قضايا سياسية

المرأة بين الثقافة والفعل السياسي : صعوبة النمذجة

وليد عبد الحي

مقدمة:
ثمة إشكالية في معالجة هذا الموضوع،فما هو تعريف الفعل السياسي لنقيس من خلاله حجم مشاركة المرأة؟هل هو الفعل الموجه مباشرة للسلطة السياسية سواء دفاعا أو هجوما عليها؟هل النمط التربوي الذي يبدأ من الأم في المنزل هو فعل سياسي أم لا؟وهل نمط الاقتصاد المنزلي هو فعل سياسي أم لا؟ فإذا كان الانسان حيوان سياسي كما يقول أرسطو،فإن قصر الفعل السياسي على العلاقة بالسلطة هو تحجيم للظاهرة السياسية.
غير أن الظاهرة السياسية شأنها شأن كل الظواهر،لها بعد مركزي،والعلاقة بين الفرد والسلطة هي بؤرة الفعل السياسي.
من ناحية اخرى،فإن منظومة القيم ومنهج التفكير وتجسداتهما في بنية المجتمع وانتاجه المادي والروحي تمثل المعنى العام للثقافة.
ذلك يعني أن علينا أن نجد العلاقة بين الثقافة والمشاركة السياسية من ناحية،وخصوصية دور المرأة في هذه العلاقة من ناحية ثانية.
صعوبة النمذجة:
دأبت كثير من الدراسات على الربط الآلي بين متغيرات بذاتها وبين مستوى مشاركة المرأة في الميدان السياسي،غير أن الواقع يشير إلى أن هذا الربط الآلي يواجه بعض المشكلات عند محاولة بناء نموذج تفسيري،ورغم ان الموقف من المرأة يسوده على المستوى العالمي نظرة دونية في كل المجتمعات(7% فقط من الوزراء في العالم من النساء)،إلا أن حدة النظرة تتفاوت من مجتمع لآخر ،وتلعب العوامل السياسية والاقتصادية دورا في تحديد حدة الفروق.
غير أن الربط المباشر بين المنظومة الثقافية وبين المكانة السياسية للمرأة ومدى مشاركتها السياسية، يواجه مشكلة تفسير العديد من الظواهر التي لا تتسق مع هذه النظرة ، ويكفي التأمل في النماذج التالية للتاكد من ان النظرة الثقافية والميكانيكية لا تصلح لبناء نموذج تفسيري للعلاقة بين المرأة والفعل السياسي عبر الوسيط الثقافي:
1-الربط بين سيادة قيم الذكورة وبين ضعف مشاركة المرأة السياسية:إذا كان الأمر كذلك،فكيف نفسر أن نيوزيلندا منحت المرأة حق الانتخاب عام 1893 كأول دولة في العالم، بينما انتظرت المرأة السويسرية حتى عام 1971؟ رغم ان المجتمع التقليدي أوسع قاعدة في نيوزيلندا منه في سويسرا.
وكيف نفسر ان نسبة النساء في البرلمان الأوغندي أكثر من ضعف نسبتهن في المجتمع الفرنسي أو الياباني.
وتدل ادبيات الثقافة الهندوسية على نظرة أقل تحيزا ضد المرأة،لكن ذلك لم ينعكس على نسبة مشاركتها السياسية أو دورها السياسي في المجتمعات الهندوسية بشكل يختلف كثيرا عن المجتمعات النامية الأخرى.( والملاحظ ان نسبة مشاركة النساء في الانتخابات الرئاسية الأمريكية تتفوق على نسبة مشاركة الرجال منذ 1980..فلماذا منذ هذه السنة تحديدا؟)
2-الربط بين ضعف نسبة مشاركة المرأة والقيم الدينية مع التركيز على القيم الدينية الإسلامية بشكل محدد؟في هذه الحالة كيف نفسر ما ورد في تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2005 بأن الحركات الإسلامية تقف في طليعة الحركات السياسية في مجال تمكين المرأة في العالم العربي، وكانت نسبة المرشحات لحزب الدعوة الإسلامي العراقي تصل إلى 30%،كما أن إحدى الدراسات تبين أنه من بين 48 حزبا دينيا شاركت في الانتخابات في الوطن العربي خلال الفترة من 1968-2008،كان منها 17 حزبا(35،4%) تؤيد مساواة المرأة مع الرجل مساواة تامة ومطلقة.
كذلك عند المقارنة بين حزب الله وبين الحزب الشيوعي اللبناني ،نجد أن المرأة تحتل ما نسبته 2،6% من المناصب القيادية في الحزب الشيوعي مقابل 22،5% في حزب الله.
وعند النظر إلى المجتمعات الكاثوليكية في امريكيا اللاتينية،نجد أن نسبة النساء في الهيئات السياسية(السلطة التنفيذية،الإدارة المحلية،السلطة التشريعية) في دول مثل كوستاريكا والارجنتين تصل إلى 35%،بينما في دول كاثوليكية اخرى في نفس القارة اقل من ذلك كثيرا.
3-الربط بين قوة النزعة القبلية وبين ضعف مشاركة المرأة في العمل السياسي،وتستدعي هذه الفرضية تفسير كيف تتمثل المرأة في مجتمع قبلي حاد كالمجتمع الرواندي(حيث انقسام إثني حاد بين الهوتو والتوتسي) بنسبة 48،8% في البرلمان لتحتل بذلك المرتبة الأولى في العالم،وهي نسبة تصل إلى ثلاثة اضعاف النسبة في الولايات المتحدة،بل وأعلى من جميع دول الشمال الأوروبي.
4-الربط بين مستوى التعليم وبين تمكين المرأة:وهنا كيف نفسر ان الأردن يحتل المرتبة 109 عالميا في مستوى تمثيل المرأة سياسيا بينما تحتل السودان المرتبة 85 والمغرب المرتبة 78 رغم أن الأردن متقدم عليهما بشكل واضح في مستوى التعليم ونسب الأمية؟
ولو انتقلنا إلى اوروبا سنجد أن نسبة وجود المرأة في المناصب السياسية في فرنسا 12%،بينما في ألمانيا تصل إلى 32،2%(أي أكثر من 2،5 ضعف)،وفي جمهورية التشيك تصل إلى 17% بينما في اليونان حوالي نصف هذه النسبة(8،7%)
وعند المقارنة الأوسع على المستوى الاوروبي،نجد أن هناك 8 دول أوروبية يتشكل برلمانها من 30-39% من النساء، بينما هناك 10 دول فيها نسبة تقل عن 10%، و20 دولة بين 10-19 دولة،و6 دول بين 20-29،ودولة واحدة أكثر من 40،رغم التقارب الكبير في مستويات التعليم.
5-الربط بين مستوى الدخل أو الفقر وبين ضعف المشاركة السياسية للمرأة،وفي هذه الحالة سنلاحظ المفارقة الشديدة مع هذه الفرضية وهي ان دول الخليج العربية هي الأعلى دخلا بين الدول العربية وهي الأكثر تخلفا في مجال تمكين المرأة سياسيا،ففي حين يبلغ معدل دخل الفرد في الإمارات المتحدة 11 ضعفا لدخل الفرد التونسي،إلا أن الإمارات تحتل المركز 126 في تمكين المراة بينما تونس تحتل المرتبة 27.
ما الذي نصل له من المؤشرات السابقة:
1-صعوبة الربط الميكانيكي بين الثقافة وبين مشاركة المرأة،أي أن وضع أنماط ثقافية معينة،وربط نسب المشاركة فيها بشكل وثيق هو أمر لا تدل عليه المعطيات المجتمعية الدولية.
2-يبدو أن العوامل الوسيطة بين الثقافة والمشاركة للمرأة تمثل عاملا يساعد على فهم العلاقة،وقد تتمثل هذه العوامل الوسيطة في الآتي:
1-طبيعة النخبة السياسية(التي تصوغ الدستور أو تضع النظم الانتخابية..الخ)،وتكفي المقارنة بين النخبة السياسية في السعودية والنخبة السياسية في الكويت أو البحرين.
2-طبيعة النخبة النسوية ودرجة فعاليتها.
3-التاريخ السياسي للدولة(دول عرفت حركات تحرر وطنية ،أو تشابك ثقافي مع الاستعمار،أو التأثير الخارجي).

اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock