مقدمة

يعرَّف النمو الاجتماعي Social Growth ، في معناه العام، بأنه نمو سمات الفرد بما يتفق مع الأنماط الاجتماعية المقررة. بيد أن الكتابات الاجتماعية المعاصرة، تشير إلى وجود اختلاف واضح بين اصطلاحَي النمو Growth والتنمية Development؛ إذ يمثل أولهما عملية الزيادة الثابتة، أو المستمرة، التي تطرأ على جانب معين من جوانب الحياة؛ وتعني التنمية تحقيق زيادة سريعة تراكمية، ودائمة، خلال فترة من الزمن. فالزيادة الثابتة في النسبة المئوية للمتعلمين والمتعلمات إلى مجموع السكان، هي مؤشر من مؤشرات النمو الاجتماعي. أمّا التنمية، فتتحصل في التعليم في مرحلة النمو الاجتماعي السريع، وخلال فترة ممتدة من الزمن.

يحدث النمو، في الغالب الأعم، بالتطور البطيء، والتحول التدريجي. أمّا التنمية، فتحتاج إلى دفعة قوية Big Push، ليخرج المجتمع من حالة الركود والتخلف إلى حالة التقدم؛ وهذه الدفعة القوية، تقف على طرفَي نقيض مع عملية التطور والتدرج. والظواهر والأشياء، حينما تنمو، لا بدّ أن تتغير خلال عملية النمو؛ غير أن القدر المتحصل من التغير من طريق النمو، ليس إلا قدراً ضئيلاً، لا يعتد به؛ وهو، عادة، تغير كمّي، وليس كيفياً.

كما ينظر إلي النمو على أنه عملية تلقائية، تحدث من غير تدخّل من جانب الإنسان؛ فالطفل يصبح صبياً، ثم شاباً، ثم رجلاً، ثم كهلاً، وهكذا… أمّا التنمية، فهي عملية مقصودة، وهادفة، تنجم عن الجهود المنظمة، التي يبذلها الإنسان لتحقيق أهداف معينة. وبهذا، تصبح التفرقة بين النمو والتنمية كالتفرقة بين التطور والتطوير، والتغير والتغيير، فالفارق بين هذه المفاهيم، يتمثل في مدى تدخّل الإنسان في إحداث التنمية أو التطوير أو التغيير. كما يستخدم مصطلح النمو مرادفاً للنمو الثقافي واسع النطاق، أيْ لتوسيع النشاط الثقافي وتكثيفه في مجتمع من المجتمعات. ويتميز النمو الثقافي بأنه الحركة، التي تنشأ من داخل الثقافة نفسها نشوءاً تلقائياً، في ضوء قِيم المجتمع وإمكانياته. إنه تغير تدريجي، يتناول الكم أكثر مما يتناول الكيف. وهو عملية تطور في الثقافة، تعتمد على عامل الزمن الطويل والحركة البطيئة. وينتج من النمو الثقافي جماعة من الظواهر، هي: النمو الاجتماعي، والتراكم والتجمع الثقافي، والاستمرار، والتلاقح، والتي تقوم على ازدواج العوامل الثقافية، لتقدم صورة جديدة متكاملة؛ فضلاً عن ظاهرة الانتشار، التي ترتبط بالحركة الخارجية للثقافة.

  1. العوامل المؤثرة في النمو

يمكِن بعض العوامل أن تؤثر في النمو، سواء تحدّ منه، أو تشجع عليه، أو توسع من نطاقه، وهي:

أ. البعد الثقافي

حيث يقتصر النمو على واحد فقط أو أكثر من المجالات أو ميادين النشاط الثقافي، فلا يتجاوز الثقافة المادية أو الروحية، أو أحد ميادينهما الفرعية.

ب. البعد الطبقي

تقتصر عمليات النمو على إحدى الطبقات أو الجماعات الاجتماعية دون غيرها. وعادة ما تكون تلك هي الطبقة ذات الوضع المسيطر، أو الطبقة صاحبة الحظوة الاجتماعية. وليس من اللازم أن تكون الطبقة المستفيدة من النمو هي، على الدوام، الطبقة الأعلى أو الطبقة المسيطرة.

ج. البعد الزمني

إن عمليات النمو، يمكن أن تسرع وتنشط، في فترة معينة؛ وتنكمش وتتباطأ، في فترة أخرى. والصورة الشائعة للنمو، عبْر الزمن، هي تلك التي يبدأ فيها بطيئاً، ضعيفاً، على استحياء ثم نشيطاً قوياً، ثم بعد ذلك متخاذلاً، هادئاً. وهي الصورة الدورية، التي أوضحتها دراسات التغير الاجتماعي، والتي ربما يسميها البعض مراحل الصعود ـ القمة ـ والهبوط.

د. البعد الجغرافي

ويتبدّى في ما يحيط بمكان المجتمع وظروفه الجغرافية. فالمناطق الغنية بالثروات الطبيعية، أو المناطق المركزية، يمكن أن تشهد نمواً سريعاً، في العادة؛ على حين تعاني المناطق المنعزلة أو الفقيرة الجمود أو بطء عمليات النمو الاجتماعي.

  1. واقع النمو: الاقتصادي والاجتماعي، في الدول: النامية والمتقدمة

 يقترن مفهوم النمو، عادة، بالنمو الاقتصادي، الذي يشير إلى ارتفاع نصيب المرء من الدخل القومي، خلال الدورة الاقتصادية للموارد المتاحة. والنمو، إذاً، حسب هذا التعريف، هو نمو كمّي في حجم الإنتاج الكلي، والذي يشير إلى مجموع السلع والخدمات، التي أمكن الحصول عليها، خلال فترة زمنية محددة. وقد أدى هذا إلى أن ينال مفهوم النمو، بمحتواه الاقتصادي، نجاحاً كبيراً لدى علماء الاقتصاد، في السنوات الماضية. وفي هذا الإطار، أمكن تحديد خصائص النمو الاقتصادي، بأنه متدرج أيْ لا يحدث طفرة؛ وإنما على مراحل بطيئة.

كما يعتمد النمو الاقتصادي على الجهود الداخلية لأنشطة الأشخاص والجماعات في المجتمع، ما يؤدي إلى زيادات متباينة في المخرجات، التي تقترن مادياً بالمصادر المتاحة في الأنظمة: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

وقد نجم عن تبني موضوع النمو: الاقتصادي والاجتماعي، على المستويَين: النظري والعملي، ظهور اتجاهات، ترى أن التنمية هي تحقيق النمو: الاقتصادي والاجتماعي. فلقد كان النمو الاقتصادي، هو الهدف الأسمى لبرامج التنمية. وبعد أن ساد هذا الاعتقاد، فترة ليست قليلة، تبيّن للدارسين والباحثين والمخططين وحتى لرجال السياسة خطأه، ولا سيما بعد فشل النماذج التنموية، التي تعتمد على تحقيقه بمفرده؛ لأنه لا يستطيع أن يحل مشكلات العالم النامي، اليوم. في حين أن الدول النامية في حاجة إلى دفعة قوية، وسريعة، في كافة بناءاتها: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حتى تلحق بركب الدول المتقدمة.

وإذا كانت حركة النمو الاقتصادي، قد ظهرت في المجتمعات الرأسمالية الغربية، وحققت نهضة صناعية وارتقاء حضارياً للإنسان في الغرب، فان هذا الوضع لا يعدو كونه أمراً غريباً؛ لأن هذه الدول الرأسمالية قد عاشت، في الماضي والحاضر، ظروفاً، مجتمعية ودولية، تخالف ما تعانيه الدول النامية، اليوم. فإذا كانت قد حققت قدراً ملموساً، ونموذجاً رائعاً في النمو الاقتصادي، أفضى إلى تقدُّم واسع في كلّ مناحي الحياة؛ فإنها، اليوم، لا تتعجل المزيد من التقدم، ما دامت تسير وفق سياسة اقتصادية، تعتمد على آليات النمو السليمة. ولكن المشكلة تتعلق بالعالم النامي، الذي يحاول أن يختصر الزمن، حتى يلحق بركب التقدم، وبخاصة أن الدول النامية، بدأت تعاني انخفاضاً في معدلات النمو الاقتصادي، وتواجه مشكلات عجز الموازنة، وانخفاض حاد في مستويات المعيشة؛ وذلك عندما انحصرت عمليات التنشيط الاقتصادي، في تلك الدول، في الاهتمام بجوانب التنمية، الاقتصادية والمادية، من دون مراعاة للجوانب، البشرية والتنظيمية والثقافية الأخرى.

بناء على ذلك، ظهرت اتجاهات جديدة، تحاول فهْم العوامل الأخرى، التي تعوق منطلقات النمو الاقتصادي. ونجم عن ذلك جدل واسع النطاق في مفهوم التنمية الحقيقي؛ إذ إن الزيادة في حجم الدخل القومي، وارتفاع نصيب المرء منه، فقدا كونهما الهدف الأسمى للتنمية. كما أن الأرقام ومعدلات النمو، تكون، أحياناً، مضللة وخادعة؛ واستطراداً فهي ليست المعبرة عن الصورة الحقيقة للتنمية؛ حتى إن الاقتصاديين أصبحوا يقدمون تعريفات للتنمية، تتجاوز تعبيرات نمو الدخل أو الناتج القومي. لذا، اتجهت التحليلات التنموية الجديدة إلى الاهتمام بالعوامل غير الاقتصادية، كالقِيم الثقافية، والموارد البشرية، والأبعاد الاجتماعية للتنمية. وفي هذا السياق، حدد هوبهاوس أربعة معايير للنمو الاجتماعي، هي: الزيادة في كلٍّ من المدى، والكفاءة، والتبادل، والحرية.

كما تتميز فكرة النمو الاجتماعي بسمتَين مهمتَين، هما:

إحداهما أنها لا تعتمد على أيّ نظرية عامة من النمو الاجتماعي؛ وإنما تشير إلى نوع معين من التغير الملحوظ في الوقت الراهن. والأخرى تشير إلى التغيرات الاقتصادية، التي يمكِن تعرُّفها وقياسها بشيء من الدقة والإحكام.

المصادر والمراجع

  1. أحمد زكي بدوي، “معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية”، مكتبة لبنان، بيروت 1986.
  2. إسماعيل عبد الباري، أبعاد التنمية، دار المعارف، القاهرة، 1982.
  3. ألن منتجوى، “التصنيع في الدول النامية”، ترجمة السيد الحسيني، مطابع سجل العرب، القاهرة، 1982.
  4. عبد الباسط محمد حسن، “التنمية الاجتماعية”، مكتبة وهبه، القاهرة 1998.
  5. عبدالله الرشدان، “علم اجتماع التربية”، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 1999.
  6. كلثم الغانم، “المفاهيم الأساسية للتنمية”، في كتاب علم اجتماع التنمية، تأليف جهينة العيسي وآخرون، دار الأهالي، سورية، 1999..
  7. محمد الجوهري وآخرون، “التغير الاجتماعي”، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، 1995.
  8. محمد الجوهري، “علم الاجتماع وقضايا التنمية في العالم الثالث”، دار المعارف، القاهرة، الطبعة الرابعة، 1985.