دولة صوت واحد [144] .

3- وكنتيجة لمساواة الدول قانوناً فان لكل دولة ان تستعمل لغتها الخاصة بها في التعامل مع غيرها ، ونظراً لوجود العديد من اللغات في المجتمع الدولي فلقد جرى العرف الدولي على استعمال اللغة اللاتينية حتى اوائل القرن الثامن عشر ثم استعيض عنها بالفرنسية ثم استعملت اللغة الانكليزية وبعد الحرب العالمية الثانية دخلت لغات اخرى الى جانب تلك اللغتين لغرض تسير الشؤون الدولية ، حيث ان الامم المتحدة تستعمل سبع لغات رسمية لادارة شؤونها حاليا .

  • لايجوز ان تخضع دولة ما في تصرفاتها لقضاء دولة اخرى ، الا في حالات استثنائية [145] .

      ولكن من الواضح ان دول العالم ليست متساوية في معظم الحالات فهي تختلف من حيث جميع العوامل التي تنطوي عليها فكرة القوة الوطنية .

    لذلك  ظهر لنا مصطلحا المساواة في الواقع والمساواة امام القانون ، حيث فرقت المحكمة الدائمة للعدل الدولي في سنة 1935 بين المساواة في الواقع والمساواة في القانون لدى ابدائها رايها الاستشاري في مدارس الاقلية في البانيا .

ومن الغريب ان المادة الثانية من ميثاق الامم المتحدة التي تنص على المساواة بين الاعضاء في السيادة قد تم خرقها بالمادة الثالثة والعشرين من ذات الميثاق لمنحها الدول الخمس الكبرى مقاعد دائمة في مجلس الامن بينما ينتخب الاعضاء العشرة الاخرون لمدة سنتين فقط ناهيك عن حق النقض ( الفيتو)  [146] . الذي تتمتع به الدول الخمس الكبرى .

ثالثاً : الاجماع

    هو مظهر اخر من مظاهر السيادة المطلقة التي تتعارض وفكرة أي تنظيم قانوني للجماعة الدولية . فالسيادة بمفهومها التقليدي انما تعني التفوق واستبعاد أي احتمال للخضوع الى سلطة اخرى حتى وان كانت سلطة القانون والعدالة . وقد ترتب على ذلك ان قواعد القانون الدولي كان يتعذر فرضها على الدولة بدون ارادتها . وبذلك اصبحت ارادة الدولة المصدر الوحيد لتلك القواعد . [147] ولما كانت الدولة لايمكن ان تتقيد الابرضاها وارادتها ، وجب ان لاتصدر قرارات المؤتمرات والمنظمات الدولية الا بالاجماع .

    والاجماع يعني عدم جواز الزام الاقلية برأي الاكثرية ، أي ان جميع الدول متساوية ازاء أي عمل تشريعي في أي مؤتمر دولي وبالنسبة لاي مسألة لها علاقة بأحد الاعضاء او بالمصلحة المشتركة لمجموع هؤلاء الاعضاء . [148] فالدولة تقرر بنفسها ما اذا كانت تريد الالتزام بقرارات المؤتمر ام انها ترفض ذلك ، فالدول لاتلتزم بغير رضاها  [149] .

    ان شرط الاجماع كان هو السبب الذي ادى الى فشل التحكيم الالزامي في مؤتمري لاهاي لسنة 1899 و 1907 ، كما ان اجهزة عصبة الامم كانت عرضة لخطر الشلل و الضعف بسبب شرط الاجماع في اتخاذ القرارات . اما في الوقت الحاضر فلم يعد في مقدور الدول ان تدعي بتفوقها على القانون الدولي بل اخذت الدول تعتمد عليه وتعلن تمسكها به وتتنازل عن بعض حقوق السيادة التقليدية في سبيل الحصول على ماتحتاجه من عون وحماية . لذلك بدأت قاعدة الإجماع بالتقهقر أمام قاعدة الأكثرية وذلك مع تقدم التنظيم الدولي وتكاثر المنظمات  الدولية [150] فقاعدة الأكثرية ذات المحتوى الديمقراطي [151]تؤلف انسجاما رائعا مع نظرية السيادة المقيدة من جهة وتمثل انعكاسا للتحولات التاريخية التي رافقت التنظيم الدولي من جهة أخرى . فالتنظيم الدولي المعاصر  لم يكن عبارة عن مؤتمرات للتشاور ليست لها إرادة مستقلة عن الإرادات المتفاوضة بل هو شكل جديد من اشكال المجتمع الدولي انبثق عن مختلف الإرادات التي اسهمت في إيجاد ارادة مستقلة هي ارادة المنظمة وذاتية متميزة عن ذاتيتها التي تحيا حياتها الخاصة بالاستقلال عن الدول الأعضاء وتختلف عنها من حيث الطبيعة ومن حيث السمو القانوني . ولهذا فإننا نرى أن تطور التنظيم الدولي من مؤتمر للتشاور إلى هيئة لها شخصيتها وإرادتها المستقلة . وان ذلك هو التفسير المنطقي لتطور قاعدة التصويت من الأخذ بمبدأ الإجماع إلى الأخذ بمبدأ الأكثرية[152] ويرى الأستاذ c.w. jenks  ان المعركة التي قامت لاحلال الأكثرية محل الإجماع في التنظيم الدولي قد كسبت الآن وإن نبذ قاعدة الإجماع هو خطوة اساسية في الطريق إلى منح المنظمة الدولية القدرة على التصرف بفاعلية[153] إن الأخذ بمبدأ الأكثرية يمثل بلا شك مرحلة من مراحل التنظيم الدولي التي تم فيها هجر نظرية السيادة المطلقة وإحلال نظرية اخرى مكانها نابعة من العلاقات الدولية الحديثة ألا وهي نظرية المصلحة العالمية المشتركة ، ولا شك ان المنظمة الدولية الجديدة قد حققت تطورا كبيرا بتحولها من الأخذ بطريقة التصويت بالاجماع الى الاخذ بطريقة التصويت بالأكثرية .

     وقد نص ميثاق الأمم المتحدة صراحه على وجوب اتباع هذه القاعدة في جميع فروع الأمم المتحدة وهذا ما نصت عليه المادة 18 من الميثاق .

خصائص السيادة .

يمكن تلخيص الخصائص المختلفة للسيادة بما يلي :[154]

1- انها مطلقة

2- انها شاملة   

3- لا يمكن التنازل عنها

4- أنها دائمة  

5- لا تتجزأ   

   وهذه الخصائص مستمدة مما عدده الدستور الفرنسي الصادر في الثالث من ايلول سنة 1791 . فقد قررهذا الدستور أن (السيادة واحدة لا تقبل التجزئة ، ولا تقبل التصرف فيها ، ولا تخضع للتقادم المكسب أو التقادم المسقط)[155]

السيادة المطلقة :

  فالسيادة المطلقة هي أعلى صفات الدولة ، واطلاق سيادة الدولة يعني أن لا يكون في داخل الدولة ولا في خارجها هيئة سلطتها أعلى من سلطة الدولة حيث أن السيادة [ هي بحكم الضرورة ولاية الدولة في حدود اقليمها ولاية انفرادية ومطلقة] كما قررت ذلك المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية في إحدى الدعاوى عام 1812 [156] فللدولة سلطة على جميع المواطنين والصفات الأخرى للسيادة كلها مستمدة من هذه الصفة الرئيسية[157] وعلى جميع الأفراد ، كما على الدول الأخرى أن تلتزم باحترام سيادة الدولة . وقد قررت محكمة العدل الدولية في الحكم الذي اصدرته في قضية مضيق كورفر في 9 نيسان 1949 ما يلي :

(إن احترام السيادة الإقليمية فيما بين الدول المستقلة يعد  اساسا جوهريا من اسس العلاقات الدولية ) [158] .

السيادة الشاملة :

    ومعنى شمول السيادة انها تطبق على جميع المواطنين في الدولة والاستثناء الوحيد من ذلك هو ما يتمتع به الدبلوماسيون الاجانب المعتمدون  لدى الدولة من حصانات وامتيازات دبلوماسية  ، فدار السفارة تعتبر تابعة للدولة التي تمثلها وموظفوها يخضعون لسيادة دولهم ، وهذا عرف جرت عليه الدول وأصبح من مبادئ القانون الدولي العام [159] .

السيادة لا يتنازل عنها

    لا تستطيع الدولة ان تتنازل عن سيادتها والاهدمت نفسها أيضا ، فالدولة والسيادة  متلازمان ومتكاملان . ولكن الدولة ما أن تتنازل لمن شاءت من جزء من ارضها وفي هذه الحالة تنتقض سيادتها بالنسبة لذلك الجزء من أقليمها الذي تنازلت عنه ، وتنتقل السيادة إلى الدولة التي تم هذا التنازل لحسابها [160] .

السيادة دائمة

    تدوم السيادة بدوام قيام الدولة ، فإذا توقفت السيادة كان معنى ذلك وقوع نهاية   الدولة ، كما أن فناء الدولة يلازمه زوال السيادة وأنقضاؤها [161] .

السيادة غير قابلة للتجزئة

    السيادة لا يمكن تجزئتها ، والدولة الواحدة لا توجد فيها الا سيادة واحدة ، ولا تعتبر الدول المتحدة اتحادا فيدراليا مثل الولايات المتحدة الأمريكية مجزأة السيادة

إذ لا يستساغ أن تكون السيادة فيها موزعة بين أدارة محلية وأدارة مركزية . فالسلطة المركزية هي التي تتمثل فيها جميع خصائص السيادة دون غيرها من السلطات التابعة .

    لقد عرضنا فيما سبق لنطاق السيادة ومظاهرها وخصائصها وأوصافها وفقا للنظرية التقليدية وكما هو معلوم أن هذه النظرية التي أعطت للسيادة معنى السلطة العليا خارجيا وداخليا كانت تصلح اساسا لتفسير مباشرة الدولة لسلطاتها المطلقة في الظروف التي لازمت نشوء الدولة في مظهرها الحديث بعد تحريرها من سلطان الإمبراطورية وسلطان البابوية . غير أن العمل والقضاء والفقه الدولي رفض – في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين – الاستمرار في قبول النظرية التقليدية كأساس للعلاقات بين الدول وأتجه إلى الأخذ بمبدأ السيادة  المقيدة بالقواعد الدولية التي تشارك الدول في وضعها إذ تتقبلها برضا وحرية[162]0وتعرضت على هذا الأساس نظرية السيادة المطلقة رغم رواجها وسيطرتها على فقه القانون الدولي ردحا طويلا من الزمن ، إلى نقد شديد من فقهاء المدرسة الاجتماعية امثال ليون دكي ، وجورج سلscelle  وبوليتيس politis متهمين النظرية بالعجز وذلك بكونها محاطة بالكثير من الغموض وصعوبة التسليم بها من الوجهة العلمية . ويرى جورج سيل أنها تفضي إلى تناقض منطقي بين فكرة السيادة ذاتها التي تستعصي على التحديد وفكرة القانون التي تستلزم الخضوع [163] وإن التصور الشامل لدى سيل عن الدولة والقانون ينبغي أن يصاغ على أساس واقعي، ويرى سيل ضرورة نبذ الكثير من النتائج التي يعتبرها تترتب على تلك المنطلقات المثالية كفكرة المقدرة وفكرة الشخصية القانونية ، وفكرة السيادة . ويرى سيل أن فكرة السيادة لا تقتصر على تناقضها مع فكرة القانون فحسب بل لكونها مجرد فرض لا يستقيم مع أي نظام اجتماعي وسياسي [164]  .

    ولم يقتصر الامر لدى فقهاء المدرسة الواقعية في انتقاد المدرسة التقليدية في السيادة بل تعداه إلى انكار السيادة أصلا ، وقالوا بعدم صلاحيتها كمعيار قانوني للدولة ، ولذا توجب في نظرهم هجرها واستبدالها بالاستقلال كمعيار بديل عنها كما سبق وان اشرنا إلى ذلك [165]وقد ظهرت مع بداية انتشار الفكر الليبرالي بوادر تدعو إلى الحد من السيادة المطلقة وإلى صياغة مفهوم ليبرالي للدولة قائم على أساس (حماية الحق الطبيعي للفرد وتكمن اهمية ذلك في وجوب وضع حدود طبيعية لسلطان الدولة وإن هدف الدولة الأخير هو تنمية الحرية ، وكان من ابرز المفكرين في هذا الإتجاه هو باروخ سبيوز.

    اما جون لوك ومونتيسيكيو وجان جاك روسو فقد تركزت افكارهم في البحث عن مصدر آخر للسيادة وعرضها بطريقة فهم جديدة لفكرة العقد الاجتماعي .

    ان  القانون الدولي المعاصر [166] ونشوء المنظمات الدولية اضافا بعدا آخر لمفهوم السيادة حيث انتقل هذا المفهوم الى إطار قانوني وسياسي جديد جعلها أدنى للقبول وعرضة لمزيد من النقد . وقد حاول الفقيه القانوني بولينس ان يقرب محتوى فكرة السيادة هذه من الواقع بالقول ان الدولة وهي تمارس حقوقها واختصاصاتها المتفرعة عن السيادة يجب ان تتقيد بالقاعدة العرفية التي تقضي بعدم التعسف في استخدام الحقوق ، واذا كانت العلاقات الدولية ضرورة قائمة ، فان السيادة يجب ان لا تستعمل استعمالا ضارا بالقواعد التي يرتضيها المجتمع في عمومه لتنظيم هذه العلاقات ، وأنها إذا استعملت على هذا النحو فان استعمالها يعد إساءة لاستعمال الحق وخرقا للقانون الدولي [167] .

    وخلال نصف القرن الأخير من القرن العشرين تعرضت نظرية السيادة المطلقة الى نقد شديد دار كله حول التقليل من أهميتها ، وحول تقيد مظاهرها . ومن الذين حملوا راية نقدها العميد ليون دكي ( 1859 – 1928 ) والفقيه بيليه   ( 1857 – 1926 ) والسياسي اليوناني بوليتيس ( 1872 – 1942 ) والاستاذ جورج سل ( 1884 – 1960 ) [168] .

فالمجتمع الدولي قد استقر على الاخذ حاليا بمبدا السيادة المقيدة ، ” كما يقول استارك ” [169] .

    فالسيادة حاليا هي مجموعة السلطات التي تتمتع بها الدولة في الحدود التي تقررها القواعد الدولية ، والقواعد التي وردت في ميثاق الأمم المتحدة ليست فقط دستور الأمم المتحدة بل هي على حد تعبير هانز كلسن القانون الدولي العام المقنن والمقبول من أعضاء الجماعة الدولية [170] .

   الهوامش

[1]– خليل اسماعيل الحديثي . المعاهدات غير المتكافئة المعقودة وقت السلم . بغداد . مطبعة جامعة بغداد ، 1981 . ص 20 .

[2] – John T . Rourke and Mark A . Boyer . WORLD POLITICS , Third edition . Dushkin McGraw – Hill , 2000 United States of America . p , 138

[3] – حامد سلطان .  القانون الدولي العام في وقت السلم  . ط3 . القاهرة . دار النهضة العربية ، 1968 . ص 763 .

[4] – خليل اسماعيل الحديثي . مصدر سابق . ص 20 .

[5] – حامد سلطان . مصدر سابق . ص 773 .

[6] – لمزيد من التفاصيل حول نشوء الدولة القومية انظر  . حامد سلطان . المصدر السابق . ص 780 .

[7] – محمد طلعت الغنيمي .  الغنيمي في التنظيم الدولي  . القاهرة ، منشأة المعارف بالاسكندرية ، 1974 ، ص 107.

[8] -حامد سلطان . مصدر سابق . ص 781 .

[9] – المصدر نفسه . الصفحة نفسها .

[10] – لعل من ابرز هؤلاء المنظرين القديس توما الاكويني ( 1225 – 1274 ) وفيتوريا (1480 – 1546) وفرانسيسكو سورايز ( 1548 – 1617 ) وبالتزار  أيالا ( 1548 – 1584 ) والبريتو جنتلي       ( 1552 – 1608 ) .

[11] – عبد الحسين القطيفي .  القانون الدولي العام . الجزء الاول . بغداد . مطبعة العاني ، 1970 . ص 273

[12] – حامد سلطان . مصدر سابق . ص 782 .

[13] –  خليل الحديثي . مصدر سابق . ص 22 .

[14] –  محسن الشيشكلي .  الوسيط في القانون الدولي العام . الجزء الاول . ليبيا . منشورات الجامعة الليبية  كلية الحقوق ، 1973 . ص 374 .

[15] –  المصدر السابق . ص 375 .

  – [16] A . Leroy Bennett. International Organization: Principles And Issues. Englewood Cliffs, New Jersey, 1977, p. 151.

[17] – عدنان نعمة .  السيادة في ضوء التنظيم الدولي  . بيروت ، 1978 . ص 141 .

[18] – خليل الحديثي . مصدر سابق . ص 20 .

[19] – حسن الجلبي . القانون الدولي العام . بغداد . مطبعة شفيق ، 1964 . ص 188 .

[20] – حامد سلطان . مصدر سابق . ص 796 .

[21] – جان توشارد .  تاريخ الفكر السياسي  . فرنسا . جامعة باريس ، 1963 . ص 232 .

[22] – جورج هـ . سباين . تطور الفكر السياسي  ، الكتاب الاول ، ط4 . ترجمة حسن جلال العروسي . القاهرة . دار المعارف بمصر ، 1971 . ص 559 .

[23] – بطرس بطرس غالي و  محمود خيري عيسى .  المدخل في علم السياسة  . ط3 . القاهرة .  مكتبة الانجلو المصرية ، 1966 . ص 323 .

[24] – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص 281 .

[25] – المصدر السابق . ص 282 .

[26] – فقيه هولندي ( 1583 – 1645 م ) ولمزيد من التفاصيل حول حياته ومؤلفاته انظر المصدر السابق .

[27] -عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص 293 .

[28] – Visscher .S. The Ories Et Realites En D . Interna . Public Paris , 1960.p.4.
                                                                   ذكره عدنان نعمة ، مصدر سابق ، ص 145.

[29] – المصدر نفسه . ص 148 .

[30] – عبد المجيد العبدلي . قانون العلاقات الدولية . تونس . دار اقواس للنشر ، 1994 . ص 105 .

[31] – من هؤلاء العلماء فرانشيسكو دي فيتوريا ( 1480 – 1546 ) وفرانشيسكو سواريز                    ( 1548 – 1617 ) والبيريكوس جنتيليس ( 1552 – 1608 ) ودي غروت (1583 – 1645) واميريك دي فاتيل ( 1714 – 1767 ) وجوهان جاكوب موزر ( 1701 – 1785 ) ودومارتينس ( 1756 – 1821 ) .                                                                               

ولمزيد من التفاصيل عن هؤلاء الاعلام . انظر جيرهارد فان غلان . القانون بين الامم  . الجزء الاول ، تعريب عباس العمر . بيروت . منشورات دار الافاق الجديدة ، 1970 . ص 50 . كذلك انظر عبدالحسين القطيفي . مصدر سابق . ص 292 .

[32] – محمد نصر مهنا . نظرية الدولة والنظم السياسية .جمهورية مصر العربية  . المكتب الجامعي الحديث الازاريطة  ، 2001 . ص 48  .

[33] – عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 147 .

[34] – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص 303 .

[35] -جان توشارد . مصدر سابق . ص 242 .

[36]_ محمد نصر مهنا . مصدر سابق . ص 52.

[37]  –حامد سلطان . مصدر سابق . ص 799 .

[38] -المصدر نفسه . الصفحة نفسها .

[39] – لمزيد من التفاصيل حول هذه القضية انظر ، اضافة الى المصدر السابق . جيرهارد فان غلان . الجزء الثاني. مصدر سابق . ص 29 .

[40] – محمد نصر مهنا . مصدر سابق . ص 64.

[41] – عبد الحميد متولي .  القانون الدستوري والانظمة السياسية . الجزء الاول ، ط3 . القاهرة . 1964 .
ص 30 .

[42] – محمد السعيد الدقاق . التنظيم الدولي  . ط3 . بيروت . الدار الجامعية للطباعة والنشر ، 1983 .
ص 35 .

[43] – ابراهيم احمد عبد السامرائي . الحماية الدولية لحقوق الانسان في ظل الامم المتحدة  . رسالة دكتوراه (غير منشورة) – مقدمة الى كلية القانون / جامعة بغداد ، 1997 . ص 46 .

[44] – تنسب هذه النظرية الى الفقيه الالماني جيلنك وفحواها ان القانون من صنع الدولة ورغم ذلك فهي تلتزم به فتحد من سلطانها وتقيد به سيادتها ولما كانت القيود التي تضعها الدولة على سيادتها هي بمحض ارادتها فان التزامها بها  لاينقص مطلقا من سيادتها او ينال من سلطانها . ولمزيد من المعلومات حول هذا الموضوع انظر . يحيى الجمل . الانظمة السياسية المعاصرة . بيروت . الدار العربية للنشر ، 1995 . ص 99 .

[45] – عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 182 .

[46] – عبد الحميد متولي . القانون الدستوري والانظمة السياسية. جمهورية مصر العربية . منشأة المعارف بالاسكندرية ، 1976 . ص 23 .

[47] – محمد طلعت الغنيمي . مصدر سابق . ص 112 .

[48] – محمد عصفور .  الضبط الاداري  . القاهرة ، 1967 . ص 290 .

[49] – محسن الشيشكلي . مصدر سابق . ص 379 .

[50] – حسن الجلبي . مصدر سابق . ص 189 .

[51] – حسن الجلبي . مصدر سابق . ص 191 .

[52] – محمد سامي عبد الحميد .  مقدمة في العلاقات الدولية . القاهرة . دار المعارف بمصر ، 1969 . ص430

[53] – علي صادق ابو هيف .  القانون الدولي العام  . ط12 . مصر . منشاة المعارف بالاسكندرية ، 1975 . ص 116 .

[54] – محمد نصر مهنا .  نظرية الدولة والنظم السياسية  . مصر . المكتب الجامعي الحديث ، الاسكندرية ، 2001 . ص 48 .

[55] – انظر المادة  2 / 1 من ميثاق الامم المتحدة.

[56] – خليل الحديثي . مصدر سابق . ص 22 .

[57] – محمد حافظ غانم . مبادئ القانون الدولي العام . القاهرة  . دار النهضة العربية ، 1967 . ص 160 .

[58] – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص 176 .

[59] – عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 25 .

[60]  – عبد المجيد العبدلي . مصدر سابق . ص 17 .

 

[61] – رينه جان دوبري . القانون الدولي. ترجمة سموحي فوق العادة . لبنان . منشورات عويدات . بيروت .  1973 . ص 27 .

[62]  – المصدر نفسه . ص 32 .

[63] – عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 33 .

[64]  – Marc S . Korowicz . Organisation International  Et  Of Souverainete Des Etats Members Paris 1961 . p . 10

نقلا عن المصدر نفسه . ص 37 . وللاطلاع على نص المعاهدة انظر . فتحية النبراوي ومحمد نصر مهنا . اصول العلاقات السياسية الدولية . مصر . منشأة المعارف بالاسكندرية ، 1985 . ص 20 .

[65]  – جيرهارد فان غلان .  مصدر سابق . ص 45 .

[66]  – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص 280 .

[67] – آينيس ل . كلود  . النظام الدولي والسلام العالمي  . ترجمة عبد الله العريان . القاهرة . دار النهضة المصرية ، 1964 . ص 43 .

[68] – المصدر السابق . ص 13 15 .

[69] – حافظ محمد غانم . مصدر سابق . ص 55 .

[70] – حكمت شبر .  القانون الدولي العام .  دراسة مقارنة بين الفقهين الاشتراكي والراسمالي . الجزء الاول . بغداد . مطبعة دار السلام  ، 1975 . ص 191 .

[71] – في سنة 1713 وقعت معاهدة اوترخت وراستاوت التي انهت حروب الوراثة الاسبانية التي دامت من سنة 1701 – 1713 .

[72] – عبد المجيد العبدلي . مصدر سابق . ص 36 .

[73] – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص 303 .

[74] – محسن الشيشكلي . مصدر سابق . ص 387 .

[75] – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص 306 .

[76] – محسن الشيشكلي . مصدر سابق . ص 388 .

[77] – عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 58 .

[78] – محمد حافظ غانم . مصدر سابق . ص 52 . وانظر كذلك  عصام العطية . القانون الدولي العام . ط4 . بغداد . الشركة العراقية للطباعة الفنية المحدودة . 1987 . ص 181 .

[79]– يعود اصل كلمة “الاتفاق ” في اصطلاح الاتفاق الأوربي إلى معاهدة التحالف المعقودة ضد نابليون في (شومون) بتاريخ أول آذار سنة 1814 بين النمسا وبريطانيا وبروسيا وروسيا ، وهي المعاهدة التي مهدت السبيل إلى التحالف المقدس في 26أيول سنة 1815 ومعاهدة التحالف التي تلتها بين الدول في 20 تشرين الثاني سنة 1815 . فقد نصت معاهدة (شومون) على تعهد الموقعين عليها بأن يقرروا (في اتفاق تام ) كافة الوسائل اللازمة من أجل أن يحققوا لأنفسهم ولأوربا سلاما شاملا تضمن في ظله حرية الامم جميعا . اما اصطلاح (الاتفاق الأوربي ) الذي يقصد به شبه دستور أوربي تمارس الدول الاوربية الكبرى بمقتضاه السلطة التقديرية العليا في القضايا العامة ولا سيما الأوربية منها فقد استعمل لأول مرة في معاهدة باريس المعقودة في 30 آذار سنة 1856 حيث قضت المادة 7 منها باشتراك تركيا في مزايا (القانون العام والاتفاق الأوربي ) . أنظر في تفاضيل أكثر حول هو الموضوع . عبد الحسين القطيفي مصدر سابق .    ص316 .

[80]– المصدر السابق . ص317 .

[81] – عصام العطية . مصدر سابق . ص182 .

[82]– كلود – العريان . مصدر سابق . ص 54

[83] – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص318

[84] – مسائل البلقان في مؤتمرات باريس سنة 1856 وبرلين سنة 1878 ولندن سنة 1913 ومسائل الاستعمار ومركز حوض نهر الكونغو في مؤتمر برلين سنة 1885 .

[85] – حسن الجلبي . مصدر سابق . ص157

[86] – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص319 .

[87] – جيرهارد فان غلان . القانون بين الأمم . ص17

[88] – عبد الحسين القطيفي ، مصدر سابق . 321

[89]–  حسن الجلبي . مصدر سابق . ص158

[90] – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص 321 .

[91] – محسن الشيشكلي . مصدر سابق . ص 393 .

[92] -عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص322

[93] – محسن الثيشكلي . مصدر سابق . ص403

[94]– فيليب فان ميرز . التاريخ العام ، الجزء الثالث . ترجمة كامل الزهيري . بيروت . 1929 . ص572

[95] – لقد حضر هذا المؤتمر من غير الدول الأوربية : الولايات المتحدة الأمريكية ، اليابان ، إيران ، المكسيك ، الصين ، الدولة العثمانية ، تايلاند . المصدر نفسه . ص 576

[96] -آينيس كلود . مصدر سابق . ص56

[97] – محسن الثيشكلي . مصدر سابق . ص411

[98] – علي صادق أبو هيف . مصدر سابق . ص 45

[99] – حيث حضرته 17 دولة أمريكية من أصل 19 دولة في امريكا الوسطى والجنوبية

[100] – محسن الثيشكلي . مصدر سابق . ص413

[101] – آينيس .ل كلود . مصدر سابق . ص 61

[102] – عدنان نعمة . مصدر سابق . ص62   

[103] – عصام العطية . مصدر سابق . ص 183

[104] – عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص324

[105] – عبد المجيد العبدلي . مصدر سابق . ص39 .

[106]– عصام العطية. مصدر سابق . ص 183

[107] – انظر  المادة 13 / 1  من ميثاق الامم المتحدة

[108] – حامد سلطان . مصدر سابق . ص 37 .

[109] محسن الثيشيكلي . مصدر سابق . ص 375

[110] محمد طلعت الغنيمي . مصدر سابق . ص125

[111] محمد طلعت الغنيمي . مصدر سابق .ص 117 و 112

[112]–  محمد طلعت الغنيمي . مصدر السابق . ص 243 و259

[113]– عدنان  نعمة . مصدر سابق . ص 531 .

[114]–  عدنان نعمة . مصدر سابق . ص548

[115] خليل اسماعيل  الحديثي . المعاهدات غير المتكافئة . مصدر سابق . ص 22

[116] عامر الجومرد  . السيادة . مجلة الرافدين للحقوق .عدد الأول . جامعة الموصل ، 1996 .  ص158

 [117]  Basdevant , Regles General Du Droit Dela Paix R.C.A.D.I. 1936 , p477

[118]  Cavare, l.  Droit International Public Podtitf ” 3rd Ed . 1969 ,p332

[119] هانز  جي  مورجنثاو . السياسة بين الأمم ، الصراع من اجل السلطان والسلام . الجزء الاول. ترجمة خيري حماد . بيروت . الدار القومية للطباعة والنشر ، 1964 . ص128

[120] محمد طلعت الغنيمي . مصدر سابق . ص 689

[121] المصدر نفسه . الصفحة نفسها .

[122] l. Oppenhin .  International Law . Atreates , vol 12 8th Ed . London . 1955 , p118  

[123]  Reutre P. Driot International Public , 6 Ed , Paris 1983 , p182

[124]  يحيى الجمل . الاعتراف في القانون الدولي العام . القاهرة . 1963 . ص88

[125]  سامي السعد . مبدأ السيادة في القانون الدولي العام . مجلة القانون المقارن ، العدد 1972 . ص189

[126]  محمد الموسى . السيادة في عصر العولمة . مجلة فيلادليفا الثقافية العدد 4 . عمان . جامعة فيلا ديفيا ، 2000 . ص 125

[127]–  عدنان نعمة . مصدر سابق . ص153

[128]–  حامد سلطان وآخرون . مصدر سابق . ص684

[129]–  المصدر نفسه . الصفحة نفسها .

[130]–  حامد سلطان . مصدر سابق . ص685

[131]–  غني انييل . قانون العلاقات الدولية . ترجمة نور الدين اللباد . القاهرة . مكتبة مدبولي ، 1999 .      ص 37 ، كذلك أنظر عصام العطية . مصدر سابق . ص 254

[132]–  محمد حافظ غانم . مصدر سابق . ص 153

[133] – عامر الجومرد . مصدر سابق .  ص 171

[134]–  خليل اسماعيل الحديثي . مصدر سابق . ص25

[135]  Lorad  Mcnair.  Law Of  Treaties Oxford, 1961 p.757

[136]–  يحيى الجمل . مصدر سابق . ص90

[137]  Scelle , G.  Recis De Droit Des Gen’s International Public Positif  Paris , 1932 , p.82

[138]–  خليل اسماعيل الحديثي . مصدر سابق . ص25  .

[139]–  المصدر نفسه . الصفحة نفسها .

[140]–  خليل اسماعيل الحديثي . مصدر سابق . ص 26

[141]–  محمد حافظ غانم . مصدر سابق . ص 153

[142]–  خليل اسماعيل الحديثي . مصدر سابق . ص 27

  [143]  Davied W.  Staes And Its Recent Modifications . A.J.I.L , vol.45 1951 , p 477

[144]–  محمد المجذوب . محاضرات في القانون الدولي العام .  بيروت .مكتبة مكاوي، 1987 . ص 119 ومابعدها.

[145]–  علي صادق ابو هيف . مصدر سابق . ص 229 .

[146]– جيرهارد فان غلاف . مصدر سابق . ص 143 .

[147]– عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق. ص 396 .

[148]– خليل اسماعيل الحديثي . مصدر سابق . ص 27 .

[149]–  محمد حاقظ غانم . مصدر سابق . ص 153 .

[150]–  عبد الحسين القطيفي . مصدر سابق . ص ص ، 396 ، 397

[151]–  آينيس ل كلود . مصدر سابق  . ص183

[152] – Andrassy . M.  Dle Drit International Des Organisations Internationales – Zagreb , 1968

كما ذكره عدنان نعمة . مصدر سابق . ص 357

[153]– بطرس بطرس غالي . دراسات في السياسة الدولية . القاهرة .1961 . ص49

[154]–  بطرس بطرس غالي و محمود خيري عيسى . المدخل في علم السياسة . ط3 . القاهرة . مكتبة الأنجلو المصرية ، 1966 . ص325

[155]– حامد سلطان  . مصدر سابق . ص685

[156]–  المصدر نفسه . ص 686

[157]–  محمد نصر مهنا . نظرية الدولة والنظم السياسية . مصر . المكتب الجامعي الحديث ،الاسكندرية ، 2001. ص 56

[158]  D.J.Harris. op cit, p259

[159] – بطرس بطرس غالي . مصدر سابق . ص327

[160] – حامد سلطان . مصدر سابق . ص686

[161] – محمد نصر مهنا . مصدر سابق . ص55

[162] – حامد سلطان . مصدر سابق . ص688 . انظر كذلك  خليل اسماعيل الحديثي . مصدر سابق . ص29 وما بعدها

[163] – حامد سلطان . عبد الله العريان . اصول القانون الدولي . القاهرة . دار النهضة العربية ، بدون سنة طبع. ص 556

[164]–  حسن الجلبي . مصدر سابق . ص192

[165]–  خليل اسماعيل الحديثي . مصدر سابق . ص 23

[166]–  خليل اسماعيل الحديثي . الوسيط . مصدر سابق . ص 271 .

[167]–  يحيى الجمل .مصدر سابق . ص 87 .

[168] – بطرس بطرس غالي . مصدر سابق . ص 332 .

[169] – Stark .D.  Introduction To International  Law , 6 th  Ed. London , 1967 , p. 94 .

[170]–  حامد سلطان . مصدر سابق . ص 694 .

المصدر: رسال ماجستير بعنوان السيادة و موقف الأمم المتحدة منها: دراسة في القضية العراقية، من اعداد الباحث عامر محمد محمود السعيدي، الجامعة المستنصرية، 2002