تأليف: أفيل روشفالد – ترجمة: عاطف معتمد وعزت زيان

ملتقى الباحثين السياسيين العرب 

يضم العرض التالي أهم الأفكار التي جاءت في الفصل السادس من كتاب “القومية العرقية وسقوط الإمبراطوريات” الصادر عن المركز القومي للترجمة.

تعيين الحدود في شرق أوروبا الوسطى

كانت أحداث أكتوبر ـ نوفمبر 1918 في شرق أوروبا الوسطى خليطًا مثيرًا من الانهيار المفاجئ، والدراما الشديدة، والفوضى غير القابلة للسيطرة. ففي غضون أسابيع قليلة فقط، تحولت الخريطة السياسية للإقليم بصورة يصعب التعرف عليها. وقد قبل القيصر كارل الأول (في 27 أكتوبر) خروج التشيك والبولنديين والسلاف الجنوبيين من حظيرة الإمبريالية النمساوية المجرية، وسلم السلطة في 11 نوفمبر إلى الجمهورية النمساوية المعلنة حديثًا، والتي تكونت في الشق الألماني من الإمبراطورية

وفي ظل فجائية الانهيار النهائي “لقوى المركز” أصبح موقع السلطة السياسية داخل العديد من الدول المعلنة حديثًا موضع نزاع شديد، كما كان الحال بالنسبة لتعيين الحدود فيما بينها. وكان إرساء البنى الإدارية ورسم الحدود عبر الإقليم أمرًا يعتمد على الترتيبات المؤقتة والخطط المتعجلة، وكان كل ذلك موضع مواجهات عنيفة في كثير من الأحيان.

وتراوحت الكيانات السياسية التي تورطت في هذه الصراعات على الشرعية والسيطرة في طبيعتها من الحكومات المؤقتة المشكلة ذاتيًا والتي يكونها المهاجرون وقادة المقاومة وقت الحرب، إلى حكومات الدول القومية الموجودة سلفًا، والتي تحاول الآن أن تستفيد من الدعاوى التحررية طويلة الأجل في الأقاليم الإمبريالية. ففي بولندا، أطلق الألمان بلسودسكي من السجن وقلدوه السلطة، في حين مثلت “اللجنة القومية البولندية” التابعة لدموفسكي مصالح البلاد في باريس، وعاد قادة “المجلس القومي التشيكوسلوفاكي” التابع لمساريك إلى براغ باعتبارهم الحكومة المؤقتة الجديدة للبلاد، والتي تعترف بها الأحزاب التشيكية الكبرى، وببيان أكثر عمومية لمساندة الوحدة التشيكية السلوفاكية من “المجلس القومي السلوفاكي” المعلن ذاتيًا، والذي كان يتوقع الاستقلال الذاتي الإقليمي بناء على “إعلان بتسبرج”. وأعلن قادة المجتمع (الروتيني Ruthenian) الأوكراني في إمارة “روس الكاربات الأدني Subcarpathian Rus (الإمارة التي أصبحت تمثل الحد الشرقي لجمهورية تشيكوسلوفاكيا فيما بين الحربين) عن موقفهم المؤيد للانفصال عن المجر والانضمام إلى دولة مساريك الجديدة، بشرط الاستقلال الذاتي، وذلك اقتفاء لأثر مجتمعهم المهاجر في الولايات المتحدة. (في الواقع، كان سكان هذه الإمارة يتمتعون بقدر من السيطرة الإدارية المحلية، على عكس السلوفاك، كما سنرى في الفصل السابع). وكذلك واجهت المجر انفصال كرواتيا، وفقدان المناطق الجنوبية والشرقية لصالح القوات الصربية والرومانية على التوالي، وقامت حكومة تحالف يسار الوسط برئاسة الكونت ميهالي كارولي Mihály Károli المسئولة عن جمهورية المجر الشعبية المعلنة حديثًا بنشر قوات عسكرية لمقاومة انفصال هذه الأراضي، ولكنها رضخت في النهاية لمطالب قوى الحلفاء بسحب القوات المجرية من مناطق شاسعة من الإقليم المتنازع عليه. وحاولت “الجمهورية السوفيتية المجرية”، القصيرة الأجل التي حلت محل حكومة كارولي المرفوضة في مارس 1919، أن تعوض بعض الخسائر السابقة رافعة شعار الاشتراكية الدولية، ولكنها لم تستطع تنظيم المقاومة الفعالة لعدوان رومانيا المتجدد الذي انتهى بسقوط “الشيوعيين المجريين” واحتلال بودابست في بداية أغسطس.

وفي بولندا، كان النزاع على تيشين المذكورة سلفا مجرد بند في قائمة طويلة من النزاعات التي شملت عمليات عسكرية ضد قوات الاستقلال الأوكرانية في جاليتشيا الشرقية، والقتال ضد الليتوانيين من أجل السيطرة على فيلنوس التي استولت عليها ميليشيا بولندية سرية في 1920، والتي ضمها البرلمان البولندي رسميا بعد ذلك بسنتين. وفي 1920، تفاوض نظام بلسودسكي على تحالف مناهض للبلاشفة مع النظام الأوكراني في كييف برئاسة سيمون بتليورا Symon Petliura ، بناء على التنازل عن جاليتشيا الشرقية لبولندا. ثم شن بلسودسكي حربا شاملة ضد السوفيت، وفي هذه الحرب كانت أقدار الجيشين المتحاربين وأوضاع خط الجبهة تتأرجح بشدة للأمام والخلف، من كييف في ذروة النجاح البولندي، إلى مشارف وارسو في قمة العدوان البلشفي. وتركت معاهدة ريجا البولندية السوفيتية Treaty of Riga، التي أنهت الصراع في مارس 1921، بولندا مسيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي شرق نهر بوج Bug، أي وراء الحدود الإثنوجرافية البولندية (ما يسمى خط كرزن Curzon Line) كما حددته لجنة “مؤتمر سلام باريس”. وإلى الغرب، ساعدت توليفة من الأعمال العسكرية، والانتفاضات الشعبية التي قام بها ذوو الأصول العرقية البولندية، والشروط التي فرضتها القوى الغربية في معاهدة سلام فرساى، على تحديد الحدود البولندية مع ألمانيا (مع تنازل ألمانيا عن بوسن Posen وبوميرانيا Pomerania الشرقية لبولندا).

وتوضح الحالة البولندية كيف أن كلا من استخدام القوة العسكرية لمساندة المطالب الإقليمية، وعملية التفاوض الدبلوماسي، ساعدا على تآكل الفروق بين الهوية القومية المدنية الليبرالية والشوفينية العرقية. وربما برر بلسودسكي حملاته العسكرية في الشرق كجزء من جهود تكوين إطار اتحادي لتقرير المصير القومي، بحيث يؤدي في نفس الوقت إلى تكوين حصن قوي ضد التوسع الروسي. ولكنه كان في الواقع يشارك في عملية غزو واجهت مقاومة مريرة من الليتوانيين والأوكرانيين (باستثناء حالة الأوكرانيين الذين أدت هزيمة البلاشفة لهم إلى تركهم بدون أي سند غير بلسودسكي). وعلى أي حال، فإن إرهاق الحرب البولندية، وعدم مساندة كتلة دموفسكي، أجبرا بلسودسكي على التوافق مع السوفيت على اتفاقية “سلام ريجا” والتخلي عن برنامجه للاتحاد مع أوكرانيا وبيلاروسيا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا. وبحلول1921، كانت النتيجة ظهور بولندا مؤلفة من ثلث سكانها من غير البولنديين، وكان الكثيرون منهم يشعرون بمرارة الاغتراب عن الدولة التي ضمتهم بالقوة إليها. وبنفس الطريقة، شعرت الحكومة البولندية بعدم وجود سبب وجيه للتفاوض على شروط الاستقلال الذاتي مع الأقليات التي أخضعتها لحكمها بنجاح. ففي الواقع، تركت تقلبات حالة الحرب بلسودسكي مسئولا عن دولة بولندية تتوافق صورتها الإقليمية، وإنكارها للمجال السياسي لغير البولنديين، مع مفهوم دموفسكي، أكثر من توافقها مع مفهومه السابق. كما ساعد الدور الجوهري للجيش في تشكيل وحماية حدود الدولة، على دعم دوره كرمز للشرف القومي، وصورته الذاتية كطليعة للأمة. وكان لهذا أثر كبير على الثقافة السياسية البولندية في السنوات التالية، كما سنرى في الفصل السابع.

وفي بولندا، كما في أي مكان آخر عبر أوروبا الشرقية والوسطى، كانت الأحزاب اليمينية تثير وتستغل العداء الشعبي ضد الأقليات ـ خاصة اليهود ـ كوسيلة لزيادة التأييد الانتخابي لها بين سكان مجموعة الأغلبية، بينما كانت الأحزاب اليسارية تتوقع الحصول على أصوات الأقليات تلقائيا، بدون طرح أنفسها علانية نيابة عن المصالح الخاصة للمجموعات العرقية. ففي انتخابات 1922، ظهر تحالف انتخابي للأقليات بمبادرة يهودية (“كتلة الأقليات القومية”BMN ) يشمل الأحزاب اليهودية والألمانية والأوكرانية والبيلاروسية والليتوانية) مع ما كان يبدو تغيرا قويا في الأصوات في المجلس الأدنى من البرلمان، هذا بالرغم من إتباع نظام متميز لتقسيم المناطق الانتخابية بهدف الحد من أصوات الأقليات. ولكن عداوة “اليمين البولندي”، بالإضافة إلى رفض الحزب الاشتراكي البولندي والتشكيلات اليسارية الأخرى المخاطرة بمصداقيتها القومية بالتعاون الصريح مع الأحزاب العرقية، أدى إلى الحد من تأثير كتلة الأقليات القومية. وفي فترة وجيزة من النجاح ساعدت كتلة الأقليات العرقية في انتخاب ناروتوفينش Narutwicz، وهو أحد اتباع بلسودسكي من يسار الوسط، وأوصلته لمقعد رئاسة الجمهورية في 1922. غير أن هذا الدور كان يصب في مصلحة دعاية الديموقراطيين والقوميين الذين اعتبروا رئيس الجمهورية ألعوبة لدى اليهود والقوميات غير البولندية الأخرى. وعقب اغتيال الرئيس وحلول شخصية أكثر محافظة محله، انهارت كتلة الأقليات القومية سياسيا، ورأى بعض الأحزاب المكونة لها ميزة مباشرة أكبر في محاولة إبرام صفقات ثنائية محدودة مع الحكومة البولندية، بدلا من استمرار التعاون مع بعضها، بينما تراجع البعض الآخر إلى المعارضة الشرسة.

الجغرافيا السياسية للاتحاد العرقي السوفيتي

البعد العرقي للانهيار السياسي الروسي والحرب الأهلية

كانت القوميات غير الروسية خلال الحرب الأهلية الروسية(1917-1921) محصورة بين جيوش البلاشفة (الشيوعيين) والجيوش القيصرية البيضاء (المناهضة للشيوعية)، (ناهيك عن القوات الألمانية والعثمانية حتى أواخر 1918، وقوى تدخل الحلفاء من 1918 حتى 1920، والجيش البولندي المكتسح في أوكرانيا وبيلوروسيا خلال 1920). بل كان العديد من المجموعات العرقية ذاتها منقسما داخليا بين الأجنحة المحافظة والثورية، والتي كانت تتحالف بصورة متقطعة مع العناصر المناظرة لها في المشهد السياسي الروسي الفوضوي. وفي ضوء الأوضاع الفوضوية السائدة في طول وعرض الإمبراطورية السابقة، كان من الصعب التوصل إلى أية تعميمات ذات معنى بشأن تطور الوعي القومي أو المؤسسات القومية بين الشعوب غير الروسية خلال “الحرب الأهلية”.

وفي القوقاز الجنوبي، عزز التقدم العثماني والتفكك العسكري الروسي من تكوين حكومة إقليمية جنوب قوقازية جاءت عبر تحالف عسر جمع القادة الجورجيين والأرمن والأذربيجان. وبحسب معاهدة برست ليتوفسك في مارس 1918، تنازل البلاشفة عن أراضي القوقاز الجنوبي إلى العثمانيين (تحت قناع مبدأ حق تقرير المصير القومي الذي كان يفترض أن يرعاه العثمانيون في الإقليم)، وتبع ذلك رفض القادة الجورجيين والأرمن الانفصال تماما عن روسيا، وهو ما أعطى إحساسا بأنهم مستقلون عمليا بشئونهم وبوسعهم الوصول إلى وضع تفاوضي أفضل في إطار دولة مستقلة. أما الأذربيجان فكانوا موالين للعثمانيين من البداية، وكانوا يتطلعون إلى قطع العلاقات مع روسيا.

اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية

وخلال الحرب الأهلية، تم تشكيل “مفوضية شئون القوميات” برئاسة جوزيف ستالين، لمراقبة العلاقات والسياسات المتعلقة بالأقليات القومية، ولكن الارتجال وعدم الاتساق كان يميز سياسة القوميات وقت الحرب، كما أوضحنا سلفا. وبعد خوض حملة لإعادة غزو أكبر قدر ممكن من أراضي الإمبراطورية الروسية لإخضاع الدول القومية الوليدة التي ظهرت على أرضها، انتقل النظام “الشيوعي” في أوائل العشرينيات نحو تكوين نظام يمهد الطريق لنشر الهوية السوفيتية الجديدة على مستوى الدولة، على أساس المبدأ الحاكم لتضامن الطبقة العاملة الدولية والالتزام العام بالُمثل الشيوعية.

وكانت طبيعة الاتحاد السوفيتي ككيان متعدد القوميات مضمونة كجزء لا يتجزأ من “اتفاقية الاتحاد” في ديسمبر 1922 (والتي تم التصديق عليها كأساس “للدستور السوفيتي” في 1923-1924). حيث أرسى هذا الهيكل الاتحادي للدولة جمهوريات قومية ذات سيادة – “اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية” (USSR). ولم يقتصر الأمر على وجود كل مجموعة عرقية كبرى في جمهورية مستقلة، بل إن الأقليات داخل كل جمهورية كانت تمنح وحدات فرعية مستقلة ذاتيا. وكان هذا البناء الهرمي للوحدات الإقليمية المحددة يصل في بعض الحالات إلى مستوى القرى التي كان يتم الاعتراف بارتباطها بقومية معينة.

ولكن السيادة السياسية للجمهوريات ووحداتها الفرعية كانت صورية بحتة. فبينما يمنح الدستور السوفيتي كل جمهورية الحق في الانسحاب من الاتحاد، نجد أن أية إشارة للانفصال كانت تقمع بعنف باعتبارها علامة على مناهضة الشيوعية. بل كان هناك تناقض بين البناء الاتحادي للحكومة والسلطة المركزية الشديدة الحزب الشرعي الوحيد في البلاد، الحزب الشيوعي للاتحاد السوفيتي (التسمية الجديدة للحزب الشيوعي الروسي منذ 1925).

ولكن الاتحاد السوفيتي كان له محتوى ثقافي. فكل وحدة إقليمية كانت تنشر لغتها الخاصة كلغة رسمية، تدرس في المدارس، وتستخدم في الصحف والمجلات، وتستخدم في الأعمال الأدبية والمسرحية والسينمائية. ونظرا لأن المنهج الماركسي كان يعتبر الهوية القومية مجرد ظاهرة سريعة الزوال علي الطريق إلى المجتمع غير الطبقي، فقد شعر لينين بأن التقاليد الفولكلورية واللغات المتعددة يمكن ويجب استخدامها لنقل رسالة أيديولوجية موحدة، رسالة “قومية الشكل، واجتماعية المضمون”.

.

وبالعكس، فإن الاتحاد العرقي “الشيوعي” لم يستطع تلقائيا تحييد الدوافع الاستقلالية بين القوميات غير الروسية. بل إن الفترة التي انتهت بإبرام معاهدة “الاتحاد” والتصديق عليها في 1923- 1924، كانت تتصف بتوترات بين موسكو والقادة الجمهوريين الذين كانوا يعترضون على استمرار انتهاك مسئولي جمهورية روسيا السوفيتية المستمر للسلطة، وكانوا قلقين من أن الدستور المتوقع للاتحاد السوفيتي يفتقر إلى ضمانات كافية ضد استمرار موسكو في التغطرس والتدخل المفرط في الشؤون الداخلية للجمهوريات السوفيتية.

أما في حالة الجمهورية السوفيتية الاشتراكية الأوكرانية SSR، فقد اعترض اسكربنيك M.Skrypink  زعيم الحزب الشيوعي بشدة على الانتهاكات المنتظمة للسيادة الرسمية الأوكرانية. إذ أنه كان بلشفيا ملتزما منذ زمن طويل، وكان يرى أن هذه الظاهرة مجرد مظهر من مظاهر النمط القاتل للشوفينية الروسية المتجددة التي يمكن أن تبدد مساندة الثورة بين شعوب الاتحاد السوفيتي. وكذلك الحال في جورجيا، التي أطاحت القوات البلشفية الغازية بالحكومة المنشفية المستقلة فيها في 1921، حيث وجدت السلطات الشيوعية القائمة حديثا نفسها في تناقض واضح مع “المفوض الروسي لشئون القوميات – جوزيف ستالين، الذي كان نفسه جورجيا عرقيا يشجع السياسات المركزية بلا تردد، وذلك بنغمة روسية قوية. وبالرغم من أن الشيوعيين الجورجيين كانوا ملتزمين بالمبادئ الدولية، إلا أنهم وجوا أنفسهم يقومون بالدور الوظيفي للقوميين أثناء كفاحهم للحفاظ على جوانب السيادة المضمونة لهم في اتفاقية 1921 مع جمهورية روسيا السوفيتية، والتي ألغتها المكائد التي دبرها ستالين وأتباعه. حيث كان هؤلاء يفكرون في إجبار جورجيا وأذربيجان وأرمينيا على العودة إلى اتحاد القوقاز الجنوبي الذي كان من المنتظر دخوله الاتحاد السوفيتي كوحدة جمهورية، مما يقلل من شأن تساوي مكانة جورجيا مع الجمهوريات الأخرى المؤسسة للاتحاد السوفيتي. وكان لينين يكافح حتى آخر لحظة للتدخل نيابة عن قادة “الحزب الجورجي” في محاولة يائسة للحفاظ على قدر من تقسيم السلطة المقبول بين المركز الشيوعي الذي يسيطر عليه الروس والهامش الشيوعي غير الروسي. ولكنه أصبح عاجزا بسبب الأزمة التي أصابته، ولم يستطع منع طرد القادة الجورجيين وتولي الموالين لستالين الذين أيدوا تكوين “الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية الاتحادية للقوقاز الجنوبي”. وفي الوقت الذي انحل فيه الاتحاد، واستعيدت السيادة الجمهورية الجورجية اسميا في 1936، كان يتم تطهير الحزب المحلي بصورة منتظمة من كل العناصر المحتملة المؤيدة للاستقلال الذاتي، وكانت هناك حملة تطهير جديدة في الطريق، كجزء من الإرهاب الستاليني الذي انتشر في أرجاء الاتحاد السوفيتي.

وفي الحالتين الأوكرانية والجورجية، كانت النخب الشيوعية المحلية تحاول الحفاظ على تساوي المكانة للجمهوريتين، وذلك بالعمل داخل النظام الأيديولوجي والدستوري الرسمي، وذلك بتوفيق روح السياسة السوفيتية مع نص القانون. ولكن كان هناك أيضا أحد أشكال التحدي الأكثر انتظاما وتميزا فكريا لمركزية النظام السوفيتي باسم التدويل. وكان هذا يتمثل في “البلشفية القومية” لدى الميرزا سلطان غالييف، وهو أحد تتر الفولجا من قازان، وكان يعمل معلما للغة الروسية في القوقاز، ووصل إلى العمل لصالح “مؤتمر كل المسلمين الروس” في 1917، وانضم إلى “الحزب البلشفي” في نفس توقيت ثورة نوفمبر تقريبا، وكان وريثا أيديولوجيا يساريا لحركة “المجددين” في فترة ما قبل الحرب. وكما في حالة ” المجددين”، كان إطاره المرجعي يشمل كل مسلمي الإمبراطورية الروسية السابقة، بحيث يؤدي عملهم الموحد إلى زيادة قوتهم ومكانتهم، وذلك مقارنة بالخصوصية العرقية التي قسمت مسلمي روسيا في 1917-1918، والتي كان النظام السوفيتي يحاول إضفاء الطابع المؤسسي على هذا الانقسام من خلال نظامه الاتحادي العرقي.

وقد انطلق سلطان غالييف من افتراض (يشاركه فيه لينين) أن مسلمي الإمبراطورية الروسية – خاصة في آسيا الوسطى – كانوا ضحايا الاستغلال الاقتصادي المنظم من جانب المستعمرين والتجار والصناع الروس، الذين تمتعوا بمساندة وتشجيع الحكومة الروسية. وتوصل إلى استنتاج أن الشعوب الإسلامية لهذا السبب تمثل أمة بروليتارية. حيث تبددت الفروق الطبقية الداخلية بين المسلمين بالمقارنة بالتناقض الشديد بين دورهم التاريخي كشعب تعرض للاستغلال، ودور الروس الذين قاموا بهذا الاستغلال. ومن ثم كان تحقيق تقرير المصير للمسلمين (في شكل استقلال ذاتي فعلي واسع المدى “لجمهورية طورانية (تركية العرق)” موحدة تشمل كل الشعوب الإسلامية الكبرى في الاتحاد السوفيتي) يمثل خطوة ثورية للأمام حسب اعتقاد سلطان غالييف. وفي الواقع، فإنه كان يستعير تبرير لينين لثورته الاشتراكية المتعجلة اقتصاديا واجتماعيا في روسيا، ويقول إن التحرر القومي لأقاليم الشعوب الإسلامية في الاتحاد السوفيتي سيمثل شرارة ثورية ستطلق ثورة عالمية للأمم البروليتارية المقهورة، بما يؤدي إلى انهيار الامبريالية، ومن ثم الرأسمالية. أي أن هذا كان بمثابة نهج لانتقائية أو استثنائية المسلمين السوفيت، وأيديولوجية قومية مطرزة بالقيم الاشتراكية العامة. فأدت هذه الهرطقة الأيديولوجية إلى طرد سلطان غالييف من الحزب في 1923م، ثم القبض عليه بعد ذلك، واختفائه في 1928، وأعقب ذلك تطهير منظم لكل الشيوعيين المسلمين الذين كان هناك شك في وجود ميول “شيوعية قومية” لديهم.

اضغط على الصورة