كان يا مكان في قصة ٍ بالماضي اقشعرت لها الأبدان وصارت مألوفة اعتياديّة في حاضر الزمان، إذ هبت علينا رياح شمالية قادمة من البيت الأبيض، جحور هيرودوس الكريهة، كهوف النازيين المظلمة وبلاد آل عثمان تتار العصر والزمان فإليكم التتمة والبيان:

“يـُـحكى عن جماعات في بلاد الهند يعيشون قرب المقابر، يستعملون عظام البشر في طقوسهم الغريبة، يفضلون شرب الماء بواسطة جماجم بشريّة، يأكلون لحوم الجثث الميتة التي يعتقدون بأنها تقيهم من الشيخوخة وتمنحهم قوى ً خارقة “

في أيامنا هذه لا غرابة في تصور تلك الاقتباس القصصي، على اعتبار أن ما تم ذكره ليس إلا جزء من واقع عشناه في بلادي منذ سنوات، حيث واجهنا فكرا ً عقيدته جاهليّة معدوم الرادع الإنساني والأخلاقي، يبقر البطون، يقطع الأوصال، يذبح بوحشيّة، يلتهم القلوب والأكباد البشريّة، مُسيّر بالسحر التلمودي الأسود، يلقى الدعم اللامحدود من ربيباته في واشنطن و أوربا، فشهد الزمان حربا ً لو استمر تناميها فإن أمما ً بأكملها ستلقى مصير الفناء الشامل في صراع لم يشهد مثيله كوكب الأرض ! ..

مفارقة بانوراية لما مضى:

محافظة إدلب البوابة السورية إلى لواء اسكندرون شغلت حيز تفكير الدول العظمى في حين تناست الأخيرة حرائق أمازون واستراليا، أوبئة افريقيا، مجاعات يـَمـنٍ وغيرها الكثير من الكوارث التي حلت بهذا العالم فعن ماذا تكشفت هذه المفارقة ؟

إن المجريات العسكرية في ادلب أثارت الهلع داخل حزب العدالة والتنمية مما دفع العصمنلي أردوغان للقيام برحلة ماجلانية مدتها أيام ثلاثة شملت أرض السوفييت أولاً ثم بلاد العم سام وصولا ً إلى الجزر البريطانية، بالتزامن مع انجازات الجيش السوري المتتابعة لا سيما في خان شيخون، التمانعة وغيرهما لكن الغريب في الأمر أن القوات السورية عندما كانت تخوض أشرس معارك الجنوب فإن حزب العدالة والتنمية من أنقرة ازداد صراخاً ومراهنة على مناطق دوما، القلمون، الشيخ مسكين وكذلك الحال مشابه في حلب، إذ كانت أعناق التركي متطاولة لا مخاوف يـُـفصح عنها، فما هي حقيقة العمليات العسكرية السورية في ادلب التي دفعت انقرة لإطلاق نداءات الاستغاثة الخفيّة لكل من موسكو، واشنطن ولندن؟

أضف إلى  ذلك موضوع التوسع العسكري على الحدود السوريّة بين موسكو وأنقرة فبعد الحرب على بلادي بدأت غرفة عمليات حلف الأطلسي مهامها لإنجاح مشروع الشرق الأوسط الجديد في سوريا، لكن مخططهم تلقى المسمار الأخير في نعشه عقب العمليات العسكرية الأخيرة في ادلب وهنا يطرح نفسه تساؤل جديد حول مضمون التقارير التي كانت تنقلها نقاط المراقبة التركية لقيادتها مما دفع الأخيرة لتغيير موقفها اتجاه سوريا بينما على الضفة المقابلة نتساءل لما لم يستخدم الجيش التركي منظومات الباتريوت التي نشرها حلف الأطلسي قبل سنوات لرصد الأجواء الشمالية لسورية خصوصاً أن الأتراك هددوا مراراً باستخدام هذه المنظومات في حال قيام الطيران السوري بأي عملية جوية في الشمال؟

ربما منظومات الدفاع الجوي الروسية S400 المنتشرة على أرض شام حولت بطاريات الباتريوت إلى مجسمات كرتونية بلا مفعول، كذلك نطرح تساؤل آخر برسم الإجابة عن مستقبل العلاقات العسكرية الروسية التركية وهل الولايات المتحدة ترى هذا التقارب على حسابها لا سيما أن صفقة شراء تركيا لطائرات (Su-57) الجيل الخامس ربما تلوح في الأفق إلى جانب صفقات أخرى عسكرية واقتصادية ؟!! خصوصاً أن التاريخ يعيد نفسه بشكل آخر ففي الماضي قامت الولايات المتحدة باستجرار الاتحاد السوفييتي إلى الأدغال الأفغانية في حرب دامت عشر سنوات (الحرب السوفييتية في أفغانستان) بينما اليوم المعادلة باتت واضحة فالأمريكي انغمس في مواجهة مباشرة مع الإيراني عقب اغتيال سليماني كذلك السعودية متورطة حتى النخاع في حرب اليمن أما التركي فإنه انزلق في حرب خارجيّة ساحاتها أرض عمر المختار أما تبعاتها كارثية على صناع القرار في حزب العدالة والتنمية وعلى إثر ذلك فإن الانكفاء الرأسمالي قادم لا محالة .

هامش:

قد يسأل البعض أن فايروس كورونا اليوم مالئ الدنيا وشاغل هموم الأرضيّة الكرويّة إلى جانب الفوضى العنصرية المحيطة بتمثال الحرية في بلاد العم سام فكيف يتم التحدث عن الصدام العسكري السوري التركي وقد أصبح من الماضي بعد أن قطع شوطا ً في هدنة وسكون، لكنني أفصح عن مقصدي من الغاية بالإيضاح والإجابة أن هذا الفايروس يشغل الدول علانية ً أما في الخفاء ثمة قضايا يتم العمل عليها في الظل دأبا ً، كمستقبل النظام العالمي وتوازن القوى بين اشتراكيّ القطب ومنافسه الرأسمالي فهل يا تـــُـرى  سنرى في مصير الاتحاد الأوربي نسخة جديدة لحلف وارسو، باختصار إننا سنشهد سيادة عالميّة تتنامى في الشرق مثاقيلها الاقتصادية والعسكريّة بين روسي وصيني وسوري وكوري شمالي وإيراني وغيرهم ممن سار على خطاهم والعبرة هنا أن الصراع بين الخير والشر سيبقى مستمرا ً تتغير أشكاله ووسائله في كل حقبة جديدة فما الشر إلا نعيق يخاطب نوازع النفس فيحول أتباعه إلى طغاة يتجبرون فينتهي بهم المطاف إلى الهاوية بينما يخاطب الخير أنبل القيم وأسماها فيرتقي الانسان بنفسه وينحت في ذاكرة التاريخ بصمة خالدة، تلك إضاءتي على مطلع العام الحالي والقادم أعظم ولنتجنب هول الكوارث وجب التذكير أن لأنفسنا مطلق الأمان بالثبات والتمسك في رعاية الرحمن.

ما تبقى:

انطلق ما يسمى الربيع العربي من ثورة الياسمين في تونس لكن نعشه انتظره في عاصمة الياسمين، إنها دمشق أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ، رغم علقم السنوات العجاف قدمت للبشرية نظاما ً عالميّا ً جديدا ً،فأحادية الهيمنة الأمريكية على العالم تلاشت على يد جنود الجيش العربي السوري فرسان الشام كما قام أجدادهم من قبلهم بطرد بيزنطة هرقل، مغول هولاكو، آل عثمان وأحفاد بونابرت وأذكرك يا حفيد أتاتورك أن حدودكم لن تتعدى شريط الأناضول بينما أمجاد الحقبة العصمنلية التي امتدت لأكثر من 400 عام في بلادي باتت من الماضي فحتمية الزوال مصير كل احتلال وكل عدان لأنه ما من جيش دام انتصاره خارج أرضه والتاريخ خير دليل فعنده البيان ولتبيين والخبر اليقين.

  بقلم علي محمد عمران – سوريا

Print Friendly, PDF & Email