أولاًُ: قوة الانتشار السريع (Rapid Deployment Force)

    حاول هنري كيسنجر، وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، عام 1974، بحث فكرة تكوين قوة أمريكية ـ أوروبية، لحماية مصادر النفط. إلاّ أن هذه الفكرة، رُفضت، في حينه، من قِبل المسؤولين الأوروبيين. ومع وصول الرئيس جيمي كارتر إلى السلطة، عام 1977، بُعثت فكرة التدخل السريع من جديد. فطوّر وزير الدفاع الأمريكي، هارولد براون، “نظرية الحرب ونصف”، لتكون الولايات المتحدة الأمريكية قادرة على مواجَهة أي أحداث طارئة، سياسية أو عسكرية، في منطقة الخليج.

    وفي 15 أغسطس 1977، تبلور مفهوم قوة الانتشار السريع، أول مرة. فقد أصدر الرئيس، جيمي كارتر، أمراً رئاسياً، دعا فيه إلى تحضير قوة ضاربة، مؤلفة من عدة فِرق قادرة على التدخل السريع في الشرق الأوسط، خاصة في المناطق المنتجة للنفط في الخليج العربي، وإلى مراجعة القدرات العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية. وحملت الوثيقة الناجمة عن تلك المراجعة، التي أجراها مجلس الأمن القومي، اسم “مذكرة مراجعة الرقم (10)”. وتضمنت تحذيراً، مفاده أن “الولايات المتحدة الأمريكية، ليست معدَّة تماماً، للتعامل مع الأزمات الناشبة في العالم الثالث، وتحديداً في منطقة الخليج الفارسي، الغنية بالنفط”، أمر الرئيس كارتر وزارة الدفاع، بتنظيم قوة منقولة، لاستعمالها في الطوارئ، خارج حلف الأطلسي.

    ولم تخرج هذه الفكرة إلى حيز التنفيذ والتطبيق، إلاّ بعد نجاح الثورة الإيرانية، في الأول من أبريل 1979، حينما انهارت إيران الشاه انهياراً تاماً، وبدأت الإدارة الأمريكية تتصرف بردود فعل سريعة. وجاء أول إعلان رسمي، لبدء العمل بتشكيل قوة الانتشار السريع، على لسان وزير الدفاع الأمريكي، هارولد براون، في 27 ديسمبر 1979، حينما حدّد مقر القيادة في قاعدة ماكديل MacDill ، في ولاية فلوريدا، وعيّن الجنرال البحري، جون كيلي John Kelly ، قائداً للقوة، وتطرق إلى التصورات الأولية لحجم القوة المطلوبة.

ثانياً: تكوين قوة الانتشار السريع

    ترتكز فكرة التدخل السريع، في الأساس، على القوات “المسيطر عليها عملياتياً فقط وبأسلوب مركزي” (Operationally Centralised). وهي تضم قوات موجودة داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، ولكنها خاضعة للقيادة المركزية الأمريكية، ويمكن استخدامها خارج المنطقة الموجودة فيها. إن القوة الضاربة، في قوة الانتشار السريع، في ذلك الوقت (مارس 1980)، تتألف من وحدات من الجيش، والقوات الجوية، والقوات البحرية، ومشاة البحرية على الوجه الآتي:

  1. من الجيش الأمريكي

أ. الفرقة 82، المحمولة جواً، الموجودة في قاعدة “فورت براج” ( Fort Bragg)، في ولاية نورث كارولينا (كارولينا الشمالية).

ب. الفرقة 101 اقتحام جوي، الموجودة في قاعدة “فورت كامبل” (Fort Cambell)، في ولاية كنتاكي.

ج. الفرقة 24 المشاة، الموجودة في قاعدة “فورت ستيوارت” (Fort Stewart)، في ولاية جورجيا.

د. الفرقة التاسعة المشاة، الموجودة في قاعدة “فورت لويس” (Fort Lewis)، في ولاية واشنطن.

هـ. الكتيبة السادسة فرسان القتال الجوي، الموجودة في قاعدة “فورت هود” (Fort Hood).

و. الكتيبة س194 المدرعة، الموجودة في قاعدة “فورت نوكس” (Fort Knox)، في ولاية كنتاكي.

ز. الكتيبة الحادية عشرة المدفعية المضادة للطائرات، الموجودة في قاعدة “فورت بلس” (Fort Bliss)، في ولاية تكساس.

ن. المجموعة الخامسة قوات خاصة.

  1. القوات الجوية

أ. الجناح 27 القتالي التكتيكي (طائرات F-111)، الموجود في قاعدة “كانون” (Cannon) الجوية، في ولاية نيومكسيكو.

ب. الجناح 49 القتالي التكتيكي (طائرات F-15)، الموجود في قاعدة “هولومان” (Holman) الجوية، في ولاية نيومكسيكو.

ج. الجناح 347 القتالي التكتيكي (طائرات F-4)، الموجود في قاعدة “مودي” (Moody) الجوية، في ولاية جورجيا.

د. الجناح 354 القتالي التكتيكي (طائرات A-10)، الموجود في قاعدة “ميرتل بيتش” (Murtle Beach) الجوية، في ولاية كارولينا الجنوبية.

هـ. الجناح 23 القتالي التكتيكي (طائرات A-7)، الموجود في قاعدة “إجلند” (Eglind) الجوية، بمدينة (Choctawhatchee)، في ولاية فلوريدا.

و. الجناح 522 للإنذار والسيطرة، المحمول جواً (طائرات E – 3A AWACS).

ز. قوة النقل الإستراتيجية، المكونة من الفرقة 57 الجوية (طائرات B-52H ، وطائرات الصهريج “التزود بالوقود”   KC-135 ، وطائرات الاستطلاع CR-71، U-2RC)، الموجودة في قاعدة “مينوت” (Minot) الجوية، في نورث داكوتا (North DaKota).

ح. أسراب مختارة من قيادة النقل الجوي العسكري (طائرات C-5A ، C-141 ، C-130).

  1. القوات البحرية

أ. ثلاث مجموعات حاملة طائرات، كل مجموعة تتألف من حاملة طائرات إضافة إلى ما يراوح بين 3 و5 طرادات ومدمرات وفرقاطات.

ب. ثلاث مجموعات إنزال برمائية تتألف من: حاملات طائرات عمودية هجومية، وسفن هجومية برمائية، وسفن إنزال دبابات، وزوارق إبرار أخرى.

  1. مشاة البحرية

أ. قوة مشاة بحرية تتألف من فرقة مشاة بحرية، جناح جوي، وعناصر إسناد.

ب. الكتيبة السابعة مشاة بحرية، الموجودة في قاعدة قوات المشاة البحرية في “29 تونتي ناين بالمز”، في ولاية كاليفورنيا (المعدات الثقيلة لهذه الوحدة مخزونة في “سفن شحن”، في المحيط الهندي).

    كونت قوة الانتشار السريع (R. D. F) في مارس 1980، وبلغ قوامها 100 ألف مقاتل، ولم تلبث أن ازدادت، مع بداية الحرب العراقية ـ الإيرانية. وقد وضعت تلك القوة تحت القيادة المركزية الأمريكية (Central Command CENTCOM). وحددت مهامها بالتدخل العسكري في منطقة الخليج، أو في المناطق المجاورة له، في حالة الضرورة.

    وعندما تولت إدارة الرئيس الأمريكي، رونالد ريجان Ronald Wilson Reagan (1981 – 1989)، مقاليد السلطة، بادرت إلى تشكيل قيادة مركزية جديدة لقوة الانتشار السريع، مثل قيادة أوروبا، وقيادة المحيط الهادي، وكان ذلك في الأول من يناير 1983. وتشمل منطقة عملها 19 بلداً، من باكستان إلى المغرب. أمّا الدول الواقعة في محيط عملها، فتبلغ 44 دولة. ووضع تحت تصرفها 200 ألف جندي. وهي تأتي في المرتبة الثانية، بعد القوة الأمريكية، المكلفة بالدفاع عن أوروبا. وعملت الإدارة الأمريكية، في ذلك الوقت، على أن يصل عددها إلى 600 ألف جندي، مع مطلع 1989.

ثالثاً: سعي واشنطن إلى الحصول على القواعد والتسهيلات في الخليج

    إذا كانت قوة الانتشار السريع تُعَدّ الأداة، التي يرتكز عليها “مبدأ كارتر”، فإن القواعد والتسهيلات في دول المنطقة، هي البنية التحتية، الضرورية لتأمين مصداقية الإستراتيجية، التي اعتمدتها الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة التهديدات، التي تتعرض لها مصالحها الحيوية، في منطقة الخليج العربي وبحر العرب.

    وفي منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي، واجهت الولايات المتحدة الأمريكية صعوبات في الحصول على قواعد وتسهيلات، نظراً إلى موقفها العدائي من القضية الفلسطينية، ودعمها سياسة إسرائيل التوسعية، على الرغم من وجود بعض العوامل الإيجابية، التي تتلخص في خوف دول المنطقة من التسلل السوفيتي، ومن عدوى الثورة الإيرانية.

    وبعد فشل واشنطن في إقناع الدول النفطية بتقديم التسهيلات العسكرية، الضرورية لعمل قوة الانتشار السريع، لجأت إلى الدول غير النفطية (عُمان، الصومال، كينيا، مصر). فقد سمح سلطان عُمان للقوات الأمريكية باستخدام مطار مصيرة وقاعدتها ومطار السيب، اللَّذَين ترى الولايات المتحدة الأمريكية، أنهما نافذة إستراتيجية، تطل على منطقة الخليج العربي. وكذلك المرافئ العُمانية، في كل من مطرح ومسقط وصلالة.

    ووافق الرئيس الصومالي، محمد سياد بري Mohammed Siad Barre، في أواخر مارس 1980، على تقديم تسهيلات عسكرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والسماح لها باستخدام المرافق، الجوية والبحرية، التي كان الاتحاد السوفيتي قد أنشأها، في ميناء بربرة (Berbera) والقاعدة الجوية في بربرة ومقديشو (Mogadishu).

    وقدمت كينيا تسهيلات إلى القوات الأمريكية، بحجة مواجَهة التحديات الصومالية، وتعبيراً عن صداقتها لواشنطن. وخصص البنتاجون مبلغ 96.6 مليون دولار، لتحسين مطار نانيوكي (Nanyuki) ، وتعميق الميناء الحربي في ممباسا (Mombasa)، ليمكنه استقبال حاملات الطائرات الأمريكية. كما أنشئ في نيروبي (Nairobi) منشآت صيانة، ونقاط توقف، للطائرات البعيدة المدى.

    وقدمت البحرين تسهيلات، في مرفأ الجفير. وكانت “قوة الواجب المشتركة للشرق الأوسط”، منذ تشكيلها، عام 1949، تستفيد من تسهيلات هذا المرفأ، بموجب اتفاقات غير رسمية، مع بريطانيا، في بادئ الأمر. وفي أواخر عام 1971، أمكن التوصل إلى اتفاقية مع حكومة دولة البحرين، تقضي بالاستمرار في استخدام تلك التسهيلات. وإضافة إلى المرفأ وخدماته، كانت “قوة الواجب المشتركة للشرق الأوسط”، تستفيد من مستودعات للتخزين، ومركز للاتصالات. وخلال السبعينيات، تعرضت هذه التسهيلات لانتقادات كثيرة، خاصة في أعقاب حرب أكتوبر 1973، مما دفع الحكومة البحرينية إلى توقيع اتفاقية جديدة، عام 1977، أصبحت البحرين، بموجبها، لا تمثل المقر الرئيسي لـ “قوة الواجب المشتركة للشرق الأوسط”. وقد منحت تلك الاتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية حق الأولوية في استخدام ميناء سلمان، لفترات، لا يقلّ مجموعها عن 120 يوماً، سنوياً.

    وقدمت مصر، في عصر الرئيس أنور السادات، تسهيلات عسكرية، في قاعدتَين، هما رأس بناس وقنا الجويتين. وقد أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية على قاعدة رأس بناس حوالي 750 مليون دولار، لتطويرها. ويستطيع مطار القاعدة استقبال الطائرات الإستراتيجية، البعيدة المدى من نوع (B-52)، المستخدمة في عمليات القصف، الإستراتيجي والنووي. كما أن الميناء البحري للقاعدة، أعِدَّ لكي يستقبل حاملات الطائرات. أمّا قاعدة قنا الجوية، فإن موقعها، يتيح لسلاح الجو الأمريكي الاضطلاع بدوريات استطلاع في سماء الشرق الأوسط، والوصول إلى أجواء بلدان، كإيران وأفغانستان وباكستان ودول الخليج والقرن الأفريقي، ثم العودة إلى القاعدة، من دون تزود الوقود.

رابعاً: دول النفط ترفض القواعد العسكرية الأمريكية

    كان لسقوط شاه إيران دور في دفع الدول الخليجية، إلى طرح مسألة “الأمن الخليجي الذاتي”. تلك المسألة، التي أثارت الكثير من الجدل والنقاش، والتي تُوِّجت، مؤخراً، بإعلان إنشاء “مجلس التعاون الخليجي”، الذي يمثل محاولة بلورة تصور مشترك، لكيفية المحافظة على الاستقرار والأمن في الخليج.

    لقد وجدت دول الخليج نفسها، بعد سلسلة الأحداث، التي عرفتها المنطقة، أمام خيارَيْن:

الخيار الأول:     التحالف مع الولايات المتحدة الأمريكية، من خلال معاهدات دفاع مشترك، أو إعطاؤها قواعد وتسهيلات عسكرية.

الخيار الثاني:     الابتعاد عن واشنطن، وتنويع الاختيارات، بهدف إبعاد الخليج عن الصراعات الدولية.

    والواقع، أن الدول الخليجية، باستثناء البحرين وعُمان، اعتمدت الخيار الثاني. فأمراء الخليج، يدركون تماماً، أن الوجود العسكري الأمريكي، المتمثل في قواعد أو تسهيلات، لا بدّ أن يثير حفيظة شعوب المنطقة. أضف إلى ذلك، أن وجود قواعد للغرب في الخليج، يعني إيذاناً بالمواجَهة بين الغرب والشرق، لأن الاتحاد السوفيتي، سيكون مُكْرَهاً على تعزيز وجوده العسكري، في المحيط الهندي والقرن الأفريقي.

    إن معظم التقارير، التي طلبتها إدارة الرئيس كارتر، حول موضوع القواعد والتسهيلات، أشارت، بوضوح إلى عدم رغبة دول المنطقة، خاصة النفطية منها، في منح الولايات المتحدة الأمريكية قواعد، بالمعنى التقليدي للقواعد، لِمَا يثيره هذا المصطلح من المخاوف. ومع ذلك، فإن الإدارة الأمريكية، تبنّت رأي البنتاجون، حول أهمية القواعد والتسهيلات لعمل القوات الأمريكية، إذ تمكنت من الحصول على ذلك من بعض دول المنطقة غير النفطية، باستثناء البحرين.

خامساً: سقوط الشاه، والحضور العسكري الأمريكي المباشر

    كان لسقوط شاه إيران تأثيرا مدوٍّي، في العواصم الخليجية، فانتصار الثورة الإيرانية، لم يكن متوقَّعاً، لدى حكام الخليج. كما أثر هذا الحدث الكبير في مجمل إستراتيجية واشنطن، للدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها. ومع تزايد الحضور البحري العسكري السوفيتي، في المحيط الهندي، طرحت الإدارة الأمريكية إمكانية إيجاد أسطول خامس، في هذا المحيط، والتحول من سياسة “حرب ونصف حرب”، إلى سياسة “حربَيْن”، وما يتطلبه التزام المحيطات الثلاثة، من حضور بحري كثيف، في بحار العالم كافة، ولا سيما المحيط الهندي.

    سارعت الإدارة الأمريكية، بعد سقوط الشاه، ونشوب النزاع الحدودي بين شطري اليمن (الشمالي والجنوبي)، إلى إرسال سرب من طائرات F-15 ، وحاملة طائرات، إلى بحر العرب. إضافة إلى الدعم العسكري لحكومة صنعاء، في مارس 1979. وفي 9 يوليه، أمرت القيادة العسكرية الأمريكية خمس سفن، تابعة للأسطول الأمريكي السابع، بالتحرك من قاعدة سوبيك (Subec) الفيليبينية، إلى المحيط الهندي، لتأكيد الحضور العسكري الأمريكي في هذه المنطقة. وفي سبتمبر 1979، عُزِّزت “قوة الواجب المشتركة للشرق الأوسط”، المرابطة في البحرين، بإضافة سفينتَين إلى السفن الثلاث الموجودة هناك. وفي نوفمبر 1979، أُصدرت الأوامر إلى حاملة الطائرات الأمريكية، كيتي هوك (Kitty Hawk)، بالتوجه إلى المحيط الهندي، عندما احتل الطلاب الإيرانيون السفارة الأمريكية، في طهران، واحتجزوا الدبلوماسيين، كرهائن.

    وفي نهاية عام 1979، بلغت القوة العسكرية الأمريكية 19 قطعة حربية، ضمت “قوة الواجب المشتركة للشرق الأوسط” 5 سفن، ومجموعة ميدواي (MIDWAY) ـ 8 سفن، بينها حاملة الطائرات ميدواي، ومجموعة كيتي هوك (Kitty Hawk) ـ 6 سفن، من بينها حاملة الطائرات كيتي هوك، في استعراض للقوة الأمريكية، في مواجَهة الثورة الإيرانية.

    وفي 24 ديسمبر 1979، تلقت الإدارة الأمريكية ضربة أخرى شديدة، إثر الغزو السوفيتي لأفغانستان. فأمر الرئيس، جيمي كارتر، في فبراير 1980، بإرسال قوة برمائية من مشاة البحرية، عددها 1800 جندي، تعززها 19 طائرة عمودية، ومجموعة من الدبابات إلى منطقة الخليج. وكانت هذه أول مرة، ترسل فيها الولايات المتحدة الأمريكية قوة مقاتلة من مشاة البحرية إلى المنطقة، مما عزز الاعتقاد، أن واشنطن على وشك المبادرة إلى عملية عسكرية، لتحرير الرهائن الأمريكيين، في طهران.

    وتبريراً للوجود العسكري الأمريكي في الخليج العربي، ودفعاً للدول الخليجية إلى طلب الحماية الأمريكية، عمدت الولايات المتحدة الأمريكية إلى زيادة حدّة التوتر، بين العراق وإيران. فالحرب العراقية ـ الإيرانية، شكّلت فرصة ذهبية لتدخّل واشنطن تدخلاً علنياً، هذه المرة، في أمور الخليج العربي ومشاكله.

    وإن الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وتعزيز القدرة العسكرية، يشكلان البعد العسكري للإستراتيجية الأمريكية الجديدة، المنبثقة من “مبدأ كارتر”. فالولايات المتحدة الأمريكية، تريد، من خلال وجودها العسكري المباشر في الخليج، إعادة صياغة التوازن الإقليمي، الذي اختل بسقوط الشاه، وخروج إيران من دائرة النفوذ الأمريكي، ورفضها لدور شرطي الخليج. وعلى الرغم من كثرة الطامحين لأداء هذا الدور، فإن المسؤولين الأمريكيين، قد استخلصوا الدروس من التجربة الإيرانية، وأيقنوا أنه لا يمكنهم الثقة المطلقة بالأنظمة المحلية، أياً كانت مناعتها ضد التغيير، وأن البديل من ذلك، هو تعزيز الوجود العسكري الأمريكي، في المنطقة الممتدة من المحيط الهندي ـ الخليج العربي إلى القرن الأفريقي، على أساس أنها منطقة مواجَهة واحدة. وقد نُقلَت من مرتبة “نصف حرب” إلى مرتبة “حرب كاملة”، مع ما يرافق ذلك من انعكاسات على الصورة الإستراتيجية الشاملة.

    إن تدفق القوات والأساطيل الأمريكية إلى منطقة الخليج، بعد سقوط شاه إيران، كان تعبيراً عن المتغير في السياسة الأمريكية، وبدء مرحلة الحضور العسكري الأمريكي المباشر، للدفاع عن “المصالح الحيوية” للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في منطقة الخليج. ولم يكن “مبدأ كارتر” سوى إعلان التوجه الجديد إلى الاعتماد على القوات الأمريكية نفسها، بدلاً من الاعتماد على غيرها.

سادساً: الرئيس ريجان، وتفسير جديد لـ “مبدأ كارتر”

    فسرت إدارة الرئيس رونالد ريجان (الإدارة الجمهورية) “مبدأ كارتر” تفسيراً جديداً، يتجاوز مفهومه الأصلي. فالرئيس كارتر، رأى منطقة الخليج العربي منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وإدارة الرئيس ريجان، تعمد إلى مفهوم جديد للمصالح الحيوية، شامل، ومتكامل، تكون الولايات المتحدة الأمريكية، بمقتضاه، مستعدة لمواجهة عسكرية، في أي بقعة من الأرض، وليس في منطقة الخليج العربي فحسب. إلاّ أن ذلك لا ينفي أن إدارة الرئيس ريجان، تبنّت “مبدأ كارتر”، وقوة الانتشار السريع، واتخذتهما أساس عملها في منطقة الخليج العربي.

    ولم تختلف سياسة الرئيس ريجان عن سياسة سلفه، في منطقة الخليج العربي، إلاّ في طريقة التنفيذ، من خلال تطوير “مبدأ كارتر”، في اتجاه أكثر تطرفاً. فالسياسة الأمريكية في منطقة الخليج، ارتكزت على دعامتَين أو أساسَين:

  1. الأساس الأول يرتبط بتعزيز نشر الوجود العسكري الأمريكي، من طريق إنشاء القواعد العسكرية، والاستفادة من التسهيلات، المقدمة من بعض حكام دول مثل (عُمان، الصومال، مصر، كينيا) بشرط أن يكون هذا الوجود دائماً وثابتاً، وليس كما كانت تقترح إدارة الرئيس كارتر، استخدام التسهيلات والقواعد لاستقبال قوات قوة الانتشار السريع، المنقولة، لدى وقوع “الأزمات”، من الأراضي الأمريكية إلى مرافئ البلدان المانحة للتسهيلات ومطاراتها. كما أن إدارة الرئيس ريجان، جعلت “حماية أمن الخليج” مسألة غربية، وليست أمريكية فقط، من خلال دفع الدول الأوروبية إلى المشاركة الفعلية في الجهود العسكرية، المتعلقة بالمنطقة، وحملها على زيادة ميزانياتها العسكرية، بمعدل 3% سنوياً، وحتى عام 1990، بهدف التخفيف من أعباء الولايات المتحدة الأمريكية. كما أن مشروع القوة البحرية الغربية، لحماية الخليج العربي، الذي طرحته رئيسة الوزراء البريطانية، مارجريت تاتشرMargaret Thatcher، أثناء زيارتها واشنطن، أصبح فكرة قابلة للتحقيق. إضافة إلى أن حلفاء أمريكا، قبلوا أن تستخدم قوات قوة الانتشار السريع قواعدهم العسكرية.
  2. أمّا الأساس الثاني للسياسة الأمريكية في الخليج العربي، فهو ضم أكبر عدد ممكن من دول الشرق الأوسط، إلى إستراتيجية مشتركة، موجَّهة ضد الاتحاد السوفيتي، أو أي قوة، تحاول العبث بأمن المنطقة أو أمن الخليج العربي. وهذه الإستراتيجية، تعتمد على الانتشار الدائم للقوات الأمريكية في المنطقة. كما أنها تعتمد على تزويد الدول الصديقة الأسلحة المتطورة، لتمكينها ليس من مواجَهة الاتحاد السوفيتي ـ وهو أمر مستبعد ـ بل من أجل ضبط أوضاعها الداخلية، وقمع الحركات أو الانتفاضات الشعبية.

    والطرف الأساسي، المعني بمبيعات الأسلحة الأمريكية، هو المملكة العربية السعودية، الطامحة إلى دور قيادي، في الخليج العربي، بل في منطقة الشرق الأوسط. ولا سيما بعد إضعاف الحرب العراقية ـ الإيرانية لطرَفيها، القوّتيَن الرئيسيتَين في الخليج، مما جعل الرياض مؤهلة لزعامة الخليج، ضمن إطار مجلس التعاون الخليجي، الذي استُبْعِد منه العراق.

    بعد أن تبنّت إدارة الرئيس رونالد ريجان “مبدأ كارتر” وقوة الانتشار السريع، أبدت اهتماماً كبيراً بتطوير كافة أفرع القوات العسكرية الأمريكية. وأضافت 185 مليار دولار إلى ميزانية الدفاع، للسنوات الخمس (1981 ـ 1986)، التي حددتها إدارة كارتر بـ 1385 مليار دولار، وبموجبها حصلت القوات البحرية على مخصصات قياسية، وصلت إلى 120 مليار دولار، لتنفيذ برنامج بناء شامل، استهدف زيادة القطع البحرية الحربية من 350، عام 1981، إلى 600 سفينة وغواصة، عام 1986. وشمل ذلك بناء حاملتَي طائرات هجوميتَين، و14 غواصة هجومية، تسير بالطاقة النووية، و143 سفينة سطح، من مختلف الفئات، وحوالي 1900 طائرة، بما في ذلك 208 مقاتلات عمودية، من نوع سوبر هاريير Super Harrier ، وإجراء بعض التعديلات لأربع بوارج حربية لتسليحها بصواريخ سطح “سطح أو سطح/جو”. إلى جانب حاملتَي طائرات موضوعَتين قيد التخزين، منذ سنوات. كما عزمت إدارة الرئيس ريجان على بناء 20 ناقلة نفط إضافية، لتموين الأسطول الجديد. إضافة إلى تضمن البرنامج بناء 8 طرادات، من نوع ايجبس، مسلحة بصواريخ، من نوع “هاربون Harpoon”.

    وفي ضوء ذلك، فإن الإدارة الأمريكية، وضعت تصوراً متكاملاً لقوة الانتشار السريع، لتكون قادرة على الرد السريع، إزاء أي تحدٍّ تواجهه الولايات المتحدة الأمريكية في منطقة الخليج، مع حلول عام 1986، حينما تكون قد أنجزت كافة الإنشاءات المطلوبة في المنطقة، وطورت قدرات النقل، البحري والجوي، واستكملت بناء السفن وطائرات، النقل والقتال، المطلوبة، لتكون قادرة على نشر قوات من 80 ألف رجل، في منطقة العمليات، خلال 21 يوماً.

    ومن أجل بناء القواعد العائمة، أعلنت الإدارة الأمريكية، في مطلع عام 1982، خططها لإرسال ما بين 12 ـ 13 سفينة، محملة بالأسلحة والإمدادات، لقواتها في المحيط الهندي. كما استأجرت وزارة الدفاع ما بين 12 ـ 15 سفينة مدنية، واستخدمتها مخازن عسكرية، لتخزين إمدادات عسكرية على متنها، وأرسلتها للمرابطة في المحيط الهندي. وقال ناطق بلسان البيت الأبيض: “إن هذه السفن، سترابط في موانئ، جرى تطويرها بشكل شامل في جزيرة دييجو جارسيا، في المحيط الهندي. وستكون مستودعات قادرة على تخزين ونقل المعدات والمؤن الكافية، لمدة شهر”. وأعلنت إدارة الرئيس ريجان تشكيل القيادة المركزية، في الأول من يناير 1983.

    ولما كانت قوة الانتشار السريع هذه مدربة، خاصة، على حرب الصحراء، فإن ذلك جعل بعض الباحثين يعتقدون، أن تشكيلها كان إعداداً بعيد المدى، للتدخل العسكري الأمريكي، خلال أزمة الخليج الثانية (1990 ـ 1991)، وفي معنى آخر، أنه قد أُعِدَّ لعملية عاصفة الصحراء، قبل عشر سنوات، على الأقل، من وقوعها.

 تغير انتشار أمريكا العسكري حول العالم خلال عقد (خريطة)

تمحور برنامج الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قبل توليه قيادة البلاد وإلى اليوم، حول شعار “أمريكا أولا”، ووعود الانسحاب من بؤر الصراع، ولا سيما الشرق الأوسط وأفغانستان.

لكن واشنطن، منذ بدايات حكم الرئيس السابق، باراك أوباما (2009- 2016)، بدأت بالفعل بتبني استراتيجية جديدة، تتخذ من مواجهة الخصوم المحتملين للهيمنة الأمريكية، وخاصة الصين، هدفا رئيسيا، وهو ما عبرت عنه هيلاري كلينتون، التي تولت وزارة الخارجية بين عامي 2009 و2013، في مقال لها نشره موقع مجلة “فورين بوليسي“، تحت عنوان: “قرن الهادئ الأمريكي”.

وتجلى ذلك المنحى الجديد ببدء الانسحاب من العراق وأفغانستان واتخاذ مواقف سلبية “عسكريا”، إزاء بؤر الصراع التي تفجرت إثر الربيع العربي، فضلا عن أوكرانيا التي انتزعت موسكو منها شبه جزيرة القرم، وأشعلت في شرقها حربا ما تزال قائمة منذ عام 2014.

وفي المقابل، تعرض ترامب لانتقادات إزاء مخالفته وعوده لناخبيه، بإرساله قوات من وقت لآخر في مهام خارج البلاد، بما في ذلك إلى السعودية بعد هجمات “أرامكو” العام الماضي، عندما قال صراحة إنه سيقوم بتوفير قدرات حماية للمملكة في حال دفعت الأخيرة تكاليفها.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، التي يطمح إلى الفوز فيها بفترة ثانية، عاد ترامب إلى سكة الانسحابات، وسرّع خطوات التوصل لاتفاق سلام مع حركة طالبان، بل وقرر إعادة جنود إلى بلادهم قبل الوقت المحدد في الجدول الزمني الذي تم التوصل إليه بالدوحة نهاية شباط/ فبرايرالماضي، فضلا عن الموافقة على سحب آلاف الجنود من ألمانيا.

وتشمل الاستراتيجية الجديدة، على طريقة ترامب، الاشتراط على الحلفاء دفع أموال للإبقاء على القوات الأمريكية على أراضيهم، ولا يستثني ذلك ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية.

ولكن في الواقع، فقد ازداد عديد القوات الأمريكية في اليابان بواقع نحو 13 ألفا، إلى أكثر من 55 ألف عنصر نشط، في آذار/ مارس 2020، مقارنة بما كان عليه الأمر في أيلول/ سبتمبر 2008.

وبحسب بيانات وزارة الدفاع الأمريكية، التي اطلعت عليها “عربي21″، فقد ازداد كذلك عدد القوات الأمريكية، وإن بشكل محدود، في كل من كوريا الجنوبية وجزيرة غوام بالمحيط الهادئ، كما يبدو لافتا اتساع دائرة انتشار الحضور العسكري الرسمي للولايات المتحدة، ليشمل 177 دولة وأرضا خاضعة/جزيرة حول العالم، مقارنة بـ165 عام 2008، وسط اهتمام متزايد بأفريقيا وجنوب شرق آسيا والهادئ، مقابل انخفاض عدد العناصر المنتشرة حول العالم من نحو 370 ألفا، إلى 200 ألف، خلال الفترة ذاتها.

وتشكل تلك المعطيات الملامح الرئيسية لتوجهات واشنطن في السنوات الأخيرة، ويمكن ملاحظتها بشكل أوضح من خلال الاطلاع على تغير خريطة الانتشار العسكري الأمريكي بين 2008 و2020.

والأرقام الظاهرة لا تشمل القوات الأمريكية الموجودة على متن حاملات طائرات وسفن في المياه الدولية، وتشمل فقط الدول التي يزيد تعداد القوات الأمريكية على أراضيها عن خمسة آلاف جندي.

ويظهر من خلال بيانات البنتاغون المشار إليها تركيز واشنطن على انتشار أوسع للقوات، بأعداد أقل، وتركيز أكبر على منطقة الهادئ وشرق وجنوب شرق آسيا، مع ازدياد بطيء للانتشار في دول أوروبية محاذية لروسيا، مثل بولندا ومنطقة البلطيق، فضلا عن تعزيز للانتشار في أفريقيا، ولمركز قيادة القوات الأمريكية في القارة السمراء “أفريكوم” بإيطاليا.

وفي المقابل، يتراجع الاهتمام الأمريكي بالخليج العربي، رغم حديث دول بالمنطقة عن مواجهتها “تهديدات إيرانية”، كما تنسحب واشنطن تدريجيا من ألمانيا التي لطالما شكلت قاعدة كبيرة لأنشطة الولايات المتحدة العسكرية، وسط توتر غير مسبوق في العلاقات بين البلدين على خلفية تعاون برلين مع موسكو في قطاع الغاز الطبيعي.

جدير بالذكر أن البيانات الرسمية لوزارة الدفاع الأمريكية لا تشير إلى عدد القوات الموجودة حاليا في كل من العراق وسوريا وأفغانستان، على اعتبار أنه متغير باستمرار في ضوء العمليات.

لكن أحدث التقارير التي اطلعت عليها “عربي21” تتحدث عن وجود نحو ثمانية آلاف و600 عنصر في أفغانستان، وخمسة آلاف و200 في العراق، و600 في سوريا.

دوافع تخفيض الحضور العسكري الأمريكي منطقة الشرق الأوسط: حالة العراق

تحرص إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل رحيلها في يناير المقبل على تقليص الحضور العسكري الأمريكي في العراق، وهو ما تجلى في إعلان وزارة الدفاع الأمريكية في 17 نوفمبر الجاري عن سحب 500 جندي من العراق في الفترة المقبلة، لتنخفض بذلك أعداد القوات الأمريكية في العراق من 3000 إلى 2500 جندي.

اعتبارات عديدة: 

يمكن تفسير مسعى إدارة ترامب قبل رحيلها لتخفيض أعداد القوات الأمريكية في العراق، في ضوء الاعتبارات التالية: 

1- تراجع تأثير ضغوط البقاء: جاء قرار الإدارة الأمريكية بتقليص أعداد القوات الأمريكية في العراق بعد أيام قليلة من إقالة وزير الدفاع السابق مارك إسبر في 9 نوفمبر الجاري، ومن ضمن أبرز دوافع الإقالة، كما تشير تقارير عديدة، وجود خلافات بين ترامب وإسبر بشأن التواجد الأمريكي في الخارج، حيث سبق وقاوم الأخير محاولات الرئيس المتقطعة لإصدار أوامر بإعادة القوات الأمريكية من الخارج. ويُشار في هذا الصدد إلى أن المواقف السابقة لوزير الدفاع الأمريكي الجديد بالوكالة كريستوفر ميلر تشير إلى أنه مؤيد لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي في الخارج. 

وقد أشار ميلر، في معرض تعليقه على قرار تخفيض القوات الأمريكية في العراق، إلى أن القرار تم اتخاذه بناءً على توجيهات الرئيس ترامب، وبعد التشاور مع مجلس الأمن القومي والقادة العسكريين. كما أن تعيين ميلر للكولونيل في الجيش دوغلاس ماكريغور في منصب مستشار أول للبنتاجون يوجه إشارة بأن إدارة ترامب تريد الإسراع في تقليص الحضور العسكري الأمريكي في الخارج، خاصة وأن الكولونيل ماكريغور يعد من أشد المطالبين بإنهاء الحضور العسكري الأمريكي الخارجي لرؤيته أن واشنطن ليس لديها مصالح وطنية للقيام بذلك. 

2- الحرص على تبني خطوات مخالفة لنهج بايدن: تعكس طبيعة الفريق الانتقالي لوزارة الدفاع، وتصعيد الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن لكوادر تربطهم صلات قوية بالصناعة العسكرية تغيراً محتملاً في نظرته لقضية التدخلات الخارجية، وهو ما دفع اتجاهات عديدة إلى اعتبار أن هذا التغير بات أكثر ترجيحاً مع تعيين انتوني بلينكن وزيراً للخارجية، والمعروف عنه دفاعه عن التدخل العسكري الأمريكي في دول مثل ليبيا وسوريا والعراق.

3- تنفيذ الالتزامات الخاصة بمخرجات الحوار الاستراتيجي: تحاول إدارة ترامب من خلال إعلانها الأخير عن تخفيض حضورها العسكري في العراق الظهور في صورة الملتزم بمخرجات الحوار الاستراتيجي بين واشنطن وبغداد، حيث سبق وأشار البيان الختامي لجولة الحوار الاستراتيجي الثانية التي جرت في واشنطن في أواخر أغسطس الماضي، إلى اتفاق الطرفين على مواصلة الولايات المتحدة تخفيض عدد قواتها المتواجدة في العراق في ضوء التقدم المتميز بشأن التخلص من تهديد تنظيم “داعش”، إلا أنه أقر بقاء جزء من القوات الأمريكية ضمن التحالف الدولي ضد التنظيم وفي إطار مرحلة جديدة مرتقبة تركز على تدريب وتجهيز ودعم القوات الأمنية العراقية. 

4- تحديات تأمين المصالح الأمريكية: ترتبط خطوة تقليص الحضور العسكري الأمريكي في العراق بالعقبات التي تواجه الحكومة العراقية في سبيل فرض قيود على تحركات وأدوار الميليشيات التي تقف وراء استهداف المصالح الأمريكية في البلاد. ولعل أبرز مظاهر الإقرار الأمريكي بذلك كان الدعوة اللافتة التي وجهتها السفارة الأمريكية في بغداد في 18 أكتوبر الماضي للحكومة العراقية بوضع المجاميع المسلحة تحت سيطرة الدولة بشكل نهائي، على اعتبار أن هذا الأمر هو الطريقة الوحيدة لوقف المزيد من إراقة الدماء. ويُشار في هذا الصدد إلى أن ميليشيات الحشد الشعبي تسببت في إحراج غير مسبوق للحكومة العراقية على مدار الأشهر الأخيرة بسبب استهدافها المتكرر للمصالح الأجنبية. 

5- التوافق مع مساعي تقليص الحضور الأمريكي في سوريا: لا تنفصل جهود تقليص الحضور العسكري الأمريكي في العراق عن الخطوات الأخيرة التي اتخذت على مستوى تخفيض عدد القوات الأمريكية في سوريا أيضاً. إذ قامت القوات الأمريكية في 15 نوفمبر الجاري بسحب رتل مكون من 50 عربة مدرعة ودبابة تابعة للجيش الأمريكي في شمال شرق سوريا، كما أشارت تقارير عديدة في 7 نوفمبر الجاري إلى أن ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ستعلن في شهر ديسمبر المقبل عن تشكيل “قوات حرس الحقول النفطية” لتستلم مهام حماية الحقول النفطية في مناطق شمال شرق سوريا من القوات الأمريكية. 

حضور مستمر: 

مع ذلك، لا يتوقع أن تتطور خطوة تقليص الحضور الأمريكي في العراق إلى انسحاب شامل في الفترة القادمة، وذلك لسببين هما: 

1- مراقبة إيران: تُعوِّل واشنطن على الإبقاء على حضور عسكري مقبول في الساحة العراقية، وذلك من أجل التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة من نقطة انطلاقه الرئيسية، وهى الجبهة العراقية والتي تعد المصدر الرئيسي للنشاطات الإيرانية في الإقليم. ويُشار في هذا الصدد إلى تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 20 أغسطس الماضي بأن “بلاده لديها عدد محدود من الجنود في العراق لكنها هناك للمساعدة في حال أقدمت إيران على أى شيء”. كما يُتوقع أن يحرص الرئيس بايدن على الإبقاء على حضور للقوات الأمريكية في الساحة العراقية، وسيكون الدافع الرئيسي لذلك هو التصدي لنشاط تنظيم “داعش” المتصاعد.

2- ضغوط الحكومة العراقية: تشير تصريحات المسئولين الأمريكيين في الفترة الأخيرة إلى وجود رغبة عراقية للإبقاء على دور عسكري أمريكي في البلاد. إذ قال قائد القيادة المركزية في الجيش الأمريكي “سنتكوم” الجنرال كينيث ماكينزي في 19 نوفمبر الجاري بأن بغداد تريد استمرار الوجود العسكري الأمريكي من أجل محاربة خلايا تنظيم “داعش”. 

ختاماً، من الواضح أنه رغم أن خطوة تقليص الحضور الأمريكي في العراق كانت محور توافق بين بغداد وواشنطن طبقاً لمخرجات الحوار الاستراتيجي بين الجانبين وتعد تحركاً طبيعياً في ضوء استمرار التهديدات الأمنية للقوات الأمريكية في العراق، إلا أن ذلك لا ينفي أن ثمة أطرافاً عديدة لديها رغبة في استمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق، لاعتبارات تتجاوز الحرب على الإرهاب وتمتد إلى ممارسة ضغوط قوية على إيران في إطار التصعيد المتبادل بين الطرفين.