إن للفكر السياسي تاريخاً خاصاً يدخل في نطاق التاريخ العام. وهذا التاريخ الخاص هو أحد “فروع التاريخ العميقة” والأكثر أهمية من التحركات السطحية الأكثر ظهوراً للعيان، انه تاريخ غني بمضمونه الفكري وزاخر، في نفس الوقت، بنتائج مباشرة وغير مباشرة على السلوك الإنساني. إن من الممكن إيجاد أصول بعيدة ومطلعة لهذا التاريخ في الحضارات الكبيرة الألفية في آسيا، وفي حضارة “إمبراطورية مصر القديمة” المثيرة للإعجاب. ومع هذا فإن الفكر السياسي لم يبدأ حقيقة، وبشكل جديد بهذا الاسم، إلا في إطار المدينة الدولة (le cite Etat) في اليونان القديم: وهو إطار ضيق، لكنه ملائم بشكل فريد لتطبيق “الملكة العقلانية” على قضايا السلطة، وبالتالي السياسة، وعلى الممارسة الحرة لهذه الملكة في ميدان محظور تقريباً في أي مكان آخر فيما بعد، استمر هذا الفكر ضمن الإطار الشاسع للإمبراطوريات ذات النزعة العالمية. وهي إمبراطوريات كان عليها، من الاسكندر إلى قسطنطين الذي التقى بالمسيحية (ومعها بمشكلة العلاقات الصعبة بين قيصر والله)، ثم من شارعان إلى أسرة الهوهنستوفن المخيفة بالنسبة للبابوية، أن تظهر وتختفي لتدع المجال لتلك المجتمعات القومية الخاصة المسماة بالدول (Etato-Nation) أو الأمم-الدول (Nation Etats) المتعطشة للسيادة. حينذاك، وضمن هذا الإطار الجديد، النهائي ظاهرياً، بدأ الفكر السياسي يتّرس وينتشر، بغزارة وقوة متجددتين، وأخذ يتنوع ويغتني باستمرار، وراح يلهم أعمالاً جديرة بأن تحتل في الأدب السياسي العالمي مكاناً من الدرجة الأولى، كما هو الحال في العصور القديمة، بالنسبة لأعمال أفلاطون وأرسطو، أمثال مكيافللي وبودان وهوبس ولوك وفتسكيو وروسو. وكل هذا من بداية القرن السادس عشر وحتى عام 1789. إن كل ما تبع ذلك، منذ 1789 وحتى أيامنا هذا، وعبر قرنين من مجريات التاريخ، كالانقلابات الاجتماعية والسياسية والصراعات الدولية على صعيد متجاوز أكثر فأكثر للمدة والثورات في التقنيات التي أصبحت مختلفة بفضل التقدم السريع للعلم، لم يقيم إلا بتنشيط وإثارة الجهد الفكري المطبق على قضايا السلطة، ومن خلالها على تنظيم الشيء العام. تلك هي الفكرة المسيطرة على المناخ العام لموضوعات هذا الكتاب والتي تناولها المؤلف في محاولة لرصد العملية السياسية وأبعادها وتداعياتها الفكرية خلال مسيرتها التاريخية منذ بداياتها مع فكرة السلطة اليوناينة: المدينة والدولة امتداداً إلى الإمبراطوريات إلى الدول، الأمم توزعت مناقشات المؤلف وتحليلاته ضمن دراسة علمية موضوعية وزعها ضمن فواصل فكرية خمسة حمل كل واحدة منها اسم كتاب كانت على التوالي: الكتاب الأول: المدينة-الدولة الكتاب الثاني: من الإمبراطوريات إلى الدول-الأمم، الكتاب الثالث: الدولة الأمة الملكية، النمو والذروة. الكتاب الرابع: الهوطقة وتطوراتها الكتاب الخامس: إصلاحات أم ثورة. ويمكن القول بأن هذا الكتاب العربي يغطي الفترة الفاصلة بين الدولة- المدن في اليونان القديم، وانحطاط الدولة-الأمة الملكية، يقترح القيام بعملية إعادة بناء دقيقة لهذا الإرث الفكري الذي تكرس عشية الثورة الفرنسية، عبر الرجال والمؤلفات والتيارات التي أثرت فيها.

تحميل الكتاب

Print Friendly, PDF & Email