تتناول هذه الورقة نضال فلسطينيي 48 ونشاط الفلسطينيين السياسي هناك في ضوء المنعطفات التاريخية المختلفة، وتتابع وجهته وسيناريوهاته، والتي منها أن يتكرس الخط الأخضر فاصلًا صلبًا يفصلهم عن قضاياهم القومية مقابل الانخراط القوي في الحكومات الإسرائيلية.

تَشَكَّل الفلسطينيون في الداخل جماعةً سياسية ووطنية في أعقاب النكبة وإقامة إسرائيل عام 1948، حيث تم إعطاؤهم الجنسية الإسرائيلية وتحويلهم إلى مواطنين إسرائيليين؛ ووصل عدد الفلسطينيين في إسرائيل بعد توقيع اتفاقيات رودس، في 1949(1)، وضم مزيد من الفلسطينيين للحكم الإسرائيلي، نحو 160 ألف نسمة وشكَّلوا حينها ما يقارب 15% من السكان، وفي نهاية 2020 وصل عددهم إلى 1.595.300(2)، يشكِّلون 17.2% من المواطنين في إسرائيل. يسكن أغلب فلسطينيي 48 في ثلاثة تجمعات رئيسية في الجليل والمثلث والنقب، بالإضافة إلى السكن في خمس مدن ساحلية مختلطة، هي: يافا، واللد، والرملة، وحيفا، وعكا. ويشكِّل فلسطينيو 48 مع سكان الأراضي المحتلة 1967 اليوم، ما يقارب نصف عدد السكان بين النهر والبحر، البالغ 14 مليون نسمة مع أغلبية ضئيلة لصالح الفلسطينيين(3)، وهو ما يُعتبر إسرائيليًّا بمنزلة ناقوس خطر حول مستقبل الدولة اليهودية.

تتناول هذه الورقة نضال فلسطينيي 48 ونشاط الفلسطينيين السياسي هناك في ضوء المنعطفات التاريخية المختلفة، لاسيما وقد أعادت التذكير به هبَّة مايو/أيار 2021، وتتابع وجهته وسيناريوهاته، وذلك كله في سياق العلاقة مع الخط الأخضر باعتباره فاصلًا حدوديًّا سياسيًّا. هذا وتنقسم الورقة إلى أربعة أجزاء أساسية لا تخلو من تداخل بينها، يستعرض الأول منها لحظة التشكل التاريخي للخط الأخضر حدودَ عملٍ سياسيةً في ظل الحكم العسكري، ويتابع الجزء الثاني سيرورة تصلبه وتحوله إلى مرجعية عامة بدءًا من النكسة ووصولًا إلى اتفاقيات أوسلو التي اعترفت بالخط الأخضر فلسطينيًّا حدًّا دوليًّا يُسترشد به من أجل الوصول إلى حل الدولتين، ويستعرض الجزء الثالث بدايات زعزعة الخط الأخضر مع الانتفاضة الثانية وتبهيته المستمر خلال عقد نتنياهو. أما القسم الأخير، فيركز على ظروف تجاوز الخط الأخضر خلال هبَّة مايو/أيار وما ينطوي عليه ذلك من سيناريوهات مستقبلية كما تخلص الورقة في خاتمتها.

1. تشكُّل منطق الخط الأخضر (1948-1967)

عمل فلسطينيو الداخل على تنظيم أنفسهم في سياق تاريخي وسياسي يمكن تناوله بنقطتين، لاسيما في الفترة بين عامي (1948-1967)، أولًا: من خلال إعادة تموضعهم في سياقهم الإسرائيلي الجديد، وثانيًا: بالانخراط العملي به.

أولًا: إعادة التموضع: لعب تموضع فلسطينيي 48 بين حقول سياسية وقومية متناقضة ومتنازعة، دورًا أساسيًّا في بناء حقل الإمكانيات النضالية والممارسة الوطنية المتاحة لهم، وسكِّ مفاهيمهم وخطابهم وتصوراتهم؛ من جهة يتموضع فلسطينيو 48 في حقل المواطنة الإسرائيلية لكن تموضعهم هذا مبني على عدم مساواة جوهري مرتبط أولًا بالعامل التاريخي والاستعماري لإقامة إسرائيل وتحولهم إلى حدٍّ ما من أكثرية إلى أقلية وطن ناجية، وثانيًا بسبب كونهم مواطنين في دولة إثنوقراطية(4)، تُعتبر بحسب روحها وقوانينها دولة يهودية أقيمت لخدمة جميع يهود العالم وليس فقط اليهود المواطنين فيها، وفي ذات الوقت ترفض أن تكون دولة جميع مواطنيها وترى في ذلك تهديدًا لوجودها. ومن جهة أخرى، نظرًا لمواطنتهم في إسرائيل، لم يكن فلسطينيو الداخل جزءًا من المشروع الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير؛ إذ تعاملت هذه الأخيرة معهم إجمالًا كمجموعة استثنائية لها خصوصيتها وفرادتها. وعلى الرغم من انضمام عشرات الأفراد من فلسطينيي 48 للمنظمة إلا أن ذلك لم يكن جزءًا من ظاهرة جماعية منتظمة بل ظاهرة فردية، واكتفت أغلبيتهم بالتضامن مع منظمة التحرير دون الانخراط الفعلي فيها، وأصبح استثناء فلسطينيي 48 من تمثيل منظمة التحرير قائمًا رسميًّا، بعد قبول منظمة التحرير لحل الدولتين ومن ثم توقيع اتفاقيات أوسلو.

في هذا الواقع تشكَّلت مكانة الفلسطينيين عبر “الاحتواء على أساس الاستثناء”: احتواؤهم في المواطنة الإسرائيلية على أساس استثنائهم من المواطنة المعيارية اليهودية (كونهم فلسطينيين)، واحتواؤهم في الهوية القومية الفلسطينية على أساس استثنائهم من تمثيل منظمة التحرير، ولاحقًا من حل الدولتين (كونهم مواطنين إسرائيليين). هكذا، وجدوا أنفسهم يقفون على “الحافة” بين الحقل الفلسطيني القومي وحقل المواطنة الإسرائيلية، فهم موجودون جزئيًّا في الحقلين من دون أن يكونوا “تمامًا” داخل أي منهما. في هذا الواقع المثقل بالتناقض والتوتر، سعى فلسطينيو 48 بشكل عام إلى المناورة بين الحقلين، الإسرائيلي والفلسطيني، دون الخروج و”الطرد” من أي منهما.

وبدورها، كانت إسرائيل قد حوَّلت حدود الهدنة إلى حدود جيوسياسية سيادية ترسم حدودها، وحَلَّ الخط الأخضر حدًّا فاصلًا بحكم الأمر الواقع محلَّ خطوط التقسيم التي جاءت في قرار 181. التزم مواطنو إسرائيل من الفلسطينيين بالعمل وفق محددات الخط الأخضر السياسية وأفرز هذا الالتزام مع الوقت طيفًا واسعًا من الخيارات المتناقضة، ما بين القبول والدمج و”الأسرلة” (القبول بالهوية الإسرائيلية) وتقليص الهوية الفلسطينية إلى حدِّها الأدنى (دين أو لغة) وتحويلها إلى مكون ثقافي لا سياسي. وما بين تقليص محدد “الأسرلة” إلى حدوده الدنيا بوصفه شأنًا بيروقراطيًّا، وما بين الانتماء الفلسطيني والحقوق القومية والهوية الجماعية التي تنطوي على ذلك، سعت الأغلبية إلى المناورة ما بين المواطنة والعمل على تحقيق الحقوق المرتبطة بها.

ثانيًا: الانخراط بالعمل السياسي: لم يكن تحول الخط الأخضر إلى حدود مرجعية سياسية لفلسطينيي 48 غداة إقامة إسرائيل، وانخراطهم بالعمل في الحقل السياسي الإسرائيلي، نتاج مشروع مخطط له، بل جاء نتاج علاقات القوة، والخوف من تكرار عمليات الطرد والتهجير وفي ظل إخضاعهم لعقدين من الحكم العسكري من قبل إسرائيل. تفاعلت ضرورات البقاء والخوف مع سياق القوة والرقابة، وانضفرت بحكم الحاجة في شبكة البيروقراطية المستحدثة الإسرائيلية وبنيتها، وتَطوَّر الفعل السياسي عبر التفاعل مع محددات الحياة اليومية وشروطها في حدود الدولة الجيوسياسية المحددة بالخط الأخضر للهدنة.

وبرزت في هذه الفترة ثلاثة تيارات أساسية ومتباينة إلى حدٍّ كبير في موقفها من الدولة والقضية الفلسطينية والأدوات النضالية:

تيار السلطة: الذي مثَّلته بشكل رسمي في الكنيست قوائم الظل العربية التابعة للأحزاب الصهيونية، ولعبت هذه القوائم دورًا مركزيًّا خلال فترة الحكم العسكري، وشكَّلت “وسيطًا” بين السكان الفلسطينيين وسلطة الحكم العسكري. أقيمت هذه القوائم من قبل الأحزاب الصهيونية خاصة “مباي” (الحزب الحاكم برئاسة بن غوريون)، وتشكلت حول زعامات عائلية ومخاتير وشخصيات عشائرية بهدف تجميع الأصوات لصالح الأحزاب الصهيونية التي شكلتها. تبعت قوائم الظل -التابعة لمباي- الحزب بكل قراراته بما في ذلك التي تتناقض مع مصلحة أبناء شعبهم، كإلغاء الحكم العسكري. وعادة ما كان يجري التصويت من فلسطينيي الداخل لهذه القوائم من أجل تسيير الأعمال الحياتية واليومية، ونتيجة لمشاعر الخوف التي خيَّمت حينها. أُقيمت هذه القوائم بأسماء ولافتات مختلفة عشية كل معركة انتخابية للكنيست، واختير أعضاؤها ومُوِّلت من خلال حزب “مباي” الحاكم أو حزب “مبام”، وتغيرت أسماء القوائم العربية على الغالب من دورة انتخابية إلى أخرى، وذلك من أجل استقطاب أكبر قدر ممكن من الأصوات(5). وفي ظل حالة الخوف والقلق التي سادت خلال الحكم العسكري والحاجة للوساطة لتسيير الحياة اليومية، وفي ظل هيمنة بنية تقليدية عائلية، حصلت قوائم الظل على نسب عالية من الأصوات العربية، فحصلت على 51% من أصوات العرب في انتخابات عام 1949 وعلى 55% من الأصوات في انتخابات عام 1951، وفي انتخابات عام 1955 حصدت 48% من الأصوات العربية، وتراجعت إلى 42% في انتخابات عام 1959، و40% في انتخابات عام 1961 ثم 38% في 1965. إلا أن هذه القوائم ضعفت بعد إلغاء الحكم العسكري واختفت نهائيًّا عام 1981.

التيار الشيوعي: كان الحزب الشيوعي الإسرائيلي (المعروف باسم ماكي) من داعمي قرار التقسيم، واندمج فيه -بعد إقامة إسرائيل- التيار الشيوعي الفلسطيني الذي كان منتظمًا قبل ذلك في “عصبة التحرر” ليصبح بذلك حزبًا يهوديًّا-عربيًّا. اتخذ الحزب الشيوعي خطابًا مناهضًا للإمبريالية، ومع وقوف بن غوريون إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب الكورية، تحول إلى أكثر تيار معارض ونقدي لسياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين، واعتبر الصهيونية بمنزلة حركة قومية برجوازية ولعب دورًا أساسيًّا ومركزيًّا في صياغة الخطاب الجماعي للعرب في الداخل، وكان محوره حول المساواة الطبقية ورفض التمييز وكان مثابرًا في طرح شعار “دولتين لشعبين”. في 1965، انقسم الحزب الشيوعي الإسرائيلي (ماكي)، بسبب خلافات داخلية وأيديولوجية، وأقام المنشقون العرب مع بعض الرفاق اليهود “القائمة الشيوعية الجديدة-“راكاح””، التي تحولت إلى الناطق الأساسي باسم الفلسطينيين في الداخل ومطالبهم. شدَّدت القائمة في خطابها على قيم المساواة الطبقية وتحالف البروليتاريا في وجه الإمبريالية العالمية، وكانت في مقدمة الدفاع عن حقوق العرب(6). والجدير بالذكر أن الحزب الشيوعي في السنوات الأولى لقيام الدولة وقبل انقسامه، حظي بتأييد انتخابي محدود جدًّا في صفوف الفلسطينيين، وعمل الحزب في ظل الحكم العسكري المفروض على الفلسطينيين في ظروف قاسية ووسط مطاردة نشطائه والتنكيل بهم ومنعهم من العمل في الوظائف الحكومية. وبعد الانشقاق الذي حصل في الحزب حصلت “راكاح”، على ثلاثة مقاعد حيث شكَّل العرب 75% من مصوِّتيها(7).

التيار القومي: مثَّلته حركة الأرض (1959) التي تبنَّت خطابًا عروبيًّا قوميًّا ودعت إلى نزع الصهيونية عن الدولة لتكون فعليًّا أول من هجس بفكرة “دولة جميع مواطنيها”، وكانت أول من اتجه نحو تدويل القضية الخاصة بالداخل، ومُنعت من خوض الانتخابات البرلمانية واعتُبرت تنظيمًا خارجًا عن القانون، باعتبارها تنظيمًا يمس ويهدد وجود إسرائيل، وهو ما أكدته المحكمة الإسرائيلية العليا ليجري في أعقاب ذلك اعتقال عدد من قيادات الحركة ومن ثم حظر نشاطها. ولم تتوانَ السلطات الإسرائيلية عن ملاحقة قيادات الحركة بعد تشكيلهم قائمة تحت اسم “القائمة الاشتراكية العربية” لخوض انتخابات الكنيست السادس في العام 1965، وحظرت لجنة الانتخابات المركزية على القيادات ترشيح أنفسهم؛ الأمر الذي أدى إلى حل “حركة الأرض” بعد سلسلة الإجراءات والملاحقات هذه(8).

وضعت هذه المرحلة الأسس للعمل السياسي الفلسطيني في الداخل، وتشكلت التوجهات الأساسية التي تمحورت حول القضايا المطلبية الحياتية، وانطلقت من حقل المواطنة والقضايا القومية والوطنية ومن حقل الهوية. وفي كل الحالات كانت حدود العمل وشكله خاضعة لمحددات القانون الإسرائيلي ولحدود الخط الأخضر التي حولها من حدود هدنة مؤقتة إلى حدود سيادة جيوسياسية، وأخذت هذه الحدود تتصلب تدريجيًّا بفعل التحولات الاستراتيجية التي أعقبت احتلال 1967.

2. تصلب الخط الأخضر

أسهمت محطتان أساسيتان في تصليب الخط الأخضر: الأولى: الاحتلال الإسرائيلي في عام 1967، والثانية: اتفاقية أوسلو عام 1993.

الأولى: احتلال 1967 وترسيخ الخط الأخضر: أُلغي الحكم العسكري في نوفمبر/تشرين الثاني 1966، وبعد أقل من نصف سنة اندلعت حرب يونيو/حزيران 1967 التي انتهت بهزيمة الدول العربية واحتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية إضافة إلى هضبة الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء المصرية. ولغاية النكسة كان الإيمان الشعبي العام أن إسرائيل حالة عابرة، وكان فلسطينيو الداخل يستمدون إيمانهم جزئيًّا من الناصرية وخطابها الوحدوي القومي، رغم أنهم كانوا يُدلون بالانتخابات بأصواتهم لقوائم الظل التابعة لأحزاب صهيونية. في هذا السياق، شكَّلت حرب 1967 نقطة تحول استراتيجية من ناحية فلسطينيي 48؛ إذ تهاوى الإيمان الشعبي الذي اعتقد بأن إسرائيل حالة مؤقتة عابرة، وأظهرت الهزيمة ضعف الجيوش العربية، بالمقابل تراجعت وطأة سيطرة إسرائيل وتحكمها في فلسطينيي الداخل، وترسخ اندماجهم في بنى الدولة ومؤسساتها واقتصادها، كما خفَّت وطأة المراقبة عنهم بعد نهاية حقبة الحكم العسكري في العام 1966 وبدأت تتسع قليلًا دائرة مواطنتهم، فيما حوَّلت إسرائيل جهدها الحربي الأساس نحو الأراضي المحتلة عام 1967.

ترتب عن الاحتلال الإسرائيلي وجود نوعين من الفلسطينيين: فلسطينيين لا يتمتعون بأي حقوق وهم تحت الاحتلال العسكري في أرض 67، و”مواطنين إسرائيليين” في أرض 48 يتمتعون بحقوق أقل من اليهود لكن في ذات الوقت أكثر من حقوق الفلسطينيين في الأرض المحتلة 67. وتحول الخط الأخضر من حدٍّ فيزيائي محروس بقوة السلاح، إلى حدود ذاتية تفصل بين المشاريع السياسية والنضالية لفلسطينيي 48 وبقية الفلسطينيين. وكان من الآثار المباشرة لإلغاء الحكم العسكري -بعد تراجع قوة قوائم الظل واختفائها تمامًا في 1981 وتصاعد قوة الحزب الشيوعي بين فلسطينيي الداخل- أن ظهرت تيارات جديدة؛ حيث تشكَّلت -بداية السبعينات- كل من الحركة الإسلامية في 1971 على يد عبد الله نمر درويش، وحركة أبناء البلد في 1972. تبنَّت الحركتان مبدأ مقاطعة الانتخابات للكنيست والاكتفاء بالمشاركة بالانتخابات للسلطات المحلية. وكان في صلب أيديولوجيا أبناء البلد تبني حل الدولة الواحدة الديمقراطية الذي كانت رفعته منظمة التحرير الفلسطينية في 1969، ونشطت الحركة بالذات بين الطلاب الفلسطينيين في الجامعات الإسرائيلية التي تزايد عدد العرب فيها وأصبحت حاضنة لتطوير القيادات السياسية الوطنية. تقاطعت الحركة الإسلامية وأبناء البلد في رفض المشاركة بالانتخابات واعتبار إسرائيل دولة فاقدة للشرعية والاتجاه نحو العمل المجتمعي والشعبي. واستمرت الحركة الإسلامية في رفض الانخراط في الانتخابات للكنيست حتى انشقاق 1996 الذي انقسمت فيه الحركة إلى تيارين: جنوبي وشمالي.

من الصعب الإشارة إلى حجم الدعم الشعبي الذي حظي به كل من التيارين، الإسلامي وأبناء البلد، اللذين قاطعا الانتخابات، لكن نسبة مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات الإسرائيلية كانت مرتفعة، وكان التوجه السياسي العام المركزي والأساسي الالتزام بحدود الخط الأخضر لوضع الفصل بين “المشروع التحرري” الذي ينضوي تحته سكان الأراضي المحتلة تحت قيادة منظمة التحرير، وبين المشروع السياسي في الداخل الذي أصبح يتمحور حول “المساواة” ورفض التمييز والمطالبة بإنهاء الاحتلال ودعم مطالب الشعب الفلسطيني بالتحرر.

وأسهم يوم الأرض، الذي أُعلن في 30 مارس/آذار 1976، في تعزيز الهوية القومية الفلسطينية ورفدها بمزيد من الرموز، منطلقًا من خطاب “المواطنة” والحقوق المرتبطة بها في مواجهة التمييز وسياسات المصادرة والتهويد، ولم يكن بهذا المعنى “تمردًا على الدولة”. والتزمت بنموذج الخط الأخضر الغالبية العظمى من الأحزاب والأطر التنظيمية واللجان التمثيلية والقوائم التي تشكَّلت في السبعينات والثمانينات لتمثل فلسطينيي الداخل، ومنها لجنة رؤساء السلطات المحلية العربية (1974) ولجنة المتابعة (1982)، والتزمت بذلك أيضًا القائمة التقدمية للسلام (1983) التي أسسها المحامي محمد ميعاري (من نشطاء حركة الأرض) والجنرال ماتي بيلد والتي لعبت دورًا مهمًّا في كسر احتكار الجبهة الديمقراطية للسلام والمساوة، المنبثقة عن الحزب الشيوعي للفلسطينيين في الداخل في الكنيست الإسرائيلي. تميزت القائمة التقدمية بخطابها الذي يشدِّد على الهوية القومية الفلسطينية والاعتراف بحق تقرير المصير للشعبين، والاعتراف بمنظمة التحرير ممثلًا للشعب الفلسطيني. وقد اعتبرت جهات إسرائيلية “خطاب “القائمة التقدمية” متطرفًا ومعاديًا لفكرة الدولة اليهودية بسبب دعوتها لإقامة مساواة كاملة بالمواطنة بين العرب واليهود ومطالبتها تحويل إسرائيل إلى دولة جميع مواطنيها”(9)، حتى إن الكنيست رفض أهليتها -أي القائمة التقدمية- للمشاركة في الانتخابات البرلمانية في عام 1985، بسبب دعوتها هذه للمساواة، إلا أن المحكمة الإسرائيلية العليا أبطلت هذا القرار. وهو الأمر الذي أدى لاحقًا إلى تعديل قانون أساس الكنيست (7أ)، الذي يشترط على كل حزب أو قائمة تترشح للكنيست الإسرائيلي الاعتراف بإسرائيل يهودية ديمقراطية. ومنذ ذلك الحين أصبح مشهدًا ملازمًا لكل انتخابات للكنيست، التداول في المحكمة العليا بقرارات رفض لجنة الانتخابات خاصة لحزب التجمع الوطني، كونه لا يعترف بيهودية إسرائيل.

الثانية: اتفاقيات أوسلو ومأسسة الخط الأخضر: سجَّلت تسعينات القرن المنصرم تطورات كبيرة أثَّرت على تطور العمل النضالي الفلسطيني في الداخل، وأحدثت طفرة في ولادة الأحزاب، وتحول الحقل السياسي الحزبي إلى حقل متعدد الأقطاب أسهمت فيه أحداث متعددة، منها على الصعيد الدولي: انهيار الاتحاد السوفيتي وتأثيره على إضعاف الحزب الشيوعي وانسحاب العديد من الشخصيات البارزة منه. وعلى الصعيد الفلسطيني، جاء توقيع اتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الوطنية وما سبقها من اعتراف منظمة التحرير في إسرائيل في 1988 وإعلان الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران، ليشكِّل عاملًا استراتيجيًّا في تراجع فكرة “الدولة الواحدة، ومقاطعة الانتخابات التي تبنَّتها حركات كأبناء البلد والحركة الإسلامية”. فالذهاب نحو حلِّ الدولتين واعتراف منظمة التحرير بإسرائيل على أساس قرار 242 و338، صلَّب الخط الأخضر وحوَّله إلى خط حدودي رسمي معترف به، يفصل بين مصير فلسطينيي 48 وفلسطينيي 67، وبقدر ما كان الأمر بمنزلة تنازل من قبل منظمة التحرير عن فلسطينيي الداخل بقدر ما كان هذا التنازل مفهومًا ضمنًا لأغلبية فلسطينيي الداخل.

ومن أجل السعي نحو شق طريق نضالي يجمع بين الانتماء القومي الفلسطيني والمواطنة الإسرائيلية ويناور بهما، أُقيم في 1995 “التجمع الوطني الديمقراطي” من قبل عزمي بشارة ومجموعة من المثقفين والنشطاء السياسيين وبالتحالف مع القائمة التقدمية وأجزاء كبيرة من حركة أبناء البلد، وكان في قلب المشروع طرح شعار تحويل إسرائيل إلى “دولة جميع مواطنيها”، إلى جانب إقامة “دولة فلسطينية مستقلة”. طرح التجمع في بداياته أيضًا فكرة “الحكم الذاتي الثقافي”(10) الذي وصفه د. سعيد زيداني -الذي لعب دورًا محوريًّا في وضع المقترح- بأنه “حل وسط ديمقراطي منصف.. بين نزعتين متعارضتين غير قابلة كل منهما للارتواء بالشكل الكامل: النزعة الاندماجية من طرف، والنزعة الاستقلالية من الطرف الآخر. فإذا كانت النزعة الاندماجية تؤكد على المواطن الفرد المتساوي في الحقوق (المدنية والسياسية)، فإن النزعة الاستقلالية تؤكد، في المقابل، على الهوية الجماعية وما يقترن بها من حقوق جماعية، من بينها الحكم الذاتي”(11). ثم عاد التجمع وأسقطها من خطابه وركز على فكرة دولة جميع مواطنيها. وخاض التجمع في 1996 انتخابات الكنيست في قائمة مشتركة مع “الجبهة الديمقراطية” وحصلا معًا على خمسة مقاعد.

في بداية التسعينات وبالتوازي مع التطورات في الساحة الفلسطينية من حل الدولتين، تحول الموقف من المشاركة في الانتخابات البرلمانية إلى موضوع الساعة؛ حيث تحالفت “أبناء البلد” مع “التجمع الوطني الديمقراطي” وشارك نشطاؤها لأول مرة في انتخابات الكنيست. أما الحركة الإسلامية فانقسمت عشية انتخابات 1996، على خلفية الموقف من المشاركة في انتخابات الكنيست، وأصبح هناك تياران: جنوبي مؤيد للمشاركة في الانتخابات البرلمانية ودخول الكنيست برئاسة عبد الله نمر درويش، وشمالي معارض للمشاركة برئاسة الشيخ رائد صلاح، وهو ما تحول مع الوقت إلى وجود حركتين إسلاميتين لكل منهما نهج مختلف في العمل السياسي والموقف من القضايا المختلفة.

جدير بالذكر أن الحركة الإسلامية-الشق الجنوبي، خاضت انتخابات الكنيست، 1996، بالتحالف مع الحزب الديمقراطي العربي الذي أقيم بدوره من قبل عبد الوهاب دراوشة الذي انشق عن حزب العمل على خلفية أحداث الانتفاضة الأولى وحصلا معًا على أربعة مقاعد، ومن ثم على خمسة مقاعد في انتخابات 1999(12). وفي 1996، أعلن أحمد طيبي عن تشكيل “الحركة العربية للتغيير” وخاض أيضًا الانتخابات لكنه لم يجتز العتبة الانتخابية التي كانت 1.5% من الأصوات الصالحة. وفي عام 1999، خاض الانتخابات بالتحالف مع التجمع الديمقراطي الذي فكَّك تحالفه مع الجبهة ونجح بالدخول للكنيست.

في التسعينات، دخل الكنيست خمسة أحزاب/قوائم عربية منها قوائم ممثَّلة بشخص أو شخصين، تميزت إجمالًا بتبني خطاب وطني يشدِّد على الهوية والانتماء الفلسطيني من جهة، ويتبنى خطاب المواطنة والحقوق ويشدِّد عليه من جهة أخرى. وأدى تزايد الأحزاب والقوائم إلى تزايد الصراعات والمناكفات بين الأحزاب بسبب التنازع على مخزون الأصوات العربية. وظلَّت الأحزاب التي تشكَّلت ونشطت في التسعينات تُشكِّل قاعدة العمل السياسي في الداخل، ومع رفع العتبة الانتخابية في 2013 تحالفت هذه الأحزاب جميعها في القائمة المشتركة التي حصلت في انتخابات 2015 على 13 مقعدًا، وعلى ذات العدد في انتخابات 2019 ثم رفعت عدد مقاعدها إلى 15 في انتخابات 2020. ومع انسحاب القائمة الموحدة التي تمثل التيار الشمالي للحركة الإسلامية تراجعت القائمة المشتركة إلى 6 مقاعد، وذلك بعد أن أعلنت القائمة الموحدة، ورئيسها منصور عباس، عن تبنِّيها “النهج الجديد” الذي يقوم على التنازل عن الخطاب القومي والانقطاع عنه، مقابل التركيز فقط على الشؤون المطلبية والحياتية المرتبطة بالمواطنة في الداخل.

التزمت الأحزاب والحركات السياسية في الداخل بغالبها بالعمل وفق حدود “الخط الأخضر”، وطورت مشاريعها النضالية على أساس التزامها هذا، واعتُبر الخط الأخضر في هذا السياق بمنزلة حدود جيوسياسية صلبة تفصل بين فلسطينيي 48 وبقية الشعب الفلسطيني وتحدد إطار العمل ووجهته لفلسطينيي الداخل تحت مظلة النظام القائم الاسرائيلي في حدوده. وعلى ضوء ذلك المحدِد تطورت المشاريع السياسية والنضالية في الداخل على أساس سلمي وعلى أساس المواطنة من خلال الانخراط باللعبة السياسية التي حددتها القوانين الإسرائيلية، وانطلاقًا من حقل المواطنة مع السعي إلى تغييرها. ومنذ التسعينات، يمكن أن نلحظ المزاوجة الخطابية المثابرة بين الهوية الفلسطينية من جهة، والمواطنة المتساوية من جهة أخرى. هذه المزاوجة التي ظهرت براعمها في خطاب “حركة الأرض” وعادت وطرحته القائمة التقدمية، وصل إلى ذروته مع طرح “التجمع الوطني الديمقراطي” لشعار “دولة جميع مواطنيها” والذي تحول وبصيغ مختلفة لخطاب الأحزاب العربية في الكنيست.

3. الألفية الثالثة: بداية زعزعة الخط الأخضر

إن كانت سنوات التسعينات قد تشكَّلت على صدى الاعتقاد بأن القضية الفلسطينية باتجاه التسوية على أساس حل الدولتين وفق حدِّ الخط الأخضر، فإن الألفية الثالثة تشكلت على صدى تراجع فرص التسوية وحل الدولتين، وشكَّلت الانتفاضة الثانية التي تفجرت عام 2000 بداية زعزعة الخط الأخضر، لاسيما وأنها عمَّت كامل فلسطين التاريخية، واستشهد خلال أكتوبر/تشرين الأول 2000 ثلاثة عشر مواطنًا من فلسطينيي 48. لقد أظهرت الانتفاضة أن طريق التسوية السياسية التي بدأت في أوسلو وصل إلى طريق مسدود، خاصة بعد أن شيدت إسرائيل جدار الفصل على طول الخط الأخضر وأقامت فيه مسارب خاصة للمستوطنين لربطهم بداخل إسرائيل. تحول الجدار لمؤشر حدودي ذي رمزية عالية، فهو يؤشر إلى الفصل بين فضاءين مختلفين فيه: عالم طبيعي مدني قبل الجدار، وعالم ” مستباح” ومحكوم عسكريًّا خارجه. لكن الجدار الذي فصل بين الأراضي الفلسطينية وإسرائيل وفق ما أرادته إسرائيل، لم يغلق التواصل بين المستوطنين والمستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة 67، بالمدن الإسرائيلية في حدود 48، بل أقام شبكة واسعة من الطرق لربطهما معًا، وهو ما خلق واقعًا مزدوجًا للفلسطينيين واليهود. فالجدار يفصل حصريًّا بين الفلسطينيين في الخط الأخضر والفلسطينيين في أراضي 67. أما بالنسبة لليهود سواء كانوا في المستوطنات خارج الخط الأخضر أو في مدن إسرائيل في حدود 48، فالجدار ليس موجودًا بالنسبة لهم وهم يتمتعون بحرية الحركة وفق ما تقتضيه مواطنتهم الكاملة.

وهكذا بعد أكثر من نصف قرن للاحتلال في 67، أصبح بين النهر والبحر تحت سيطرة إسرائيل عدة أنواع من الفلسطينيين: المواطنون في 48، سكان السلطة في الضفة الذين لا يتمتعون سوى بحقوق محدودة جدًّا، والمقدسيون الذين جرى عزل مدينتهم بالجدار عن باقي الضفة ممن يحملون أوراق مقيم دائم، والفلسطينيون في غزة الذين جرى وضعهم تحت الحصار وفصلهم الكامل -بعد سيطرة حماس- عن باقي الأرض المحتلة.

وفي ظل تعقد فرص التسوية السياسية وإفرازات الانتفاضة الثانية، عملت عدة مجموعات من الداخل تضم نخبًا ثقافية ومدنية وسياسية على صياغة رؤى مستقبلية تشمل تصورًا لمستقبل الفلسطينيين وعلاقتهم مع الدولة، وصدرت عدة وثائق في هذا الصدد، من أهمها: وثيقة الرؤية المستقبلية التي صدرت عن لجنة رؤساء السلطات المحلية (2006)، والدستور الديمقراطي عن عدالة (2007)، ووثيقة حيفا عن مدى الكرمل (2007)، كلها توافقت بشكل أو بآخر على فكرة أساسية هي فكرة نزع الصهيونية عن الدولة وتحويلها إلى دولة جميع مواطنيها.

قوبلت هذه الوثائق بحالة استنفار إسرائيلية عُبِّر عنها بعقد اجتماعات خاصة للحكومة برئاسة أولمرت في ربيع 2007، ورأت في ذلك تهديدًا إستراتيجيًّا لإسرائيل وطابعها اليهودي كدولة يهودية، وأن الأمر يحتاج وضع خطط لمواجهتها، كما أكد رئيس الشاباك، يوفال ديسكين، أن الدولة وأجهزتها ستعمل على إحباط أية محاولة من قبل فلسطينيي الداخل لتغيير طابع الدولة اليهودي، ولو كانت هذه المحاولات بالطرق الديمقراطية(13)؛ ما يعني فعليًّا تضييق مساحات العمل القانوني الممكن لتحدي بنية الدولة اليهودية العرقية وتوسيع حقل المواطنة.

في مقابل ذلك، شهدت إسرائيل في العقد الأول من الألفية الثانية، تزايدًا مستمرًّا في النزعة اليمينية، وتراجعًا كبيرًا لحزب العمل الذي حكم خلال أوسلو واغتيل رئيس وزرائه، إسحاق رابين (2 نوفمبر/تشرين الثاني 1995)، بسبب دوره في هذه الاتفاقية، وتحول الصراع السياسي من صراع بين تيار داعم لأوسلو ومعارض له -كما كان عليه الواقع في التسعينات- إلى صراع ما بين تيارات اليمين حول كيفية إدارة النزاع مع الفلسطينيين وفرض الرؤية الإسرائيلية. أصبح الصراع بين تيار كاديما الذي قاده شارون ونفَّذ -من جهة واحدة- خطة الانفصال عن غزة، وتيار اليمين الأكثر تطرفًا الذي أصبح زعيمه نتنياهو وباقي أعضاء الليكود ممن رفضوا خطة الانفصال، وأصبح هذا التيار رأس الحربة لليمين الجديد الذي تنضوي تحت مظلته التيارات الدينية والحريدية والاستيطانية والشعبوية والمتطرفة.

ومع إصابة أرئيل شارون بسكتة دماغية وتسلُّم إيهود أولمرت مقود الحكومة، شهدت العملية السياسية مساعي لنفخ الروح في العملية السياسية وفي حل الدولتين، وقاد الأخير مفاوضات مباشرة مع الرئيس محمود عباس لم تنته إلى شيء في ظل اضطرار أولمرت للاستقالة بسبب محاكمته بتهم الرشى والفساد. من جهته، عمل تيار نتنياهو طوال العقد الأول من الألفين على طرح خطاب يميني قومي متصلب وهاجم كل مساعي التوصل لتسوية مع الفلسطينيين.

 ومع نجاح نتنياهو، عام 2009، في تشكيل ائتلاف حكومي، يمكن القول: إن باب التسوية على أساس حل الدولتين أُغلق نهائيًّا؛ حيث عمل نتنياهو الذي استمر حكمه عقدًا كاملًا على إزاحة المسألة الفلسطينية جانبًا وعمل على سدِّ الطريق أمام إقامة دولة مستقلة في حدود 67، مقابل وضع الخطر الإيراني على قمة سُلَّم اهتمامه.

 وسَنَّ نتنياهو، في 2017، قانون أساس “إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي” لإغلاق الطريق أمام مشاريع “دولة جميع مواطنيها” وتشجيع الاستيطان معًا. تنطلق الرؤية الأساسية الموجِّهة للقانون كما تجلَّت في بنوده المختلفة، وكما عبَّرت عنها تصريحات السياسيين المبادرين والداعمين له حصريًّا من حقوق ومصالح الشعب اليهودي في إسرائيل والعالم، وقصر حق تقرير المصير في إسرائيل عليهم فقط، مع استبعاد فلسطينيي الداخل من أي قيم مواطنة مساوية. لا يرد في القانون أي ذكر لأي سكان غير اليهود، لاسيما الفلسطينيين على جانبي الخط الأخضر، ويرى القانون أرض إسرائيل، التي تعني فلسطين التاريخية، الحيز الذي يحقق فيه اليهود تقرير مصيرهم استنادًا إلى حقهم التاريخي في البلاد. بمعنى أن فلسطين من البر إلى البحر فيها حق تقرير مصير اليهود بدون أية علاقة بالخط الأخضر ليصبح كل مكان فيها هو عبارة عن تخوم للتوسع والضم وفرض السيادة؛ إذ لا يحدد القانون حدود دولة إسرائيل لكنه يشير إلى أنها في أرض إسرائيل، ولا يحدد مكان الاستيطان الذي سيدعمه وفق ما جاء في القانون ما يعني أن كل فلسطين التاريخية “أرض إسرائيل”، وهي مساحة للاستيطان وتحقيق السيادة، ناهيك طبعًا عن أن القدس الكاملة والموحدة تُعرَّف بأنها عاصمة إسرائيل. كما يهدف قانون القومية إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين الذين شُرِّدوا من بلادهم خلال نكبة العام 1948؛ إذ إن إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي لن تقبل عودة اللاجئين إلى داخلها لتناقضها مع طابعها القومي.

ففي الفترة الممتدة منذ 2009 وحتى هَبَّة الكرامة في 2021، كانت المواطنة تتآكل وتضيق بالنسبة للعرب، وكانت تُطرح القوانين التي تستهدف وجودهم وتميز ضدهم، حيث أُعلنت الحركة الإسلامية، في 2015، خارجةً على القانون ولوحقت قيادتها، وعلى الأرض كانت المستوطنات تتغول وتسن القوانين التي تثبت فوقية يهودية ما بين النهر والبحر. أما على المستوى السياسي فكان تشكيل “القائمة المشتركة” ردَّ فعل على مساعي إفشال دخول الأحزاب العربية للكنيست بعد زيادة حاجز العتبة الانتخابية.

وإلى جانب العمل البرلماني الحزبي، تطور في العقد الثاني للألفية الثالثة نمط نضالي شعبي تقوده حراكات شبابية من تيارات مختلفة في مواجهة قضية معينة، أهمها: “حراك برافر” الذي تبنَّى الاحتجاج الشعبي غير العنيف في مواجهة “مخطط برافر” الذي ينطوي على مصادرة مساحات واسعة في النقب وتهجير سكان عشرات القرى البدوية وتجميعهم في تجمعات جديدة. كما شهدت هذه الفترة أيضًا بزوغ مبادرات جديدة محلية شبابية لمواجهة قضايا عينية وفي ذات الوقت تحمل خطابًا وطنيًّا واضحًا، أهمها حراك “أم الفحم” وأقيم من أجل التصدي للعنف والإجرام المنظم الذي تحول إلى آفة مجتمعية تضرب التضامن المجتمعي وتهدده. كما بدأت تعلو أصوات منظمات المجتمع المدني خاصة الحقوقية التي تعمل على صعيد المرافعة الدولية للإضاءة على وضع الفلسطينيين في الداخل، إضافة إلى تطور خطاب بحثي أكاديمي في العلوم الاجتماعية يتخذ من إطار الاستعمار الاستيطاني والأبارتهايد مرجعية تحليلية وسياسية لفهم إسرائيل، وبالتالي أخذوا يتجاوزون فكرة الخط الأخضر سياسيًّا وفكريًّا.

برلمانيًّا، بدأ يتراجع بشكل مطَّرد أيضًا تصويت الفلسطينيين في الداخل للانتخابات البرلمانية وانخفض التصويت من 79% في 1996 إلى أقل من 45% في 2021. وكانت نسبة المشاركة تتأثر بالسلوك السياسي للأحزاب الفلسطينية من جهة ومنسوب التحريض من جهة أخرى؛ إذ إن تشكيل القائمة المشتركة أدى إلى ارتفاع نسبة التصويت من 53.6% في 2009 إلى 57.3% في 2013، ثم إلى 64% في 2015 و65% في 2020، لكنها مع تفكك المشتركة وما رافقها من صراع وتحريض داخلي وصلت إلى 45% وهي أقل نسبة منذ عشرات السنين(14). وتدل على تراجع كبير في الثقة بالأحزاب العربية القائمة والعمل البرلماني معًا.

4. هَبَّة مايو/أيار وسيناريوهات المستقبل

في مقابل محاولات التوفيق بين الهوية الفلسطينية وخطاب المواطنة الذي طرحه الفلسطينيون في الداخل عبر نخبهم وأحزابهم وتبني منطق الخط الأخضر الجيوسياسي والتمسك به، كانت حكومات إسرائيل تتعامل مع الخط الأخضر كحاجز فصل يعمل باتجاه واحد حصري: اتجاه الفلسطينيين. وكان هذا الخط -وما زال- يُستخدم بحرص شديد ليفصل بين الفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية وبقية الفلسطينيين، وفي حال جرى تجاوزه عبر الزواج بين الجانبين عل سبيل المثال يجري تصليبه بقانون منع لم الشمل ثم لاحقًا بقانون المواطنة. وبالطبع، هذا الخط غير قائم فيما يتعلق بالسكان اليهود، فهم يشكِّلون ذاتًا قانونية واحدة (مواطن) أينما كانوا بين النهر والبحر، والدولة دولتهم.

في هذا السياق جاءت الهبَّة على خلفية تضييق حيز المواطنة المستمر وزيادة تغول اليمين وتعميق المنطق الاستيطاني كما تجلَّى في ظاهرة “الأنوية التوراتية” ودورها الاستيطاني التهويدي في قلب المدن الساحلية المختلطة، وفي دخول الميليشيات المسلحة -وعربدتها تحت أعين الشرطة- إلى المدن المختلطة تحت ادعاء حماية السكان اليهود. اعتاد فلسطينيو 48 على ربط الميليشيات المسلحة بالمستوطنين في الأراضي المحتلة 67، لكن مع الهبَّة الأخيرة، ولأول مرة منذ النكبة، يشهد فلسطينيو الداخل انتشارًا لميليشيات وجماعات استيطانية منظمة ومسلحة بلباس مدني في مدنهم، وتعرضوا إلى هجمات وتنكيل من قبلها دون تدخل من الشرطة، وبتحريض إعلامي كبير ضدهم.

أعادت هبَّة مايو/أيار موضعة فلسطينيي الداخل جزءًا من الفضاء الفلسطيني العام الموحد، وتجاوزت الخط الأخضر وما يتبعه من محاذير خطًّا فاصلًا، لكن يقابلها ويوازيها في ذات الوقت تصاعد تيار على النقيض منها، يسعى بالذات إلى تصليب الخط الأخضر وسط تبني خطاب اندماج غير مسبوق لفلسطينيي الداخل، يشدِّد على المواطنة الإسرائيلية ويهجر الخطاب الوطني القومي أو على الأقل يقلِّصه لحده الأدنى. هذا التيار جسده دخول القائمة العربية الموحدة للائتلاف الحكومي الإسرائيلي، واندماج شخصيات فلسطينية من الطبقة الوسطى في أحزاب صهيونية (ميرتس والعمل)، ويعمل على أساس الاندماج في البنية السياسية الإسرائيلية القومية-صهيونية القائمة وقبول شروطها، والابتعاد عن المركب القومي الذي سعت تقليديًّا الأحزاب والقوائم العربية إلى المناورة بينه وبين المدني.

وحتى الآن يمكن التمييز بين أربعة اتجاهات: اندماجي تمثله الموحدة وشخصيات عربية في الأحزاب الصهيونية، وتيار وطني مثابر في طرح حل الدولتين والعمل لتوسيع المواطنة، وتمثله القائمة الموحدة التي تضم عدة أحزاب عربية، وتيار علماني آخذ بالتوسع يتجه نحو مقاطعة الانتخابات البرلمانية والعمل عبر الحراكات المحلية والوطنية، ويصبو نحو حل دولة واحدة ديمقراطية، وتيار إسلامي يدعو لتحرير فلسطين وإقامة دولة إسلامية في المستقبل.

ولا شك في أن تآكل نموذج الخط الأخضر وما ينطوي عليه من انسداد أفق الحل على أساس التقسيم لدولتين، هذا من جهة، وتضييق حيز المواطنة من جهة أخرى، يفتحان نظريًّا المستقبل واسعًا أمام سيناريوهات مختلفة ومتناقضة يمكن تلخيص أبرزها كالتالي:

  1.  تطوير مشروع فلسطيني متكامل ومشترك يتجاوز التقسيم الذي تأسس وفق منطق الخط الأخضر، ويبدأ بتشكيل أطر عمل مجتمعية وسياسية مشتركة باتجاه حل الدولة الواحدة الديمقراطية أو ثنائية القومية.
  2. ترسخ الفصل على أساس الخط الأخضر والسعي إلى إعادة تصليبه عبر المشاركة السياسية في الحكومات وذلك على أساس البنية القائمة من دون ربط المشاركة بالقضايا القومية. يرتبط نجاح هذا النموذج الذي تقوده حاليًّا الحركة الإسلامية الشمالية الممثلة بالقائمة الموحدة، بقدرتها على تحقيق مطالب ملموسة مثل الاعتراف بقرى غير معترف بها، وتوفير الميزانيات، ومعالجة انتشار العنف، كما يرتبط نجاحها بعدم تفجر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية أو التدهور لحرب إقليمية.
  3. انهيار قوة الأحزاب الوطنية وتفككها وظهور “حراكات” شبابية من غير وجود قيادة.
  4. مقاطعة الانتخابات الإسرائيلية والعمل من أجل إقامة انتخابات عامة خاصة لانتخاب مجلس تمثيلي خاص، ويمكن أن يكون هذا لانتخاب لجنة المتابعة العليا مباشرة -بدل انتخابها من قبل ممثلي الأحزاب- وتحويلها إلى جسم تمثيلي منتخب للداخل.
  5. العمل الدولي من خلال الجمعيات الحقوقية للاعتراف بفلسطينيي الداخل أقلية وطن، وتحقيق حقوقهم الوطنية على أساس ذلك.

خاتمة

إن حدود الأمر الواقع التي “تشكَّلت”-بالنسبة لفلسطينيي الداخل- بداية بفعل القوة والفصل والفرض، “تصلبت” حالة وطنية بفعل احتلال 1967، بعد أن استبدلت بمشاعر الإحباط والسخرية من ضعف الجيوش العربية مقابل “قوة إسرائيل”، مشاعرَ الخوف، وليتحول معها الاعتقاد بأن إسرائيل حالة عابرة إلى الاعتقاد بأنها قوة إقليمية باقية. ومن ثم “تصلب” الخط الأخضر، بسبب الاعتقاد المتزايد بأن منظمة التحرير غير قادرة على تحقيق مشروع التحرير، وهو ما ترسخ مع قبول الحل المؤقت ومن ثم صيغة حل الدولتين وصولًا إلى أوسلو. وبالموازاة، كانت قوة التيارات الوطنية لفلسطينيي الداخل تتعاظم وبالمقابل كانت القوى التي ترعاها الأحزاب الصهيونية إلى أفول، وتعزز خطاب المواطنة ومطالب المساواة والمناداة بتحقيق الحقوق الفلسطينية في إطار حل الدولتين، من جهة، ومن جهة أخرى، أخذت المشاركة البرلمانية تترسخ وتتحول إلى جزء من العمل السياسي المركزي في الداخل.

ولكن الالتزام بنموذج الخط الأخضر(15) الذي هيمن إجمالًا على مرِّ العقود، بدأ يتزعزع تدريجيًّا في العقدين المنصرمين على خلفية التوسع الاستيطاني للمشروع الصهيوني، والتقليص الممنهج لحيز المواطنة لفلسطينيي الداخل، في موازاة ترسيخ الفوقية اليهودية ما بين النهر والبحر وإقامة نظام أبارتهايد بحكم الأمر الواقع. هذه الزعزعة انعكست إلى حدٍّ كبير في “هبَّة الكرامة” التي امتدت بين النهر والبحر عام 2021، والتي يمكن النظر اليها لحظةً فارقةً في سيرورة تطور النضال الفلسطيني ووجهته. هذه الزحزحة تقابلها قوى معاكسة من فلسطينيي الداخل تسعى إلى حفظ نموذج الخط الأخضر وتصليبه من جديد عبر السعي إلى الاندماج في البنية الإسرائيلية القومية القائمة وتقديمه على أولوية القضية الفلسطينية والخطاب القومي.

مراجع

  1. بحسب اتفاقية رودس التي وُقِّعت مع الأردن، ضمَّت إسرائيل منطقة المثلث الممتدة من أم الفحم إلى كفر برا.
  2. الإحصائيات الرسمية الإسرائيلية تشمل في عدد السكان في إسرائيل سكان القدس المحتلة عام 1967 الذين أُعطيت لهم مكانة “مقيم دائم” بعد إعلان ضمِّ القدس ولا يُعتبرون وفق هذا التصنيف مواطنين من ناحية القانون الإسرائيلي. وبحسب الإحصائيات التي ينشرها معهد القدس الإسرائيلي يبلغ عدد المقدسيين 362 ألف نسمة، وعادة ما يُشمل هؤلاء في العدد الكلي “للعرب في إسرائيل” وبذلك يصبح عدد العرب 1.957.270، ونسبتهم 21.1% من السكان في إسرائيل. في الورقة، جرى التركيز بطبيعة الحال على المواطنين الفلسطينيين الذين حصلوا على الجنسية الإسرائيلية بعد النكبة وإقامة إسرائيل، ونسبتهم لذلك هي 17.2%. انظر الملخص الإحصائي للقدس، الكتاب السنوي 2021، (تاريخ الدخول: 11 يونيو/حزيران 2022): https://jerusaleminstitute.org.il/yearbook/#/4033/22605 (عبري). وأيضًا: نسرين حداد حاج يحيى، محمد خلايلة، أريك رودنتسكي، بن فرجون، الكتاب السنوي للمجتمع العربي في إسرائيل 2021، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، (تاريخ الدخول: 11 يونيو/حزيران 2022): https://www.idi.org.il/media/17618/takzir-shnaton-aravi-17032022.pdf
  3. صحيفة الأيام، إحصائيات إسرائيلية: الفلسطينيون أكثر من اليهود ما بين النهر والبحر، 5 مايو/أيار 2022، (تاريخ الدخول: 11 يونيو/حزيران 2022): https://www.al-ayyam.ps/ar_page.php?id=15451365y356848485Y15451365
  4. الإثنوقراطية هي نظام مبني على تفضيل مجموعة إثنية على أخرى وتفصيل الديمقراطية على مقاسها، وفي سياق إسرائيل يعني تفضيل الجماعة اليهودية وتسخير الدولة ومؤسساتها ونظامها لمصلحتها، انظر كتاب: أورن يفتاحئيل، “سياسات الأرض والهوية في إسرائيل/ فلسطين”، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، مدار، 2012، ص: 19.
  5. أسعد غانم ومهند مصطفى، الفلسطينيون في إسرائيل: سياسات الأقلية الأصلية في الدولة الإثنية، رام الله: مدار، 2009 ص53.
  6. تطور موقف الحزب من القضية الفلسطينية مركب، وأنصح بمراجعة ما كتبته حول الموضوع هنيدة غانم، “الحزب الشيوعي في إسرائيل بين القومية والدولة”، مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 28، عدد 112، 2017، ص102-127. يتابع المقال الانقسامات التاريخية داخله منذ ما قبل النكبة على أساس قومي، ويعالج مسألة موقفه من التقسيم وهيمنة التيار اليهودي حتى 1965.
  7. أسعد غانم ومهند مصطفى، مصدر سابق، 151.
  8. أسعد غانم ومهند مصطفى، مصدر سابق، ص: 156.
  9. من الدعاية الانتخابية للقائمة التقدمية للسلام بخصوص “دولة جميع مواطنيها”، يُنظر على سبيل المثال الإعلان التالي: https://www.youtube.com/watch?v=W-D4SojKc94
  10. هو طرح التجمع الوطني.
  11. د. سعيد زيداني، “فكرة الحكم الذاتي”، موقع عرب48، 23 مارس/آذار 2017، (تاريخ الدخول: 11 يونيو/حزيران 2022): https://shorturl.ae/z1jSq
  12. سعد غانم ومهند مصطفى. الفلسطيني ص، 169-170.
  13. إيتمار عنباري، الشاباك يهدد عرب إسرائيل، معاريف، 16 مارس/آذار 2007، (تاريخ الدخول: 11 يونيو/حزيران 2022): https://www.makorrishon.co.il/nrg/online/1/ART1/557/297.html
  14. مدى الكرمل، تقدير موقف: “قراءة في نتائج انتخابات الكنيست الرابعة والعشرين (آذار 2021) في المجتمع الفلسطيني في إسرائيل”، مارس/آذار 2021، (تاريخ الدخول: 11 يونيو/حزيران 2022): https://mada-research.org/wp-content/uploads/2021/04/PositionPaperMarch2021.pdf
  15. انهيار نموذج الخط الأخضر أو كما يسميه عالم الاجتماع، إيان لوستك، “ضياع البرادايم” مرتبط، بحسبه، بثلاثة عوامل أساسية أدَّت، برأيه، إلى ضياع فرصة حلِّ الدولتين. يتمثَّل الأول في أن إسرائيل، وفي إطار سعيها لـ”تحقيق” فكرة “الجدار الحديدي”، قادها فائض القوة إلى توسيع مطالبها وتبنَّت سياسة التوسع الإقليمي بدلًا من الاستفادة من “الإنجازات” المتحقِّقة لإجراء مفاوضات تؤدي إلى حلِّ “النزاع”. الثاني: يتمثل فيما يُطلق عليه نزعة “الهولوكوست”، التي تدفع اليهود إلى الشعور الدائم بالتهديد والخوف وعدم الثقة بالأمم، وهذا ما يجري توظيفه في تعظيم الخوف من العرب والحقد عليهم؛ الأمر الذي جعل من “التسوية” كلمة قاسية إسرائيليًّا. أما العامل الثالث الذي تسبَّب في موت حل الدولتين، فيتمثل في الدعم الأميركي المُطلق لدولة إسرائيل، بسبب قوة اللوبي الداعم لإسرائيل في الولايات المتحدة الأميركية؛ حيث أدَّى ذلك إلى امتناع الأخيرة عن الضغط على إسرائيل لتقديم “تنازلات” في سبيل الحل، وكذلك، فهمت إسرائيل أنها بمقدورها تمرير مشاريعها دون أن تؤدِّي إلى المساس بعلاقتها بالولايات المتحدة.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات