أظهرت الأحداث الأخيرة في العلاقات الروسية-الغربية الجانب الحاد في المنافسة والصراع الاستخباري بين الطرفين، حول التموقع الإستراتيجي وتوزيع النفوذ عبر المناطق وضمن البنية العامة للنظام الدولي. إذا تمعنا قليلا في الأحداث التي كانت سببا في تصعيد التوتر بين الطرفين، نجد أن الغرب عموما كان يبحث عن أسباب أو مبررات لتصعيد التوتر مع روسيا، كطريقة لخلق التلاحم عبر الأطلسي من أجل كبح نفوذ روسيا من جهة، وتقليص فرص استغلال روسيا للانقسامات الغربية من أجل توسيع وتعزيز نفوذها عبر المناطق.


لقد فرض الغرب عقوبات دبلوماسية فورية وأخرى اقتصادية على روسيا في حادثة تسميم الجاسوس الروسي المزدوج في لندن قبل أن يتم القيام بتحقيق مستقل حول الطرف الذي وقف وراء الحادثة؛ نفس الشيء تكرر في حادثة الهجوم الكيماوي في دومة بسوريا أمس، بحيث أنه قبل أي تحقيق مستقل انطلقت الاتهامات من العواصم الغربية ضد روسيا وإيران والوعيد بالتحرك العسكري ضد دمشق. الكل يعرف أن الأراضي السورية مخترقة من قبل معظم مخابرات العالم، والكثير من المناطق ليست تحت سيطرة الحكومة، وانتشار قوات عسكرية لسبع جنسيات فوق الأراضي السورية، بالإضافة إلى وجود أكثر مائة جماعة إرهابية؛ ضمن هذه البيئة الإستراتيجية الغامضة والمتعددة النفوذ، يقضي المنطق السياسي المحايد القيام بتحقيق علمي في الأحداث المأساوية قبل اتهام أي طرف بالمسئولية عن الهجوم الكيماوي.


لكن بسبب أن الحادثة هي جزء من اللعبة الإستراتيجية بين الغرب وروسيا، تم توظيفها باتجاه تجريم طرف معين وعزله إعلاميا وتصويره على أنه وحش متنصل من كل الاعتبارات الإنسانية؛ وهي نفس الطريقة التي صورت بها حملة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان الاتحاد السوفياتي بإمبراطورية الشر في ثمانينيات القرن العشرين.


من ناحية الأخرى، يختبر الغرب تصريحات الرئيس الروسي أمام البرلمان الشهر الماضي، عندما أعلن أن روسيا قادرة ومصممة على التحرك العسكري والرد على أي هجوم ضد الأراضي الروسية أو ضد أي حليف لها؛ وهذا يعني أن تصريح سفيرة أمريكا في مجلس الأمن القاضي بأن بلادها سوف تتحرك ضد دمشق مع مجلس الأمن أو خارج مجلس سوف يصطدم مع روسيا فوق الأراضي السورية؛ وهو الطريق نحو أزمة جديدة وحادة تهدد العالم بحرب نووية عالمية على شاكلة أزمة الصواريخ الكوبية في أكتوبر 1962.

عامر مصباح
جامعة الجزائر 3

Print Friendly, PDF & Email