بقلم مروان سمور – كاتب وباحث سياسي اردني

يشير العالِم الصينيّ الشهير “Men Honghua ” إلى أنّ القوّة الناعمة الصينيّة تتكوّن من الثقافة والمفاهيم والنموذج التنمويّ والأنظمة الدوليّة والصورة الدوليّة .

وبحسب المبدأ الكونفوشيوسي  الذي نادى ب (التناغم والانسجام) , فانه يهدف بذلك إلى ضمان التنوع العالمي سياسيًا وثقافيًا.

وقد أطلق الرئيس الصيني السابق “هو جنتاو” شعار التناغمات الثلاثة : السلام في العالم، المصالحة مع تايوان، والتناغم داخل المجتمع الصيني .

الأمر الذي دفع عددا من المسؤولين والمحللين الصينيين إلى الاعتقاد بأن الصين تستطيع منً الآن فصاعدا أن ُتمارس قوة ناعمة حقيقية منافسة للقوة الناعمة الأميركية في الشؤون الدولية.

واذا اردنا ان ندرس القوة الناعمة الصينية ونقارنها بالقوة الناعمة الامريكية , لا بد لنا من ان نرتكز هنا على بعض المحاور الاساسية للوصول الى هذا القياس , وهذه المحاور هي ما يلي :

– النجاح الاقتصادي : ركزت القيادات والاعلام الصيني على قصة النجاح الاقتصادي للصين كبديل لليبرالية  الديمقراطية الغربية . فالاقتصاد الصاعد في الصين يعد عنصرا مساعدا على تزايد جاذبيتها في العالم النامي .

* وهنا لا نستطيع ان نغفل القوة الاقتصادية الامريكية التي تدعم انتشار النموذج الامريكي على مستوى العالم .

– المنح الدراسية : انتهجت الصين النهج الأمريكي في الإكثار من المنح الجامعية للطلاب من مختلف دول العالم، وهذه الخطوة تعتمد على افتراض انبهار جزء كبير من الطلاب بقيم وعادات وفلسفة الدولة المضيفة، ومحاولة استنساخ التجربة والتبشير بها في الوطن .

* ولكن لا تصل الجامعات الصينية الى مستوى مؤسسات مؤسسات التعليم العالي الامريكية .

– معاهد اللغة : كمعاهد كونفوشيوس ؛ فحتّى نهاية العام 2016، تمّ إنشاء 512 معهدا , و1073 فصلا فى 140 دولة (منطقة) فى العالَم، لنشر اللغة والثقافة الصينية  .

* ان العائق الخاص باللغة الصينية يعد عاملا سلبيا في مواجهة اللغة الانجليزية الاكثر انتشارا وشيوعا على مستوى العالم .

– صناعة الاعلام : حاولت الصين بناء امبراطورية إعلامية ، فأطلقت سلسلة قنوات تلفزيون الصين المركزي (ccv). وعززت من قوة وكالة أنباء «شينخوا» , بغية صناعة اعلام يوازي ويضارع القنوات الإعلامية العالمية والامريكية المشهورة مثل (سي ان ان , بي بي سي , فوكس نيوز) , ووكالات انباء مثل (رويترز , وكالة أسوشيتد برس , بلومبيرغ ) .

* ولكن لا يشكل الجمهور العالمي لوسائل الاعلام الصينية سوى نسبة ضئيلة تكاد لا تُذكَر .

* فالصناعة الاعلامية والثقافية الصينية لا تتمتع بصناعة ثقافية في قوة وسائل الاعلام الامريكية او كقوة صناعة السينما الامريكية في “هوليوود” .

– شراء العقول والقلوب : الاستثمارات الصينية المُباشرة فى الخارج، حيث تتمتّع الاستثمارات الصينية المباشرة فى الخارج بالجاذبية ، وخاصّة بالنسبة في الدول النامية ، وذلك بسبب عدم ارتباطها بشروط حقوق الإنسان أو نشر الديمقراطية وما إلى ذلك ؛ إذ إنّ الشرط الصيني الوحيد هو “الاعتراف بتايوان كجزء لا يتجزّأ من الصين الأمّ ، وعدم إقامة أيّ علاقات دبلوماسية رسمية مع تايوان ” .

وتقدم الصين ايضا قروض منخفضة الفائدة للدول الاخرى , وشروط ميسرة وبدون اشتراطات سياسية كما يفعل الغرب  .

* استطاعت الصين هنا ان تحدث اختراقات كبيرة , واصبحت العديد من الدول النامية تلجأ للاقتراض منها وذلك بعيداعن السطوة والاشتراطات القاسية والمذلة  احيانا من قبل المؤسسات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي : واللذين تتحكم بهما امريكا وحلفائها من الدول الغربية .

* اطلقت مبادرة “الحزام والطريق” والذي ترمي إلى تطوير البنى التحتية في الدول النامية وفي بعض البلدان الأوروبية ايضا.

* إنشأت “البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية” عام 2015 ليكون منافسا للبنك الدولي .

وهذا الأمر يعتبر خطوة أولى في ضوء استراتيجيتها في التغيير بموازين القوى.

– تصدير النموذج : ركزت القيادات والاعلام الصيني على “قصة النجاح الاقتصادي للصين” كبديل لليبرالية والديمقراطية الغربية .

اذ يعتبر الاقتصاد الصاعد في الصين عنصرا مساعدا على تزايد جاذبيتها في الدول السلطوية , بالاضافة الى النموذج الصيني بما ينطوي عليه من فساد وافتقار للديمقراطية .

* لكنه لن يلقى صدى قويا في الغرب الذي يرتبط بالقيم الديمقراطية والشفافية . فالولايات المتحدة هي الطرف المهيمن بالفعل في الساحة الدولية صاحب (النظام السياسي الديمقراطي , والسوق الحرة , والنطام التعليمي المتميز) .

– نشر الثقافة : هناك عاملان رئيسيان يحدان من قوة الصين الناعمة ، الأول هو النزعة القومية. فقد أسس الحزب الشيوعي شرعيته ليس على معدل مرتفع من النمو الاقتصادي فقط، بل على إغراءات النزعة القومية أيضاً. وكان هذا سبباً في تقليص الجاذبية العالمية لما كان ينادي به الرئيس الصيني “شي جين بينغ” (الصين الحلم) .

* ان الثقافة الصينية حاليا لا تتماشى مع الحداثة عكس الثقافة الشعبية الامريكية التي فرضت وجودها على العالم تقريبا .

وايضا لا تملك الصين حتى الان صناعات ثقافية عالمية،  قادرة على منافسة الثقافة الامريكية , كافلام هوليوود واغاني البوب والوجبات السريعة .

* وفي المقابل، تستمد الولايات المتحدة قدراً كبيراً من قوتها الناعمة ليس من حكومتها فقط ، بل من مجتمعها المدني , بعكس الصين التي تفتقر إلى المنظمات غير الحكومية التي تولد قدراً كبيراً من قوة أميركا الناعمة .

وختاما، إذا كانت الصين تسعى الى أن تحقق كامل إمكانات قوتها الناعمة ، فيتعين عليها أن تعيد النظر في سياساتها في الداخل والخارج . فتحد من منازعاتها الإقليمية مع جيرانها ، وتتعلم كيف تتقبل الانتقاد من أجل إطلاق العنان لكامل مواهب مجتمعها المدني .

وما دامت الصين تعمل على تأجيج نيران القومية وتُحكِم قبضة سيطرة الحزب الواحد ، فسوف تظل قوتها الناعمة دائماً محدودة. وان ادوات القوة الناعمة الصينية وحجم انتشار الثقافة الصينية لا يؤهلانها لمنافسة القوة الناعمة الامريكية في الوقت الحالي .