بقلم فؤاد الصباغ

إن القمة العربية التي انعقدت مؤخرا في الظهران بالمملكة العربية السعودية بين 14 و 15 أفريل 2018 مثلت منعرجا جديدا لمهام جامعة الدول العربية و دورها الفعال في منطقة الشرق الأوسط في ظل المتغيرات الإقليمية. إذ انبثقت عن القمة الختامية وثيقتان تمثلت الأولي في ملف الأمن القومي العربي المشترك و الثانية كما أكد فيها الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد أحمد أبو الغيط أنها تتمثل في الوثيقة الأهم و هي بالأساس تتمحور حول إعلان قمة الظهران و التي تحتوي علي أكثر من 25 بندا منها الإجتماعي و السياسي و خاصة الإقتصادي. مما لا شك فيه تعيش اليوم معظم الدول العربية العديد من الأزمات و التغيرات في ظل الاضطرابات و بؤر التوتر التي تعصف بالمنطقة العربية برمتها. إذ مثل حضور القادة العرب في هذه القمة منعطف جديدا بحيث تناول ملف الأمن القومي العربي المشترك الذي يمثل بعد إستراتيجي و تعاون إقليمي لحماية سيادة الدول العربية من الأطماع الخارجية و الصراعات الإقليمية و الدولية.

كما مثل موضوع التدخل الإيراني الجانب الأهم في قضية الشرق الأوسط و ذلك من خلال حث القيادة الإيرانية علي وقف دعم الحوثي و التحريض علي العنف في اليمن و أيضا في سورية و لبنان و العراق. أما القضية الجوهرية في هذه القمة تبقي القضية الفلسطينية التي تصدرت أولويات الجلسة الإفتتاحية و خرجت بحزمة من القرارات التي تدعم القدس الشرقية كعاصمة لفلسطين الأبدية و ذلك عبر حوافز مالية و وعود إقتصادية هامة. إذ في هذا الصدد دعي العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز آل سعود إلي تخصيص مبلغ مالي هام يقدر ب 150 مليون دولار كهبة للأوقاف الإسلامية بالقدس و تخصيص مبلغ مالي إضافي يقدر ب 50 مليون دولار كمساعدات عاجلة لوكالة الأنوروا التابعة للأمم المتحدة و التي تعمل في قطاع غزة و الضفة الغربية. و بالتالي هذا الدعم السعودي لم يأتي من فراغ و إنما جاء لجلب محور الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إلي طاولة الإهتمام السعودي و بسط نوعا من النفوذ المالي و الإقتصادي و أيضا السياسي علي القضية الفلسطينية.

أما بقية دول مجلس التعاون الخليجي منها الكويت و الإمارات العربية المتحدة قدمت وعود بدعم قضية القدس ماديا و معنويا و الوقوف مع الشعب الفلسطيني في محنته حتي يحقق إنجازه التاريخي و ذلك بضم القدس الشرقية كعاصمة فلسطين الأبدية. كما أن هذه القمة التاسعة و العشرين حملت إسم “قمة القدس” بإعتبارها قضية الساعة و الحدث الهام البارز خلال هذه السنة. بالتالي تمثل تلك الحوافز المالية ضخا هاما في شريان الإقتصاد الفلسطيني الذي هو محتاج لهذه الهبات المالية لمواجهة العدو الإسرائيلي, كما أن دعم الجمعيات الإسلامية بمدينة القدس جاء لتعزيز بسط نفوذها الإقتصادي و الإستثماري مثل الجمعيات و المحلات التجارية في المدينة العتيقة.

أيضا يمثل هذا الدعم المالي الحيوي محرك لنشاط الجمعيات الإسلامية قصد تعزيز تمركزها و عدم إنسحابها من المناطق المحتلة في مدينة القدس. إن هذا الدعم الهام من قبل المملكة العربية السعودية و دول مجلس التعاون الخليجي جاء كمبادرة لوقف الزحف الإسرائيلي علي منطقة القدس و تعطيل قرار ترمب بنقل السفارة الأمريكية إلي القدس خلال الشهر القادم. بالتالي تحقق تلك الحوافز المالية المقدمة من قبل مجلس التعاون الخليجي الأمل للجمعيات الإسلامية و المحلات التجارية و المواطنين المقدسيين قصد إنجاز نهضتهم الإقتصادية و التنموية و الرفع من نسبة النمو الإقتصادي و نسق الإنتاجية و بالتالي تحقيق فائض يقلص من نسبة البطالة للمقدسيين و يحدث تفوق مادي بسيط علي الجانب الإسرائيلي. لكن هذا الدعم المالي و لو أنه مهم إلا أنه يبقي بسيط و غير كافي لأن فلسطين كلها تحت الإحتلال الإسرائيلي و من المعروف أن الإقتصاد الفلسطيني هو بطبعه في تبعية كلية للإقتصاد الإسرائيلي. إذ لا تملك دولة فلسطين إلي غاية الآن عملة خاصة بها و بالتالي يمثل الشيكل الإسرائيلي العملة الرئيسية المتداولة في السوق المالية الفلسطينية, بحيث يعود القطاع المصرفي و المالي كله للسيطرة الإسرائيلية و في الأخير تتحول كل تلك الودائع من الهبات المالية لمجلس التعاون الخليجي من خلال دعم مدينة القدس إلي دعم الإحتياطي بالدولار للبنك المركزي الإسرائيلي.

إن قمة القدس التي حرص من خلالها الرئيس محمود عباس بأن تكون قمة إستثنائية لتعطيل قرار ترمب و ذلك بإحداث تفوق مادي و دعم لوجستي علي أرض الميدان يبقي منقوصا, بحيث أصر الرئيس الفلسطيني بأن يقوم جميع القادة العرب بكسر الحصار الإسرائيلي و زيارة فلسطين و تقديم الدعم المباشر و الإطلاع علي المعاناة الحقيقية للشعب الفلسطيني الذي يعاني من أوضاع إقتصادية مأساوية و مزرية للغاية.

كما دعي أيضا جامعة الدول العربية بالتدخل السريع لوقف مشروع بنيامين نتنياهو المطالب بعضوية دائمة بمجلس الأمن الدولي و الذي يعتبر سابقة خطيرة ممكن أن تهدد جميع مصالح الدول العربية. أما بخصوص الملفات العربية الأخرى فكان التأكيد و الحرص علي دخول المساعدات الإنسانية إلي دولة اليمن و العودة إلي مرجعية وثيقة الصخيرات لحل الأزمة الليبية بالطرق الدبلوماسية السلمية و دعم الصمود و التحالف لمواجهة الأخطار بدولة سورية التي مازالت تعيش إلي الآن علي وقائع حرب مؤلمة تتصارع فيها القوي العظمي من أجل الإستحواذ علي النفوذ الإقليمي العالمي.

إن منطقة الشرق الأوسط أصبحت كلها تحت صفيح ساخن بحيث تشهد الإنتهاكات السيادية و الهجمات الإرهابية التي يقوم بها الحوثي بالمنطقة عبر قصف أراضي المملكة العربية السعودية بالصواريخ و أيضا تهديد المطارات الدولية منها الإماراتية و خاصة مطار الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود وذلك في العديد من المرات. أما الملف السوري أصبح من أكبر تهديدات الأمن القومي لدول الجوار بمنطقة الشرق الأوسط. كل تلك العوامل غيرت من الخريطة الجيوسياسية و بعثرت جميع الأوراق التفاوضية في العلاقات الدولية. عموما شهد المشهد العربي خلال قمة الظهران تغير واضح إذ ركز الإهتمام بالأساس علي تخصيص دعم مالي لتحسين الأوضاع الإقتصادية و الإجتماعية للمقدسيين و الوقوف إلي جانب مدينة القدس العربية.

Print Friendly, PDF & Email